اسمي هنري

قصة قصيرة

اسمي هنري
TT

اسمي هنري

اسمي هنري

اليوم هو عيد الميلاد، يوم قصير قارس البرد، وأنا أقود عجلتي على طريق يمتدُّ عبر الغابة التي تحيط بمدينة أوتاوا، وشيئاً فشيئاً اشتدَّت الرياح وراحت تعصف. فجأة قطع الطريق عليَّ جذعُ شجرة انكسر بفعل العاصفة، وهوى على الأرض. انعطفتُ مباشرة إلى الجانب كي أتجنَّب الاصطدام، ونزلت العجلة في وهدة، وأخذت العجلات تدور في مكانها، بجوار صخرة عليها كتابة بحروف غامضة، رسم لها خيالي في تلك اللحظة شكلاً يشبه طلسماً مكتوباً بالعربية، لا يعني شيئاً، ويعني كلَّ شيء في الوقت عينه.

الأشجار من حولي مغطاة بالثلج، والسماء تكاد تكون بنفسجية، وليس هناك قرية قريبة يمكنني السير إليها وإيجاد مأوى. بدأ الفزع يساورني لأني امرأة وغريبة ووحيدة، فتناولتُ المجرفة من صندوق السيَّارة ورحتُ أزيح ركام الثلج، ولكن بلا جدوى لأن الحفرة عميقة، وما يسقط من الصقيع مع هبوب الرياح يجعل العمل صعباً أو مستحيلاً.

جرَّبتُ هاتفي النقَّال؛ لكن العاصفة فيما يبدو أخرسته تماماً، فهو قطعة معدنية لا تُفيد في شيء. كنت أرتدي قبعة من الصوف وبنطالاً صوفياً وسترة ثقيلة ومعطفاً ووشاحاً، ومع هذا راح جسدي يرتعد وأسناني تصطك بسبب البرد. ثم بدأت أعي وضعي الغريب، وتضاعف خوفي لأن الظلمة أخذت تهبط، وتلوَّن كلُّ شيء -حتى بياض الثلج المهيمن على المكان- بالعتمة.

على الرغم من حالة الرعب من الذئاب والحيوانات المجهولة، كان هناك شيء في أعماقي يدعوني للاطمئنان. هل سببه الحروف التي ظلَّت بارزة على الصخرة، مع أن الثلج كان يكسوها شيئاً فشيئاً؟

بقيتُ واقفة في مكاني لا أتحرَّك، أنتظر النجدة تأتيني من جهة لا أعرفها. أنا متأكدة أن هنالك حلّاً لورطتي سوف يتمُّ في زمن قريب. حاولتُ تهدئة نفسي بهذه الأفكار، ولكن عواء الذئاب الذي حملَته الريح جمَّدني من الرهبة في مكاني.

ظهرت من بعيد شاحنة مسرعة اجتازتني وتوقَّفت، وتذكَّرتُ في الحال أفلام هوليوود التي تدور حول جرائم القتل والسلْب على الطرقات. قفز رجل منها، له هيئة مصارع، بلحية شقراء وشعر طويل أجعد. كان كياني يتركز في نقطة واحدة، هي النجاة من الاغتصاب، ولو أدَّى الأمر إلى موتي. حاولتُ -والخوف يتملَّكني- استحضار أحسن طريقة تدافع بها الضحيَّة عن نفسها في صراعها مع المجرم. اقترب الرجل وتبيَّنتُ ملابسه في العاصفة الثلجية: بنطال قصير (شورت)، و«تي شيرت»، وقبعة مصنوعة من القش، و«التاتو» يغطِّي ذراعيه وصدره. كان يسير على مهله محاولاً فيما يبدو اختبار شجاعتي. وانتابتني رعشة هلع قوية، بدءاً من عمودي الفقري وصولاً لأعمق تشعُّبات أعصابي. فكَّرتُ أن أركض بعيداً؛ لكنَّ الرعب شلَّ أطرافي. لقد تحقَّق موتي إذن على يدَي ذئب بشريٍّ، وها أنا أسمع صراخ أمي الملتاع في بلدي العراق، تلومني لأني اخترت طريق الهجرة، بعيداً عن وطني.

اقترب المصارع، وعمَّني الخوف، فصرت أسمع وجيب قلبي في أذني مع صفير العاصفة. الرياح الشمالية الشرقية قارسة البرودة، وتهبُّ من كلِّ مكان حولي، وتحاول أن تقتلعني مثل ريشة، وتقذف بي بعيداً. ألقيتُ نظرة على الأحرف المنقوشة على الصخرة، طلسمي الذي قدَّم لي الاطمئنان أوَّل الأمر؛ لكن الثلج الغزير محاه الآن تماماً، واختفت الصخرة أيضاً، فالمكان عبارة عن قطعة متصلة من الجليد الصلد.

تطايرت خصلات شعر الرجل في تلك اللحظة، وكان تنفسي يتسارع، ومعدتي تضطرب لأني أجابه وحشاً حقيقياً، وله صدر ورقبة ثور. جاهدتُ كي لا أهرب، وتمسَّكتُ بالمجرفة، فهي سلاحي الوحيد. حين نكون خائفين، نرى الأمور بطريقة مختلفة.

«هيللو!».

هتف بي المصارع العملاق بصوت رجولي لطيف، والتقت عيني بعينيه. كانت له بشرة بيضاء وعليها نمشات صغيرة. أخرج نفَساً من بخار مثلَّج من بين أسنانه، وقال:

«اسمي هنري».

فجأة انفتح العالم لي في هيئة جديدة. يا للكلمة الطيَّبة من مفعول ساحر:

«لا تقلقي يا صغيرتي. ليس هناك ما يدعو للقلق أو التوتُّر. سأقوم بإخراج السيَّارة من حفرة الثلج ويكون كلُّ شيء على ما يُرام».

عاد إلى شاحنته، وساقها إلى جهة الخلف، وصارت قريبة. راقبتُه وهو يفتح صندوق العدَّة ويستخرج منه معولاً ومجرفة من الحجم الكبير، وحبالاً وأشرطة وأدوات أخرى لا أعرفها. بدأ يجرف الثلج، وحاولت مساعدته، ولكنه أبى بهزة قويَّة من رأسه. صاح بي:

«عودي إلى سيارتك».

كانت العاصفة تشتدُّ، وتخلَّص المصارع من قبعته وقميصه، وبانت حدود وأشكال الأوشام على صدره وظهره بصورة واضحة. إنهما أسد ونسر يتعاركان ويتعانقان في الوقت نفسه.

«ما الذي تبحث عنه؟» سألته، وأجاب:

«أبحث عن عصا».

هبطتُ من السيارة، وبدأت في البحث معه كي أساعده؛ لكنه أوقفني، ورنَّ صوته بقوَّة:

«العاصفة شديدة وقد تصابين بالتجمد. اجلسي في السيارة».

أتى بغصن وأخذ يحكُّ الإطارات، وانكسر العود. اتَّجه إلى الغابة ثانية، واختار شجرة أثأب ضخمة، جذورها الهوائيَّة بحد ذاتها تعادل شجرة وهي تتشابك مع بعضها. اختار زاوية شكَّلها جذران سميكان، وراح ينازع لكسر أحدهما. كان يعارك -بالإضافة إلى صلابة الجذر- ضباب الثلج والريح، في سبيل الفوز بأداة من أجلي تنقذني من هذه الورطة.

يا ربَّ السماء الكريمة! اختفى من ناظري المصارع، وبقي الأسد والنسر وحدهما يكافحان من أجلي، أم أن ضوء النهار الشحيح هو المسؤول عن هذه الرؤية؟ كان الأسد يهجم من جهة الأمام على الشجرة، وينقضُّ النسر على الجذر من الخلف. إن الطبيعة تقاومنا، وتهيئ لنا في الوقت نفسه بعضاً منها للدفاع عنَّا. مثل قصَّة النبي يونس حين ضاع في البحر لأنه كان آثماً، وهيَّأت له الآلهة وحشاً يُنقذه من الغرق.

هل كنتُ آثمة مثل يونان، وقد وفَّرت لي الطبيعة أو الربُّ أو إحدى دعوات أمِّي لي -اختر من هذه الأسباب ما تشاء- ما ينجِّيني من الضياع في بحر الثلج الذي يحيط بي من كلِّ جهة؟ المهمُّ أن المصارع عاد بعد دقائق بجذر طويل ومتين، وراح ينظِّف عجلات سيَّارتي من الثلج بحكِّها مراراً. ثم توقف بعد قليل، وجلس يلتقط أنفاسه. كان وجهه بعيداً عن الملاحة أو الجمال، ورغم ذلك صار في موضع إعجابي. تخيَّلتُ يدي تمسك بذراعه، لا لكي تعينه في العمل، وإنما تمسكها فحسب، لكي أتحقَّق من حصول المعجزة. طلب مني أن أقود السيَّارة إلى أمام وإلى الخلف؛ لكن العجلات أبت إلا أن تدور في الفراغ.

«لا فائدة!».

هتف المصارع ورمى الجذر بعيداً. ثم أحنى قامته وصار قريباً من حافة الوهدة، كتفه العارية تحت العجلة في لقطة تشبه ما قام به جان فالجان في رواية «البؤساء» لفيكتور هيغو، وهو يحمل على كاهله العربة ليخلصها من الوحل. الرياح تشتدُّ، وعواء الذئاب يعلو، والمساء يتقدم حثيثاً. بصق عملاقي في راحة كفِّه وحكَّ يديه معاً. رفع عجلتي على كتفه، وبدا كأنه يفعل ذلك دون جهد مطلقاً، وطلب مني أن أركب العجلة ويكون المقود في المركز. صاح بي:

«ساعديني بالاستمرار بالسياقة إلى الخلف أولاً ثم إلى أمام».

سمعتُ صريرَ العجلات، وأتاني صياحه بعد ثوان:

«هذا جيِّد يا صغيرتي».

لم يقل شيئاً بعد أن اندفعت العجلات من الحفرة، ولم يكن مجهداً. شكرتُه بحماس، وتخلَّلتني حرارة مصدرها دفء القلب والمشاعر. أخبرني أنه يتوجب عليه الآن إخراج شاحنته هو الآخر، فأثناء وقوفه على جانب الطريق غاصت العجلات في الجليد. صافحني كأنما بعينيه الزرقاوين الصافيتين، وهو يوجه كلامه الأخير لي:

«أموركِ تمام؟ اخرُجي من هذا المكان، وسوقي بانتباه، وسوف تصلين بالسلامة».

لا أصدِّق أني عشتُ تلك التجربة، ولست متأكدة أني رأيتُ ما اعتقدتُ أني رأيته. كان العملاق المصارع يمتلك -بالإضافة إلى الشجاعة الجسديَّة- الشجاعة الأخلاقيَّة التي يندر الحصول عليها في هذا الزمان، فلولاه كنتُ أصير طعاماً للذئاب؛ لأن أقرب قرية كانت تبعد نحو أربع ساعات سيراً على الأقدام.


مقالات ذات صلة

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».