الفن التشكيلي السعودي بين الموجود والوجود

إمكانية كبيرة لتجاوز التعبير المباشر

الفنانة لولوة الحمود
الفنانة لولوة الحمود
TT

الفن التشكيلي السعودي بين الموجود والوجود

الفنانة لولوة الحمود
الفنانة لولوة الحمود

إن الفن، بوصفه أداة تعبيرية متقدمة، يُمكِّن الإنسان من تجسيد مكنوناته ومشاعره، التي تظلّ عصيّة على الفهم بغير وسيلته. فالفن ليس مجرد كلمة أو صوت أو لون أو حجر، بل تجاوز لمادية هذه الأدوات واستخدامها لتعبر عن شيء آخر؛ هو التعبير المجازي، ليحمّلها معنى آخر. وهذا الأمر هو ما يستثير المتلقي، ويحيله لمعان وخبرات أو ذكريات وانفعالات أخرى. إن هذه المعاني التي يثيرها الفن هي ما تمنحه القدرة على التأثير، وهي ما تمثل جوهره وحقيقته وانفتاحه على معان عديدة وحقيقة متوارية، يمكن اكتشافها مراراً.

إن ما يميز الفن كما جاء في وصف «مارتن هايدغر»، تعبيره عما يتجاوز الموجودات؛ فهو يعبر عن العدم والوجود والحالات الإنسانية العميقة والمعقدة كالقلق، وهذه تعبيرات يصعب على العلم تفسيرها أو إدراكها.

لوحة (أحذية الفلاحين) لفنسنت فان جوخ

«أحذية الفلاحين»

وكمثال على المعنى الذي ذكره هايدغر عن الفن، لوحة فان جوخ «أحذية الفلاحين»، فهذه اللوحة ليست مجرد نقل مباشر وسطحي للواقع أو المشهد، بل كشفٌ عن كفاح الفلاح ومعاناته وتعبه وسيره في الحقول. لم تكن اللوحة تصويراً لشيء جميل أو نافع، كانت كشفاً عن حقيقة تتوارى خلف الحذاء، حقيقة الطبقة الكادحة، وسعيها الدائم في الحياة.

ومن اللوحات التي نجد فيها أيضاً هذا التعبير الوجودي العدمي أو عن حالة القلق، «المتأمل فوق بحر الضباب» لكاسبر ديفيد فريدريش، حيث تعكس هذه اللوحة شعور الرهبة والجلال أمام عظمة الطبيعة والخلق وضآلة الإنسان. وكذلك «الصرخة» الشهيرة لإدفارد مونخ، التي تعد أيقونة ورمزاً للقلق الوجودي، وحظيت باهتمام نقدي وفني واسع، وتناولتها بحوث ودراسات مستفيضة.

حقيقة الفن تكمن في قدرته على صياغة الأسئلة الكبرى وهو ما يتطلب مزيداً من التعمق والجرأة الفكرية

هل نجد أعمالاً فنية تعكس هذا التعبير الوجودي في الفن التشكيلي السعودي؟

اتجه الفن السعودي في تاريخه الحديث بشكل واضح للتعبير عن القضايا المجتمعية، والتاريخ والهوية، أو الجماليات الشكلية، وهذه التوجهات بطبيعتها هي محاولات تفسير أو تعبير للموجود - وليس الوجود - وهذا لا ينفي البتة حضور أعمال فنية تتبنى المفهوم الوجودي الذي طرحه هايدغر، ولكنها أقل تداولاً قياساً بالأعمال التي تحمل طابعاً اجتماعياً أو جمالياً مباشراً.

الفنان محمد السليم

ولعل تجربة الفنان محمد السليم قد عكست إلى حدٍ ما هذا القلق، وإن لم يكن قلقاً وجودياً، بقدر ما هو قلق وبحث عن معنى الأصالة التي تميز الثقافة السعودية. لقد مثلت تجربة السليم محاولة لإيجاد جوهر يميز الثقافة والفن السعودي بعيداً عن الاستنساخ الغربي، فقلقه الوجودي ينعكس في سياق ثقافي في تناوله الفراغ الصحراوي، واغتراب الذات في عالم الحداثة، فهو لا يسأل من خلال أعماله عن معنى أن يكون إنساناً، بقدر ما يسأل عن معنى أن يكون فناناً سعودياً أصيلاً، وهي تجربة قلق عميقة.

(المتأمل فوق بحر الضباب) لكاسبر ديفيد فريدريش

وتعد أعمال الفنانة لولوة الحمود بالمثل أحد أبرز الأمثلة في الفن السعودي المعاصر التي تتجاوز التعبير عن القضايا الاجتماعية والإسقاطات المباشرة والتعبير عن الحدث الزائل. فهي تبتعد عن تصوير الموجودات، والأشياء المحددة بزمان ومكان، وتتجه نحو الوجود الكوني المطلق الذي لا يحده شيء، لتلامس الأبعاد الجمالية والكونية، عبر تصويرها للمحال أو المستحيل الذي لا وجود له في الطبيعة، ولتعبر عن العقل والفكر وما يكمن وراءه (الباطن). وهي بذلك تنطلق من مرجعية دينية وروحانية عميقة، متجاوزة القلق العدمي بمفهومه الغربي، لتحتضن بدلاً منه الوحدة الروحية الكونية.

يُظهر مشهد الفن التشكيلي السعودي إمكانية كبيرة لتجاوز التعبير المباشر، فحقيقة الفن تكمن في قدرته على صياغة الأسئلة الكبرى. وهو ما يتطلب مزيداً من التعمق والجرأة الفكرية للارتقاء بالعمل الفني من مجرد موجود إلى وسيلة للكشف عن الجوهر الوجودي.

* كاتبة وناقدة سعودية


مقالات ذات صلة

تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

ثقافة وفنون جورج آرويل

تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً

تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت

ندى حطيط
ثقافة وفنون نقش منحوت من موقع قصر الخير الغربي في البادية السورية يقابله لوح فسيفسائي من قصر هشام في فلسطين ولوحان من قصر القسطل في الأردن

وحش وفريسة في نقش نحتي من قصر الحير الغربي

تحوي البادية السورية موقعين أثريين يُعرفان باسم «قصر الحير»، ويعودان إلى أبنية ملكيّة من العصر الأموي، وعهد الخليفة هشام بن عبد الملك تحديداً.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة

الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة

في كتابها «الأفلام والحياة» الصادر أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، تسعى الباحثة د. رشا مصطفى عوض إلى إعادة تفكيك عدد من روائع السينما في العالم

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون «الفكر النقدي اللامفكّر فيه» لعباس عبد جاسم

«الفكر النقدي اللامفكّر فيه» لعباس عبد جاسم

ضمن سلسلة «منشورات مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية»، صدر كتاب جديد للناقد العراقي عباس عبد جاسم بعنوان «الفكر النقدي اللامفكّر فيه» في 180 صفحة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون فلوبير

على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

بمناسبة مرور 200 عام على ولادة فلوبير عام 1821، نظم معرضان فوتوغرافيان تحولا إلى معرضين دائمين في المتحف المخصص له في مدينة «روان» - مقاطعة روماندي

شاكر نوري