«الأسلحة غير المشروعة»... معضلة تعمّق جراح الأزمة الليبية

مسؤول أممي أكد أنها «تضم أكبر مخزون في العالم من السلاح غير الخاضع للرقابة»

في ليبيا لم تعد «الأسلحة غير المشروعة» حكراً على المؤسسات العسكرية بل توزعت بين ميليشيات وقوات محلية (أ.ب)
في ليبيا لم تعد «الأسلحة غير المشروعة» حكراً على المؤسسات العسكرية بل توزعت بين ميليشيات وقوات محلية (أ.ب)
TT

«الأسلحة غير المشروعة»... معضلة تعمّق جراح الأزمة الليبية

في ليبيا لم تعد «الأسلحة غير المشروعة» حكراً على المؤسسات العسكرية بل توزعت بين ميليشيات وقوات محلية (أ.ب)
في ليبيا لم تعد «الأسلحة غير المشروعة» حكراً على المؤسسات العسكرية بل توزعت بين ميليشيات وقوات محلية (أ.ب)

تعاني ليبيا من انتشار «السلاح غير المشروع» بشكل لافت، منذ رحيل الرئيس الراحل معمر القذافي، في وقت ترى فيه الأمم المتحدة أن هذه المعضلة «تكرّس حالة عدم الاستقرار، وتطيل أمد النزاعات في البلاد».

هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا (غيتي)

وأمام هذه الفوضى المسلّحة، جددت ليبيا - بحسب بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة - تأكيدها على أن انتشار هذا النوع من الأسلحة «يشكل تحدياً خطيراً لأمنها واستقرارها؛ ويسهم في إطالة أمد النزاعات وتهديد السلم المجتمعي».

وقالت البعثة في بيان، مساء الاثنين، إن مواجهة هذه الظاهرة «تتطلب تعاوناً دولياً صادقاً، يقوم على الثقة المتبادلة وتبادل المعلومات والخبرات، ودعم الدول المتضررة في مراقبة حدودها وضبط عمليات التهريب».

وتشير تقديرات أممية إلى أن في ليبيا أكثر من 20 مليون قطعة سلاح، موزعة على مجموعة متنوعة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، لكن مسؤولاً أمنياً بشرق ليبيا يرى أن «السلاح السائب في مناطق غرب ليبيا، القادم عبر الحدود، ربما يتجاوز ذلك راهناً».

تشير تقديرات أممية إلى أن في ليبيا أكثر من 20 مليون قطعة سلاح (أ.ب)

ويرى المسؤول الأمني في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الرصد الأممي للسلاح في ليبيا «كان قبل اندلاع الحرب السودانية، ووقوع انقلابات عسكرية في دول الجوار الأفريقي، مما نمّى شبكات تهريب السلاح عبر هذه الدول، استفادت منها كثير من الأطراف الليبية، الأمر الذي يطيل أمد الأزمة».

ومنذ اندلاع الفوضى الأمنية التي ضربت ليبيا لم تعد «الأسلحة غير المشروعة» حكراً على المؤسسات العسكرية، بل توزعت بين ميليشيات وقوات محلية، وحتى بعض المدنيين، وارتبطت هذه الظاهرة المعقدة بالهشاشة السياسية، والاقتصاد غير الرسمي، الذي يربط بين تهريب السلاح والأسواق السوداء.

السفير عصام عمران بن زيتون عضو الوفد الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة (بعثة ليبيا الدائمة لدى الأمم المتحدة)

في هذا السياق، شدد السفير عصام عمران بن زيتون، عضو الوفد الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة، في الكلمة التي ألقاها أمام اللجنة المعنية ببرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، على أن هذه الظاهرة تحتاج إلى تكاتف دولي، معبراً عن دعم ليبيا لما ورد في بيان «المجموعة العربية» بهذا الشأن.

وفي كلمة بن زيتون، التي نقلتها بعثة ليبيا الدائمة لدى الأمم المتحدة، أشار إلى أن مكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة «يجب ألا تمسّ الحق السيادي للدول في امتلاك الأسلحة التقليدية للدفاع المشروع عن النفس، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة». وشدد على «ضرورة ربط برامج مكافحة الاتجار بالأسلحة بجهود التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف السادس عشر، المتعلق بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية».

واختتم بن زيتون بتجديد التزام ليبيا بـ«العمل مع جميع الشركاء الدوليين من أجل بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً، خالٍ من تدفق الأسلحة غير المشروعة، التي تهدد الأمن والتنمية».

في سياق ذلك، حذر محللون ليبيون من أن أي محاولة لإعادة ضبط الأمن دون استراتيجية شاملة لإزالة السلاح من أيدي الجماعات المسلحة «ستبوء بالفشل، ما يجعل ليبيا مهددة بتكرار سيناريو النزاعات الدموية لفترات طويلة».

وسبق أن اعتبر تقرير أميركي أن ليبيا «باتت محطة رئيسية لتهريب السلاح إلى دول بالساحل الأفريقي». ورأت مجلة «منبر الدفاع الأفريقي»، الصادرة عن القيادة العسكرية الأميركية لقارة أفريقيا «أفريكوم»، في تقرير نشرته منتصف أبريل (نيسان) 2024، أن السلاح يمر عبر ليبيا إلى الجزائر والنيجر، وصولاً إلى مناطق الصراع في غرب أفريقيا.

خلال العقد الماضي وصفت ليبيا بأنها أكبر سوق مفتوحة لتجارة السلاح نتيجة الانفلات الأمني (متداولة)

وخلال العقد الماضي، وصفت ليبيا بأنها أكبر سوق مفتوحة لتجارة السلاح، نتيجة الانفلات الأمني في البلاد، وصعوبة السيطرة على الحدود المترامية.

وسبق لبوب سدون، المسؤول بدائرة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الألغام (أنماس)، القول إن ليبيا «تضم أكبر مخزون في العالم من الأسلحة غير الخاضعة للرقابة، حيث تقدر ما بين 150 ألف طن، و200 ألف طن في جميع الأنحاء». وقال إنه «لم ير مثل هذا الكم الهائل من الأسلحة في أي بلد آخر، خلال 40 عاماً من حياته العملية».

وتقول وزارات الداخلية التي تعاقبت على ليبيا منذ اندلاع «ثورة» 17 فبراير (شباط) عام 2011، إنها تواجه «تحديات جمة» للتغلب على هذه الظاهرة، من بينها انتشار الجريمة المنظمة، وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة.


مقالات ذات صلة

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شمال افريقيا اجتماع المنفي وخوري في طرابلس (مكتب المنفي)

ليبيا: المنفي يشدد على الالتزام بمسار انتخابي محدد زمنياً

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي على ضرورة أن تُبنى أي مبادرة تتعلق بالأزمة السياسية في بلده على أساس المرجعيات القانونية والدستورية القائمة

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا ميناء مرسى البريقة يستقبل أول ناقلة غاز مسال منذ عام 2017 في 12 أبريل (المؤسسة الوطنية للنفط)

استياء في ليبيا عقب تقرير أممي عن تمدّد شبكات التهريب

أبدت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «ملاحظات على ما ورد في تقرير أممي يتحدث عن عمليات تهريب واسعة للنفط»، وسط حالة من الاستياء المجتمعي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أعضاء بالهيئة الدستورية لصياغة الدستور الليبي خلال مؤتمر صحافي في عام 2014 (الصفحة الرسمية للهيئة)

«غياب الدستور» يعمّق أزمة السلطة في ليبيا قُبيل «مرحلة انتقالية مرتقبة»

يرى أعضاء بـ«الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور» في ليبيا، أنَّ غياب قاعدة دستورية دائمة حوَّل المشهد السياسي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات السياسية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة أرشيفية لاجتماع سابق بين الدبيبة والمنفي وتكالة (المجلس الرئاسي)

أطراف الأزمة الليبية ينقسمون بشأن تحركات البعثة الأممية

وجه مجلسا «الرئاسي» و«الأعلى للدولة» في ليبيا انتقادات لاذعة إلى البعثة الأممية لدى البلاد، واتّهموها بـ«التطاول على السيادة الليبية».

خالد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري حفتر ومسعد بولس 24 يوليو الماضي (القيادة العامة للجيش الوطني)

تحليل إخباري واشنطن تعزز نفوذها في ليبيا عبر التدريبات المشتركة والتفاهمات العسكرية

يرى سياسيون ليبيون أن نجاح واشنطن في جمع قوات عسكرية من شرق البلاد وغربها لم يعزز فقط الرهان على تشكيل «جيش موحد» بل كان إعلاناً صريحاً عن تصاعد النفوذ الأميركي

جاكلين زاهر (القاهرة)

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
TT

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية

الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)
الحرب الإيرانية عززت دور الموانئ المصرية في حركة التجارة (وزارة النقل المصرية)

تسعى مصر إلى تجاوز تأثيرات الإيرانية على حركة التجارة العالمية، من خلال تطوير موانئها وتعزيز امتدادها الدولي، ومنها «ميناء دمياط» الذي يُعد محوراً لوجيستياً إقليمياً لربط أوروبا بمصر ودول الخليج عبر خط «الرورو»، من خلال «ميناء تريستا» الإيطالي.

والخط الملاحي «الرورو » مخصص لنقل الحاصلات الزراعية والخضراوات وغيرها من المنتجات المصرية إلى إيطاليا ومنها إلى باقي دول أوروبا والعكس. ومن خلاله يستقبل ميناء دمياط المطل على البحر المتوسط شحنات قادمة من أوروبا، وتحديداً من ميناء تريستا، تمهيداً لإعادة توجيهها براً إلى ميناء سفاجا المصري على ساحل البحر الأحمر، ومنه إلى أسواق الخليج، «في نموذج متكامل للربط بين البحرين المتوسط والأحمر»، وفقاً لوزارة النقل المصرية.

ودشنت مصر خدمة جديدة لـ«الترانزيت» غير المباشر إلى دول الخليج، ليتحول ميناء دمياط من كونه خطاً ثنائياً بين مصر وأوروبا، إلى محور رئيسي ضمن ممر لوجيستي عالمي، حيث يتولى استقبال الشحنات القادمة من أوروبا عبر خط «الرورو»، وإعادة توزيعها إلى دول الخليج.

وقالت وزارة النقل المصرية في بيان صحافي، الثلاثاء، إن خدمة الترانزيت الجديدة بدأ تشغيلها في 20 مارس (آذار) الماضي.

وتعود بداية المرحلة الأولى من المشروع إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين شهد وزير النقل المصري، كامل الوزير، توقيع إعلان نوايا بين قطاع النقل البحري وشركة «DFDS» العالمية لتشغيل خط ملاحي بنظام «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا بما يستهدف دعم الصادرات المصرية، وفتح آفاق جديدة لنفاذ المنتجات المصرية إلى الأسواق الأوروبية. وفي نوفمبر 2024، انطلقت أولى رحلات خط «الرورو» بين ميناءي دمياط وتريستا.

وأكد بيان وزارة النقل أن ميناء دمياط يستفيد من التيسيرات المقررة، وعلى رأسها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق، بما يسهم في تسريع الإجراءات، وتقليل زمن الإفراج الجمركي.

وخلال المرحلة الثانية من المشروع استقبل ميناء دمياط، عبر 5 رحلات، 60 عربة «تريلا» تحمل بضائع متنوعة تشمل مواد غذائية ومواد طلاء ومستلزمات إنتاج بإجمالي وزن نحو 1122 طناً متجهة من ميناء دمياط بالنقل البري إلى ميناء سفاجا، ومنه إلى دول الخليج.

ممرات لوجيستية مصرية لتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية على التجارة العالمية (وزارة النقل المصرية)

وفي رأي خبير النقل الدولي إبراهيم مبروك، يسهم تطوير الموانئ المصرية، وربطها إقليمياً مع دول الخليج في تعزيز حركة التجارة العالمية، وتجاوز تأثيرات الحرب الإيرانية.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الربط الإقليمي سيقلل تأثيرات الحرب على سلاسل الإمدادات العالمية، لكنه قال إنه لا بد من إجراء دراسات جدوى تهدف إلى التوسع في هذا الاتجاه بعد انتهاء الحرب، ووضع تصورات لتحديد نظام نقل إقليمي متكامل يجمع بين الوسائل البحرية والبرية والنهرية والجوية والسكك الحديدية، ليكون أكثر فاعلية في دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية.

وفي وقت سابق، أعلن «ميناء نيوم» السعودي عن تدشين ممر لوجيستي متعدد الوسائط يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول مجلس التعاون الخليجي. وأشار الميناء عبر حسابه على منصة «إكس» إلى أن الممر الجديد يوفر «ممراً متكاملاً يجمع بين النقل البري والبحري، ليضمن نقل البضائع بسلاسة وكفاءة، وفي وقت قياسي، إلى أسواق الخليج».

وبحسب «نيوم»، يعتمد الممر الجديد على نموذج «الجسر البري - البحري»، حيث تنقل البضائع من أوروبا إلى موانئ مصرية مثل دمياط أو سفاجا، ثم تعبر البحر الأحمر بواسطة عبارات إلى «ميناء نيوم»، ومنها إلى دول الخليج.

وجددت تأثيرات الحرب الإيرانية على سلاسل الإمدادات الحديث عن أهمية التعاون العربي في مشروعات الربط الإقليمي والنقل بجميع أشكاله، وبرز دور خط أنابيب «سوميد» الرابط بين البحرين الأحمر والمتوسط لنقل النفط من دول الخليج، خصوصاً مع توترات مضيق هرمز.

إحدى «التريلات» أمام مدخل ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)

ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد حنفي أن تطوير الموانئ المصرية وتحويلها إلى ممر لوجيستي إقليمي دولي عبر خط «الرورو» سيكون له تأثير إيجابي على مصر ودول الخليج أبعد من تقليل تأثيرات الحرب الإيرانية.

وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المشروع سيؤدي إلى تعزيز حركة التجارة إقليمياً ودولياً، ويعزز الصادرات المصرية، كما سيُحدث وفرة في السلع بأسواق الخليج. ومع توافر السلع وتقليل مدة النقل التي يوفرها الممر ستقل تكلفة نقل السلع؛ ما يؤدي إلى انخفاض أسعارها».

وأكدت وزارة النقل المصرية في بيانها أن موانئ البلاد لديها القدرة على تقديم حلول لوجيستية متكاملة ومرنة، في ظل التحديات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، بما يعزز من مكانة مصر بوصفها ممراً رئيسياً وآمناً للتجارة الدولية. وأشار البيان إلى «ميناء دمياط» بوصفه محوراً لوجيستياً متكاملاً لا يقتصر دوره على خدمة التجارة الثنائية، بل يمتد ليصبح حلقة الوصل الرئيسية بين أوروبا ومصر ودول الخليج، بما يسهم في إعادة تشكيل خريطة التجارة الإقليمية والدولية.

وتحدث حنفي، عن 3 محاور اقتصادية تحدد أهمية تحقيق الربط بين مصر ودول الخليج في حركة التجارة، هي «انخفاض مخاطر النقل وسرعته والتكلفة المحددة»؛ موضحاً أن «الربط يوفر العناصر الثلاثة اللازمة لنجاح التعاون وتحقيق تكامل اقتصادي بين هذه البلدان، ويوفر استقراراً في سلاسل الإمدادات العالمية».


مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

عقدت مصر وفرنسا الجولة الأولى لحوارهما الاستراتيجي في مجالات عديدة، واتفقتا على عقد الدورة المقبلة في باريس خلال النصف الأول من عام 2027، وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء.

وتعزز هذه الجولة سبل التعاون في مجالات عديدة، وتنمي مستوى التنسيق، لا سيما فيما يتعلق بالتوتر في المنطقة بحكم ثقل البلدين ومحورية دورهما، بحسب تقديرات عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا نحو 2.9 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادرة في 2025، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً عن مستويات عام 2023 التي بلغت 2.5 مليار دولار.

الوفد الفرنسي المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان مشترك، الثلاثاء، بأنه «عُقد في القاهرة الجولة الأولى للحوار الاستراتيجي بين مصر وفرنسا، برئاسة نائب وزير الخارجية محمد أبو بكر، والأمين العام لوزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، مارتن بريان».

ويأتي الحوار في أعقاب قرار بالارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وذلك خلال زيارة رسمية قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر في أبريل (نيسان) 2025.

ويرى السفير حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في لحظة دولية تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها، تبرز مصر وفرنسا بوصفهما ركيزتين استراتيجيتين في محيطين متداخلين: الشرق الأوسط وأوروبا»، لافتاً إلى أن هذا الحوار الاستراتيجي سيقود إلى تعاون أكبر وأوسع.

تعاون اقتصادي ومالي

وخلال الجولة الأولى، رحّب الجانبان بالمستوى المتميز الذي وصلت إليه العلاقات الثنائية، وبحثا سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي، وتنفيذ الاتفاق الحكومي للتعاون المالي للفترة 2026 - 2030، الذي يستند إلى مشروعات يتم اعتمادها من قبل الطرفين، وفق البيان المشترك.

وكانت زيارة ماكرون قد شهدت توقيع 9 اتفاقيات تمويل مع الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 262.2 مليون يورو، لدعم مشروعات في مجالات النقل والطاقة والإسكان.

وأكد الجانب المصري خلال الاجتماع بالقاهرة الأهمية المتزايدة لبرامج دعم الموازنة كآلية تمويلية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان كفاءة تخصيص الموارد وفقاً للأولويات الوطنية.

وأعرب الوفد الفرنسي عن دعمه لدمج مصر في مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، بحسب البيان المشترك.

كما بحث الجانبان ملف التقدم المحرز في إطار الحوار الثنائي بشأن الهجرة، والذي تم إطلاقه في ظل الشراكة الاستراتيجية، وأقرا مبدأ إعداد خريطة طريق مصرية - فرنسية لتعزيز التعاون في مجال التراث، مرحبين بقرب افتتاح مكتبة المتحف المصري الكبير، التي تم تطويرها بدعم فرنسي.

ويرى حجازي أن البيان المشترك الصادر عن الجانبين يحمل توافقاً واضحاً على دفع العلاقات إلى مستوى أكثر مؤسسية وفاعلية، من خلال تكثيف التنسيق السياسي، وتعزيز آليات التشاور الدوري.

هذا التعاون يأتي، بحسب الدبلوماسي المصري الأسبق، لحكم ثقل البلدين، قائلاً إن «مصر، بحكم موقعها الجغرافي وتحكمها في مسارات حيوية مثل قناة السويس، ودورها المحوري في قضايا إقليمية حساسة كغزة وأمن البحر الأحمر، تمثل عنصر توازن لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الإقليمي».

في المقابل، تمتلك فرنسا، بحسب حجازي، ثقلاً سياسياً داخل الاتحاد الأوروبي، وحضوراً فاعلاً في البحر المتوسط ولبنان، إضافة إلى قدرتها على التأثير في الأطر الدولية مثل مجلس الأمن الدولي.

الوفد المصري المشارك في الحوار الاستراتيجي الأول (الخارجية المصرية)

الأزمات الإقليمية

كما شهدت الجولة الأولى التأكيد على الالتزام بتعزيز التعاون الثنائي في مجال إدارة الأزمات الإقليمية، مع التركيز على منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك تحقيق السلام الدائم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وفقاً لحل الدولتين، ومتابعة تطورات الأوضاع في كل من إيران ولبنان والعراق وليبيا والسودان ومنطقة القرن الأفريقي، إلى جانب قضايا المياه.

وعن المسار الإقليمي للتعاون، يرى حجازي أن تقاطع أدوار مصر وفرنسا يخلق فرصة نادرة لبناء شراكة قادرة على ربط الأمن الإقليمي بالاستقرار الدولي، خصوصاً في ظل تصاعد المخاطر التي لم تعد حدودها جغرافية.

وأكد أن تعزيز التنسيق بين القاهرة وباريس «لا يمثل فقط مصلحة ثنائية، بل يشكل أحد المسارات الواقعية للحفاظ على قدر من التوازن في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً على الأمن العالمي».


«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... رهان على ترتيبات «ستأخذ وقتاً» وسط تعقيدات

فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يجلسون على «عربة» في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنتظر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ترتيبات جديدة في ظلِّ التعثر الحالي، لا سيما منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي، وعدم توصُّل جولتَي تفاوض بالقاهرة الأسبوعين الماضيين لنقاط حاسمة.

تلك الترتيبات التي يشير لها الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تأتي عبر مقترحات قُدِّمت لـ«حماس» بآخر جولة بالقاهرة، لا سيما في ملفَي نزع السلاح والانسحابات، ودمج موظفي الحركة بالقطاع، بحسب تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

وأكد الخبراء أن «هذه الترتيبات ستأخذ وقتاً، وستتم مدفوعة بأمور رئيسية هي تطورات حرب إيران، ونشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول لجنة التكنوقراط للقطاع وبدء عملها».

ورغم عدم الوصول لاتفاق بشأن نزع سلاح «حماس» باجتماع القاهرة الأسبوع الماضي، فإنَّ ملادينوف قال لـ«رويترز»، مساء الاثنين: «أجرينا بعض المناقشات الجادة للغاية مع حماس خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهي ليست سهلة».

وأضاف: «متفائل إلى حدٍّ ما بأننا سنتمكَّن من التوصُّل إلى ترتيب يرضي جميع الأطراف والأهم من ذلك، يرضي سكان غزة»، لافتاً إلى أنَّ «الأمر سيستغرق بعض الوقت».

وكان ملادينوف قد أكد بدء إزالة العقبات أمام «لجنة إدارة القطاع». وأعرب خلال مقابلة مع قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن أسفه لتأخر دخول اللجنة إلى غزة؛ بسبب «العقبات القائمة».

أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية»، الدكتور مختار غباشي، يرى أنَّ ملادينوف يحاول فقط شراء الوقت بالحديث عن ترتيبات، خصوصاً أنَّ قضايا غزة ولبنان وإيران تعدُّ ملفاً واحداً، وسيتم حسمها حزمةً واحدةً، وستترتب عليها ترتيبات أخرى بالمنطقة، مؤكداً أنَّ حديثه عن أخذ تلك الترتيبات وقتاً يؤكد وحدة الملفات جميعاً التي لم تُحسَم بعد.

في حين يشير المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، إلى أنَّ لقاءات ملادينوف الأسبوعين الماضيين ما بين «حماس» والحكومة الفلسطينية وإسرائيل، كانت محاولة لإيجاد ترتيبات للانتقال للخطوة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، لكن التعقيدات أكبر، والسبب الرئيسي عراقيل إسرائيل، وبالتالي من الطبيعي أن تأخذ وقتها، وربما لا يكون حسمها قريباً وتؤجل لما بعد حرب إيران.

تلميذان يسيران بين أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وغداة تصريحات ملادينوف، قالت «حماس» في بيان، الثلاثاء، إنها أجرت كثيراً من اللقاءات والمشاورات في القاهرة مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية حول تطبيق باقي التزامات المرحلة الأولى (اتفاق شرم الشيخ)، والتحضير للنقاش حول ترتيبات المرحلة الثانية، في ضوء خطة الرئيس ترمب.

وأكدت الحركة أنَّها والفصائل الفلسطينية تعاملت بمسؤولية وإيجابية عالية مع المقترحات المُقدَّمة؛ بهدف التوصُّل إلى اتفاق مقبول، وأنَّ الحركة مهتمة باستمرار المفاوضات مع الوسطاء لتذليل كل العقبات، وسوف تُقدِّم ردَّها على المقترحات المُقدَّمة بعد إتمام المشاورات مع قيادة الحركة والفصائل الفلسطينية.

وقالت «حماس»، السبت الماضي، إنَّها عقدت عدداً من اللقاءات والحوارات مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية، من أجل العمل على استكمال تطبيق بنود المرحلة الأولى من الاتفاق كافة.

ولفت الرقب إلى أنَّ المقترحات التي تسلمتها «حماس» في لقاء القاهرة الأخيرة تدور، كما هو متداول، بشكل رئيسي حول «نزع سلاحها، ودمج موظفيها في القطاع، ولن تقدم رداً صادماً، لكن نجاح أي مسار يتوقَّف على نشر القوات الدولية والقوات الشرطية الفلسطينية، ودخول (لجنة التكنوقراط)».

وبحسب الرقب «ستميل حماس إلى حلول وسط يقدمها الوسطاء عبر تفاهمات واضحة والتزامات وضمانات محددة»، لكن كل هذا «سيأخذ وقتاً» ارتباطاً بمسار حرب إيران، ونهايته أو استمراريته.

في حين يؤكد غباشي أنَّ قبول «حماس» للمقترحات من عدمه يتوقَّف على مدى وجود التزامات وضمانات حقيقية بشأن الانسحاب الإسرائيلي، وزيادة المساعدات الإغاثية، وبدء الإعمار. ويضيف: «لو تحقَّق ذلك ستتجاوب (حماس) وإذا تعثر فإننا لا يزال لدينا وقت للوصول لذلك في ظلِّ عراقيل إسرائيل».