«نادي لكلّ الناس» يصون ذاكرة لبنان عبر السينما

نجا الأشقر يروي لـ«الشرق الأوسط» رحلة حفظ التراث البصري من الاندثار

«نادي لكلّ الناس» يُرمّم ملامح لبنان عبر الصوت والصورة (الشرق الأوسط)
«نادي لكلّ الناس» يُرمّم ملامح لبنان عبر الصوت والصورة (الشرق الأوسط)
TT

«نادي لكلّ الناس» يصون ذاكرة لبنان عبر السينما

«نادي لكلّ الناس» يُرمّم ملامح لبنان عبر الصوت والصورة (الشرق الأوسط)
«نادي لكلّ الناس» يُرمّم ملامح لبنان عبر الصوت والصورة (الشرق الأوسط)

«نادي لكلّ الناس» هو محاولة مستمرّة منذ عقود لإنقاذ الذاكرة السينمائية المهدَّدة بالضياع وبناء لغة مشتركة لفَهْم تاريخ لبنان والمنطقة عبر الصورة. يعمل على برمجة مجموعة من الأفلام السينمائية والموسيقى التراثية، المحلّية والعربية، ورقمنتها وترميمها ونشرها وتوزيعها، خصوصاً تلك التي تنتمي إلى الإنتاجات البديلة المُستقلّة أو المُهمَّشة أو المعرَّضة للاندثار.

نجا الأشقر يحرس ذاكرة السينما اللبنانية (حسابه الشخصي)

على مرّ السنوات، لم يكتفِ «نادي لكلّ الناس» بالعرض داخل قاعة مُغلقة، فنظَّم مئات الفعاليات لخَلْق تبادل ثقافي بين الأجيال وتأمين عبور هذا التراث من الماضي إلى الحاضر، ومن المحلّي إلى الخارج. فقد وزَّع أكثر من 70 فيلماً، من بينها أعمال لمخرجين شكَّلوا الوعي البصري والسياسي للبنان والمنطقة مثل مارون بغدادي، وبرهان علوية، وجان شمعون، وغيرهم. الفكرة كانت أنّ هذه الأفلام لا يجوز أن تبقى في متناول قلّة، فتراها الأجيال الجديدة، هنا وأبعد.

عام 2023، انتقل «نادي لكلّ الناس» إلى مبنى «السفير» في منطقة الحمرا، وأنشأ هناك مكتبة تضمّ أرشيفاً ورقياً وسمعياً وبصرياً، تحوَّلت إلى «مستودع ذاكرة» مُتاح للباحثين والطلّاب والصحافيين والراغبين. جُهّز المكان بمكتبة أفلام وغرفة صغيرة مُخصَّصة لحفظ الأشرطة السينمائية، أُنشئت داخل أحد مخازن المبنى، بهدف حماية الإنتاجات الثقافية المحلّية وضمان فضاء آمن لتخزين المواد، الأصلية منها وغير الأصلية. أي إنّ النادي لم يعد فقط يعرض الأفلام ويُناقشها، وإنما يحفظها مادياً ويحميها من التلف ويعيد ضخّها في الحياة الثقافية.

الأرشيف يُخبر حكاية بلد لم يتصالح بعد مع ماضيه (الشرق الأوسط)

من خلال جمع هذه الأفلام، تعمل المكتبة السمعية البصرية التابعة للنادي على خَلْق ذاكرة جماعية حريصة على إحياء تراث السينما اللبنانية والفلسطينية، خصوصاً تلك التي أُنتجت بين ستينات القرن الماضي وثمانيناته، أي المرحلة التي حملت أشرس الأسئلة السياسية والوجودية في المنطقة، ودفعت السينما إلى أن تكون شاهدة؛ وأحياناً شاهدة خطرة. ويمتدّ هذا الجهد إلى الموسيقى؛ إذ أسهم النادي في أرشفة أعمال فنانين ورقمنتها بوصف التراث الصوتي جزءاً من الذاكرة العامة لا يقلّ أهمية عن الصورة المتحرّكة.

يتحدَّث الرئيس التنفيذي، المدير الفنّي لـ«نادي لكلّ الناس»، نجا الأشقر، لـ«الشرق الأوسط»، عن شغف العُمر. يقول: «كنّا طلّاب جامعات، نرى تاريخنا يتشكَّل أمامنا من دون أن يُكتَب. شعرنا بأنّ فكرة إنشاء نادٍ سينمائي مساحة ضرورية للحوار، خصوصاً حول السينما اللبنانية التي لم تنل حقّها من الإنصاف. جاء (نادي لكلّ الناس) ليُعبّر عن جيل من الشباب يبحث عن مكانه وسط تاريخ مُبعثر يمتدّ من الحرب الأهلية نحو الاجتياح الإسرائيلي وسلسلة الأزمات التي عصفت بالبلاد».

في كلامه، يتراءى المشروع صرخة دفاع عن الذاكرة. في تلك المرحلة، كما يروي، كان لبنان يعيش تحوّلات داخلية عنيفة، ولم تكن ثمة نوادٍ سينمائية تُعبّر عمّا يحدُث وتفتح نقاشاً حوله. يستعيد الأشقر محاولات سابقة في السبعينات لتأسيس تجمُّع سينمائي برؤية أشخاص مهتمّين بالمسألة البصرية ودور الصورة في الوعي العام، من بينهم إبراهيم العريس ووليد شميط. هذه التجارب، كما يقول، تركت أثراً، و«نادي لكلّ الناس» استفاد منها ومن قراءتها، ليضع حجر الأساس لمساحة سينما بديلة مستقلّة في لبنان، مُذكّراً بأنّ المنطقة أيضاً كانت تملك نماذج مُلهمة في مصر وسوريا وتونس والعراق، فيما التجربة السينمائية اللبنانية نفسها كانت مُشتَّتة ومزيجاً من سينما نضالية ذات نَفَس سوفياتي، ثم محاولات فردية متواضعة بعد الحرب.

الأفلام المؤجّلة التي أنقذها النادي تتحوّل إلى ذاكرة الأجيال الجديدة (الشرق الأوسط)

من هذه الفجوة وُلد النادي. من حاجة البلد إلى حفظ إرثه السينمائي وإلى النقاش المفتوح. تأسَّس ليعرض أفلاماً ويُناقشها مع الجمهور، فيُدخل الناس في صلب الأسئلة التي تحملها هذه الأفلام، لا أن يتركها ترقد في الأدراج أو في ذاكرة قلّة.

بقوله إنّ «النادي اتّخذ من التواصل مع الناس قوّته»، يعلن أنه لم يكن مكاناً نخبوياً مُغلقاً في العاصمة. نسج مؤسِّسُه علاقات مع المُخرجين ليعرض أفلامهم، لكنه لم يحصرها في مكان واحد أو جمهور واحد. حمل الأفلام إلى الناس من دون خلفية مذهبية أو آيديولوجية، «فيما كان كلّ شيء خارجاً لتوّه من الاشتعال والانقسام».

بهذه الطريقة، تحوّل النادي إلى نقطة عبور ثقافي. قوته بدأت من الجامعات، ثم امتدَّت إلى المناطق، وعادت إلى بيروت، ثم خرجت منها لكَسْر مركزيّتها الثقافية.

إضاءة على ما نُسي من تاريخ بيروت الثقافي (الشرق الأوسط)

يختصر نجا الأشقر هذا المسار: «أردنا التطلُّع إلى الماضي بعين المستقبل». فدور «نادي لكلّ الناس» تجاوز عرض أفلام لم تُنصَف يوماً، وامتدَّ أيضاً إلى الاهتمام بالأرشيف السينمائي ورقمنته واستعادة أفلام مُبعثرة أو مفقودة لإعادتها إلى الحياة.

بالنسبة إلى الأشقر، الأرشيف عمل إنقاذي. يقول: «هذه الأفلام ينبغي أن تُعرَض من دون رقابة عليها». يذكُر أنّ انتقادات وُجِّهت إلى النادي بحجّة «أنكم تُذكّرون الناس بالحرب الأهلية»، وحرَّكت بعض المَشاهد حساسية أو انزعاجاً لدى جمهور ما بعد الحرب. ردُّه في كلّ مرة كان أنّ الهدف ليس تعميق الجرح؛ «الهدف هو الجَمْع على رواية تاريخية مُشتركة».

في هذا السياق، يستعيد مقولة للأديب الراحل إلياس خوري بأنّ التاريخ «عبارة عن مجموعة قصص»، ليؤكد أنّ ما يقوم به «نادي لكلّ الناس» هو بالضبط محاولة حماية هذه القصص من المحو. فالدفاع عن الأرشيف السينمائي اللبناني، وعرضه، وتوثيقه، ووضعه بين الأيدي، بالنسبة إليه، مسؤولية أخلاقية.

هذا الجهد خرج منذ زمن من نطاقه المحلّي الضيق. فالمكتبة السينمائية والموسيقية التي أسَّسها النادي بدأت تُغذّي نقاشاً عربياً حول الذاكرة البصرية والسياسية. بعض الأفلام التي أُعيد ترميمها أو استخراجها من العتمة وصلت إلى مهرجانات عربية. الأشقر يُسمّيها «السينما المؤجَّلة»؛ أي الأفلام التي لم تُشاهدها سوى قلّة، تلك التي أنجزها مخرجوها ثم تفرّقوا في الأصقاع، فيما بقيت أعمالهم يتيمة بين أشرطة قديمة وأدراج مُغلقة.

جهدٌ فردي تحوَّل إلى مؤسَّسة تعيد وصل الأجيال بتراثها السينمائي (الشرق الأوسط)

وسط هذا كلّه، يستمرّ نجا الأشقر. منذ أواخر التسعينات إلى اليوم، بقي إيمانه ثابتاً: «لا بدّ أن يلتقي اللبنانيون ويقرأوا تاريخهم ويعترفوا بأخطائهم». يرى في السينما أحد الأماكن القليلة المُتبقّية التي يمكن للبنانيين أن يقفوا فيها معاً أمام شاشة واحدة ويسمعوا روايات بعضهم بعضاً من دون أن يُطلقوا النار.

ولا يتعامل مع هذا العمل بمنطق الإنجاز السريع أو الضجيج الإعلامي. لا يستعجل. يعمل على مهل. يدرك حجم المسؤولية الملقاة عليه. يبدو أحياناً أنه الرجل الذي اختار، عمداً، أن يحمل ذاكرة غيره كي لا تسقط، حتى لو كان الثمن أن يُهمل هو نفسه بكونه مخرجاً مُحتَملاً أو مؤلِّف صورة.


مقالات ذات صلة

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

سينما رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (وورنر)

شاشة الناقد: جوائز «غولدن غلوبز»- بين الرعب الرمزي والدراما التاريخية

ريان كوغلر يسعى دائماً لإنتاج أفلام مختلفة في كل نوع سينمائي. فيلمه (Creed «كريد»، 2015) أضاف جديداً إلى أفلام الدراما الرياضية

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق «فرحتي» للمخرجة مارغريتا سبامبيماتو (متروبوليس)

بيروت تستضيف «مهرجان الفيلم الإيطالي» بنسخته الثانية

تتميّز الأفلام الإيطالية بالواقعية الدرامية والقصص الإنسانية العميقة، وغالباً ما تعتمد مواقع تصوير حقيقية بعيداً عن الاستوديوهات المصطنعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
TT

أكثر من تسلية… كيف تفيد ألعاب الطاولة الدماغ على المدى البعيد؟

ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)
ممارسة ألعاب الطاولة تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال (بيكسلز)

لطالما كانت ألعاب الطاولة نشاطاً أساسياً تجتمع حوله العائلات، أو وسيلة ممتعة للتواصل مع الأصدقاء في أمسية هادئة، ما دامت لا تُسبب فوضى أو جدالاً حول القواعد.

لكن الأبحاث الحديثة تُظهر أن بضع دقائق فقط من ممارسة ألعاب الطاولة قد تُحقق فوائد طويلة الأمد للدماغ، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وقامت الدراسة، التي أجرتها جامعة أوريغون الأميركية، بتحليل 18 دراسة تناولت ألعاب الطاولة التي تعتمد على الأرقام ومهارات الرياضيات المبكرة لدى الأطفال، من مرحلة ما قبل المدرسة وحتى الصف الثالث الابتدائي.

وبيّنت النتائج أن هناك احتمالاً بنسبة 76 في المائة بأن ممارسة هذه الألعاب تُحسّن مهارات الحساب لدى الأطفال عندما يُحرّك اللاعبون قطعاً على مسار مُرقم مستقيم.

وقالت الدكتورة جينا نيلسون، إحدى مُعدّات التقرير: «اخترنا هذا الموضوع لأن مهارات الرياضيات المبكرة تُعدّ مؤشراً قوياً على نجاح الأطفال لاحقاً في المدرسة، كما أن ألعاب الأرقام سهلة الاستخدام وميسورة التكلفة».

وتابعت: «تُظهر هذه المراجعة أن جلسات اللعب القصيرة باستخدام ألعاب لوحية ذات أرقام خطية يمكن أن تُحسّن بشكل كبير المهارات الرياضية الأساسية المبكرة، مثل العد، والتعرّف على الأرقام، وفهم الكمية».

ومن جهة أخرى، أوضحت ناتالي ماكنزي، خبيرة الدماغ والإدراك التي تتمتع بخبرة تمتد عشرين عاماً وتدير شركتها الخاصة، كيف يمكن لألعاب الطاولة أن تفيد البالغين، من خلال دعم التركيز، وتنشيط الذاكرة، وتحسين مهارات حل المشكلات.

وأضافت أن القواعد المنظمة وما وصفته بـ«السلوكيات الممتعة الموجهة نحو تحقيق الأهداف» يمكن أن تكون مجزية، كما توفر فرصاً قيّمة للتواصل الاجتماعي.

وشرحت: «تُفعّل هذه الألعاب وتُشغّل عدداً من مناطق وأنظمة الدماغ في آنٍ واحد. إذ تصبح قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاع، نشطةً أثناء عدّ المسافات، وتذكّر القواعد، وتخطيط الحركات. وفي الوقت نفسه، يُشارك الحُصين، وهو المركز المسؤول عن الذاكرة والتعلم، في استرجاع وتكرار التسلسلات والأنماط».

وأشارت ماكنزي إلى أن الألعاب توفر «مدخلات حسية متعددة» تشمل المعالجة البصرية، والإدراك المكاني، والحركة الجسدية، وهو ما يُسهم في تقوية الدماغ، وأضافت: «في الدماغ الشاب سريع التكيّف، تُعدّ هذه ممارسة قيّمة للغاية. فالخلايا التي تنشط معاً تتصل ببعضها، وكلما زاد تكرار فعل أو عملية ما، ازداد الترابط العصبي قوة على المدى الطويل».

وفي سياق متصل، يعمل الباحثان اللذان أجريا الدراسة على الأطفال، الدكتورة نيلسون والدكتورة مارا ساذرلاند، حالياً على اختبار مجموعة من ألعاب الأرقام الأصلية، وكتب قصصية ذات طابع رياضي، ومحفزات حوارية، بهدف استخدامها في المنزل مع أولياء أمور الأطفال ذوي الإعاقة، الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات.

ويأمل الفريق في دمج خصائص من أفضل ألعاب الأرقام اللوحية في لعبة خاصة يصممونها لدراستهم البحثية حول ألعاب الطاولة للأطفال ذوي الإعاقة. ولهذا الغرض، أضافوا مستويات مختلفة وتحديات رياضية اختيارية ليستخدمها أولياء الأمور بما يتناسب مع مهارات أطفالهم.

وقالت ساذرلاند: «من بين ما تعلمناه من تحليلنا الشامل، تبرز ضرورة أن تكون أنشطة الرياضيات المبكرة قابلة للتعديل بدرجة كبيرة، بناءً على استعداد الأطفال لتعلم الأعداد المختلفة. وقد كانت ردود فعل أولياء الأمور إيجابية للغاية بشأن استخدام أنشطة الرياضيات القابلة للتعديل في المنزل مع أطفالهم ذوي الاحتياجات التعليمية المتنوعة».


دراسة: نفوق حيوان أليف قد يكون مؤلماً بقدر فقدان أحد الأحباء

فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً لبعض الناس من وفاة أحد البشر (بيكسلز)
فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً لبعض الناس من وفاة أحد البشر (بيكسلز)
TT

دراسة: نفوق حيوان أليف قد يكون مؤلماً بقدر فقدان أحد الأحباء

فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً لبعض الناس من وفاة أحد البشر (بيكسلز)
فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً لبعض الناس من وفاة أحد البشر (بيكسلز)

أظهرت دراسة حديثة أن الحزن على فقدان حيوان أليف قد يكون مؤلماً بالدرجة نفسها كالحزن على فقدان أحد أفراد الأسرة أوشخص مقرّب، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وتشير الدراسة، المنشورة في مجلة «PLOS One» الأكاديمية، إلى ضرورة تعديل الإرشادات المعتمدة المتعلقة بالحزن الشديد، بحيث تشمل مشاعر الفقد التي قد يمر بها الأشخاص عند نفوق حيوان أليف.

وخلص الباحثون إلى أن أصحاب الحيوانات الأليفة قد يعانون من حالة نفسية تُعرف باسم اضطراب الحزن المطوّل، وهي حالة تظهر عادةً بعد وفاة شخص عزيز، وقد تستمر لأشهر أو حتى سنوات.

وتتضمن أعراض هذا الاضطراب الشوق الشديد للمتوفى، والشعور باليأس، وصعوبة التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مواجهة تحديات في مواصلة الحياة اليومية.

ولا يُعترف حالياً بتشخيص اضطراب الحزن المطوّل إلا في حالات الوفاة البشرية، غير أن مؤلف هذه الدراسة دعا إلى توسيع نطاق التشخيص ليشمل فقدان الحيوانات الأليفة أيضاً، بعد أن وجد أن الناس قد يعانون من مستويات ذات دلالة سريرية من هذا الاضطراب نتيجة نفوق حيواناتهم الأليفة.

وشملت الدراسة 975 بالغاً في المملكة المتحدة، وأظهرت أن ما يقرب من ثلث المشاركين قد فقدوا حيواناً أليفاً. ومن بين هؤلاء، انطبقت معايير اضطراب الحزن المطوّل على 7.5 في المائة منهم، وهي نسبة تقارب نسبة من فقدوا صديقاً مقرباً (7.8 في المائة).

كما وجدت الدراسة أن 8.3 في المائة من الأشخاص يعانون من اضطراب الحزن المطوّل بعد وفاة جد أو جدة، وترتفع هذه النسبة إلى 8.9 في المائة عند وفاة شقيق أو شقيقة، و9.1 في المائة عند فقدان شريك حياة. وسُجّلت أعلى معدلات الإصابة بهذا الاضطراب لدى من فقدوا آباءهم (11.2 في المائة) أو أبناءهم (21.3 في المائة).

وقال نحو خُمس المشاركين الذين مرّوا بتجربة فقدان كلٍّ من الحيوانات الأليفة والبشر إن فقدان حيوان أليف كان أكثر إيلاماً بالنسبة لهم.

وأشارت الدراسة إلى أن حالة واحدة من كل 12 حالة من حالات اضطراب الحزن المطوّل في المملكة المتحدة ناتجة عن نفوق حيوان أليف، على الرغم من أن نصف البالغين فقط يمتلكون حيوانات أليفة، وأن متوسط أعمار الحيوانات أقصر عموماً من متوسط أعمار البشر.

وأوضح فيليب هايلاند، مؤلف الدراسة من جامعة ماينوث في آيرلندا: «تقدم هذه النتائج أدلة قوية ومقنعة على أن الأشخاص قد يعانون من مستويات مرتفعة من اضطراب الحزن المطوّل بعد نفوق حيوان أليف، وهي مستويات ذات أهمية سريرية واضحة».

وأضاف: «يمكن اعتبار قرار استبعاد فقدان الحيوانات الأليفة من معيار الحداد في التشخيص ليس قراراً مضللاً علمياً فحسب، بل قاسياً أيضاً».


مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في إقامة المعارض الأثرية بثلاث قارات

المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)
المعارض الأثرية المصرية اجتذبت أرقاماً قياسية للزوار في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

بعد النجاح الذي حققته المعارض الأثرية المصرية المؤقتة التي أقيمت في عدة مدن حول العالم واجتذبت ملايين الزوار، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية، عن التوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج في 3 قارات، هي آسيا وأوروبا وأميركا خلال العام الحالي.

وعقب رصده للنجاحات التي حققتها المعارض الأثرية الحالية في الخارج خلال الاحتفال بعيد الآثاريين المصريين، الخميس، قال الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إنه «من المقرر أن يشهد عام 2026 تنظيم معارض خارجية جديدة في أوروبا وآسيا وأميركا».

موضحاً في بيان للوزارة أن المعارض الخارجية حقّقت أرقاماً قياسية في أعداد الزائرين، «حيث استقطب معرض (كنوز الفراعنة) المقام بالعاصمة الإيطالية روما نحو 120 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما استقبل معرض (مصر القديمة تكشف عن أسرارها - كنوز من المتاحف المصرية) في هونغ كونغ نحو 90 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وواصل معرض (رمسيس وذهب الفراعنة) نجاحه محققاً نحو 420 ألف زائر بمحطته الحالية في مدينة طوكيو اليابانية منذ افتتاحه في مارس (آذار) الماضي».

وكانت المعارض الأثرية المصرية الخارجية اجتذبت من قبل أرقاماً قياسية، يصل مجموعها إلى ملايين الزوار في أميركا وباريس ولندن وأستراليا، واجتذب معرض «على قمة الهرم... حضارة مصر القديمة» في شنغهاي بالصين أكثر من مليوني زائر خلال فترة عرضه.

المعارض الأثرية روّجت للحضارة المصرية القديمة في الخارج (وزارة السياحة والآثار)

و«يأتي توجه الدولة للتوسّع في إقامة المعارض الأثرية بالخارج عبر 3 قارات كخطوة استراتيجية تتجاوز الإطار الثقافي إلى أبعاد سياسية واقتصادية أعمق»، وفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان. مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «المعارض الأثرية لم تعد مجرد وسيلة عرض لماضي مصر المجيد، بل أصبحت أداة دبلوماسية ناعمة تُستخدم لإعادة تقديم الدولة المصرية أمام الرأي العام العالمي بوصفها مركزاً حضارياً حياً، بالإضافة إلى كونها أشبه بمتحف مفتوح».

وعدّت هذه المعارض «تخلق حالة من التفاعل الإنساني المباشر مع الحضارة المصرية، وتحوّل الإعجاب التاريخي إلى ارتباط وجداني مع الدولة المعاصرة».

«كما تمثل هذه المعارض استثماراً ذكياً في أحد أقوى الأصول التي تمتلكها مصر؛ تراثها». وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، معتبرة أن «العائد لا يقتصر على رسوم التذاكر أو عقود الاستضافة، بل يمتد إلى الترويج السياحي غير المباشر، وجذب المستثمرين، وتعزيز الثقة الدولية في إدارة مصر لتراثها وفق المعايير العالمية».

ولفتت إلى أن «التوسّع في 3 قارات لا يعني انتشاراً جغرافياً فقط، بل ترسيخاً لمكانة مصر كقوة ثقافية عالمية، فالمعارض الأثرية لم تعد نشاطاً ترويجياً، بل أصبحت جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء صورة مصر في العالم، ليس بوصفها دولة ذات ماضٍ عظيم فحسب، بل كدولة تعرف كيف توظف هذا الماضي في صناعة الحاضر والمستقبل».