السعودية وسوريا... تعاون استثماري يمهّد لمرحلة التحول الشامل

طاولة مستديرة تعزز شراكات مالية واسعة وتدعم المشاريع التنموية

خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية في الرياض (الشرق الأوسط)
خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وسوريا... تعاون استثماري يمهّد لمرحلة التحول الشامل

خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية في الرياض (الشرق الأوسط)
خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية في الرياض (الشرق الأوسط)

شهدت العاصمة الرياض انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية، في خطوة تعكس التحول المتسارع بمسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين نحو شراكة استراتيجية أكثر عُمقاً واستدامةً. يأتي ذلك في وقت اقتربت فيه سوريا من رفع معظم العقوبات الدولية، حيث ستبدأ مرحلة التحول الشامل التي تقوم على «فرص استثمارية حقيقية».

وأكدت هذه الاجتماعات الإرادة المشتركة في بناء اقتصاد سوري مزدهر قادر على استعادة دوره الإقليمي، عبر تطوير شراكات نوعية وتحالفات استثمارية تمتد إلى قطاعات الطاقة والصناعة والزراعة والمال والاتصالات، واستكمال ما تحقق خلال الزيارات والمنتديات السابقة المتبادلة بين البلدين، التي أرست أسس التعاون الاقتصادي الجديد.

هذا ويبرز التعاون المالي والمصرفي بين البلدين بصفته أحد أهم مسارات الشراكة التي شهدت تقدماً ملموساً، إذ يمثل رافداً أساسياً لدعم استقرار وتمكين الاستثمارات السعودية في سوريا.

كما أثمرت الجهود المشتركة بين البنك المركزي السعودي ووزارة الاستثمار ومصرف سوريا المركزي تفعيل الحوالات المصرفية المباشرة بين البلدين، بما يسهم في تعزيز التواصل المالي، وتسهيل تدفق رؤوس الأموال.

وزير الاستثمار السعودي متحدثاً خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية (الشرق الأوسط)

تحالفات استثمارية

وأكد وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح أن ما تحقق خلال الزيارات المتبادلة بين المملكة وسوريا يعكس الإرادة المشتركة لبناء اقتصاد سوري مزدهر ومستدام، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب «بذل مزيد من الجهود للمضي قدماً في التنفيذ وتطوير شراكات نوعية وتحالفات استثمارية بين البلدين الشقيقين».

وقال الفالح خلال كلمته في الطاولة المستديرة السعودية - السورية إن برنامج الاجتماع يتضمن ورش عمل في قطاعات الطاقة والصناعة والزراعة، مضيفاً أن ما يتم إنجازه اليوم هو امتداد لما تحقق في المنتدى الاستثماري السعودي - السوري خلال زيارة الوفد في يوليو (تموز) الماضي، وما تلاها من لقاءات ومعرض دمشق الدولي، وزيارات الوزراء في أغسطس (آب) الماضي.

وأوضح أن «ما يتم اليوم هو استكمال لمسيرة التعاون، ولن تتوقف الجهود حتى تصبح سوريا، كما وجّه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، دولة اقتصادية منافسة تعتمد على مواردها الذاتية، وفي مقدمتها المورد البشري المتميز الذي أسهم في تنمية كثير من الدول، بما فيها المملكة».

التعاون المصرفي

وأضاف الفالح أن من أبرز مسارات التعاون بين البلدين، التي شهدت تقدماً ملموساً، هو التعاون المالي والمصرفي الذي يمثل «رافداً أساسياً لدعم استقرار وتمكين الاستثمارات السعودية في سوريا».

وأشار إلى أن الجهود المشتركة بين البنك المركزي السعودي ووزارة الاستثمار ومصرف سوريا المركزي أثمرت تمكين الحوالات المصرفية المباشرة بين البلدين. وكشف أنه تم «التنسيق الفعلي بين البنك السعودي الفرنسي وفرع «بيمو السعودي الفرنسي» في دمشق لإطلاق آلية تحويل مباشرة وآمنة»، مبيناً أنه تم تنفيذ أول حوالة مصرفية مباشرة بين البلدين، في خطوة تهدف إلى «تسهيل حركة رؤوس الأموال ودعم الأنشطة التجارية والاستثمارية وتعزيز الثقة في النظام المالي السوري».

التمويل الاستثماري

وفي إطار دعم التمويل الاستثماري، أعلن الفالح أن وزارة الاستثمار السعودية تعمل على تمكين ودعم إنشاء عدد من الصناديق الاستثمارية في قطاعات متعددة داخل سوريا، من بينها صندوق «إيلاف» الاستثماري السعودي المتخصص في الاستثمار بسوريا، الذي يُتوقع إطلاقه قريباً بعد استكمال الإجراءات التنظيمية، برأس مال كبير يصل إلى عدة مليارات من الريالات، بالشراكة مع القطاع الخاص السعودي والمستثمرين الإقليميين والدوليين.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي ضمن «رؤية 2030» لدعم نهضة سوريا وتحولها إلى دولة اقتصادية مستقلة وقادرة على الاعتماد على مواردها الذاتية، مشيراً إلى أن «السعودية وقطاعها الخاص سيكونان السند الأهم والشريك الرئيسي لسوريا في مسيرتها نحو التعافي والنمو».

واختتم الفالح حديثه بالقول إن «العالم يتطلع إلى وصول الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة للمشاركة في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار»، مؤكداً أن ظهوره في هذا الحدث العالمي «سيجسد مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون الإقليمي والدولي».

وزير الاقتصاد والصناعة السوري متحدثاً خلال انعقاد الطاولة المستديرة السعودية - السورية (الشرق الأوسط)

رفع العقوبات

من جانبه، أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري الدكتور محمد الشعار أن بلاده دخلت مرحلة جديدة من التنمية والانفتاح بعد تجاوز سنوات الحرب، مشيراً إلى أن سوريا اليوم بعد أن اقتربت «من رفع معظم العقوبات الدولية، ستبدأ مرحلة التحول الشامل التي تقوم على فرص استثمارية حقيقية، وإعادة التموضع الإقليمي، والانفتاح على العالم بثقة وحزم».

وقال الشعار خلال أعمال الطاولة المستديرة السعودية السورية في الرياض، يوم الاثنين، إن «توقيع الاتفاقية الاستثمارية بين سوريا والسعودية يمثل نواة أساسية لتعاون أكبر، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية، ويعزز ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال السورية المتجددة».

وتابع: «لا يمكن هنا أن نغفل الدور الأخوي والقيادي للسعودية التي وقفت إلى جانب الشعب السوري والاقتصاد الإقليمي لقد كانت المملكة قيادةً وحكومةً وشعباً صوت الحكمة والبصيرة». مؤكداً أن «سوريا اليوم أرض الفرص، بلد غني بالموارد ومتعدد المناخ، ويتمتع بموقع استراتيجي يجعله جسراً بين الخليج والبحر المتوسط وآسيا وأوروبا».

خطة وطنية للتنمية

وكشف الشعار أن الحكومة السورية وضعت خطة وطنية للتنمية ترتكز على خمس أولويات أساسية، تشمل إعادة الإعمار عبر تطوير المدن الصناعية والمناطق الاقتصادية، وتأهيل شبكات الطرق والسكك الحديدية والمرافق الحيوية لربط المحافظات السورية بدول الجوار والأسواق الإقليمية، إلى جانب تطوير مشروعات الاقتصاد الدائري وإدارة النفايات لتحقيق الاستدامة البيئية، وتوفير فرص عمل جديدة.

كما أشار إلى التركيز على الصناعات كثيفة العمالة والصناعات الزراعية والغذائية لزيادة القيمة المضافة للمنتجات السورية، إضافة إلى تأهيل القوى العاملة المتضررة من الحرب ودمجها في سوق العمل من خلال برامج تدريب وتقنيات متقدمة.

وفي الجانب المالي، لفت الشعار إلى أن دمشق تعمل على جذب الاستثمارات العربية والدولية عبر تشريعات جديدة توفر الحماية القانونية، وتمنح حوافز طويلة الأمد، مؤكداً إطلاق آلية وطنية متكاملة لتمويل المشاريع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبالتعاون مع مؤسسات مالية عربية وإقليمية ودولية، إلى جانب تطوير أدوات تمويل مبتكرة وشمول مالي يعزز وصول التمويل لجميع فئات المجتمع.


مقالات ذات صلة

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

خاص منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز) p-circle

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

«موديز» تمنح تصنيف السعودية حصانة النظرة «المستقرة» رغم الرياح الجيوسياسية

حمل الإعلان الأخير لوكالة «موديز» تثبيت التصنيف الائتماني للسعودية عند «إيه إيه 3» (Aa3) مع إبقاء النظرة المستقبلية «مستقرة»، دلالات عميقة تجاوزت التصنيف.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المكتب المخصص لأولى رحلات «طيران ناس» المتجهة من الرياض إلى ميلانو (طيران ناس)

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

أعلن «طيران ناس» عن تسيير رحلات مباشرة تربط العاصمة السعودية الرياض بمدينة ميلانو الإيطالية، وذلك بالتعاون مع «برنامج الربط الجوي»، و«الهيئة السعودية للسياحة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)

ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

نجحت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست في إبرام اتفاقية تجارة حرة تاريخية وشاملة بعد سنوات من المفاوضات. فما أبرز بنودها؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن بحرية في ميناء ينبع الواقع على البحر الأحمر (واس)

أنابيب السعودية ترفع صادرات النفط 37.4 % وتقفز بفائض ميزانها التجاري لأعلى مستوى منذ 2022

جاءت القفزة القياسية في فائض الميزان التجاري السعودي خلال مارس (آذار) الماضي مدفوعة بزخم قوي في الصادرات النفطية التي ارتفعت بنسبة 37.4 في المائة.

بندر مسلم (الرياض)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.