الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

ترجم روايتين للمجري «كراسناهوركاي» قبل حصوله على نوبل

الحارث النبهان
الحارث النبهان
TT

الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

الحارث النبهان
الحارث النبهان

برغم أنه خريج جامعة دمشق، تخصص الهندسية الميكانيكية، فإن المترجم السوري الحارث النبهان صنع اسمه، وحقق شغفه من خلال عشرات المؤلفات التي نقلها إلى العربية بأسلوب مشوق وعناوين لافتة. يقيم حالياً ببلغاريا، وتتركز أعماله حول روايات مهمة لأدباء غير متداولين بقوة على الساحة العربية مثل النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي» والآيرلندي ديفيد بارك مؤلف «ارتحال في أرض غريبة».

تردد اسم النبهان مؤخراً، حين اكتشف الجميع أنه مترجم الروايتين الوحيدتين المتاحتين بالعربية لأحدث الأدباء الحائزين على جائزة «نوبل»، لازلو كراسناهوركاي، وهما «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب». هنا... حوار معه حول الترجمة والمشكلات التي تصادفه في الكثير من النصوص.

كيف كان شعورك حين وجدت أن الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي فاز بـ«نوبل» بعد مرور سنوات طويلة على ترجمتك لروايتيه الوحيدتين المتاحتين بالعربية: «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب»؟

- بالتأكيد، سرّني هذا الفوز كثيراً لأن كراسناهوركاي متميز فعلاً؛ من حيث أسلوبه المسهب المتلاحق، وجمله الطويلة وأجوائه الفلسفية التي تضفي على الشخصيات والأشياء والطبيعة والعلاقات بين الناس مسحة ثقيلة من الكآبة والإحساس باللاجدوى، فضلاً عن براعته في استدراج القارئ إلى هذا الجو حتى يحس بالعالم يضيق من حوله.

> ألم تتخوف من أن الكاتب غير معروف وقتها؟

- الحقيقة أنني لم أكن متشجعاً في البداية ليس لأن الكاتب غير معروف عندنا فحسب، بل أيضاً لأن الترجمة كانت عملاً مرهقاً بالفعل. كانت البداية مع «تانغو الخراب»، الذي هو نص أبطأ إيقاعاً و«أثقل على النفس» من العمل الثاني «كآبة المقاومة»، لكني لم ألبث أن تلمست تفوق هذا الكاتب وتميزه فمضيت في المشروع بقدر أكبر من الثقة.

> ألم يساورك القلق من أن الروايتين تغرقان في أجواء كابوسية وتنضحان بالتشاؤم والرؤى السوداوية، وهو ما قد يبدو محبطاً للقارئ العربي؟

- صحيح أن الروايتين ناضحتان بالسوداوية والتشاؤم، وصحيح أن فيهما ما يقارب الكوابيس، لكن هذا لا يعني أنهما غير مناسبتين أو أنهما محبطتان للقارئ سواء أكان عربياً أم غير عربي، وإلا ماذا عن كافكا وأعماله كلها؟ كل ما في الأمر أن هذا النوع من الكتابات ليس محبذاً للجميع، ولا يقدر كل قارئ على مواكبته. هذا أمر طبيعي.

> ما الذي شدَّك إلى العالم الأدبي لهذا الكاتب غير المعروف عربياً؟

- يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين لا يزالون غير معروفين للقارئ العربي، فهذا يشبه استطلاع أرض مجهولة وفيه نوع مغرٍ من «الريادة»، ومن الإبحار في مياه لا تزال بكراً. وقد كان من بين الكُتاب الذين «استطلعتهم» قامات عظيمة جداً أذكر منهم النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي»، التي يضاهي النقاد بينها وبين «البحث عن الزمن المفقود» للفرنسي مارسيل بروست. لم أترجم من «كفاحي» إلا أربعة أجزاء صدرت عن دار التنوير، ولا يزال الجزءان الخامس والسادس في انتظار ناشرٍ يتصدى لهما.

هناك أيضا الآيرلندي ديفيد بارك صاحب الرواية الهائلة، وإن تكن صغيرة الحجم «ارتحال في أرض غريبة» التي صدرت مؤخراً عن دار «سدرة» في دولة الإمارات، وأنا أعتبره كاتباً لا يزال مظلوماً ولم يحظَ بعد بما يستحق من مجد وتكريم، وأتمنى أن تسنح لي فرصة لترجمة أعمال أخرى له.

> كيف تعاملت مع مشكلة أن الجُمل طويلة للغاية لدى لازلو كراسناهوركاي، حتى إن جملة واحدة قد تأخذ صفحة ونصف؟

- كانت هذه مشكلة بالفعل وذلك لسببين اثنين: الأول هو صعوبة الأمر، فكيف لي أن أكتب كلاماً يكون مفهوماً للقارئ من غير أن أستخدم فواصل ونقاطاً وما إلى ذلك من علامات الترقيم؟ وأما السبب الثاني فهو الخشية من جور «المحرر» لدى دار النشر فهو المسؤول عن «مقروئية» الكتاب، التي هي أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى أي ناشر، وذلك خاصة عندما يغامر بأن يقدم إلى القارئ كاتباً لا يزال غير معروف عنده.

والفكرة هنا أنه إن وجد القارئ صعوبة كبيرة في قراءة واحد من كتب كافكا مثلاً فلن يلوم الناشر، ولن يلوم الكاتب ولا المترجم، بل سيلوم نفسه لأن كافكا اسم كبير معروف جداً. لكن عندما يتناول كتاب كراسناهوركاي، ذلك الكاتب الذي كان لا يزال مجهولاً، فسوف تصدمه غرابة أسلوبه، وصعوبة تفكيك جمله بالغة الطول، وسوف يعيد الكتاب إلى مكانه من غير أن يشتريه.

بالتالي كان عليَ أن أبتكر طرقاً أو «حيلاً» من أجل تجزئة الجمل الطويلة جداً مع الإبقاء على نوع من الترابط المحسوس بينها. أعلم أن في هذا قدراً من «خيانة» النص، لكن الترجمة كلها تنطوي دائماً على بعض من هذه الخيانة، وهذه ضريبة لا بد من احتمالها.

> كيف بدأت علاقتك بالترجمة من الأساس؟

- بدأت علاقتي بالترجمة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكني لم أحترفها إلا سنة 2005، ثم اقتصرت على ترجمة الكتب، لا سيما الروايات منذ 2013. وربما تنبغي الإشارة هنا إلى أن دراستي الجامعية بكلية الهندسة لا علاقة لها بالترجمة من قريب أو بعيد. لكني كنت قارئاً نهماً منذ صغري باللغة العربية. وقد شملت اهتماماتي دائرة واسعة من الموضوعات الأدبية، نثراً وشعراً، والعلمية والتاريخية، ومن أعمال كتّاب اللغة العربية العظام، من قدامى ومعاصرين، كالجاحظ وابن المقفع والمعري وعبد الحميد الكاتب وطه حسين، الذي أراه أهم من كتب بالعربية في العصر الحديث، فكراً ولغةً، وعباس محمود العقاد، وعبد الرحمن بدوي، وغيرهم.

كان لهذه القراءات أثر كبير من حيث صوغ ذائقتي اللغوية وتمتعي بقدر لا بأس به من المرونة أو القدرة على «التلوّن» الأسلوبي بما يناسب النص الذي أعمل على ترجمته. فعلى سبيل المثال، كانت لغتي من حيث المفردات ومن حيث الأسلوب في كتاب «السيرة الذاتية لجون ستيوارت مِل» مختلفة جداً عن لغتي في ترجمة أعمال أندريه دو بوتون.

> إلى أي حد أثرت هجرتك إلى الغرب على مشروعك في الترجمة، وهل ساهمت في توسيع أفق الرؤية والاختيار لديك؟

- لا أعلم كيف أجيب عن هذا السؤال، والحقيقة أنني أحار عندما يواجهني سؤال عن «مشروعي» في الترجمة. لا يستطيع المترجم أن يكون صاحب مشروع في الترجمة إلا إذا كان ناشراً أيضاً، أو ثمة «تحالف» بينه وبين ناشر متمكن. لا أهمية أبداً، ولا جدوى، لأن يقرر المترجم اتخاذ «خط» بعينه في عمله لأن المسألة الجوهرية هنا هي أن تصل أعماله إلى القارئ. وهذه مهمة الناشر.

جلّ ما أستطيعه هو أن أقبل عملاً يُعرض عليّ أو أن أرفضه. وقد تسنح لي أحياناً فرصة اقتراح كتاب أو أكثر، لكن قرار تبني مشروع ترجمة أي كتاب يظل مرتبطاً بعوامل كثيرة تتعلق بالسوق لا يستطيع المترجم تقديرها ولا يستطيع أن يكون مسؤولاً عنها. إن توفر لي ناشر يقبل أن أقترح عليه مشروعاً يشتمل على عدد كبير من الكتب تمثل بجملتها «خطّاً» ذا معالم واضحة، ويمتد العمل عليها فترة طويلة، خمس سنوات مثلاً، أو عشر سنين، فيتبنى ذلك المشروع بحيث أكون متفرغاً له وحده فهذه غاية المنى.

لكن في غياب خيارات من هذا النوع يظل عملي جارياً على مبدأ «من كل بستان زهرة»، ويظل جهدي منصباً على محاولة تقديم أفضل الممكن من بين ما هو متاح. وأما عن أثر الهجرة على عملي فلست أظنه كبيراً مع أن اتساع نظرة المرء إلى العالم يظل أمراً لا مراء فيه.

مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر

> على أي أساس تختار أن تترجم كتاباً وتستبعد آخر؟ لا سيما أن ترجماتك لا تقتصر على اللون الأدبي، وإنما تمتد لتشمل الفلسفة والتنمية البشرية وعلم النفس؟

- أفضل دائماً ترجمة الرواية، لا لشيء إلا لأنني أرى نفسي أجيدها أكثر من غيرها. أي أنني أكون «مرتاحاً» أكثر فتكون الرواية نفسها مرتاحة مثلي. صحيح أن التنوع أمر إيجابي محمود، لكنه لا ينم عن توجه مقصود من جانبي، فأنا أختار من بين ما هو معروض عليّ.

> يلاحظ البعض أن الكتب المصنفة ضمن «الأكثر مبيعاً» تثير اهتمامك، هل هذا صحيح وهل تهتم بمؤشرات السوق التجارية؟

- لا تهمني مؤشرات السوق ولا أتابع حجم مبيعات هذا الكتاب أو ذاك، لكن الكتب «الأكثر مبيعاً» تتصدر اهتمامات الناشرين أكثر الأحيان.

> كيف ترى مشكلات الترجمة في العالم العربي من موقعك في بلغاريا؟

- مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر، نحن قوم لا نحب القراءة... هذا هو الأمر، للأسف. في بلغاريا عدد السكان أقل من سبعة ملايين، ومع ذلك يتراوح عدد النسخ المطبوعة من الكتاب المترجم بين ألف وألفي نسخة. أما في العالم العربي، فيكون الكتاب الذي يبيع ألف نسخة خلال 3 سنين «كتاباً ناجحاً» بالنسبة إلى الناشر. المسألة مسألة سوق، أولاً وأخيراً.

> أخيراً، يمازحك البعض بالقول إن نجم كرة القدم العالمية محمد صلاح ساهم في شهرتك حين نشر غلاف كتاب «فن اللامبالاة» عبر حسابه الرسمي... كيف ترى تفاعل المشاهير مع مؤلفاتك ومع الكتب عموماً؟- لا أعلم شيئاً عن تفاعل المشاهير فأنا لا أتابع أخبارهم، وهذا تقصير مني. وأما ظهور كتاب «فن اللامبالاة» في حساب محمد صلاح، فقد كان ذا أثر كبير جداً على مبيعات الكتاب، وفي جعل اسمي معروفاً أكثر بين القراء. كان أثر صورة صلاح حقيقة وليس مزاحاً، شكراً لأسطورة الكرة؛ وليت المشاهير جميعاً «يعطفون» على الثقافة والكتب، ولو قليلاً.


مقالات ذات صلة

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

ثقافة وفنون إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».