الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

ترجم روايتين للمجري «كراسناهوركاي» قبل حصوله على نوبل

الحارث النبهان
الحارث النبهان
TT

الحارث النبهان: يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين يجهلهم القارئ العربي

الحارث النبهان
الحارث النبهان

برغم أنه خريج جامعة دمشق، تخصص الهندسية الميكانيكية، فإن المترجم السوري الحارث النبهان صنع اسمه، وحقق شغفه من خلال عشرات المؤلفات التي نقلها إلى العربية بأسلوب مشوق وعناوين لافتة. يقيم حالياً ببلغاريا، وتتركز أعماله حول روايات مهمة لأدباء غير متداولين بقوة على الساحة العربية مثل النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي» والآيرلندي ديفيد بارك مؤلف «ارتحال في أرض غريبة».

تردد اسم النبهان مؤخراً، حين اكتشف الجميع أنه مترجم الروايتين الوحيدتين المتاحتين بالعربية لأحدث الأدباء الحائزين على جائزة «نوبل»، لازلو كراسناهوركاي، وهما «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب». هنا... حوار معه حول الترجمة والمشكلات التي تصادفه في الكثير من النصوص.

كيف كان شعورك حين وجدت أن الكاتب المجري لازلو كراسناهوركاي فاز بـ«نوبل» بعد مرور سنوات طويلة على ترجمتك لروايتيه الوحيدتين المتاحتين بالعربية: «كآبة المقاومة» و«تانغو الخراب»؟

- بالتأكيد، سرّني هذا الفوز كثيراً لأن كراسناهوركاي متميز فعلاً؛ من حيث أسلوبه المسهب المتلاحق، وجمله الطويلة وأجوائه الفلسفية التي تضفي على الشخصيات والأشياء والطبيعة والعلاقات بين الناس مسحة ثقيلة من الكآبة والإحساس باللاجدوى، فضلاً عن براعته في استدراج القارئ إلى هذا الجو حتى يحس بالعالم يضيق من حوله.

> ألم تتخوف من أن الكاتب غير معروف وقتها؟

- الحقيقة أنني لم أكن متشجعاً في البداية ليس لأن الكاتب غير معروف عندنا فحسب، بل أيضاً لأن الترجمة كانت عملاً مرهقاً بالفعل. كانت البداية مع «تانغو الخراب»، الذي هو نص أبطأ إيقاعاً و«أثقل على النفس» من العمل الثاني «كآبة المقاومة»، لكني لم ألبث أن تلمست تفوق هذا الكاتب وتميزه فمضيت في المشروع بقدر أكبر من الثقة.

> ألم يساورك القلق من أن الروايتين تغرقان في أجواء كابوسية وتنضحان بالتشاؤم والرؤى السوداوية، وهو ما قد يبدو محبطاً للقارئ العربي؟

- صحيح أن الروايتين ناضحتان بالسوداوية والتشاؤم، وصحيح أن فيهما ما يقارب الكوابيس، لكن هذا لا يعني أنهما غير مناسبتين أو أنهما محبطتان للقارئ سواء أكان عربياً أم غير عربي، وإلا ماذا عن كافكا وأعماله كلها؟ كل ما في الأمر أن هذا النوع من الكتابات ليس محبذاً للجميع، ولا يقدر كل قارئ على مواكبته. هذا أمر طبيعي.

> ما الذي شدَّك إلى العالم الأدبي لهذا الكاتب غير المعروف عربياً؟

- يثير حماستي أن أترجم لمؤلفين لا يزالون غير معروفين للقارئ العربي، فهذا يشبه استطلاع أرض مجهولة وفيه نوع مغرٍ من «الريادة»، ومن الإبحار في مياه لا تزال بكراً. وقد كان من بين الكُتاب الذين «استطلعتهم» قامات عظيمة جداً أذكر منهم النرويجي كارل أوفه كناوسغارد صاحب سداسية «كفاحي»، التي يضاهي النقاد بينها وبين «البحث عن الزمن المفقود» للفرنسي مارسيل بروست. لم أترجم من «كفاحي» إلا أربعة أجزاء صدرت عن دار التنوير، ولا يزال الجزءان الخامس والسادس في انتظار ناشرٍ يتصدى لهما.

هناك أيضا الآيرلندي ديفيد بارك صاحب الرواية الهائلة، وإن تكن صغيرة الحجم «ارتحال في أرض غريبة» التي صدرت مؤخراً عن دار «سدرة» في دولة الإمارات، وأنا أعتبره كاتباً لا يزال مظلوماً ولم يحظَ بعد بما يستحق من مجد وتكريم، وأتمنى أن تسنح لي فرصة لترجمة أعمال أخرى له.

> كيف تعاملت مع مشكلة أن الجُمل طويلة للغاية لدى لازلو كراسناهوركاي، حتى إن جملة واحدة قد تأخذ صفحة ونصف؟

- كانت هذه مشكلة بالفعل وذلك لسببين اثنين: الأول هو صعوبة الأمر، فكيف لي أن أكتب كلاماً يكون مفهوماً للقارئ من غير أن أستخدم فواصل ونقاطاً وما إلى ذلك من علامات الترقيم؟ وأما السبب الثاني فهو الخشية من جور «المحرر» لدى دار النشر فهو المسؤول عن «مقروئية» الكتاب، التي هي أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى أي ناشر، وذلك خاصة عندما يغامر بأن يقدم إلى القارئ كاتباً لا يزال غير معروف عنده.

والفكرة هنا أنه إن وجد القارئ صعوبة كبيرة في قراءة واحد من كتب كافكا مثلاً فلن يلوم الناشر، ولن يلوم الكاتب ولا المترجم، بل سيلوم نفسه لأن كافكا اسم كبير معروف جداً. لكن عندما يتناول كتاب كراسناهوركاي، ذلك الكاتب الذي كان لا يزال مجهولاً، فسوف تصدمه غرابة أسلوبه، وصعوبة تفكيك جمله بالغة الطول، وسوف يعيد الكتاب إلى مكانه من غير أن يشتريه.

بالتالي كان عليَ أن أبتكر طرقاً أو «حيلاً» من أجل تجزئة الجمل الطويلة جداً مع الإبقاء على نوع من الترابط المحسوس بينها. أعلم أن في هذا قدراً من «خيانة» النص، لكن الترجمة كلها تنطوي دائماً على بعض من هذه الخيانة، وهذه ضريبة لا بد من احتمالها.

> كيف بدأت علاقتك بالترجمة من الأساس؟

- بدأت علاقتي بالترجمة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكني لم أحترفها إلا سنة 2005، ثم اقتصرت على ترجمة الكتب، لا سيما الروايات منذ 2013. وربما تنبغي الإشارة هنا إلى أن دراستي الجامعية بكلية الهندسة لا علاقة لها بالترجمة من قريب أو بعيد. لكني كنت قارئاً نهماً منذ صغري باللغة العربية. وقد شملت اهتماماتي دائرة واسعة من الموضوعات الأدبية، نثراً وشعراً، والعلمية والتاريخية، ومن أعمال كتّاب اللغة العربية العظام، من قدامى ومعاصرين، كالجاحظ وابن المقفع والمعري وعبد الحميد الكاتب وطه حسين، الذي أراه أهم من كتب بالعربية في العصر الحديث، فكراً ولغةً، وعباس محمود العقاد، وعبد الرحمن بدوي، وغيرهم.

كان لهذه القراءات أثر كبير من حيث صوغ ذائقتي اللغوية وتمتعي بقدر لا بأس به من المرونة أو القدرة على «التلوّن» الأسلوبي بما يناسب النص الذي أعمل على ترجمته. فعلى سبيل المثال، كانت لغتي من حيث المفردات ومن حيث الأسلوب في كتاب «السيرة الذاتية لجون ستيوارت مِل» مختلفة جداً عن لغتي في ترجمة أعمال أندريه دو بوتون.

> إلى أي حد أثرت هجرتك إلى الغرب على مشروعك في الترجمة، وهل ساهمت في توسيع أفق الرؤية والاختيار لديك؟

- لا أعلم كيف أجيب عن هذا السؤال، والحقيقة أنني أحار عندما يواجهني سؤال عن «مشروعي» في الترجمة. لا يستطيع المترجم أن يكون صاحب مشروع في الترجمة إلا إذا كان ناشراً أيضاً، أو ثمة «تحالف» بينه وبين ناشر متمكن. لا أهمية أبداً، ولا جدوى، لأن يقرر المترجم اتخاذ «خط» بعينه في عمله لأن المسألة الجوهرية هنا هي أن تصل أعماله إلى القارئ. وهذه مهمة الناشر.

جلّ ما أستطيعه هو أن أقبل عملاً يُعرض عليّ أو أن أرفضه. وقد تسنح لي أحياناً فرصة اقتراح كتاب أو أكثر، لكن قرار تبني مشروع ترجمة أي كتاب يظل مرتبطاً بعوامل كثيرة تتعلق بالسوق لا يستطيع المترجم تقديرها ولا يستطيع أن يكون مسؤولاً عنها. إن توفر لي ناشر يقبل أن أقترح عليه مشروعاً يشتمل على عدد كبير من الكتب تمثل بجملتها «خطّاً» ذا معالم واضحة، ويمتد العمل عليها فترة طويلة، خمس سنوات مثلاً، أو عشر سنين، فيتبنى ذلك المشروع بحيث أكون متفرغاً له وحده فهذه غاية المنى.

لكن في غياب خيارات من هذا النوع يظل عملي جارياً على مبدأ «من كل بستان زهرة»، ويظل جهدي منصباً على محاولة تقديم أفضل الممكن من بين ما هو متاح. وأما عن أثر الهجرة على عملي فلست أظنه كبيراً مع أن اتساع نظرة المرء إلى العالم يظل أمراً لا مراء فيه.

مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر

> على أي أساس تختار أن تترجم كتاباً وتستبعد آخر؟ لا سيما أن ترجماتك لا تقتصر على اللون الأدبي، وإنما تمتد لتشمل الفلسفة والتنمية البشرية وعلم النفس؟

- أفضل دائماً ترجمة الرواية، لا لشيء إلا لأنني أرى نفسي أجيدها أكثر من غيرها. أي أنني أكون «مرتاحاً» أكثر فتكون الرواية نفسها مرتاحة مثلي. صحيح أن التنوع أمر إيجابي محمود، لكنه لا ينم عن توجه مقصود من جانبي، فأنا أختار من بين ما هو معروض عليّ.

> يلاحظ البعض أن الكتب المصنفة ضمن «الأكثر مبيعاً» تثير اهتمامك، هل هذا صحيح وهل تهتم بمؤشرات السوق التجارية؟

- لا تهمني مؤشرات السوق ولا أتابع حجم مبيعات هذا الكتاب أو ذاك، لكن الكتب «الأكثر مبيعاً» تتصدر اهتمامات الناشرين أكثر الأحيان.

> كيف ترى مشكلات الترجمة في العالم العربي من موقعك في بلغاريا؟

- مشكلات الترجمة في العالم العربي هي نفسها مشكلات القراءة والنشر، نحن قوم لا نحب القراءة... هذا هو الأمر، للأسف. في بلغاريا عدد السكان أقل من سبعة ملايين، ومع ذلك يتراوح عدد النسخ المطبوعة من الكتاب المترجم بين ألف وألفي نسخة. أما في العالم العربي، فيكون الكتاب الذي يبيع ألف نسخة خلال 3 سنين «كتاباً ناجحاً» بالنسبة إلى الناشر. المسألة مسألة سوق، أولاً وأخيراً.

> أخيراً، يمازحك البعض بالقول إن نجم كرة القدم العالمية محمد صلاح ساهم في شهرتك حين نشر غلاف كتاب «فن اللامبالاة» عبر حسابه الرسمي... كيف ترى تفاعل المشاهير مع مؤلفاتك ومع الكتب عموماً؟- لا أعلم شيئاً عن تفاعل المشاهير فأنا لا أتابع أخبارهم، وهذا تقصير مني. وأما ظهور كتاب «فن اللامبالاة» في حساب محمد صلاح، فقد كان ذا أثر كبير جداً على مبيعات الكتاب، وفي جعل اسمي معروفاً أكثر بين القراء. كان أثر صورة صلاح حقيقة وليس مزاحاً، شكراً لأسطورة الكرة؛ وليت المشاهير جميعاً «يعطفون» على الثقافة والكتب، ولو قليلاً.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.