القصص الإنسانية تتصدر جوائز «الجونة السينمائي»

«شاعر» يُتوّج بـ«الذهبية»... و«وين يأخذنا الريح» الأفضل عربياً

أحمد مالك مبتهجاً بأنه أول مصري يفوز بجائزة أفضل ممثل بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك مبتهجاً بأنه أول مصري يفوز بجائزة أفضل ممثل بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)
TT

القصص الإنسانية تتصدر جوائز «الجونة السينمائي»

أحمد مالك مبتهجاً بأنه أول مصري يفوز بجائزة أفضل ممثل بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)
أحمد مالك مبتهجاً بأنه أول مصري يفوز بجائزة أفضل ممثل بمهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

تصدرت القصص الإنسانية جوائز مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة التي عَدّها نقاد من أنجح دوراته.

وأكد عمرو منسي المدير التنفيذي للمهرجان خلال حفل الختام الذي أقيم مساء الجمعة، اهتمام «الجونة السينمائي» بالتركيز على الصناعة وتأكيد شعاره «سينما من أجل الإنسانية»، مدللاً بالأرقام على أن المهرجان الذي قيل عنه إنه مهرجان للنُّخبة بات مهرجاناً جماهيرياً حقيقياً، متحدثاً عن استضافة 120 شاباً من صنّاع الأفلام لحضوره، وتلقي 7500 طلب اعتماد بعد أن كان 5500 في العام الماضي، كما ارتفع عدد تذاكر السينما من 20 ألفاً إلى 33 ألف تذكرة.

ورغم أن المهرجان يقيم مسابقة لهذا الشعار تعتمد أفلامها على إبراز الجانب الإنساني وتمنح جوائزها بتصويت الجمهور، فإن أغلب اختياراته اتسمت بالتركيز على طرح القضايا الإنسانية عبر قصص مؤثرة من مختلف بلدان العالم.

وأعلنت لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة برئاسة الفنانة ليلى علوي، فوز الفيلم الكولومبي «شاعر» للمخرج سيكون ميسا سوتو بجائزة «نجمة الجونة الذهبية» لأفضل فيلم، والذي تناول قصة بطله الشاعر الذي لم يجلب له الشعر أي مجد، في حين حصد فيلم «لُو المحظوظ»، من إنتاج كندا والولايات المتحدة وإخراج تشوي لويد لي، جائزة «نجمة الجونة الفضية»، ويتتبع الفيلم عامل توصيل الطلبات «لو» حين يبدأ عالمه الهش في الانهيار بعد أن يفقد عمله.

ليلى علوي ترأست لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة بالمهرجان (إدارة المهرجان)

بينما فازت ليا دروكير بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم «من أجل آدم»، وهو إنتاج فرنسي - بلجيكي، وقد برعت بطلته في أداء شخصية كبيرة الممرضات التي تواجه معضلة أخلاقية عميقة. ومنحت لجنة التحكيم جائزة أفضل فيلم عربي للتونسي «وين يأخذنا الريح»، من إخراج آمال القلاتي في أول أفلامها الطويلة، والذي يروي قصة شاب وفتاة يحاولان الهروب من واقعهما.

المخرجة التونسية آمال القلاتي الفائزة بجائزة أفضل فيلم عربي (إدارة المهرجان)

وشهدت الدورة الثامنة فعاليات عدة، من بينها الاحتفال بمئوية ميلاد المخرج يوسف شاهين التي توافق 25 يناير (كانون الثاني) 2026، وإقامة معرض استيعادي له على غرار فيلمه الشهير «باب الحديد»، بجانب الاحتفال بمرور 50 عاماً على انطلاق مسيرة الفنانة يسرا تحت عنوان «50 YEARS OF YOUSRA»، والذي تضمن توثيقاً لأفلامها عبر خمسة عقود، منذ بدايتها منتصف سبعينات القرن الماضي حتى باتت أهم نجمات السينما العربية.

كما حلت النجمة العالمية كيت بلانشيت ضيفة على المهرجان الذي منحها جائزة «بطلة الإنسانية» تقديراً لجهودها تجاه قضايا اللاجئين.

وأُقيم حفل الختام بحضور كبير من الفنانين وصنّاع الأفلام، كما حضره سكوت إيستوود نجل النجم العالمي كلينت إستوود حيث ظهر على «الريد كاربت»، غير أنه لم يصعد على المسرح.

وشهد الحفل تكريم المهندس نجيب ساويرس للفنان العراقي إنتشال التميمي الذي شغل منصب مدير المهرجان منذ دورته الأولى، قبل أن ينضم لاحقاً لعضوية المجلس الاستشاري الدولي للمهرجان، تقديراً لدوره البارز في ترسيخ «الجونة السينمائي».

نجيب ساويرس خلال تكريمه لإنتشال التميمي في حفل الختام (إدارة المهرجان)

ورأى الناقد الجزائري نبيل حاج أن مهرجان الجونة السينمائي عزز مكانته في المنطقة العربية والإقليمية عبر دورته الثامنة، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «منصة (سيني جونة) تُعد نقطة مهمة تؤكد مكانته في دعم الأفلام العربية».

وأشاد حاج بـ«تميز اختيارات الأفلام المختلفة؛ ما مكّنه من مشاهدة كثير من الأفلام التي تُوجت بالجوائز في المهرجانات العالمية»، لافتاً إلى «اهتمام المهرجان بمشاركة كم كبير من الأفلام المصرية التي تتيح اكتشاف الأصوات الجديدة من المخرجين في أفلامهم الأولى، وكذلك التنظيم الجيد الذي يُعد نقطة مهمة في نجاحه»، حسبما يقول.

وحازت السينما المصرية 5 جوائز بالمهرجان، وهي الجائزة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة لفيلم «المستعمرة» للمخرج محمد رشاد، وتُوج الممثل الشاب أحمد مالك بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم «كولونيا» الذي أدى من خلاله دور ابن تتعقد علاقته بأبيه الذي يراه ابناً عاقاً، وعبّر الفنان عن سعادته بالجائزة كأول ممثل مصري يفوز بها، وقد شارك بالمهرجان منذ دورته الأولى بفيلم «الشيخ جاكسون».

نمير عبد المسيح يحمل جائزتَي فيلم «الحياة بعد سهام» (إدارة المهرجان)

في حين فاز الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح بجائزتين في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، هما جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي و«الجونة الفضية» لأفضل فيلم، وهو يتناول في إطار إنساني وفاة الأم «سهام» بعد إصابتها بالسرطان.

وحاز فيلم «عيد ميلاد سعيد» للمخرجة سارة جوهر جائزة الجمهور بمسابقة «سينما من أجل الإنسانية» مع فيلم «ضع روحك على يدك وامش» للمخرجة الإيرانية سبيده فارسي الذي يتضمن محادثات المخرجة مع المصورة الفلسطينية فاطمة حسونة خلال حرب غزة، قبل أن تسقط المصورة برصاص الاحتلال.

المخرج ديمينج تشين وأحد صنّاع فيلم «دائماً» المتوج بالنجمة الذهبية كأفضل وثائقي (إدارة المهرجان)

وحصل فيلم «دائماً»، إنتاج الولايات المتحدة وفرنسا والصين، على جائزة الجونة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي لمخرجه ديمينج تشين.

ورأى الناقد العراقي قيس قاسم أن بعض أفلام المهرجان تعرضت لـ«غُبن» بخروجها من دون جوائز على غرار فيلم «أب أم أخ أخت» لجيم جارموش، وفيلم «أورويل: 2+2=5» الذي كان يستحق جائزة أكبر، والفيلم الفنلندي «الأحلام»، وهي في رأيه أفلام خارج المألوف وتستحق جوائز، لا سيما السينما الاسكندنافية، مؤكداً احترامه لقرارات لجان التحكيم التي يبقى لها تقييمها الخاص.

بطل فيلم «شاعر» يعبّر عن فرحته بفوزه بالجائزة الذهبية لأفضل فيلم (إدارة المهرجان)

ولفت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أهم ما ميز الدورة الثامنة هو حضور الجمهور بعدما كان المهرجان يوصف بأنه (نخبوي)؛ فلقد لاحظت بنفسي من خلال العروض السينمائية وجود آلاف من الجمهور برغم أن المهرجان يقام في منتجع مغلق، لكنه حقق جذباً جماهيرياً».


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية.

أحمد عدلي (القاهرة )
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق من اليسار ريان كوغلر وكلوي تشاو وغييرمو دل تورو وبول توماس أندرسن وجوش صفدي (غيتي)

«نقابة المخرجين»... تاريخ حافل وحاضر مزدهر

لا يمكن الاستهانة بتأثير جوائز النقابة على جوائز الأوسكار

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.