تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية يعيش متخفياً في شقة لندنية متواضعة

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت
TT

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

تِمْ بيرنرزــ لي يمزج بين سيرته الذاتية وتاريخ الإنترنت

إنّها لمفارقةٌ صارخة أن يكون أباطرة التقنية الرقمية المعاصرون ملء السمع والبصر كلّ حين؛ لكنّ (الصانع الأمهر) الذي مكّنهم من أن يصيروا أباطرةً في هذا العالم يعيش مختفياً في شقة لندنية متواضعة، ولو شاء لبزّ الجميع في ثروته. إنّه السير تِمْ بيرنرز- لي Tim Berners-Lee، أوّلُ من ابتدع فكرة الشبكة العالمية World Wide Web، أو الإنترنت.

يُعرَفُ عن بيرنرز - لي في أثناء عمله أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات في مختبر سيرن للأبحاث النووية في جنيف بسويسرا أنّه اقترح فكرة ربط الوثائق عبر الإنترنت باستخدام روابط تشعبية (hyperlinks) وبروتوكولات مثل HTTP و HTML، والتي صارت لاحقاً حجر الأساس في فلسفة الربط الشبكي المعلوماتي العالمي. اعتمد السير لي منذ بواكير عمله الثوري قراراً أخلاقياً صارماً حين أتاح شفرة المشروع (الويب) للعامة مجاناً دونما احتكار أو حقوق ملكية؛ الأمر الذي ساعد في انتشار الشبكة بسرعة. أسّس لي مع جهات أخرى اتحاد الويب (World Wide Web Consortium) الذي يرمزُ له W3C، وذلك لضمان معايير موحدة ومفتوحة لشبكة العالمية. من المشاريع التي يشارك بها لي الآن، ويدعمها بقوة هو مشروع Solid الذي يهدف إلى إعادة سيطرة المُسْتخدِم على بياناته عبر تخزينها في «وحدات بيانات شخصية Data Pods» بدلاً من جعلها ملكية مشاعة للشركات المتغوّلة المهيمنة على فعاليات الشبكة العالمية والتي جعلتها وسيلة للتربّح الفاحش. على الصعيد الشخصي يعرَفُ عن لي أنّ لديه خلفية أكاديمية وعملية راسخة، وهو معروف بدعمه للمبادئ الأخلاقية في التقنية مثل حرية الإنترنت، وحقوق الخصوصية، والحياد الشبكي net neutrality (أي عدم جعل الشبكة منصّة للترويج الآيديولوجي والسياسي المشخّص أو المستهدَف).

نشر السير لي هذه السنة (2025) كتاباً جديداً يجمع بين سيرته الذاتية والفلسفة التقنية للشبكة العالمية، وأظنّه فعل حسناً؛ إذ زاوج بين سيرته والشبكة العالمية لأنْ لا انفصام بينهما، تماماً كما أنّ النظرية النسبية تعدُّ جزءاً بنيوياً من سيرة ألبرت آينشتاين. عنوان الكتاب:

هذا للجميع: القصة غير المكتملة للشبكة العالمية This is for Everyone: The Unfinished Story of the World Wide Web،

يمتدّ الكتاب على 400 صفحة، مازجاً بطريقة عضوية بارعة بين السيرة الذاتية وتاريخ الشبكة العالمية، فضلاً عن تقديمه تحليلاً للتحدّيات التي تواجه هذه الشبكة اليوم، مع اقتراحات لإصلاح أو إعادة التوازن لبلوغ شبكة أكثر إنسانية. الكتاب تركيبة كولاجية مشوّقة تجمع بين القصص الشخصية، والتفاصيل التقنية، والرؤى المستقبلية.

يبدأ الكتاب بمقدّمة تمهيدية Prologue تضع القارئ في سياق التوتر بين الوعد الأصلي لمبتدع الشبكة - كفضاء مفتوح، شفاف، مشترك للجميع - وبين الواقع الذي أصبح فيه جزء من الشبكة مركزياً من حيث السيطرة والربحية اللتين تخضعان بالكامل للهيئة الإمبراطورية التقنية للشركات الكبرى المعروفة.

بعد المقدّمة الضرورية التي تشرح خريطة الأفكار الكبرى في الكتاب يشرع المؤلف عبر 19 فصلاً في حكاية سيرته المتعشّقة مع الشبكة العالمية. في الفصل الأوّل المسمّى (الأيام المبكّرة) يسرد المؤلف المراحل الأولى لميلاد الأفكار التي قادت إلى تخليق الشبكة العالمية. يتحدّث عن طفولته، وانجذابه لسحر الحاسوب، وتجاربه المبكرة وارتباطها بشغفه اللامحدود لفكرة المعلومات. في الفصل الثاني يحكي المؤلف عن دوره في مختبر CERN، وكيف تطورت فكرة الشبكة العالمية هناك، والتحديات التقنية والتنظيمية التي واجهت المشروع داخل المؤسسة العالمية، ثمّ يتناول في الفصل الثالث لحظة «انطلاق» المشروع: كيف بدأ المشروع يأخذ شكله العملي، كيف بدأ الربط، الاختبارات الأولى، والانتشار البطيء في المجتمعات العلمية. ثم يمضي المؤلف في الفصول اللاحقة في تفصيل التطورات التي حصلت لفكرة الشبكة العالمية، مع شرح خبير للمعضلات التقنية والأخلاقية التي توقّع منذ البدء نشأتها مع مشروع عالمي القياس كالشبكة العالمية. ليس مِنْ تقنية أكثر تأثيراً فينا من الشبكة العالمية بسبب شيوعها على مقياس عالمي، وقدرتها على بلوغ كلّ فرد (أي بمعنى عدم اقتصارها على جماعات نخبوية)، وتأثيرها في تشكيل وصياغة التوجّهات الفردية على كلّ المستويات، ولتجاوزها محدّدات التكلفة واشتراطات الزمان والمكان والعوائق الجغرافية والعرقية.

لو شئنا الإشارة إلى أهمّ الأفكار التي أوردها السير لي في كتابه فيمكن تلخيصُها في التالي: بدأت الشبكة العالمية كمبادرة مفتوحة وتعليمية الطابع بغرض ربط العلماء معلوماتياً مع بعضهم بدلاً من المرابحة وجني الأموال كما يحصل اليوم. يشير لي في ملاحظة كاشفة أنّه عمل على تحرير هذا النظام، وجعله متاحاً خارج الأسوار الأكاديمية والبحثية حتى تعمّ الفائدة منه أكبر الأوساط الممكنة سعياً وراء المنفعة المجتمعية (الحكومات، المؤسسات الأكاديمية العالمية مثل الجامعات). لن يتغافل لي أيضاً عن التهديدات واسعة النطاق التي تواجه (روح الشبكة العالمية) بسبب التوسع التجاري، وظهور منصّات تسيطر على البيانات، وتستغلُّ المستخدِمين كمنتِجين للمحتوى، وتبيع انتباههم للإعلانات، وتستخدم تقنيات تتبّع وجمع بيانات كثيفة. يؤكّد لي أيضاً على تعاظم المركزية في الشبكة العالمية مقابل ضمور اللامركزية فيها، وأنّ كثيراً من مزايا الشبكة العالمية قد تراجعت بسبب بروز منصات مركزية (مثل فيسبوك، غوغل،...). يدعو لي إلى تعزيز مفهوم وممارسة اللامركزية في الشبكة العالمية؛ بمعنى بناء بنى لا مركزية تعيد السلطة للمستخدمين، وتخفف سطوة الإمبراطوريات التقنية الاحتكارية للشبكة؛ ولأجل تحقيق هذه الرؤية الطموحة يدعو لي - كما ذكرتُ في ملاحظة سابقة بشأن مشروعه المسمّى Solid- لتخليق مفهوم (وحدات البيانات الشخصية) لتكون بديلاً عن نماذج التحكم المركزي للشركات العملاقة. تتأسّس فكرة هذا المشروع حول أنّ كلّ مستخدم يمتلك مخزونه الخاص من البيانات التي بمستطاعه مشاركتُها مع من يختار، بدلاً من أن تكون ملكية مُحتكرة من قبل شركات ضخمة توظّفها كما تشاء. يؤكّد لي أيضاً فكرة غاية في الأهمية، وأظنّها هي الخصيصة السيكولوجية التي تعتمدها الشركات المتغوّلة لتعظيم أرباحها. يوجّه لي سهام النقد المُر لشيوع فكرة الانتباه مقابل النية Attention vs. Intention السائدة اليوم- هذا النموذج القائم على الشدّ المستمر لإثارة اهتمام المستخدم، ويقترح أنّ النمو التقني يجب أن يُوجَّه لخدمة نوايا المستخدم الحقيقية، وليس للسيطرة على انتباهه بغية حرفه عن مقاصده الأصلية نحو ما تسعى إليه الشركات لا ما يسعى هو إليه. لن يتناسى لي بالتأكيد الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته، خصوصاً أنّه قد أصبح البشير بعصر تنوير جديد بدلاً من كونه محض ثورة تقنية جديدة. يناقش لي في هذا الشأن التأثير المتزايد للتعلّم الآلي على المحتوى والتوصية والتحكم، ويحذّرُ من أنّ هذه التقنيات المقترنة بالذكاء الاصطناعي قد تُستخدَمُ لتعميق التحيزات الضارة. لا يغفل لي عن الإشارة إلى العلاقة العضوية بين التقنية والمجتمع، ويكرّرُ في غير موضع من الكتاب أنّ القرارات التقنية ليست محايدة، بل تعكس قيماً سياسية واجتماعية محدّدة، وأنّ تغييرات بسيطة في التصميم والتنفيذ للمشروعات التقنية الكبرى (على شاكلة الشبكة العالمية) قد تؤدي إلى متغيّرات كبيرة غير متوقّعة على السلوك الجمعي العام. يدعو لي للعمل الجماعي في مواجهة المعضلات الخاصة بالشبكة العالمية. لا يرى لي أنّ الحلول فردية فقط؛ بل يعتمد الأمر على تعاون الحكومات، والمؤسسات، والمجتمعات التقنية، والمستخدمين أنفسهم، كما يشدّد على أهمية المبادرات ذات النطاق العالمي، ويقدّم مبادرة مثل Contract for the Web مثالاً عملياً فاعلاً على المستوى العالمي.

*****

انتقد بعض مراجعي الكتاب في الصحف العالمية على أساس إسهابه في عرض الفكرة الأساسية (الشبكة العالمية للجميع) على نحو خطابي أشبه بالبيان الأخلاقي أكثر من كونه تحليلاً متعمقاً، كما أشاروا إلى أنّ لي معروف بكونه مهندساً ومفكراً تقنياً؛ لكنه ليس كاتباً أدبياً؛ لذا فإنّ لغته، رغم وضوحها، تميل إلى الجفاف الأكاديمي أحياناً.

يأخذ كثير من النقاد على لي مثاليته الأخلاقية لكونه يُقلّل من قوة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تتحكم حالياً في الشبكة العالمية، ويضيفون أنّ مقترحاته - مثل مشروع Solid أو ميثاق الشبكة العالمية - تُعد جميلة كتأسيس نظري؛ لكنها تبدو صعبة التطبيق عملياً في عالم تحكمه شركات عملاقة مثل ميتا وغوغل وأمازون.

من جانبي أظنُّ أنّ الكتاب عظيم الأهمية من الوجهتين الفكرية والتاريخية حتى لو بدا فيه لي أقرب إلى (غورو) أخلاقي. ليس بالضرورة أن يقدّم الكتاب حلولاً تقنية أو يوغل في مقارباته العملية المتناغمة مع اشتراطات السياسة والتربح المالي. قيمة الكتاب تكمن في تحريك الضمير العالمي عبر إعادة طرح الأسئلة الأخلاقية حول واقع ومستقبل الشبكة العالمية من جانب (الأب) المؤسس لها الذي ارتضى العيش في شقة لندنية فقيرة، ولو شاء ربما لكان أوّل تريليونير في العالم.


مقالات ذات صلة

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».