هل تخفف زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى إسرائيل التوترات بين البلدين؟

نتنياهو ناقش مع رشاد «تعزيز السلام»

صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
TT

هل تخفف زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى إسرائيل التوترات بين البلدين؟

صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)
صورة أرشيفية للقاء سابق جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيويورك (الرئاسة المصرية)

شكلت زيارة رئيس المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد، إلى إسرائيل، الثلاثاء، ضمن جهود الوسطاء لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، نقطة فارقة في العلاقات بين البلدين، التي شهدت توترات متفاقمة، منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل عامين، وصلت إلى حد مخاوف من «احتمالية مواجهة عسكرية»، فضلاً عن اتهامات بـ«خرق معاهدة السلام»، الموقعة منذ عام 1979.

وتعد زيارة رشاد، الأولى لمسؤول مصري منذ الحرب الإسرائيلية على غزة... والتقى خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتطرقا وفق بيان لمكتب الأخير، إلى «العلاقات المصرية الإسرائيلية، وتعزيز السلام بين البلدين»، ما عده مراقبون «بداية لاحتواء التوترات».

رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد (القاهرة الإخبارية)

وتراجعات العلاقات بين البلدين إلى مستوياتها الدنيا، مع السيطرة الإسرائيلية على «محور فيلادلفيا»، والتحكم بالجانب الفلسطيني من معبر رفح، ورفض مصر الاعتراف بذلك.

وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الدوحة، في سبتمبر (أيلول) الماضي، من أن استمرار الحرب في غزة «يقوض عملية السلام»، قائلاً: «لشعب إسرائيل أقول: إن ما يجرى حالياً يقوض مستقبل السلام، ويهدد أمنكم وأمن جميع شعوب المنطقة، ويضع العراقيل أمام أي فرص لأي اتفاقيات سلام جديدة، بل يجهض اتفاقات السلام القائمة مع دول المنطقة، وحينها ستكون العواقب وخيمة».

وعدّ الخبير العسكري ورئيس «المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية»، العميد سمير راغب، أن زيارة رشاد تأتي ضمن سياسة مصرية لـ«اختراق دوائر صنع القرار في إسرائيل» التي بدأت بالاتصال الذي تم بين السيسي ونتنياهو خلال زيارة ترمب لإسرائيل 13 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وكانت الرئاسة المصرية قالت، إن السيسي تلقى اتصالاً تليفونياً من ترمب، ونتنياهو الذي تحدث أيضاً مع الرئيس وتم الاتفاق على حضوره قمة السلام في شرم الشيخ، وهو القرار الذي تراجع عنه نتنياهو لاحقاً ولم يشارك في القمة، بداعي «قرب الأعياد» الإسرائيلية.

وأضاف راغب: «التوترات بين مصر وإسرائيل ظلت في إطار من السلام؛ فحتى مع انخفاض التواصل في مراحل سابقة، لم يصل إلى القطيعة، والآن يعود لمستويات رفيعة».

واتهم الإعلام الإسرائيلي، مصر، مرات عديدة، باختراق «اتفاقية السلام» الموقعة بين البلدين، وذكر موقع «أكسيوس» الأميركي، الشهر الماضي، أن نتنياهو طلب من إدارة ترمب الضغط على مصر لتقليص «الحشد العسكري الحالي» في سيناء.

وهو ما ردت عليه «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» سريعاً، وأكدت أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

لقاء الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والأميركي دونالد ترمب على هامش قمة السلام في شرم الشيخ (الرئاسة المصرية)

ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية عدة، خلال الفترة الماضية، تقارير تحدثت عن رفض الرئيس المصري تلقي اتصالات من نتنياهو، تزامن ذلك مع رفض مصر تسمية سفير جديد لها لدى إسرائيل، وعدم اعتماد الخارجية المصرية أوراق السفير الإسرائيلي.

ويرى عضو «لجنة الدفاع والأمن القومي» في مجلس النواب، يحيى كدواني، أن زيارة رشاد لإسرائيل «مهمة وتأتي في إطار منع انفجار الأوضاع، خصوصاً في ظل الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار على مدار الأيام الماضية، وعرقلتها المرحلة الثانية من الاتفاق».

وتتضمن المرحلة الثانية، النقاش حول إعادة إعمار قطاع غزة ومصير سلاح حركة «حماس»، وطريقة إدارة القطاع ما بعد الحرب، فيما تستعد القاهرة لاستضافة مؤتمر لإعادة إعمار غزة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وتبرز أهمية زيارة رشاد لإسرائيل، وفق راغب، انطلاقاً من أن «العمل مع فريق تفاوض لن يصل إلى الأهداف المرجوة في المراحل المقبلة، خصوصاً في ظل المركزية الشديدة المعروف بها نتنياهو، لذا فإن الحضور المصري في إسرائيل مهم، للتأثير على قرار نتنياهو، ودفع عملية وقف النار في غزة وتنفيذ المراحل المقبلة».

وعدّ كدواني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الزيارة «بداية لتخفيف التوترات بين البلدين، بينما تترقب مصر نهج إسرائيل القادم ومدى التزامها بالاتفاق».

ويتجاوز راغب هدف «تخفيف التوترات» من الزيارة، إلى «تكسير الفجوات» و«تغيير المواقف»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن«رشاد هو أعلى مسؤول مصري في هذا الملف بعد الرئيس، لذا فإننا أمام زيارة رفيعة المستوى، وتعد ضرورية لدفع عملية السلام».

وأضاف الخبير العسكري: «مصر استطاعت أن تؤثر على حماس، والمطلوب الآن أن ينتقل هذا التأثير إلى إسرائيل، ونلمح حلحلة لمواقفها المتجمدة».

ولم يستبعد راغب «تكرار زيارة رشاد أو غيره من المسؤولين المصريين إلى إسرائيل الفترة المقبلة، حال دعت الضرورة لذلك»، متوقعاً أن «تأتي زيارة رئيس المخابرات بثمارها وتفتح مسار أمام الاتصالات والمفاوضات مع الوفود».


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد رفض تهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الجغرافي لغزة والضفة

شمال افريقيا الرئيس السيسي قال: «نتطلع إلى تضافر الجهود الدولية لتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين في قطاع غزة» (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض تهجير الفلسطينيين وتغيير الواقع الجغرافي لغزة والضفة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «رفض بلاده القاطع لأي محاولات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي أو الجغرافي في قطاع غزة والضفة الغربية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

أكّد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أنه وثّق خلال الأسبوعين الماضيين توسعاً غربياً لمناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية ناشطون يساريون يرفعون لافتات خلال مسيرة تدعو إلى تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية في تل أبيب بإسرائيل يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

إسرائيل أمام مأزق تشكيل الحكومة... والأحزاب العربية قد ترجّح الكفة

تفتح نتائج الانتخابات الإسرائيلية مفاوضات معقدة لتشكيل الحكومة بعد إخفاق نتنياهو والمعارضة في نيل الأغلبية، وسط دور محتمل للأحزاب العربية في تأمين الأغلبية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون حطام مركبة دُمرت في غارة جوية إسرائيلية بمخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة 29 أكتوبر 2026 (أ.ب)

قتيلان فلسطينيان بقصف إسرائيلي استهدف حافلة مدنية وسط غزة

قُتل فلسطينيان وأُصيب آخرون بينهم حالات حرجة، اليوم الخميس، جراء قصف طائرة مُسيّرة تابعة للجيش الإسرائيلي حافلة مدنية قرب مدخل مخيم المغازي وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

خاص كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

يشدّد خبيران على أن تعويض سنوات التعليم الضائعة لأطفال غزة يبدأ بتقييم مهاراتهم، ويتطلّب دراسة منتظمة وبيئة آمنة ودعماً نفسياً وصحياً ومساندة المعلّمين.

شادي عبد الساتر (بيروت)

انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصومال بعد ثلاثة عقود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
TT

انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الصومال بعد ثلاثة عقود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ب)

انتهت مهمة بعثة الأمم المتحدة السياسية في الصومال، اليوم السبت، بعد عامين من دعم المرحلة الانتقالية، لتُختتم بذلك أكثر من ثلاثة عقود من جهود المنظمة الدولية لبناء السلام في البلاد.

أنشئت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM) عام 2013 لدعم السلطات الصومالية في عملية الانتقال نحو الديمقراطية وسيادة القانون بعد أكثر من عقدين من نزاع انخرطت فيه ميليشيات وجماعات متطرفة وعصابات إجرامية.

بدأت البعثة عملها تحت مسمى المكتب السياسي للأمم المتحدة في الصومال (UNPOS) عام 1995. وفي مايو (أيار) 2024، طلب الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من الأمم المتحدة إنهاء مهمة البعثة قبل انتهاء ولايتها في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. ثم عدّل طلبه لاحقاً، مقترحاً فترة انتقالية مدتها عامان.

خلال هذه الفترة، باتت التسمية بعثة الأمم المتحدة للمساعدة الانتقالية في الصومال (UNTMIS).

مسلحون من حركة «الشباب» في شمال مقديشو (أ.ب)

وقال رايزدون زينينغا، القائم بأعمال البعثة ونائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في الصومال في بيان: «لا يشكل اليوم نهاية للشراكة بين الأمم المتحدة والصومال، بل يمثل طيّ صفحة وفتح صفحة جديدة».

وأضاف: «رغم استمرار التحديات الكبيرة، فإنّ انتهاء فترة عمل بعثة الأمم المتحدة الانتقالية في الصومال يأتي بعد أن أحرزت البلاد تقدّماً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الأولى للجهود الدولية الرامية إلى دعم تعافيها»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُقلت مهام البعثة إما إلى مؤسسات صومالية وإما إلى فريق الأمم المتحدة في الصومال.

ويأتي هذا التطور في ظل استمرار سيطرة حركة «الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، على مساحات شاسعة من وسط الصومال، رغم الحملة العسكرية الدولية الواسعة ضدها.


وزير الخارجية المصري: نخشى أن يكون أي تصعيد في حرب أميركا وإيران أكثر تدميراً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

وزير الخارجية المصري: نخشى أن يكون أي تصعيد في حرب أميركا وإيران أكثر تدميراً

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيقوسيا بقبرص يوم 5 سبتمبر 2025 (أرشيفية - رويترز)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (السبت) إنه «قلق للغاية» من أن يؤدي أي تصعيد جديد في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى مزيد من الدمار وأن تكون له تداعيات خطيرة.

جاء ذلك خلال كلمته في قمة الحوار الأمني التي ينظمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في المنامة بالبحرين. وقال: «ستكون الجولة القادمة أكثر خطورة وأكثر تدميراً، ولن تؤدي إلى أي نتيجة. علينا استخلاص الدروس من الماضي»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

ولم ينجح اتفاق مؤقت جرى التوصل إليه في يونيو (حزيران) في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار في الحرب مع إيران أو إعادة حركة الشحن إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز. ومنذ ذلك الحين اقترحت إيران أن ترفع واشنطن حصارها على الموانئ الإيرانية مقابل أن تعيد طهران فتح الممر المائي المتعطل خلال سبعة أيام.

وعاد الوسطاء القطريون إلى طهران أمس الجمعة في محاولة متجددة للتوصل إلى اتفاق، لكن الجانبين لا يزالان مختلفين بشأن ما إذا كان ينبغي أن تأتي المفاوضات النووية أولا أم تخفيف الحصار والعقوبات النفطية.


ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
TT

ماذا يعني إلغاء بعثة «المينورسو» لمستقبل الصحراء المغربية؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

أدخلت القيادة الروسية ملف الصحراء المغربية في نفق جيوسياسي غير مسبوق، بعد استخدامها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لإسقاط مشروع القرار الأميركي المعدل رقم S/2026/868، والذي كان يهدف إلى إحداث تحول جذري في طبيعة النزاع الإقليمي البنيوي.

ورغم نجاح المسودة الأميركية في حشد تأييد إحدى عشرة دولة عضواً داخل المجلس، فإنّ الفيتو الروسي المباغت أجهض المقترح في مهد التنفيذ.

ولم يتأخر الرد الأميركي كثيراً، إذ سارعت واشنطن، بصفتها «حاملة القلم» والصائغة للملف، إلى استخدام فيتو مضاد عطلت بموجبه مسودة قرار روسية بديلة كانت تقترح التمديد التقني التقليدي للبعثة الأممية دون المساس ببنيتها الأساسية.

هذا الكباش الدبلوماسي العنيف بين القوتين العظميين أدى مباشرة إلى إعلان العاهل المغربي الملك محمد السادس، عبر بلاغ رسمي عاجل صادر عن الديوان الملكي، طي صفحة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (المينورسو) بعد 35 عاماً من وجودها، مطالباً بسحب الملف بالكامل وبشكل نهائي من جدول أعمال مجلس الأمن الدولي باعتباره سياقاً عفى عليه الزمن، وثبت فشله على أرض الواقع.

صراع المرجعيات القانونية وامتداد إرث القرار 2797

تكمن الدقة الهيكلية للخلاف الأطلسي في تباين المرجعيات التنظيمية التي حاول كل طرف فرضها، وهي المواجهة التي بدأت تتبلور ملامحها منذ اعتماد القرار رقم 2797 في 31 من أكتوبر لعام 2025.

وكان ذلك القرار الاستراتيجي قد أحدث تحولاً تاريخياً حين زكّى بوضوح المقترح المغربي للحكم الذاتي كأساس وحيد للمفاوضات، واستبعد الخيارات الأخرى. وجاءت المسودة الأميركية الحالية لتنبثق من روح القرار 2797 عبر السعي لتكريس الحكم الذاتي الموسع كمرجعية حصرية ونهائية، مع شطب كلمة «الاستفتاء» تماماً من القاموس الأممي، وتقليص المكون العسكري للبعثة تمهيداً لتصفيتها الإدارية.

في المقابل، جاء التحرك الروسي الحالي بمثابة محاولة لفرملة هذا المسار القانوني الذي ثبّته القرار 2797، حيث اعترض المندوب الدائم لموسكو على ما وصفه بـ«محاولة القفز فوق التوازنات»، وطرحت روسيا مشروعها البديل لتمديد الولاية حتى 31 من أكتوبر لعام 2027، مع الحفاظ التام على مسمى «المينورسو»، وطبيعة مهامها التقليدية، لترك الباب موارباً أمام تأويلات مرنة تشمل كافة الأطراف، بما فيها الجزائر، وجبهة البوليساريو.

ماذا يعني ذلك للأطراف المتنازعة ومعادلة الحلفاء؟

يمثل هذا التحول الجذري في المقاربة الدولية إعادة ترتيب كاملة لأوراق القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف، فعلى مستوى الحلفاء الدوليين، يضع هذا الانسداد الأممي عواصم أوروبية رئيسة -مثل باريس ومدريد- أمام واقع جديد يتطلب نقل دعمهما السياسي لمبادرة الحكم الذاتي من قاعات التصويت في نيويورك إلى آليات الشراكة الثنائية والاقتصادية المباشرة مع الرباط، وهو المسار الذي باتت تفضله الدبلوماسية المغربية كبديل للمنظومة الأممية.

وفي المقابل، تجد القوى الداعمة للمقاربة التقليدية، بما فيها العواصم الأفريقية الحليفة للجزائر، أن الفيتو الروسي نجح في تجميد المسعى الأميركي لتغيير القواعد القانونية، لكنه في الوقت ذاته نقل عبء إدارة الاستقرار إلى الفواعل المحلية، مما يفرض على شبكة التحالفات الإقليمية إعادة صياغة استراتيجياتها للتعامل مع مغرب يتحرك على أرضه بسيادة كاملة متحررة من رقابة الأمم المتحدة، وجبهة بوليساريو تبحث عن مسارات بديلة لتعويض غطاء مجلس الأمن.

ماذا بعد الفراغ المؤسساتي ومستقبل الاستقرار الإقليمي

تتجه الأوضاع في المنطقة نحو مرحلة جديدة من إدارة النزاع على أرض الواقع في ظل انتهاء تفويض بعثة «المينورسو» دون تجديده، وهو ما ينهي رسمياً دور المجتمع الدولي كطرف ثالث ومراقب محايد لخطوط التماس، ووقف إطلاق النار.

ومع غياب هذا الإطار الأممي، يتحلل الطرفان من القيود الدبلوماسية التي كانت تفرضها التزامات مجلس الأمن الدولي، لتصبح القرارات الميدانية محكومة بالرؤية السيادية لكل طرف، إذ يرى المغرب في غياب البعثة فرصة لإنهاء الوضع المؤقت، ومباشرة إدارة وتنمية كامل أراضيه بشكل طبيعي وقانوني دون قيود تقارير الأمم المتحدة، بينما تجد جبهة البوليساريو، مدعومة بالجزائر، أن غياب المنصة الأممية يضعف قنوات الفصيل السياسي التي كانت تطالب عبرها بالاستفتاء.

هذا التحول المؤسساتي ينقل الملف بشكل كامل من أروقة الأمم المتحدة المغلقة إلى مسارات الحسم الميداني، والدبلوماسية الثنائية المباشرة، حيث ستتحدد معالم الاستقرار والسيادة المستقبلية في شمال أفريقيا بناءً على التدابير السيادية المباشرة، والتحالفات الإقليمية والدولية لكل طرف.