آمال القلاتي: «وين ياخذنا الريح» رحلة نحو النضج واكتشاف الذات

المخرجة التونسية قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها صُدمت من «غياب الشغف لدى الشباب»

اختارت المخرجة تناول فكرة لا تراها موجودة في السينما بشكل يتناسب مع وجودها بالواقع - الشركة المنتجة
اختارت المخرجة تناول فكرة لا تراها موجودة في السينما بشكل يتناسب مع وجودها بالواقع - الشركة المنتجة
TT

آمال القلاتي: «وين ياخذنا الريح» رحلة نحو النضج واكتشاف الذات

اختارت المخرجة تناول فكرة لا تراها موجودة في السينما بشكل يتناسب مع وجودها بالواقع - الشركة المنتجة
اختارت المخرجة تناول فكرة لا تراها موجودة في السينما بشكل يتناسب مع وجودها بالواقع - الشركة المنتجة

قالت المخرجة التونسية آمال القلاتي إن فيلمها «وين ياخذنا الريح» ولد من رغبتها في رواية قصة عن الصداقة بين رجل وامرأة، كلاهما منجذب للحياة، ولكن العلاقة بينهما لا تتحول إلى حب، مضيفة أن هذا النوع من الصداقة كان دائماً جزءاً من حياتها، ومنحها الكثير لكنها نادراً ما تراه ممثلاً في السينما.

وأضافت القلاتي لـ«الشرق الأوسط» أنها أرادت أيضاً أن تصنع فيلماً مشرقاً ومفعماً بالضوء يتناول مواقف ومشاعر معقدة، مشيرة إلى أن الدافع الأساسي كان الرغبة في التقاط لحظة عابرة من الشباب، تلك المرحلة الهشة قبل النضج الكامل، من دون أن تغيب عن بالها الصعوبات والضغوط الاجتماعية التي ترافق هذه السن في تونس، مع رغبتها في الحديث عن الشباب ومشكلاتهم الاجتماعية مع الحفاظ على روح وخفة تلك المرحلة.

وأكدت القلاتي أن اختيارها لصيغة «فيلم الطريق» جاء لأنها تتيح بناء قصة متطورة تساعد الشخصيات على النمو من خلال تجاربها، مشيرة إلى أن عبور تونس بالسيارة يشكل عبوراً رمزياً أيضاً، ليس فقط عبر المناظر الطبيعية، بل عبر العوالم الداخلية للشخصيات وعلاقتهما ببعضهما بعضاً، فكل محطة وكل عقبة ولقاء على الطريق يمثل خطوة نحو النضج والاكتشاف وفهم الذات ومواجهة المخاوف والهشاشة.

المخرجة التونسية آمال القلاتي (الشرق الأوسط)

تدور أحداث الفيلم الذي يعرض للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي» بنسخته الثامنة حول «عليسة» - المتمردة - التي تقوم بدورها إيا بلاغة، ذات التسعة عشر عاماً، و«مهدي» الذي يقوم بدوره سليم بفار - الشاب الخجول-، ذو الثلاثة والعشرين عاماً، حيث يستعين الثنائي بخيالهما للهروب من واقعهما، وعندما يكتشفان مسابقة تتيح لهما فرصة للهروب، ينطلقان في رحلة طريق إلى جنوب تونس، متجاوزين العقبات التي تعترض طريقهما.

وأوضحت المخرجة التونسية أن الرحلة في الفيلم هي بالأساس استعارة للهروب، فهي تتيح للشخصيتين الهرب من واقعهما، جسدياً وعبر الخيال أيضاً، موضحة أن مشكلة الشباب في تونس تكمن في الرغبة العامة في الهجرة، فالإحباط منتشر بين الشباب من مختلف الطبقات، والهجرة إلى أوروبا ينظر إليها كحل وحيد، كما هو الحال بالنسبة لبطلتها «عليسة»، لكنها أكدت في المقابل أنها كمخرجة لا تتبنى هذه النظرة، بل تؤمن بأن الشباب أنفسهم يحملون الأمل في مستقبل أفضل لتونس.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عربياً ضمن فعاليات مهرجان الجونة - الشركة المنتجة

وتحدثت عن التحديات التي واجهتها خلال التصوير، مؤكدة أن الطقس كان من أكبر العقبات، إذ واجهوا أياماً ماطرة كثيرة في بلد يُعرف عادة بشمسه الساطعة، مما جعلهم في سباق دائم مع الضوء.

وقالت القلاتي إنها عملت كثيراً على بناء العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين، سواء أثناء الكتابة أو خلال العمل مع الممثلين، اللذين كان عليهما أن ينسجا رابطة حقيقية قبل التصوير وفي أثنائه، مشيرة إلى أنها لا ترى تلك العلاقة هشة، بل على العكس تراها في هذه السن قوية إلى حدٍّ يجعلها تبدو غير قابلة للكسر.

وأضافت أن صداقات الشباب بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين تحتل مساحة كبيرة من الحياة والمشاعر، وهي علاقات مكثفة وعاطفية، وهذا ما يجعلها جميلة، لافتة إلى أن «العلاقة بين (عليسة) و(مهدي) قوية للغاية، لكنها لا تخلو من الصدامات، وهو أمر طبيعي في مرحلة يكون فيها كل شيء غير مؤكد، حيث يسعى الإنسان لتحديد ذاته والعالم من حوله».

وقالت إن «أجمل ما في الفيلم أن كل مشاهد يمكنه أن يفسر تلك العلاقة بطريقته الخاصة، البعض يراها حباً، وآخرون يرونها صداقة، معتبرة أن هذا التنوع في التفسير يعني أن الفيلم يترك مساحة لمشاعر الجمهور الخاصة».

وبيّنت أن هذه العلاقة مستوحاة من صداقاتها الشخصية، مشيدة بأداء الممثلين إيّا بلّاغة وسليم بكّار، اللذين قدّما الشخصيتين بأكثر صورة إنسانية وقريبة من الواقع، لافتة إلى أن عملية اختيار الممثلين كانت تقوم على إيجاد الطاقة المناسبة لكل دور على حدة، وكذلك الديناميكية بين الشخصيتين، فكانت حريصة خلال رحلة البحث عن أبطال الفيلم على الحضور القوي والطاقة المتدفقة، والأهم أن يكون هناك اتصال حقيقي بين الممثلين ليبنيا صداقة واقعية على الشاشة.

اختارت المخرجة تناول فكرة لا تراها موجودة في السينما بشكل يتناسب مع وجودها بالواقع - الشركة المنتجة

ولفتت إلى أنها قبل تنفيذ الفيلم أخرجت فيلماً وثائقياً قصيراً عن «دور الشباب» في تونس، وهي أماكن تديرها الدولة ليجتمع فيها الشباب ويمارسوا أنشطة مختلفة، موضحة أنها التقت بشباب من أنحاء البلاد كافة، وأدهشها فقدانهم للثقة في مستقبلهم.

وأشارت إلى أنها «قابلت من هم في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، وكان أقصى حلمهم شراء سيارة أو إيجاد وظيفة مستقرة،»، موضحة أن «ما صدمها هو غياب الشغف والأحلام الكبيرة، وكأن الحلم نفسه بدا وكأنه صار أمراً ممنوعاً، وأن الصعود الاجتماعي مسدود أمام الشباب».

وقالت إن هدفها من الفيلم أن يجد الشباب في تونس والعالم العربي أنفسهم فيه، وأن ترى الأجيال الشابة طاقتها وإبداعها منعكسين على الشاشة، مؤكدة أن تلك الطاقات كثيراً ما تظل غير معترف بها في بلدانهم، مما يؤدي إلى هجرة العقول.

وأضافت القلاتي أن كونها مصورة فوتوغرافية جعل الصورة البصرية جزءاً أساسياً من عملية الإبداع بالنسبة لها، موضحة أنها عملت عن قرب مع مديرة التصوير فريدة مرزوق، ومهندس الديكور خليل خوجة، ومصممة الأزياء شهرزاد مثنّي، لبناء عالم بصري متماسك ومعبر، عبر استخدام العديد من المراجع والرسومات ولوحات المزاج البصري لتوصيل رؤيتها بوضوح.


مقالات ذات صلة

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مدحت صالح من نجوم الدورة الجديدة لمهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

مصر: انفراجة في مهرجان الموسيقى العربية مع عودة بعض النجوم

شهدت أزمة اعتذارات الدورة الـ34 من مهرجان الموسيقى العربية، والتي ستبدأ فعالياتها يوم 20 أكتوبر الحالي، انفراجة ملحوظة.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق مطالبات بسرعة تعيين وزير ثقافة (وزارة الثقافة)

هل تسبب شغور منصب وزير الثقافة بمصر في أزمات فنية؟

بعد مرور نحو 3 أشهر على شغور منصب وزير الثقافة في مصر، ووقوع أزمات عدة بالآونة الأخيرة، حمَّل نقاد ومثقفون مصريون الحكومة مسؤولية تلاحق الأزمات الفنية.

انتصار دردير (القاهرة)
شؤون إقليمية أشخاص يزورون موقع مهرجان «نوفا» حيث قُتل واختُطف رواد المهرجان خلال هجوم «حماس» وذلك قبل يوم واحد من الذكرى السنوية الأولى للهجوم في رعيم بجنوب إسرائيل يوم 6 أكتوبر 2024 (رويترز)

خلاف في إسرائيل حول إقامة تجمّع ديني في موقع مهرجان قبيل ذكرى 7 أكتوبر

الملخص: أثار تجمع ديني مرتقب في موقع مهرجان «نوفا» انقساماً في إسرائيل، وسط معارضة عائلات قتلى هجوم 7 أكتوبر ودفاع آخرين عنه بوصفه تعبيراً عن الصمود.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
يوميات الشرق جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

قررت وزارة الثقافة المصرية استئناف تنظيم المهرجانات السينمائية التي توقفت منذ فترة مع بدء العمل على حل أزماتها.

انتصار دردير (القاهرة)

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.


اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
TT

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

وجاء الاكتشاف بعد تحليل الحمض النووي القديم لبقايا عظمية صغيرة عُثر عليها في كهف دينيسوفا ومواقع أخرى في جنوب سيبيريا، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Current Biology».

وتمكّن باحثون من مركز علم الجينوم القديم التابع لجامعة ستوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، بالتعاون مع باحثين من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز وجامعة فيينا، من استخراج 20 جينوماً قديماً تغطي فترة زمنية تمتد لنحو 200 ألف عام.

ورغم أن كثيراً من شظايا العظام لم تكن تحمل خصائص واضحة تسمح بتحديد نوع الحيوان، أظهرت مقارنة الجينومات بجينومات أنواع الأبقار الأخرى أنها تنتمي إلى سلالة لم تكن معروفة سابقاً، وكانت قريبة تطورياً من الياك الحديث، وهو حيوان من فصيلة الأبقار يتميز بجسم قوي وفراء كثيف يساعده على تحمّل البرودة الشديدة. ويعيش الياك البري حالياً في المرتفعات العالية من هضبة التبت وآسيا الوسطى، بينما يُستخدم الياك المستأنس منذ آلاف السنين في مناطق جبلية عدة للحليب واللحوم والنقل.

وقدّر الباحثون أن هذه السلالة المكتشفة بدأت في الانفصال عن أسلاف الياك قبل نحو 400 ألف عام، وأصبحت منفصلة عنه بشكل كامل تقريباً قبل نحو 250 ألف عام. ويرجّح العلماء أن فترة دافئة بشكل ملحوظ شهدتها المنطقة في ذلك الوقت ربما أدت إلى عزل مجموعات من الحيوانات بعضها عن بعض، ما أتاح لها التطور بصورة مستقلة.

وكشفت البيانات الجينية أيضاً عن تغيّر في أعداد هذه الحيوانات خلال فترة دافئة قبل نحو 120 ألف عام، تمثّل في إحلال مجموعة سكانية محل أخرى وانخفاض التنوع الجيني. ويرى الباحثون أن ارتفاع درجات الحرارة ربما أثّر في هذا النوع المتكيّف مع المناخ البارد.

ولم يجد الفريق أدلة تُذكر على حدوث تزاوج بين هذه السلالة المنقرضة وأنواع أخرى من الأبقار التي عاشت في المنطقة، مثل حيوان بيسون السهوب والثور البري، السلف البري المنقرض للأبقار المستأنسة.

وتعود أحدث عينة حلّلها الباحثون إلى نحو 27 ألف عام، ما يشير إلى أن السلالة ظلت موجودة حتى ذلك الوقت على الأقل، قبل أن تنقرض في مرحلة لاحقة. ولا يزال توقيت انقراضها وأسبابه غير معروفين بدقة.

ووفق الباحثين، يضيف الاكتشاف دليلاً جديداً على أن منطقة ألتاي وجنوب سيبيريا كانتا موطناً لتنوع حيوي كبير خلال العصور الجليدية، وربما شكّلتا «نقطة ساخنة للتنوع الحيوي وملاذاً» للأنواع في فترات التغير المناخي، على غرار ما أظهره اكتشاف «الدينيسوفان»، وهم مجموعة من البشر القدماء، بعدما عُثر على حفرية واحدة في المنطقة عام 2010 قادت إلى التعرّف إلى هذه المجموعة البشرية القديمة.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن تحليل الحمض النووي وحده لا يكفي لتصنيف السلالة رسمياً بوصفها نوعاً جديداً وإطلاق اسم علمي عليها، إذ يعتزمون مقارنة نتائجهم ببقايا شبيهة بالياك عُثر عليها سابقاً في المنطقة، لتحديد ما إذا كانت تنتمي إلى السلالة نفسها.


كيف حوّل صاحب نوبل في الفيزياء جليد القطب الجنوبي مرصداً فضائياً؟

جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
TT

كيف حوّل صاحب نوبل في الفيزياء جليد القطب الجنوبي مرصداً فضائياً؟

جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)
جسيمات النيوترينوات تفتح نافذة جديدة على أسرار الكون (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)

أسس العالم البلجيكي فرانسيس هالزن، الفائز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026، نوعاً جديداً من علم الفلك، بعدما طرح فكرة استخدام جليد القطب الجنوبي لرصد جسيمات شديدة المراوغة تُعرف باسم «النيوترينوات». وأفضت فكرته، التي طرحها لأول مرة عام 1988، إلى إنشاء «مرصد آيس كيوب للنيوترينوات»، الذي أصبح قادراً على رصد نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون.

وهالزن، وهو أستاذ في جامعة ويسكونسن-ماديسون بالولايات المتحدة، كان مهتماً منذ بداية مسيرته بفيزياء الجسيمات، لكنه أدرك أن الجسيمات القادمة من الفضاء يمكن أن تكشف أسراراً لا تستطيع المختبرات على الأرض الوصول إليها. وقال بعد فوزه بالجائزة إنه فوجئ بمدى نجاح فكرته، مضيفاً: «يجب أن أؤكد مدى حظي. فعندما بدأنا هذا المشروع، أدرك الجميع أن الفكرة قد تكون جيدة، لكن قلة قليلة اعتقدت أنها ستنجح، بمن في ذلك أنا».

النيوترينوات... رسائل من الكون

النيوترينوات جسيمات دون الذرية منتشرة على نطاق واسع في الكون، لا تحمل شحنة كهربائية، وتكاد تكون كتلتها معدومة، كما أنها تتفاعل مع المادة بصورة ضعيفة للغاية. ولهذا تستطيع مليارات منها المرور عبر الأرض وأجسامنا من دون أن نشعر بها. وتنتج الشمس أعداداً هائلة منها، إذ يمر في كل ثانية نحو 65 مليار نيوترين عبر مساحة تعادل حجم ظفر إصبع الإنسان.

لكن بعض هذه الجسيمات يأتي من مناطق بعيدة جداً في الفضاء، ويحمل معلومات عن أكثر البيئات الكونية تطرفاً والعمليات الأعلى طاقة في الكون. وعندما يتمكن العلماء من رصدها، يمكنهم تتبع اتجاه وصولها والاستدلال على مصادرها، ودراسة الظروف العنيفة التي أنتجتها.

فكرة بدأت في الثمانينات

أدرك هالزن في ثمانينات القرن الماضي أن جليد القارة القطبية الجنوبية يمكن أن يكون مادة مثالية لبناء مرصد ضخم للنيوترينوات. فعندما يصطدم نيوترينو بنواة ذرية داخل الجليد، قد ينتج جسيم مشحون سريع الحركة يصدر ومضة ضوئية يمكن لأجهزة استشعار خاصة التقاطها.

وفي عام 1988، طرح هالزن تصوره لإنشاء مرصد داخل جليد القطب الجنوبي، مستفيداً من حجمه الهائل وشفافيته في الأعماق، فضلاً عن انخفاض مستويات المواد المشعة وغياب الكائنات الحية التي يمكن أن تسبب تشويشاً في عمليات الرصد. وعلى الرغم من البيئة القاسية التي كان على الباحثين العمل فيها، فإن الموقع البعيد عن مصادر التداخل والاهتزازات، بما فيها الزلازل، وفر ظروفاً مناسبة للمشروع.

وبعد سنوات، بدأ اختبار الفكرة من خلال مرصد أولي حمل اسم «أماندا». وأظهرت التجارب أن الجليد يصبح شديد النقاء والشفافية على أعماق تتجاوز 1400 متر، بما يسمح للضوء الناتج عن تفاعلات النيوترينوات بالانتقال لمسافة تصل إلى نحو 300 متر. لكن «أماندا» لم يكن كبيراً بما يكفي لرصد العدد المطلوب من النيوترينوات العالية الطاقة، لذلك بدأ تطوير مرصد «آيس كيوب»، الذي يغطي كيلومتراً مكعباً من الجليد ويضم 5160 جهاز استشعار ضوئياً موزعة على 86 كابلاً، واكتمل بحجمه الكامل عام 2011.

كيف يلتقط «آيس كيوب» النيوترينوات؟

يبحث «آيس كيوب» عن النيوترينوات ذات الطاقات العالية جداً، التي تنتج عن عمليات عنيفة تجري على مسافات هائلة خارج نظامنا الشمسي، مثل تلك المرتبطة بالنجوم المنفجرة والبيئات المحيطة بالثقوب السوداء العملاقة.

ومعظم النيوترينوات تمر مباشرة عبر الجليد، لكن بعضها يتفاعل من حين إلى آخر مع نواة ذرة، منتجاً جسيمات مشحونة سريعة الحركة. وفي أثناء مرور هذه الجسيمات عبر الجليد، تطلق ومضة ضوئية يمكن لأجهزة الاستشعار الحساسة التقاطها. ومن خلال نمط الضوء وتوقيت ظهوره، يستطيع العلماء تقدير اتجاه وصول النيوترينو وتتبع مصدره في الكون.

وتتميز النيوترينوات بميزة أخرى مهمة؛ فهي لا تحمل شحنة كهربائية، ولذلك لا تنحرف مساراتها بفعل المجالات المغناطيسية في أثناء رحلتها عبر الفضاء، بخلاف البروتونات المشحونة. كما أنها نادراً ما تتفاعل مع المادة، ما يسمح لها باختراق مناطق كثيفة قد لا يستطيع الضوء عبورها بسهولة. ولهذا ينظر إليها العلماء باعتبارها «رسائل» فلكية تحمل معلومات مباشرة تقريباً عن الأماكن التي نشأت فيها.

إعلان فوز فرانسيس هالزن بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2026 في الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم باستوكهولم (أ.ف.ب)

أول دليل على النيوترينوات الكونية

لم يكن العثور على هذه الإشارات سهلاً، إذ يسجل «آيس كيوب» أيضاً أعداداً ضخمة من الجسيمات الناتجة عن الأشعة الكونية التي تدخل الغلاف الجوي للأرض، تتجاوز 100 مليون جسيم يومياً. وسط هذا الكم الهائل من البيانات، تبدو النيوترينوات القادمة من أعماق الكون كإشارات نادرة يصعب فصلها عن الخلفية.

وفي عام 2013، أعلن فريق «آيس كيوب» أول دليل على رصد نيوترينوات كونية عالية الطاقة. وبعد نحو عامين، جمع الباحثون بيانات كافية لتأكيد الاكتشاف، لتبدأ مرحلة جديدة من علم فلك النيوترينوات. وبعد ذلك تمكن العلماء من تحديد أول مصدر كوني للنيوترينوات، على بعد نحو 3.7 مليار سنة ضوئية.

وقال البروفسور مارك بيرس، رئيس لجنة نوبل للفيزياء، إن هالزن قاد فريقاً دولياً من الباحثين والمهندسين قدم «أداة علمية رائعة»، مضيفاً أن «مثابرته ورؤيته العلمية مهدتا الطريق أمام نوع جديد من علم الفلك».

نافذة جديدة على الكون

بدأ العلماء منذ ستينات القرن الماضي استخدام النيوترينوات لدراسة الشمس، ثم رصدوا عام 1987 نيوترينوات مرتبطة بانفجار نجم في سحابة ماجلان الكبرى، ما أثبت قدرة هذه الجسيمات على نقل معلومات عن أحداث كونية بعيدة. لكن «آيس كيوب» نقل هذا المجال إلى مستوى جديد، من خلال إتاحة البحث عن النيوترينوات ذات الطاقات الأعلى وتحديد مصادرها المحتملة.

ومن بين هذه المصادر المجرة النشطة «NGC 1068»، التي رُصدت 79 نيوترينوات من اتجاهها، وإن كانت الأدلة لا تزال غير كافية لتأكيدها بصورة قاطعة مصدراً لهذه الجسيمات. كما رصد الباحثون نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من مجرة درب التبانة، ويرجح أنها تنتج عندما تصطدم الأشعة الكونية بالذرات الموجودة في الغاز الرقيق بين النجوم.

ورحب الدكتور باتريك دن، من إمبريال كوليدج لندن، بمنح الجائزة لهالزن، وقال إن رصد النيوترينوات القادمة من مصادر فيزيائية فلكية «يفتح نافذة جديدة» على الكون، مشبهاً ذلك باللحظة التي وجّه فيها غاليليو التلسكوب لأول مرة نحو النجوم، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وبفضل جهود هالزن تحوّل جليد القطب الجنوبي من بيئة متجمدة ونائية إلى مرصد ضخم للكون، وأصبح النيوترينو أداة جديدة لدراسة أكثر مناطق الفضاء عنفاً وغموضاً.

وقالت لجنة نوبل إن مرصد «آيس كيوب» سيرتقي بعلم فلك النيوترينوات إلى مستوى جديد، من خلال توفير معلومات عن ظواهر كونية تحجبها سحب الغبار وأجرام فضائية بعيدة مثل الثقوب السوداء.