اتهامات للحوثيين بتوسيع خروق التهدئة الميدانية

هجوم في جوف اليمن... ونجاة قائد عسكري في تعز

الجماعة الحوثية استغلت حرب غزة لتجنيد عشرات الآلاف في مناطق سيطرتها (إ.ب.أ)
الجماعة الحوثية استغلت حرب غزة لتجنيد عشرات الآلاف في مناطق سيطرتها (إ.ب.أ)
TT

اتهامات للحوثيين بتوسيع خروق التهدئة الميدانية

الجماعة الحوثية استغلت حرب غزة لتجنيد عشرات الآلاف في مناطق سيطرتها (إ.ب.أ)
الجماعة الحوثية استغلت حرب غزة لتجنيد عشرات الآلاف في مناطق سيطرتها (إ.ب.أ)

اتهمت أوساط يمنية الجماعة الحوثية بالتصعيد خلال الأيام الماضية من خروقها للتهدئة الميدانية عبر تنفيذ هجمات متفرقة ضد القوات الحكومية والمدنيين في محافظتي تعز والجوف، في وقت تواصل فيه الجماعة المدعومة من إيران انتهاكاتها ضد المنظمات الإنسانية الدولية العاملة في مناطق سيطرتها.

مصدر عسكري في مدينة تعز (جنوب غربي البلاد) قال إن العميد الركن عدنان رزيق، قائد اللواء الخامس حرس رئاسي، أُصيب بجروح طفيفة، الأربعاء، في حين قُتل اثنان من مرافقيه، جراء كمين نفذته الجماعة في طريق غرب المدينة.

ونقل الإعلام الرسمي عن المصدر أن الكمين تم بعبوة ناسفة زرعتها الجماعة على الطريق، أعقبها قصف بقذائف الهاون، في محاولة فاشلة لاستهداف الموكب بشكل مباشر، قبل أن تتمكن قوات الجيش من تأمين المنطقة.

وفي حين أكد المصدر أن العميد رزيق يتلقى العلاج في أحد مستشفيات المدينة، يعدّ هذا الهجوم الأحدث ضمن سلسلة خروق متكررة للتهدئة الميدانية، التي ترعاها الأمم المتحدة منذ 2022، في وقت تشير تقارير عسكرية إلى أن الجماعة صعّدت عملياتها الهجومية بالتوازي مع تكثيف أنشطتها التجنيدية في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون على متن عربة أمنية في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وفي محافظة تعز، نفسها واصلت الجماعة الحوثية قبل أيام قصفها العشوائي للمناطق السكنية، حيث أصيبت امرأتان، جراء قصف استهدف قرية السويهرة في مديرية مقبنة غرب المحافظة.

وقال مدير المديرية حميد الخليدي إن الجماعة قصفت منازل المواطنين بقذائف الهاون؛ ما أدى إلى إصابة المواطنة يمن علي عيسى (35 عاماً) بشظايا في الصدر، والمواطنة بشرى أحمد ثابت (30 عاماً) بشظايا في الرأس، مشيراً إلى أن القصف تسبب بأضرار جسيمة في منازل عدة، وأثار حالة من الذعر بين النساء والأطفال.

وأدانت السلطة المحلية في مقبنة الهجوم، وعدَّته «جريمة إرهابية جديدة تضاف إلى سجل الميليشيات الإجرامي بحق المدنيين العزل».

هجوم في الجوف

في محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، صدّت قوات الجيش اليمني، الثلاثاء، هجوماً واسعاً شنّته الجماعة الحوثية على مواقع عسكرية شرق مدينة الحزم.

وقال مصدر عسكري في المنطقة العسكرية السادسة إن اشتباكات عنيفة اندلعت بعد محاولة عناصر حوثية التقدم باتجاه مواقع الجيش في الصحراء الممتدة شرق المحافظة، مستخدمة الأسلحة المتوسطة والخفيفة والطائرات المسيّرة، قبل أن تُجبَر على التراجع بعد سقوط قتلى وجرحى في صفوفها.

وحسب ما أورده الإعلام الرسمي، أشاد أركان المنطقة العسكرية السادسة، العميد محمد بن راسية، بيقظة عناصر الجيش، مؤكداً أهمية الحفاظ على الجاهزية القتالية للتعامل مع أي طارئ.

يشار إلى أن هذا الهجوم جاء بعد أسبوع من تنفيذ خطة انتشار أمني لتأمين الطرق الصحراوية حتى منفذ الوديعة، في إطار جهود الجيش لتأمين المنطقة ومكافحة التهريب.

انتهاكات ضد المنظمات

لم تقف التجاوزات الحوثية عند التصعيد الميداني؛ إذ واصلت الجماعة استهدافها للمنظمات الإنسانية الدولية.

وأكّد وزير الإعلام معمر الإرياني أن عناصر الحوثيين اقتحموا مكاتب ثلاث منظمات دولية في مدينة حجة، هي: «أوكسفام»، و«المجلس النرويجي للاجئين»، و«المجلس الدنماركي للاجئين».

وقال الإرياني، في تصريح رسمي، إن هذه الاقتحامات تمثل «حلقة جديدة في مسلسل الاعتداءات الممنهجة» ضد العمل الإنساني، وتهدف إلى فرض وصاية حوثية على النشاط الإغاثي وتحويله أداةً لخدمة أجندتها السياسية.

تصاعد الانتهاكات الحوثية ضد الوكالات الأممية والمنظمات الدولية (إ.ب.أ)

وأشار الوزير اليمني إلى أن هذه الممارسات تأتي بعد أيام من اقتحام مجمع تابع للأمم المتحدة في صنعاء واحتجاز عدد من الموظفين الأمميين، في «سلوك عدواني ممنهج يعكس استخفاف الميليشيا بالقانون الدولي».

ولفت إلى أن ما تقوم به الجماعة من مداهمات ومصادرة ممتلكات المنظمات واحتجاز كوادرها «يؤكد أن بيئة العمل الإنساني في مناطق سيطرتها أصبحت طاردة وخطرة»، داعياً إلى نقل مقار الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى العاصمة المؤقتة عدن؛ لضمان أمن موظفيها واستمرار أنشطتها بعيداً عن ابتزاز الحوثيين.


مقالات ذات صلة

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تحليل إخباري تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي آلاف الأسر اليمنية في ريف تعز الغربي هربت من مناطقها جرَّاء تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

الحوثيون ينكِّلون بسكان ريف تعز ويحتجزونهم دروعاً بشرية

الحوثيون يحاصرون سكان قرى غرب تعز، ويمنعونهم من النزوح، وسط اعتقالات ومداهمات واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، ونزوح مئات الأسر إلى مناطق أكثر أمناً.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي قوات الجيش اليمني تخوض معارك ضارية ضد الحوثيين في محاور غرب تعز (إعلام عسكري)

الجيش اليمني يوسِّع المعارك... من الجوف شرقاً إلى الساحل غرباً

وسَّع الجيش اليمني عملياته ضد الحوثيين من الجوف إلى الساحل الغربي، مع تقدم في تعز، وغارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في البيضاء والضالع ومأرب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص الدكتور الحسن طاهر محافظ الحديدة (تسجيل مرئي متداول)

خاص محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط»: قواتنا تتقدم وعازمون على تحرير كامل الساحل الغربي

كشف الدكتور الحسن طاهر، محافظ الحديدة، عن تقدم القوات الحكومية اليمنية في جميع المحاور العسكرية، خصوصاً محوري الساحل الغربي وتعز.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

الجيش اليمني يطارد الحوثيين جنوب شرقي الحديدة

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، أمس، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«وزاري عربي» يرفض الاعتداءات الإيرانية... ويدعو إلى «لم الشمل»

اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
TT

«وزاري عربي» يرفض الاعتداءات الإيرانية... ويدعو إلى «لم الشمل»

اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)
اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)

أكد وزراء الخارجية العرب رفض الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية. وشدد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، على أن «حماية المصالح العربية وترسيخ الاستقرار ودعم قدرات الدول الأعضاء تمثل أولوية للعمل العربي المشترك».

وقال فهمي خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في نهاية أعمال الدورة العادية الـ166 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، إنه «لا مساس بأمن الدول العربية»، مؤكداً أن «أمن دول الخليج العربية جزء من الأمن القومي العربي، وأي مساس به يعني الجامعة ودولها الأعضاء»، مضيفاً: «لن نقبل أن تتحول ممراتنا البحرية إلى ورقة في حسابات الآخرين؛ فحقوق الدول المشاطئة وحرية الملاحة يحكمها القانون الدولي».

وناقش الاجتماع الذي عقد بمقر الجامعة العربية في القاهرة، الانتهاكات الإسرائيلية وملف التهجير، وقال فهمي إنه «تم الاتفاق على إنشاء منصة لرصد وتوثيق وكشف الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأماكن المقدسة، وتسليط الضوء على تداعياتها الخطيرة»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تقوض جهود تحقيق السلام في قطاع غزة».

وأضاف فهمي أنه تمت مناقشة «رأب الصدع العربي»، وتابع: «ناقشنا كل القضايا الحساسة ونريد لم الشمل»، مشدداً على ضرورة حماية المصالح العربية وترسيخ الاستقرار وتعزيز قدرات الدول العربية برؤية استباقية شاملة تمكنها من التعامل مع التحديات.

وهذا هو الاجتماع الأول لوزراء الخارجية العرب الذي يحضره فهمي منذ توليه أمانة جامعة الدول العربية في يوليو (تموز) الماضي، خلفاً لأحمد أبو الغيط.

وأكد فهمي أن «المناخ العام للاجتماع عكس رغبة عربية واضحة في تحقيق السلام مع الجميع، والرفض الشديد لاستخدام القوة ضد الدول العربية»، لافتاً إلى أن «أحد أبرز مخرجات الاجتماع تمثل في السعي إلى رأب الصدع العربي وتقريب وجهات النظر»، مؤكداً أن التوافق العربي شمل مختلف الملفات، من بينها السودان واليمن وسوريا، وذلك نتيجة جهد دبلوماسي مكثف سبق الاجتماعات الرسمية. وشدد على أن أي ضرر يلحق بدولة عربية ينعكس سلباً على بقية الدول، مشيراً إلى أهمية إصلاح وتطوير الجامعة العربية.

نبيل فهمي خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة (جامعة الدول العربية)

ولفت فهمي إلى التحديات التي تواجه المنطقة، وقال في كلمته خلال افتتاح الاجتماع، إن «العالم والشرق الأوسط يشهد انتهاكات متكررة للقانون الدولي، واستهدافاً متزايداً للمدنيين، وتراجعاً في الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، واتساعاً للنزاعات وسباقات التسلح، وتصاعداً للانعزالية والتطرف والكراهية»، مشيراً إلى أن «السمة الأساسية، دولياً وشرق أوسطياً، باتت تغليب قانون القوة على قوة القانون».

وأضاف أن الفترة الحالية «تشهد إعادة تشكيل للعالم العربي والشرق الأوسط المجاور، مع وجود تحديات ومخاطر وجودية تستدعي يقظة وتكاتفاً عربيين، وأعلى درجات التحلي بالمسؤولية»، مؤكداً أن «القرار السيادي العربي لا يتحقق بالانعزال عن العالم وقضاياه، ولا بالاعتماد المبالغ فيه على الغير».

ودعا فهمي إلى «تبني مشروع عربي يشمل التصدي للتحديات، وبناء وتدعيم القدرات في مجال الأمن القومي، إضافة إلى استدامة التطوير الإنساني والمؤسسي، ودعم التنمية الخلاقة والمستدامة»، معلناً عزمه «التواصل مع القادة العرب، لبلورة هذه العناصر بهدف تبني أجندة عربية متجددة؛ عنوانها التصدي، والتطوير، والتنمية، تغلّب الفعل على القول».

وأكد أن «العالم العربي يسعى إلى السلام والاستقرار، وسيواصل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والتمسك بتسوية عادلة تنهي الاحتلال»، مشدداً على رفض الجامعة استهداف إيران أراضي ومنشآت في دول عربية»، وقال إن «الدول العربية ليست طرفاً في هذه الحرب، ولم تختَر أن تكون ساحة لها، وسيادتها ليست مجالاً مفتوحاً لتصفية حسابات مع غيرها، مهما قيل في تبريره».

جانب من اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة (جامعة الدول العربية)

بدوره، أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في كلمته خلال الاجتماع، إدانة مصر القاطعة للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت عدداً من الدول العربية الشقيقة، وتضامنها الكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، مشدداً على رفض مصر المساس بسيادة الدول العربية أو أمنها وسلامة أراضيها. وشدد على أن القضية الفلسطينية تظل جوهر الأمن والاستقرار في المنطقة، مجدداً رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.

وأشار عبد العاطي إلى «ضرورة ضمان حرية الملاحة في الممرات والمضايق الدولية، لا سيما مضيق هرمز والبحر الأحمر»، مؤكداً أن «أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة وحصرية للدول المشاطئة».

كما شدد على أهمية تطوير ترتيبات أمنية عربية تعزز القدرة الجماعية على حماية الأمن القومي العربي، من خلال دفع التكامل الأمني والدفاعي وتنسيق القدرات العربية المتاحة، والبناء على معاهدة الدفاع العربي المشترك والقرارات العربية ذات الصلة، مشيراً إلى استعداد مصر للعمل مع جامعة الدول العربية والدول الأعضاء لإعداد تصور متكامل لهذه الترتيبات.


بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست
TT

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست
بروست

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟ هو السؤال الذي يجيب عليه كتابٌ جديدٌ بعنوان «مائة رسالة غير منشورة» صادر عن دار «أونوري شامبيون»، وهو يضمّ مائة وثيقةٍ غير منشورة، أغلبها مسوّدات، إلى جانب رسائلَ تلقّاها الكاتب الفرنسي مارسيل بروست من محيطه القريب، وكلّها تنتمي إلى مجموعةٍ نادرة جمعها الكاتب بنفسه وحافظ عليها في أوراقه الخاصة، تم العثور عليها بعد وفاته. وقد دخلت هذه المراسلات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية، لتُكمل ما يُوصف بـ«مجموعة الرسائل الفريدة التي جمعها بروست بنفسه».

تغطّي هذه الرسائل فترةً تمتدّ من 1886 إلى 1922، أي من صبا بروست حتى رحيله. وتتنوّع طبيعتها تنوّعاً مذهلاً: من البرقيات القصيرة الموجّهة إلى الخدم، إلى الرسائل الطويلة المكرَّسة لأسئلةٍ لغوية وأدبية عميقة. وتكشف هذه الوثائق، في طيّاتها، عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب، كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة، إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة. وتبرز من هذه المراسلات شخصيةُ والدة بروست، السيدة جان ويل - بروست، وهي المُخاطَبة الرئيسية والمُحاوِرة الفكرية الأولى له. كان يتبادل معها رسائل شبه يومية رغم أنهما كانا يعيشان في البيت نفسه لكن لم يكونا يستيقظان في الساعات ذاتها، فكان يفتتح رسائله إليها بعبارة «أمّي الصغيرة العزيزة»، كتب في إحداها: «هل تحفظين لي هذه الورقة الصغيرة لأنني أسجّل فيها في لحظةٍ بعض الأفكار... على عجلٍ... ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل». وهذا الطلب بالذات يكشف كيف كان بروست يعدّ حياته اليومية كمادة أدبية قيد التشكّل. وكان يشكو لأمه صعوبة النوم، إذ كتب لها قائلاً: «الحادية عشرة والربع، ولم أبدأ بعدُ حتى بالتفكير في النوم؛ ربما كان السبب القهوة أو الدواء، لكني لم أتعرض لأزمة ربو اليوم. ألفُ قبلةٍ حنون. مارسيل».

لكنّ المفاجآت الحقيقية تكمن في الأصوات الهامشية التي تستعيد حضورها. فهناك صوت «أوجيني المسكينة»، وهي على الأرجح أوجيني ليميل، إحدى خادمات بيت بروست، ولا يعرف منها سوى هذه الكلمات الوحيدة الباقية في كلّ ما وصلنا من أرشيف بروست، إذ تُشكّل رسالتها إليه الأثرَ الخطّيَّ الوحيد المنسوب إليها. وهناك صوت سيليست ألباريت، مدبّرة البيت الوفيّة التي رافقت بروست حتى عتبة الموت. ففي رسالةٍ كتبتها سيليست إلى أخيه روبرت بروست في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، أي قبل أيامٍ قليلة من وفاة الكاتب، تقول: «سيّدي الأستاذ، لقد أمضى سيّدي مارسيل ليلةً فظيعةً، وكذلك النهار... سُعالاتٌ كثيرة تخنقه بشدّة. وهو أكثرُ من أيّ وقتٍ مضى مصمّمٌ على ألّا يُعالَج، وألّا تُوقَد النارُ في غرفته المتجمّدة. إنّي يائسةٌ من أن يستطيع أحدٌ ما أن يُمارس عليه شيئاً من التأثير». وتضيف الخادمة الوفية أنّ الكاتب كان يطلب منها منع الزيارات حتى يتفرّغ للكتابة، وكان يشرب كوباً من نقيع أعواد الكرز قبل أخذِ دواءٍ مهدِّئٍ للسُّعال.

تكشف الرسائل عن جوانب متعدّدة من حياة الكاتب كمصاعبه المالية وصحّته المتعثّرة إلى جانب حياته العاطفية وانشغاله الدائم بالكتابة

إلى جانب الحياة الشخصية، تقدّم هذه المراسلات إضاءاتٍ على تاريخ تشكّل العمل الروائي للكاتب. فنكتشف أنّ بروست عرض الجزء الأول من روايته «البحث عن الزمن المفقود» على أكثر من ناشرٍ قبل أن يستقرّ به المطاف عند «غاليمار». كما نعثر، في رسالةٍ مذهلة موجّهة إلى باحثٍ لغوي، على تحقيقٍ مطوّل في الأسماء الجغرافية المُختلَقة لمدينة كومبراي التي تخيّلها مارسيل بروست في روايته «من جانب منزل سوان»، وتُصاحب هذه الرسالة وحدها سبعُ صفحاتٍ من الملاحظات، وكأنّها سَبرٌ لغويٌّ منهجيّ يدلّ على أنّ بروست لم يخترع أسماءه اعتباطاً، بل كان ينقّب في المعاجم الطوبوغرافية وفي أصول الكلمات اللاتينية والنورماندية حتى يمنح «كومبراي» المتخيَّلة نسباً لغوياً متيناً يجعلها تبدو وكأنها بلدةٌ اقتُطعت من خريطة فرنسا الحقيقية.

ومن أطرف ما يُكشف عنه في هذه المراسلات تفاصيلُ الحياة العاطفية لمارسيل بروست. فنجد قصيدةً نثرية موجّهة إلى صديقه الحميم رينالدو هان، وهو ملحّنٌ وعازفُ بيانو جمعته ببروست قصةُ حبٍّ دامت سنتين، وهي من أهمّ علاقات الكاتب الفرنسي، ورسالةُ قطيعةٍ موجّهة إلى ألفريد أغوستينيلي، مساعده الخاص والحبيب الذي فقدَه في حادثة تحطّم طائرة، الذي يُقال إنه ألهم بروست شخصية «ألبرتين» في «البحث عن الزمن المفقود». كما نقرأ رسالةً لاذعةً إلى شابٍّ قابله بروست في بلدة كابور عام 1909 ثم أخلف موعداً معه، فردّ عليه بروست بسلسلةٍ من التوبيخات، إذ يكتب له: «لقد أوشكت أن تصادف فرصة شهيرة للصداقة»، ثم يصفه بأنه «ماءٌ عاديٌّ... لا يَثبت أبداً، سريع الانصباب كما هو سريع الانسكاب». ويرى نقّاد أنّ مقاطعَ من هذه الرسالة غذّت لاحقاً توبيخ «سوان» المرير لـ«أوديت» في الرواية.

وتُطالعنا أيضاً في هذه المجموعة أصواتٌ نادرة من مراسلي بروست، كالكاتب والرسّام لوسيان دوديه، ابن الروائي ألفونس دوديه، الذي كان بروست معجباً به، وكان السبب في إنهاء علاقته العاطفية برينالدو هان، الذي ظلّ بالرغم من ذلك صديقاً لبروست.

ويقدّم الباحث الأميركي فيليب كولب، الذي أصدر 21 مجلداً ضمّت أكثر من خمسة آلاف وثلاثمائة رسالة معروفة لبروست، استعارةً بليغةً تصلح مفتاحاً لفهم قيمة هذه المراسلات، إذ يكتب أنّ رسائل بروست، إذا قُورنت بروايته، تشبهها «في حدود ما يشبه ظهرُ القماشة وجهَها: تتميّز فيها كلّ الخيوط وكلّ الألوان، لكن ما ينقصها هو وضوحُ الرسم وإتقانه، أي الفنّ بعينه»، ويضيف: «في رسائل بروست نجد كثيراً ممّا وضعه في عمله، لكننا نراه في ضوءٍ أقلّ شاعريةً وأكثر صدقاً».

أمّا الناقد تييري مولنييه، فقد رأى في رسائل بروست «نداءً للهواء»، وهو التعبير الذي استخدمه في تقديمه لكتاب «رسائل مارسيل بروست إلى أنطوان بيبيسكو». ويرى مولنييه أنّ الكتابة عند بروست كانت ضرورةً يفرضها المريضُ المهدَّد بالاختناق. فحتى في أقصر الرسائل وأكثرها تفاهةً، يتجلّى قلقٌ خفيّ، واستعجالٌ، ونفادُ صبرٍ، وشكوى. وهنا يكمن التحليل الأعمق: فبروست لم يكن مجرّد «سيّد الزمن المُستعاد»، بل كان أيضاً رجلاً يصارع يومياً الألمَ، والانتظارَ، لذا كانت مراسلاته وسيلتَه الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي من غرفته المغلقة، وللتحكّم في المكان، ولفتح أبواب الخيال على مصراعيها. ولعلّ أعمق ما تُلمح إليه هذه المراسلات هو أنّ الفصل بين «الحياة» و«الأدب» كان وهماً عند بروست. فالرسائل التي يكتبها إلى أمّه ليشكو لها الأرق، أو إلى خادمته ليطلب كوباً من نقيع أعواد الكرز، ليست هامشاً للعمل، بل هي مادّتُه الخام. إنها ظهرُ القماشة الذي يحمل في خيوطه المتشابكة وعدَ الوجه القادم. وكأنّ الزمن، في لحظته الأخيرة، لا يُستعاد إلا بالكتابة، ولو كانت بضع كلمات.


الملك تشارلز: هاري وميغان لن يضطلعا بأي مهمّة ملكية

الملك تشارلز والملكة كاميلا وخلفهما الأمير هاري وميغان (رويترز)
الملك تشارلز والملكة كاميلا وخلفهما الأمير هاري وميغان (رويترز)
TT

الملك تشارلز: هاري وميغان لن يضطلعا بأي مهمّة ملكية

الملك تشارلز والملكة كاميلا وخلفهما الأمير هاري وميغان (رويترز)
الملك تشارلز والملكة كاميلا وخلفهما الأمير هاري وميغان (رويترز)

أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ووسائل إعلام بريطانية أخرى، اليوم الاثنين، بأن الملك تشارلز أذن بتوجيه رسالة إلى كبار المسؤولين البريطانيين يؤكد فيها مجدداً أن ابنه الأصغر هاري وزوجته ميغان سيظلان من أفراد العائلة المالكة غير المسندة لهم مهام رسمية بعد عودتهما إلى بريطانيا.

وجاء في الرسالة، وفقاً للتقارير: «باختصار، فإن وضعهما يشبه وضع المواطنين العاديين الذين لديهم مصالح تجارية وخيرية».

الملك تشارلز الثالث خلال حفل تقديم الرايات الجديدة لحرس غرينادير في قصر باكنغهام بلندن يوم 9 يونيو 2026 (رويترز)

وكان الأمير هاري عاد مع عائلته إلى بريطانيا أواخر الشهر الماضي، بعد ست سنوات من التخلي عن المهام الملكية والانتقال إلى الولايات المتحدة.

وسافر الزوجان إلى الولايات المتحدة في عام 2020، متخليين عن مهامهما الملكية الرسمية لبدء مسيرة مهنية مستقلة، لكنهما لم يبتعدا أبداً عن عناوين الأخبار، حيث اتهم هاري العائلة المالكة بالإهمال، والصحف الشعبية بتدمير حياته، والحكومة بالفشل في توفير الحماية الكافية له ليعود إلى وطنه يوماً ما.