نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

ندوة تتناول نصف قرن بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
TT

نقاد سعوديون في «كتارا» يستعرضون سيرة القصيبي الذي انحاز للمهمشين

اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»
اختار مهرجان «كتارا» الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام»

في قراءتهم لسيرة الأديب والدبلوماسي السعودي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وتجربته الإبداعية والإدارية، أجمع ثلاثة من النقاد السعوديين على أن القصيبي كان شخصية «استثنائية» صنعت حضورها الرمزي من خلال انحيازها إلى القضايا الإنسانية ودفاعها عن قضايا المهمشين.

أُقيمت ندوة «غازي القصيبي... الشخصية والتجربة الإبداعية»، ضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية المقام حالياً في الحيّ الثقافي في العاصمة القطرية الدوحة، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

تناولت الندوة تجربة القصيبي الأدبية الموزعة بين الشعر والرواية، وشارك فيها عدد من الأكاديميين والنقاد السعوديين، وهم: الدكتور معجب الزهراني، والدكتور سعيد السريحي، والدكتور محمد الصفراني، وأدارها محمد بودي.

القصيبي... النموذج والرمز

في هذه الندوة، قدم الدكتور معجب الزهراني ورقة بعنوان: «غازي القصيبي ونموذج المثقف الرمز»، استعرض خلالها شخصية القصيبي المتنازع بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن.

وتحدث الدكتور الزهراني عن العلاقة التي ربطته بغازي القصيبي، قائلاً: «إن علاقتي مع هذا المثقف الرمز والشخصية الاستثنائية بدأت منذ الزمالة في جامعة الملك سعود بالرياض، حيث أصدر وقتها ديوانه المثير للجدل (معركة بلا راية) الذي لاقى معارضة شديدة من التيار المحافظ. ثم عُيّن القصيبي عميداً لكلية التجارة 1971، بعدها تدرّج في المناصب الحكومية؛ مديراً للمؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973، ووزيراً للصناعة والكهرباء 1976، ثم وزيراً للصحة 1982، حتى تعيينه سفيراً لبلاده في البحرين 1984، ثم سفيراً لدى بريطانيا 1992، حتى عودته للوزارة من جديد؛ وزيراً للمياه والكهرباء 2003، ثم وزيراً للعمل 2005».

المتحدثون في ندوة القصيبي في «كتارا»: د. معجب الزهراني ود. سعيد السريحي، ود. محمد الصفراني وأدارها محمد بودي

يضيف الزهراني أن الرواية الأولى للقصيبي كانت «شقة الحرية» في عام 1994، وكنا نرى أن هذه الرواية «سيكون لها ما بعدها»، فقد «كانت هذه الرواية علامة تحوّل في مسيرة القصيبي الأدبية، كما في مسار الرواية السعودية».

يضيف الزهراني أن القصيبي سرعان ما أصدر روايته الثانية «العصفورية» 1996، وهي رواية ساخرة لا تقل قوة عن سابقتها «شقة الحرية»، فقد «حدث للقصيبي طفرة أدبية، وفوجئ المشهد الثقافي بالشفافية الهائلة التي يتمتع بها، وهو يتحدث عن الشخصيات، ففي رواية (العصفورية) لم تبقَ فئة من شرائح المجتمع إلا ووضعها تحت مشرحة النقد».

وبرأي الزهراني، فإن عنصر التميّز في شخصية الراحل القصيبي أنه كان «يحمل قضية، ولديه الوعي النقدي»، حيث: «لا يصبح للمثقف قيمة إلا إذا امتلك الوعي النقدي».

ويواصل الزهراني سرد علاقته بالقصيبي، قائلاً: «حين عُينت في جامعة اليمامة دشنتُ كرسي القصيبي الذي لقي استجابة واسعة، وتمكن أن يجمع 6 ملايين ريال».

ويشير إلى الجانب الإنساني في حياة القصيبي الذي «كان يحوّل رواتبه على مدى عمله الطويل في الحكومة لجمعية المعاقين»، فقد كان دوماً «منحازاً للمهمشين، ومكافحاً للروح القبلية، ومناصراً للمرأة، وساعياً لتمكين الشباب من العمل، ولذلك تحوّل إلى ما يسمى الرمز».

حتى موهبته الأدبية كانت تحمل سرّ تميزها من القصيبي نفسه، ففي مقابلة معه، قال القصيبي إن موهبته «متوسطة جداً» في كلٍّ من الشعر والرواية والفكر، ويضيف الزهراني: «إن عبقرية القصيبي جعلت من كل هذا (المتوسط) علامة فارقة في العطاء الإبداعي، حتى أصبح الكثير يسعى لتقليده ومحاكاته».

ويضيف الزهراني: «ليس كل نموذج ناجح يتحول إلى رمز... فرمزية القصيبي لا أحيلها إلى العبقرية، بل إن هناك عاملين أساسيين، هما: وجود وعي عميق ومتسع إنسانياً، وكونه صاحب قضايا يتفاعل مع الإنسان ومسكون بالإنسان البسيط، مثل: المرأة، والعاطلين عن العمل»، مضيفاً أن القصيبي رغم أنه نشأ في طبقة أرستقراطية فإنه ظلّ منحازاً للهامش، في أعماله الإبداعية كما في سيرته الإدارية.

توزعت سيرة غازي القصيبي بين الإبداع الأدبي والإدارة والدبلوماسية على مدى نصف قرن

أقنعة القصيبي

وقدم الدكتور سعيد السريحي ورقة بعنوان: «الرواية باعتبارها قناعاً لدى القصيبي»، تناول فيها بعض روايات غازي القصيبي بالتحليل والنقد.

وقال السريحي: «إننا نظلم غازي القصيبي إذا نظرنا إليه بوصفه روائياً أو شاعراً فحسب، أو حتى سفيراً أو أكاديمياً، لأن تلك الهالة التي تحيط بالقصيبي ما تبرح أن تفيض عن الصورة التي نرسمها لهذه الشخصية».

وقال السريحي إن مهمة الناقد تحرير أعمال القصيبي من القصيبي، فمن شأن تحرير أعمال القصيبي أن يطلقها إشارة حرة قابلة للتأويل.

ويرى السريحي أن الشعر كان معركة القصيبي الأولى، فهو لم يكن حريصاً على المكاسب التي حققها في ميدان الإدارة، وقد اضطر لخسارتها مرتين بسبب الشعر؛ فمرة خسر (الوزارة) ومرّة خسر (السفارة)، فالشعر كان خط التماس الذي يتصل بشخصية القصيبي.

لكن القصيبي في مرحلة لاحقة اكتشف السرد الذي يوفر له فرصة المواجهة والمواربة، كما يوفر له حضوراً لدى فئات في المجتمع لم يسعها الشعر، ومن خلال السرد وسع دائرة قرائه والمتأثرين بما يقول، وكمنت الخبرة لدى القصيبي في أنه اتخذ من الرواية خندقاً وقناعاً، وأنه يوزع روحه في جسوم كثيرة.

ويضيف السريحي: «لجأ القصيبي في كتابته للرواية إلى السخرية من باب النقد والتأثير، فقد وظَّف السخرية أسلوباً لفضح الواقع المراد نقده. كما في رواية (سبعة) وفيها يسخر من البيروقراطية التي تنخر في الجسد الإداري، وفي (شقة الحرية) يسخر من شعارات جيل الخمسينات والستينات، وفي (العصفورية) يسخر من أزمة القيادة في العالم العربي».

حائط في مهرجان «كتارا» يتحدث عن مؤلفات الأديب السعودي غازي القصيبي (الشرق الأوسط)

الهارب من المدينة

بدوره، تناول الدكتور محمد الصفراني ظاهرة تحول القصيبي من الشعر إلى الرواية، مقدماً ورقة بعنوان: «الشعراوية... بحث في المحاقلة بين فنَّي الشعر والرواية»، وعرَّف المحاقلة بأنها عملية نقل مفاهيم حقل علمي إلى حقل آخر واستثمارها في تحليله.

لاحظ الدكتور الصفراني أن القصيبي كان يحمل سخطاً عارماً من المدينة بوصفها كتلة خرسانية تتغول على حساب الإنسان بصفته إنساناً. يبدو ذلك في شعره مثلاً، حين انتقل من الحياة في الهفوف بالأحساء شرقي السعودية، إلى المنامة في البحرين، وحين أُرسل للدراسة في القاهرة حيث حدثت له صدمة.

ولاحظ الصفراني أن القصيبي ذمّ المدينة وليس «المدنية»، وهو رغم نفوره من المدينة سعى لإنشاء مدينتين صناعيتين في السعودية هما: الجبيل الصناعية وينبع الصناعية. وتساءل الصفراني: «هل كان هذا الكائن الشعري الذي أنشأ مدينتين بهذه المواصفات يحمل تناقضات في شخصيته؟»، مضيفاً: «ليس هناك تناقض، ولكن ديدن هذه الشخصية أنها تعي دورها، وتفصل بين الذات الشاعرة، والدور المنوط بها».

وقال الصفراني إن القصيبي عانى من بعض التصنيفات التي طالته في الوسط الثقافي، كونه يمثل شخصية متحررة وعلمانية، لكن الكثير لا يعلمون أنه ارتبط بعلاقة وثيقة مع مفتي عام المملكة، وكان يواظب على زيارته، وفي نزعته الإنسانية، كان يحوّل رواتبه إلى جمعيه المعاقين.

في عام 1996 أصدر القصيبي ديوانه «سحيم»، وهو يسترجع أسطورة (سُحيم) عبد بني الحسحاس، الذي قتلته قبيلته حرقاً بالنار، لتغزُّله في نساء العشيرة. ويلاحظ الدكتور الصفراني أن ديوان «سحيم» الذي لا تزيد صفحاته على 92 صفحة يقترب فيه من الكتابة الروائية، كأن القارئ يقرأ من خلاله رواية تقترب من قصة العبد سحيم وتحاكي معاناته، في صورة أخرى لانحياز القصيبي إلى المهمشين.

الرواية تجمعنا

وضمن فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية أُعلن عن مبادرة «الرواية تجمعنا»، وستكون أولى أعمالها لهذا العام إطلاق مشاريع للتعاون في مجال كتابة الرواية بين كتاب سعوديين وقطريين، وذلك بمناسبة الاحتفاء بالرواية السعودية كـ«ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، واختيار الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي «شخصية العام».

وقال خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية في «كتارا» والمشرف العام على جائزة «كتارا» للرواية العربية، أن مشروع «الرواية تجمعنا»، يأتي ضمن حزمة من المشاريع والمبادرات التي تستقبل بها الجائزة عقدها الثاني.

وأوضح أن المشروع يقوم على مشاركة روائي قطري مع مجموعة من الروائيين العرب، بهدف تجربة العمل الجماعي في السرد، والاستفادة من تلاقح الأفكار في خلق رواية تجسد رؤى وخيالات متعددة، مضيفاً أن بداية هذا المشروع ستجمع روائياً قطرياً بروائي سعودي في تقديم تجربة إبداعية مشتركة.


مقالات ذات صلة

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

الخليج المتحدث الأمني العميد طلال الشلهوب متحدثاً خلال الإيجاز الصحافي الثاني لموسم الحج (وزارة الداخلية السعودية)

«الداخلية» السعودية: اكتمال وصول الحجاج إلى مِنى بانسيابية مرورية عالية

أعلنت وزارة الداخلية السعودية اكتمال وصول الحجاج إلى مشعر منى بانسيابية مرورية عالية، لقضاء يوم التروية والمبيت فيه، تمهيداً لتصعيدهم إلى «عرفات» صباح الثلاثاء.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة)
الخليج عناية ورعاية رافقتا حجاج بيت الله الحرام خلال وجودهم في المشاعر المقدسة (تصوير: بشير صالح)

الحجاج يبيتون في مِنى عشية الركن الأعظم

يبدأ حجاج بيت الله الحرام عند ساعات الصباح الأولى، الثلاثاء (التاسع من ذي الحجة)، التوافد إلى مشعر عرفات؛ لأداء ركن الحج الأعظم، بعد قضائهم يوم التروية في منى.

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة) عمر البدوي (المشاعر المقدسة)
عالم الاعمال «روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

«روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

كشفت مسابقة «التعلّم عبر اللعب» عن جيل جديد من الطلاب السعوديين الذين لا يكتفون باستهلاك التقنية، بل يسعون إلى صناعة محتواها وتطوير أدواتها التعليمية بأنفسهم...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج تدفُّق الحجاج إلى مشعر منى سار بكل يسر وسهولة مدعوماً بالخدمات كافة (تصوير: علي خمج)

«الحج والعمرة»: خطط تفويج دقيقة لضبط أوقات النفرة ورقابة مكثفة لملاحقة الحملات الوهمية

أكد مساعد وزير الحج والعمرة في السعودية الدكتور الحسن المناخرة، أن الوزارة  تعمل على مكافحة الحملات الوهمية من خلال منظومة رقابية بالتنسيق مع الجهات كافة.

سعيد الأبيض (جدة)
الخليج تجسد مروحيات الإسعاف الجوي السعودي شرايين حياة معلقة في السماء لخدمة الحجاج (تصوير: بشير صالح)

من الأرض إلى السماء... ملحمة إنسانية سعودية لرعاية صحة الحجيج

تتجلى أسمى قيم الإنسانية والرعاية بالمشاعر المقدسة من خلال منظومة صحية سعودية فريدة ترافق ضيوف الرحمن خطوة بخطوة، محيطة إياهم برعاية طبية شاملة، ومجانية بالكامل

إبراهيم القرشي (المشاعر المقدسة)

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».