7 أفلام تُرمّم الذاكرة... إسبانيا تُواجه ماضيها في بيروت

«متروبوليس» تُعيد وَصْل المُخيّلة العالمية بوجع المدينة

أفلام تُعيد الحياة إلى ذاكرة أمّة وجرحها التاريخي (متروبوليس)
أفلام تُعيد الحياة إلى ذاكرة أمّة وجرحها التاريخي (متروبوليس)
TT

7 أفلام تُرمّم الذاكرة... إسبانيا تُواجه ماضيها في بيروت

أفلام تُعيد الحياة إلى ذاكرة أمّة وجرحها التاريخي (متروبوليس)
أفلام تُعيد الحياة إلى ذاكرة أمّة وجرحها التاريخي (متروبوليس)

في كلّ مرّة تفتح فيها «متروبوليس» أبوابها لعرض سلسلة من الأفلام الكلاسيكية، يبدو الأمر أشبه بعودة إلى أرشيف العالم، وتلك اللحظات التي صُنعت فيها السينما بقلق وفكر وشجاعة. هذه المرّة، تعود بيروت إلى إسبانيا عبر 7 أفلام مُرمَّمة تُشكّل خريطة لذاكرة وطنية كُتبت بالصورة، بين القمع والحرّية والطاعة والتمرُّد.

منذ بدايات القرن العشرين، كانت السينما الإسبانية ساحة مواجهة لا تقلّ عن ميادين السياسة. تحت ظلّ حُكم فرانكو، ووسط رقابة خانقة، استطاع مخرجون كبار تحويل المشهد إلى مساحة نقد ومُساءلة. أرادوا أفلامهم وثائق ضمير لأمّة حاولت من داخل الإسكات استعادة صوتها.

من لويس بونويل إلى كارلوس ساورا، ومن لويس غارسيا بيرلانغا إلى خوان أنطونيو بارديم، مروراً بخوان أنطونيو نييبس كوندي ومونتشو أرمينداريز، تتنوَّع هذه الأفلام بين السوريالية الحارقة، والواقعية النقدية، والدراما الاجتماعية، والدفء الإنساني، لتُشكّل فسيفساء مُتكاملة عن التاريخ الإسباني الحديث، حيث الجرح والذاكرة والعنف والبحث عن معنى الحرية.

يُفتتح البرنامج في 16 أكتوبر (تشرين الأول) بفيلم «كارمن» (1983) للمخرج كارلوس ساورا، الذي نقل الرقص إلى مرتبة اللغة السياسية. عبر لوحات الفلامنكو المُشبَّعة بالعاطفة، يصوغ ساورا تأمُّلاً في الجمال والغيرة والسلطة، واضعاً الفنّ في مواجهة القهر. في هذه المقاربة الدرامية المتوهّجة من أوبرا «كارمن»، تذوب الحدود بين الواقع والخيال، ويغدو الجسد مساحة تَحرّر تُعبّر عمّا تعجز السياسة عن قوله. إنه أحد أكثر الأفلام الإسبانية تأثيراً في تعريف العلاقة بين الفنّ والهوية.

عروض تكشف عن قوة الصورة في مواجهة القمع والنسيان (متروبوليس)

وفي اليوم التالي، 17 منه، يُعرض فيلم «أخاديد» (1951) للمخرج خوان أنطونيو نييبس كوندي، وهو من أوائل المحاولات الواقعية التي واجهت النظام من داخله. يُصوّر العمل هجرة الفلاحين إلى المدينة بحثاً عن «المعجزة الاقتصادية» الموعودة، ليكتشفوا وجهاً آخر لإسبانيا: البؤس، والفساد، واللامساواة. رغم انتماء كوندي في شبابه إلى الكتائب الفالانخية، فإنه استخدم تجربته ليكشف عن تناقضات النظام ذاته، مُقدّماً فيلماً إنسانياً جريئاً وصفته الكنيسة يوماً بأنه «خطر على الأخلاق العامة». الواقعية عنده كانت فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون أسلوباً فنياً.

التاسعة من الليلة نفسها، يُعرَض فيلم «وفاة راكب دراجة» (1955) لخوان أنطونيو بارديم، أحد أبرز الأصوات اليسارية في تاريخ السينما الإسبانية. تبدأ القصة بحادث دهس عابر، وتتحوّل إلى محاكاة للنفاق الاجتماعي الذي يُغلّف الطبقات الثريّة. كان بارديم شيوعياً في زمن الرقابة، وكتب بفيلمه بياناً ضدّ الامتيازات والجبن الأخلاقي. من خلال إيقاع متوتّر ومونتاج ذكي، رسم صورة لمجتمع يُخفي عوراته خلف واجهة أنيقة، مؤكّداً أنّ العدالة لا يمكن أن تُستعاد إلا بكسر الخوف.

لقطة تختصر روح السينما الإسبانية بين السوريالية والواقعية (متروبوليس)

وفي 18 أكتوبر (7 مساء)، يستعيد الجمهور فيلم «بلاسيدو» (1961) للمخرج لويس غارسيا بيرلانغا، أحد أعمدة الكوميديا السوداء في أوروبا. مسرح الأحداث بلدة صغيرة يُطلب من أثريائها أن «يستضيفوا فقيراً على مائدتهم في عيد الميلاد». ومن هذه الفكرة البسيطة، يُفجّر بيرلانغا هجاءً عميقاً للرياء الطبقي والتديُّن المظهري. بخفّة وسرعة كاميرا، يضحك المتفرّج، ثم يُدرك أنّ الضحك نفسه شهادة على الخوف.

في الليلة نفسها (9 مساء)، يُعرَض «فيريديانا» (1961)، التحفة التي أعادت لويس بونويل إلى إسبانيا بعد منفاه المكسيكي. أراده النظام فيلماً «يُجمّل صورة الوطن»، فجاء عكس ذلك تماماً. قدَّم بونويل عملاً يهزّ أُسس العقيدة الكاثوليكية ويُدين التحالف بين الكنيسة والسلطة. من خلال الراهبة التي تُحاول إنقاذ المتسوّلين فتغرق في عبثهم، بنى المخرج أكثر مَشاهده رمزيةً واستفزازاً، وجعل من «فيريديانا» فيلماً عن استحالة الخلاص في مجتمع يُعيد إنتاج خطاياه كلّ يوم.

وبعد عام، أكمل بونويل تأمّلاته بفيلم «الملاك المبيد» (1962) الذي يُعرض في 19 أكتوبر، حيث تُحتجز مجموعة من الأرستقراطيين داخل قصرهم من دون سبب واضح. تتعرَّى البورجوازية أمام غرائزها، ويكشف بونويل عن تصدُّع الحضارة عندما تُسلب منها القواعد. في هذه العزلة الجماعية، تتحوَّل الوليمة إلى جحيم، وتصبح السوريالية تكثيفاً للواقع أكثر من الخيال.

إسبانيا تُطلّ من جديد عبر أفلام مرمَّمة على شاشة بيروتية (متروبوليس)

من الجيل اللاحق يأتي مونتشو أرمينداريز بفيلمه «تاسيو» (1981)، الذي يُختتم به البرنامج (19 أكتوبر، 9 مساء). يستعيد المخرج من خلاله سيرة عامل ريفيّ يعيش بين الغابات والفقر، لكنه يحتفظ بحرّيته الداخلية مثل مَن يملك العالم. الفيلم، القائم على بحث ميداني طويل، يُقدّم صورة نادرة للفقراء الإسبان بكرامة وذكاء، مُظهراً أنّ التمرّد ليس دائماً ثورياً، فيمكن أن يكون في البقاء نفسه، ورفض الانكسار أمام التهميش.

ضمير جماعي بين الفنّ والسياسة

ليس الانتماء الجغرافي وحده ما يجمع هذه الأفلام، وإنما أيضاً الرغبة المُشتركة في تحويل السينما إلى ذاكرة جماعية. كلّ مخرج في السلسلة كتب فصلاً من التاريخ الإسباني: بونويل عبَّر عن العصيان، وساورا عن الحرّية، وبارديم عن الذنب، وبيرلانغا عن السخرية، وكوندي عن الخيبة، وأرمينداريز عن التواضع الإنساني في وجه العنف. بهذه الأفلام السبعة، تُعيد «متروبوليس» طرح سؤال الفنّ والسياسة، لتؤكد بأنّ الصورة، مهما مرَّ عليها الزمن، قادرة على إعادة فتح الجرح كي لا يُنسى، وتحويله إلى ضوء.

العروض الإسبانية تحوّل الوجع إلى جمال بصري (متروبوليس)

وبسؤال مُنسّقة البرمجة في «متروبوليس» نسرين وهبة عن الدافع لاختيار هذه الأفلام لإعادة عرضها في بيروت، وما إذا كانت الفكرة قد وُلدت من رغبة في استعادة الذاكرة الإسبانية ذاتها أم من شعور بأنّ تجارب القمع والمُساءلة في تلك السينما تشبه ما نعيشه هنا، تقول: «أولاً، أردنا إحياء الشراكة بين جمعية (متروبوليس) والسفارة الإسبانية لدى بيروت، وثانياً التركيز على الأفلام الكلاسيكية المُرمَّمة التي أصبحت مُتاحة بجودة عالية. وأيضاً، لاحظنا حماسة الجمهور وإصراره على مُشاهدتها في صالة سينما حقيقية».

وتُضيف نسرين وهبة أنّ التعمُّق في تاريخ الأفلام المُختارة وظروف إنتاجها يُظهر تقاطعاً لافتاً بين التجربتَيْن الإسبانية واللبنانية، خصوصاً فيما يتعلّق بالعدالة والمساواة والبحث عن الحقيقة. وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الصالات التجارية نادراً ما تُبرمج أفلاماً جمالية ذات قيمة فنّية خالصة، «وهذا ما يجعل من (متروبوليس) مساحة بديلة تُقدّم سينما مختلفة. نحن نسعد برؤية وجوه جديدة تجد لدينا ما تفتقده في الصالات الأخرى. صحيح أنّ الصورة الجميلة والمؤثرات والصوت عوامل مهمّة، لكنّ الأهم هو الغوص في التاريخ والاحتفاء بأفلام أُعيد ترميمها».

وترى نسرين وهبة أنّ مرور العقود على إنتاج هذه الأفلام لم يُفقدها راهنيّتها، وإنما أعاد طرح أسئلتها من منظور جديد: «المتفرّج اليوم يتعامل مع العمل السينمائي بوعي مختلف بفضل التكنولوجيا ووسائل المعرفة، لكنّ الأسئلة الكبرى تبقى هي نفسها؛ تلك المتعلّقة بالحرّية والعدالة والإنسان في مواجهة السلطة. ما يتغيَّر هو الطريقة التي تُطرح بها. هذه الأفلام الإسبانية تُحاور زمننا، وإن وُلدت قبل عقود. عرضها اليوم يبدو كأنه ابن اللحظة».


مقالات ذات صلة

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

خاص مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجاً مشاركاً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
TT

مي عودة لـ«الشرق الأوسط»: أنحاز لمشروعات الأفلام المتفردة

مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)
مي عودة خلال حضورها مهرجان روتردام (الشرق الأوسط)

أكدت المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أنها تشارك في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي بوصفها منتجةً مشاركةً بالفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حمّاد، كما تشارك بمشروعَي فيلمين أحدهما سوداني والآخر هندي بسوق مهرجان برلين، لافتة إلى أنها تنحاز في اختياراتها للأفكار والمعالجات الفريدة، وأشارت في حوارها لـ«الشرق الأوسط» إلى أن فيلمها الوثائقي «حبيبي حسين» قد حاز اهتماماً لافتاً من الجمهور الهولندي خلال عرضه بمهرجان «روتردام السينمائي» في دورته الماضية، حيث فاز بالمركز الثالث في قائمة اختيار الجمهور، وذلك بعدما شارك في عدد من المهرجانات الدولية، مشيدة بالحضور الفلسطيني في المهرجانات الكبرى.

وتسجل مي عودة حضورها منتجةً بأفلام مهمة، لكنها تغيب عن الإخراج، موضحة أن الإنتاج استحوذ عليها في السنوات الأخيرة لوجود كثير من الأصوات المميزة من صناع الأفلام الذين يتطلعون إلى خروج مشروعاتهم للنور، وأنها تسعد بذلك كثيراً كما في فيلم «حبيبي حسين» الذي أتاحت فيه للمخرج أليكس بكري تقديم أول أفلامه.

فيلم «خروج آمن» يشارك بالدورة 76 بمهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وتشارك مي عودة في الدورة الـ76 لمهرجان برلين (12- 22) فبراير (شباط) بوصفها منتجةً مشاركةً للفيلم المصري «خروج آمن» لمحمد حماد الذي يُعرض بقسم البانوراما، وكذلك منتجةً مشاركةً لمشروع فيلمين بسوق الإنتاج للمهرجان، وهما الفيلم السوداني «كارت أزرق» لمحمد العمدة وإنتاج أمجد أبو العلا، والفيلم الهندي «فيرال»، مؤكدة أنها تفخر بهذه المشاركات.

وتوضح رؤيتها لهذه الاختيارات الثلاثة قائلة: «هذه الأفلام تبحث عن الهوية والإنسان كل في مجتمعه، ففيلم (خروج آمن) يُعد بناية واحدة لشخصيات تشكل نسيج القاهرة المتعدد، و(كارت أزرق) يبحث في معنى اللجوء والهوية والصداقة عبر قصة ذكية وإنسانية جداً، أما (فيرال) فيستعيد زمن سابق حيث صراع الطبقات والغطرسة الرأسمالية والعنصرية».

وكانت عودة قد شاركت أخيراً بالفيلم الوثائقي «حبيبي حسين» في مهرجان «روتردام السينمائي» خلال دورته الماضية، وقد حظي باهتمام لافت، وتقول عنه: «سعدت كثيراً بمشاركة فيلم (حبيبي حسين) بمهرجان (روتردام السينمائي) بعد عرضه العالمي في مهرجان (بوسان) ومشاركته في مهرجان (القاهرة)، وفوزه بجائزة شادي عبد السلام، بجانب مشاركته بمهرجان (بلاك بوكس) بسويسرا، ثم (روتردام) وكانت المفاجأة الكبرى فوزه بالمرتبة الثالثة في اختيار الجمهور، وهذا إنجاز كبير لفيلم وثائقي، وكانت ردود الأفعال مبهرة من الجمهور، وهناك العديد من المشاركات التي تنتظر الفيلم دولياً خلال الفترة المقبلة».

ملصق الفيلم الوثائقي (مهرجان روتردام)

وتحكي عن علاقتها بالفيلم: «بدأت علاقتي به عبر مكالمة هاتفية من صديقي توماس، وقال لي إن هناك مخرجاً فلسطينياً لديه فيلم قام بتصويره على مدى 10 سنوات بسينما جنين، وحين شاهدت ما تم تصويره تحمست كثيراً للفيلم وقلت هذا فيلم يمسني، ولا بد أن أحكي عنه».

ورغم أن مي عودة تنتمي لمدينة رام الله لكنها ارتبطت بسينما جنين التي حضرت بها عروضاً عديدة، والتي يحكي الفيلم عنها وعن حسين عارض الأفلام بها، وتقول عنها: «هذه السينما كانت متوقفة بقرار من الاحتلال الإسرائيلي لفترة طويلة منذ عام 2007، حين جاءت جهة ألمانية وقررت ترميمها وتحديثها وأنفقوا مبالغ كثيرة وجمعوا تبرعات وتم تشغيل السينما في 2010 لكن في 2017 تم هدمها لأن طريقة الدعم الغربي تنصب على الاهتمام بالآلات وليس على الإنسان، وقد حاول فلسطينيون تشغيلها لكن السينما لم تحقق أرباحاً مالية فجاء صاحب السينما وهدمها لتبقى في خيالنا تحمل الحنين والذكريات، وقد أحببنا إهداء الفيلم لحسين عارض الأفلام الذي توفي عقب التصوير فقمنا بتغيير عنوان الفيلم من (العارض الأخير) إلى (حبيبي حسين)».

وكان الفيلم قد حاز تمويلاً من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» و«آفاق» وحصل على جائزتين من ملتقى القاهرة السينمائي.

وأنتجت مي عودة أفلاماً روائية من بينها الفيلم الطويل «200 متر» الذي حاز على جائزة الجمهور من مهرجان فينيسيا، والوثائقي «إجرين مارادونا»، و«أزرقاق»، و«العبور»، و«روشمي» و«المنسي»، كما أخرجت أفلاماً وثائقية، من بينها «يوميات»، و«غزة بعيونهن»، و«الرسم لأحلام أفضل».

وحازت جائزة مجلة «فارايتي» الأميركية لأفضل موهبة عربية في 2020، وتقول عن غيابها بوصفها مخرجةً: «لا شك أن الإنتاج استحوذ عليّ لأن هناك كثيراً من الأصوات المميزة تحتاج إلى المساندة والدعم لتظهر أفلامها».

معالجة فريدة

وعما يجذبها للأفلام التي تتصدى لإنتاجها تقول عودة: «أنا وشريكتي زورانا تجذبنا قصة الفيلم وطريقة معالجته، قد تكون القصة جاذبة لكن المعالجة عادية أو غير مقنعة أو تقليدية فلا نتحمس لها، إذ لا بد أن تكون القصة فريدة والمعالجة تماثلها في التفرد، وإذا لم نحب الفيلم مائة في المائة فمن الصعب أن نُكمل المشروع لأن رحلة إنتاج أي فيلم تنطوي على مصاعب كبيرة».

وتُبدي مي سعادتها بالحضور الفلسطيني في المهرجانات العالمية والعربية خلال عام 2025 وتقول عنه: «دائماً هذا الحضور موجود ومهم لأن الأفلام الفلسطينية بمخرجيها ومخرجاتها لديها ما تقولوه، لذا أقول دائماً إن السينما الفلسطينية هي وزارة دفاع فلسطين التي تنشر القصص الصادقة وسط كل هذه الأكاذيب المُروجة غربياً».


ألعاب نارية «ممنوعة» تؤرق أحياءً شعبية في مصر

الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

ألعاب نارية «ممنوعة» تؤرق أحياءً شعبية في مصر

الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
الألعاب النارية تنتشر في الأحياء الشعبية بمصر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

رغم جهود وزارة الداخلية المصرية للحد من تصنيع الألعاب النارية وترويجها، وضبط آلاف القطع منها، فإن انتشارها اللافت في الأحياء الشعبية، خصوصاً قبيل شهر رمضان، بات يؤرق سكان مناطق عدة في مصر. وأعلنت الأجهزة الأمنية ضبط كميات كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة في محافظات القاهرة، والفيوم، والإسكندرية، والغربية، قاربت 15 مليون قطعة بأشكال وأحجام مختلفة، عُثر على بعضها بحوزة تجار، وأخرى داخل مصانع وورش تعمل بالمخالفة للقانون. كما أعلنت وزارة الداخلية، الأربعاء، توقيف شخص بدائرة قسم شرطة أول العامرية بالإسكندرية، لحيازته كمية من الألعاب النارية تمهيداً للاتجار بها.

تعيش سعيدة عبد الغفار، وهي بائعة خبز في العقد الرابع من العمر بمنطقة المنيب في الجيزة (غرب القاهرة)، حالة من الذعر اليومي بسبب انتشار الألعاب النارية.

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع قرب حلول شهر رمضان يبدأ موسم بيع الألعاب النارية، ولا أستطيع الاعتراض على جارتي التي تبيعها»، مضيفة: «هي تعدّها باب رزق». وتوضح أنها تخشى الإصابة بسببها، وتحرص على الابتعاد عن الطرق التي تنتشر فيها، لأن الأطفال لا يتحلّون بالحرص الكافي، ما يفرض على الكبار مزيداً من الحذر.

أحدث مضبوطات الألعاب النارية في الإسكندرية (وزارة الداخلية)

ترتبط الألعاب النارية لدى المصريين بالأعياد والاحتفالات، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق متزايد. وقد تسبب إطلاق ألعاب نارية في حفل للفنان محمد رمضان بالساحل الشمالي، الصيف الماضي، في وفاة فرد أمن وإصابة 6 أشخاص.

وفي محافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة)، أدّى انفجار كميات من الألعاب النارية قبل 10 أشهر إلى انهيار عقار بالكامل، وأسفر الحادث عن مصرع شخص وتضرر عقار مجاور.

وتدخل الألعاب النارية إلى الأسواق بطرق غير قانونية عبر الموانئ. وأعلنت وزارة الداخلية، الثلاثاء، عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، ضبط 22 ألف قطعة ألعاب نارية لدى أحد التجار في الإسكندرية، وقبلها بيومين ضبطت أجهزة أمن محافظة الغربية 2375 قطعة في إحدى قرى مركز المحلة الكبرى.

وفي القاهرة، تمكّنت الأجهزة الأمنية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من ضبط شخص بحوزته ألف قطعة ألعاب نارية متنوعة، كما حدّدت مصدر حصوله عليها، وصادرت 1.3 مليون قطعة داخل منزل يُستخدم في تصنيعها وترويجها.

مضبوطات ألعاب نارية في محافظة الفيوم (وزارة الداخلية)

ومن أجل محاصرة مخاطر الألعاب النارية، يفرض القانون عقوبات ضد تجارها ومستورديها، وتقضي المادة 102 (أ) من قانون العقوبات بالسجن المؤبد لكل من أحرزها أو حازها أو صنعها أو استوردها دون الحصول على ترخيص بذلك، ورغم العقوبات المغلظة فإنها تعد تجارة رائجة، فخلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي ضبطت الأجهزة الأمنية في محافظة أسيوط (جنوب مصر) شخصاً بحوزته أكثر من 5 ملايين لعبة نارية.

ووفق الخبير الاقتصادي المصري إلهامي الميرغني: «لا توجد إحصاءات منشورة حول حجم سوق الألعاب النارية في مصر». وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لكن توجد مؤشرات يمكن من خلالها تقدير حجم الأرباح؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية عام 2025 ضبط 11 مليون قطعة خلال 24 ساعة فقط، كما أوقفت 3 أشخاص في منطقة الخصوص بالقليوبية بحوزتهم قرابة مليوني قطعة، قُدّرت قيمتها بنحو 8 ملايين جنيه».

وأشار الميرغني إلى وجود مصدرين رئيسيين للألعاب النارية في السوق المصرية: «الأول التصنيع المحلي في مصانع غير مرخصة، والثاني الاستيراد من الصين التي تسيطر على نحو 80 في المائة من السوق، تليها فرنسا ثم الهند»، مؤكداً أن استمرار هذه التجارة يدل على تحقيق أرباح مرتفعة تعادل مستوى المخاطرة في التصنيع أو الاستيراد.


معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
TT

معرض أثري يوثق وصول معتقدات المصريين القدماء إلى سواحل البحر الأسود

المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)
المعرض أقيم بالتعاون بين مكتبة الإسكندرية وسفارة بلغاريا في القاهرة (مكتبة الإسكندرية)

استضافت مكتبة الإسكندرية معرضاً فوتوغرافياً أثرياً بعنوان «العقائد المصرية على ساحل البحر الأسود» في متحف الآثار التابع لقطاع التواصل الثقافي، وذلك بالتعاون مع سفارة بلغاريا في القاهرة، ومعهد دراسات البلقان.

يضم المعرض مجموعة من الصور لقطع أثرية توضّح انتشار العقائد المصرية في إقليم البحر الأسود، وتكشف عن أوجه تواصل ثقافي وروحاني فريدة. ويقسّم المعرض القطع المختارة إلى 7 أقسام تشمل: «النقوش والآثار الكتابية، والمصنوعات العظمية، وقطع التراكوتا، والبرونزيات، والمنحوتات الرخامية، إضافة إلى الأحجار الكريمة والخواتم والمجموعات النقدية»؛ وذلك وفق كلمة الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، خلال افتتاح المعرض.

صور لعملات نقدية نادرة من البحر الأسود (مكتبة الإسكندرية)

وقال زايد، في بيان للمكتبة الأربعاء، إن المعرض يكتسب طابعاً احتفالياً بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس العلاقات الدبلوماسية الثنائية بين بلغاريا ومصر، عادّاً المعرض دعوةً لاستكشاف التواصل بين مصر القديمة والمدن الساحلية للبحر الأسود. وأشار إلى أن الجذور التاريخية لهذا التواصل تعود إلى مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد؛ فمع وفاة الإسكندر الأكبر وتولي الأسرة البطلمية حكم مصر، انتشرت عقائد دينية من وادي النيل نحو شرق البحر المتوسط وصولاً إلى سواحل البحر الأسود، وامتزجت أصولها المصرية بملامح سكندرية ويونانية.

وأعرب السفير البلغاري لدى مصر، ديان كاترشيف، عن سعادته بالمشاركة في هذا الحدث بمكتبة الإسكندرية، الذي يبرز عمق العلاقات التاريخية بين مصر وبلغاريا، ويؤكد أن التفاعل بين الشعبين سبق إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين، وهو ما يتجلى في هذا المعرض.

افتُتح المعرض في مكتبة الإسكندرية (مكتبة الإسكندرية)

وقدمت المصورة الفوتوغرافية الدكتورة فيسيلا أتاناسوفا شرحاً مفصلاً للقطع الأثرية التي تتضمنها صور المعرض، التي تدل على عمق الروابط الثقافية المبكرة بين مصر القديمة ومدن ساحل البحر الأسود، وتوضح الدور الحيوي الذي لعبته مصر في تشكيل المعتقدات الدينية في المنطقة.

ويقام المعرض، بالتعاون مع مركز الدراسات التراقية (نسبة إلى تراقيا وهي منطقة تاريخية في جنوب شرقي أوروبا) التابع للأكاديمية البلغارية للعلوم، خلال الفترة من 10 إلى 17 فبراير (شباط) الحالي، ويضم مجموعات من اللقى الأثرية من مدن مختلفة على طول ساحل البحر الأسود، عبر لوحات شارحة، من بينها: خيرسونيسوس تاوريكا في شبه جزيرة القرم، وأولبيا وتيراس في أوكرانيا، وتوميس في رومانيا، ومدينتا ميسامبريا وأوديسوس في بلغاريا، وبيزنطة في تركيا، ومدينة فاني في جورجيا. كما يقدّم للزوار صورة شاملة عن التغلغل المتعدد الأشكال للعقائد المصرية في إقليم البحر الأسود.

ووفق مدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، يُعدّ المعرض دليلاً على انتشار المعتقدات المصرية القديمة في مناطق متفرقة من العالم، متجاوزةً حدودها الجغرافية، خصوصاً في العصرين اليوناني والروماني.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن دولاً عدة، خصوصاً في منطقة ساحل البحر الأسود، عرفت آلهة مصرية قديمة مثل إيزيس وسيرابيس وحورس الطفل، إلى جانب تماثيل الأوشابتي والتمائم وغيرها من الآثار، مما يؤكد قوة وتأثير الحضارة المصرية القديمة وانتشارها عالمياً.

ولفت إلى أن معابد عدة شُيّدت للإلهة إيزيس في مناطق متفرقة، وأن البحارة كانوا يتبرّكون بها عند مواجهة العواصف والظروف القاسية في البحر، وهو ما يعكس مدى التأثير الواسع للعقائد المصرية في شعوب أخرى، مشيراً إلى أن هذا المعرض يُقام للمرة الأولى في مصر وأفريقيا.