«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

انطلاق فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية 2025

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
TT

«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)

ضمن فعاليات الدورة الـ11 لمهرجان «كتارا» للرواية العربية، الذي يُقام حالياً في العاصمة القطرية الدوحة، بدأت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية، بمناسبة اختيارها «ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، بإقامة ندوة حوارية عن الرواية السعودية.

وبمناسبة اختباره «شخصية العام»، افتتح في مهرجان «كتارا» للرواية العربية معرض يروي سيرة ومسيرة الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي، ويتضمن المعرض، إلى جانب سيرة الأديب الذاتية، مقتبسات من مؤلفاته التي تربو على 70 كتاباً في مجالات الأدب والشعر والفكر والتنمية.

وافتتح في «كتارا» معرض «رحلة في الرواية السعودية من التأسيس إلى العالمية»، الذي يستعرض المحطات البارزة في تاريخ الرواية السعودية منذ بداية رحلتها في منتصف القرن العشرين، وفي السنوات التالية للبدايات انتقلت من مرحلة التوثيق الاجتماعي إلى مرحلة النضج الفني. ووثّق المعرض للرواية النسائية السعودية، التي تعود بداياتها الأولى إلى سميرة خاشقجي. كما تناول المعرض تجربة الرواية السعودية مع الدراما، كما وثّق المعرض الجوائز التي حقّقتها الرواية السعودية في المحافل العربية والدولية، ما عزّز من حضورها وأكّد قيمتها الفنية، وتطرق لمستقبل الرواية السعودية.

جائزة «كتارا»

وبعد افتتاحه لفعاليات مهرجان كتارا للرواية العربية، قال الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام للمؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، إن جائزة «كتارا» للرواية العربية حققت العديد من الإنجازات خلال 11 عاماً، حيث رسّخت مكانتها كأهم منصة عربية تحتفي بفن الرواية، وتعزز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.

وأشار إلى أن الجائزة شهدت إقبالاً متزايداً من الكتاب والمبدعين، وأسهمت في إيصال الصوت السردي العربي إلى العالمية من خلال اعتماد اليونسكو للأسبوع العالمي للرواية خلال الفترة من 13 إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، بناء على اقتراح من المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، دعمته المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الألكسو)، ووزراء الثقافة العرب.

وأكّد أن هذه الدورة من مهرجان كتارا للرواية العربية تعدّ استثنائية بكل المقاييس، مع دخول الجائزة عقدها الثاني، لأن لجنة الجائزة اعتمدت مبادرات ومشاريع جديدة سيتم الإعلان عنها ضمن فعاليات المهرجان في دورته الحالية.

ومن جانبه، أكّد السيد خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية بكتارا، أن هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية تميزت بعدد المشاركات في منافساتها التي بلغت 1900 مشاركة، إلى جانب تنوع فعالياتها ومشاريعها وأنشطتها، بالإضافة إلى تميز معرض كتارا للكتاب، الذي يشارك فيه 103 من الناشرين وأصحاب المكتبات.

وأوضح أن مجمل المشاركات في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الحادية عشرة، بلغ أكثر من 17 ألف مشاركة، وبلغ عدد الفائزين بجوائزها 183 فائزاً، وبلغت إصداراتها 253 إصداراً باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، حيث استطاعت «كتارا» أن تكون محطة جديدة في تاريخ الرواية العربية، وأن تكرس للرواية «حق التكريم».

المشاركون في ندوة «الرواية السعودية... النشأة والتطور» كل من الدكتور معجب العدواني ومحمد المزيني والدكتورة جميلة العبيدي وأدارها محمد العامري (الشرق الأوسط)

الرواية السعودية

وكانت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية بمناسبة اختيارها «ضيف شرف»، إقامة ندوة بعنوان: «الرواية السعودية... النشأة والتطور» تحدث فيها كل من: الدكتور معجب العدواني الأكاديمي والناقد الأدبي، والروائي والإعلامي محمد المزيني، والدكتورة جميلة العبيدي الأكاديمية والناقدة، وأدارها الناقد محمد العامري.

واستعرض المتحدثون مسيرة الرواية السعودية، مع التطرق لأبرز الروايات البارزة في كل محطة من محطاتها، التي توجت مشوارها الذي يقترب من 100 عام بحصد جوائز إقليمية وعالمية.

فقد تناول الدكتور معجب العدواني المسارات المهيمنة على الكتابة الروائية السعودية، ابتداء من بواكيرها، وتأثير الشعر على الراوية، وملامح الرواية التاريخية، وتفاعل السيرة الذاتية وتناميها.

مسارات الرواية السعودية

وأشار العدواني إلى وجود 3 مسارات هيمنت على الكتابة الروائية السعودية. هي: المسار الشعري، والتاريخي، والسيرة الذاتية.

مضيفاً أن المسار الشعري تنامى ووصل إلى مرحلة متطورة وحديثة، حيث بدأت به الرواية السعودية عام 1930 من خلال رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، وكانت الأعمال في البدايات لشعراء أحبوا ممارسة الكتابة الروائية، وهو أول مساس بين الشعر والرواية، وقد امتد وتواصل حتى التسعينات، حتى إن النقاد الذين مارسوا نقدهم الحداثي ركّزوا على الكتابات الروائية ذات الصيغة الشعرية... ومع التسعينات، بدأ بعض الكتّاب يمارسون التجريب في السرد، مثل عبده خال ويوسف المحيميد، ورجاء عالم، التي اتصفت بعض أعمالها بلغة شعرية، ثم وجدنا شعراء تحوّلوا للكتابة الروائية، أبرزهم غازي القصيبي، حيث عرف روائياً كما عرف شاعراً، ومنهم عواض العصيمي كما في روايته «أو... على مرمى الصحراء... في الخلف»، وكذلك الروائي محمد علوان كما في روايته «سقف الكفاية» وأحمد أبو دهمان.

فيما يحضر المسار التاريخي في العديد من الأعمال الأدبية، كما أن السيرة الذاتية حافظت على حضور واسع في تجارب العديد من الروائيين السعوديين، وقال إن هناك روايات سعودية بدأت تكتب بصيغة التخييل التاريخي، كأن يختار الكاتب حدثاً محدداً ثم يضيف إليه جانباً إبداعياً كبيراً، مثل رواية «جدة 915 هـ» لسعيد السريحي، أو كتابة رواية تاريخية بلا تخييل، مثل «ضباعة العامرية» لعبد العزيز محمد الفيصل، حيث يكون السارد في الرواية التاريخية مقيداً بحضور التاريخ.

وبشأن مسار «السيرة الذاتية»، رأى العدواني أن نماذج هذا المسار بدت واضحة في رواية «طريق الحرير» لرجاء عالم، وكذلك «شقة الحرية» لغازي القصيبي.

السياق التاريخي للرواية السعودية

وقال الروائي محمد مزيني إن الرواية السعودية ليست بمنأى عن التأثر بالمحيطات العربية المتنوعة، فمنذ دخول مفهوم الرواية ببعده الفني الحديث، الذي قدحت شرارته رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، مع تحفظ يوسف القعيد على هذا الإطلاق، وهناك تطلع الكتاب السعوديين لخوض غمار هذه التجربة العربية الحديثة التي اجتاحت العالم العربي عبر روّاد الرواية العربية المصريين تحديداً، ولقرب الحجاز من مصر، وأسبقية أهله بالتعليم، فقد استهلت الرواية السعودية مسيرتها بصدور رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930، وتعدّ هذه الرواية تاريخياً سابقة لأول رواية أصدرها نجيب محفوظ بعنوان «عبث الأقدار» عام 1939، وقد يكون للعيب الفني في رواية «التوأمان»، التي تؤرخ للرواية السعودية، دور في عدم انتشارها بشكل جيد.

ولاحظ مزيني أن هناك اتفاقاً بين النقاد والدارسين على أن رواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري، الصادرة عام 1959، هي المؤسسة لمرحلة التأسيس الفني للرواية السعودية، ثم جاء إبراهيم الناصر الحميدان لينفخ في صورة الرواية السعودية روحاً جديدة تقوم على أسس الفن الروائي الحديث من خلال روايتيه «ثقب في رداء الليل» 1961، و«سفينة الموتى» 1969.

مشيراً إلى أنه في عام 1977 صدرت أول رواية لعبد الله جمعان بعنوان «القصاص»، ثم رواية غالب حمزة أبو الفرج «الشياطين الحمر»، وعدد من روايات عبد الرحمن منيف ذات البعد القومي، حيث تعكس روايات السبعينات عموماً علاقة الرجل بالمرأة، وتكوين الأسرة، وما يلحق بها من أزمات تقع المرأة عادة فريستها في محاولة للدفاع عنها، ويحلو لبعض النقاد وصم هذه المرحلة بالضعف الفني.

لكن المزيني يشير إلى تأخر ظهور الرواية النسائية إلى أوائل الستينات الميلادية، وذلك لعوامل كثيرة متشابكة، لعل من أهمها تأخر تعليم المرأة مقارنة بالرجل، والقيود الاجتماعية والدينية المفروضة على المرأة، ما أخّر الرواية النسائية زهاء 3 عقود، افتتحتها سميرة خاشقجي، ولحقت بها هدى الرشيد، وهند باغفار، اللائي صدرت أعمالهن الروائية في فترة الستينات والسبعينات الميلادية.

والملاحظ هنا أن كل هذه الروايات النسائية تدور أحداثها خارج السعودية، ما يشي بأن روائيات تلك الفترة هن نتاج خارجي تعليماً وثقافةً، إلى أن كتبت عائشة زاهر أحمد روايتها «بسمة من بحيرات الدموع» التي أصدرتها عام 1979، لتعيد النسب الروائي النسائي السعودي إلى مجتمعه الطبيعي.

وعن مرحلة النضج التي وصلت إليها الرواية السعودية، يشير مزيني إلى رواية «فيضة الرعد» التي ألفها عبد الحفيظ الشمري، واعتبرت فاتحة للمرحلة الحديثة الثانية في تاريخ الرواية السعودية، التي دشّنت فنياً برواية «رائحة الفحم» لعبد العزيز الصقعبي، ليدخل منافساً قوياً لأسماء سابقة له في هذا المضمار، مثل: غازي القصيبي، وعبده خال، وتركي الحمد، وعلي والدميني، وهي أسماء جاءت بروايات تقترب من الذات.

الأدب النسائي السعودي من الهامش إلى المركز

وأكّدت الأكاديمية السعودية الدكتورة جميلة العبيدي، أهمية «النظر إلى الأدب النسائي السعودي من زاوية الوعي السردي، لأن السرد كان دائماً الأداة التي استخدمها الإنسان ليحمي وجوده من التبعثر، والمرأة الكاتبة استخدمته لتستعيد موقعها في التاريخ عبر إعادة تعريف علاقتها باللغة والزمن والمجتمع».

وقالت إنه «في بدايات هذا الأدب، كانت اللغة تُستخدم كدرعٍ دفاعية، وكأن الكاتبة تكتب من وراء جدار، تخشى أن يرفضها الخطاب السائد أو يصادر صوتها (...) والكتابة تشبه النجاة أكثر مما تشبه المعرفة. لكن مع تحوّل الزمن الثقافي والاجتماعي في المملكة، ومع نضج التعليم وظهور جيلٍ جديدٍ من الكاتبات الواعيات، تغيّر موقع الذات من الهامش إلى المركز، ومن الدفاع إلى الفعل، ومن البوح إلى التأويل».

وقالت الدكتورة العبيدي إن المرأة السعودية بدأت «تنظر إلى النص، لا باعتباره سجلاً للحياة، بل باعتباره مختبراً للوعي. أصبحت القصة والرواية وسيلةً لتفكيك ما هو راسخ في الذهن الجمعي، وتحليل أنماط الخطاب التي تحدد صورة المرأة في المجتمع، وكيف تُنتج هذه الخطابات دلالاتها، وتشرعن ما يُقبل وما يُرفض. هنا تحوّل النص من مرآةٍ للواقع إلى أداةٍ لقراءة الواقع وتغييره».

وأضافت: «من أبرز ملامح هذا التحول أن المكان والزمان لم يعودا إطارين صامتين للأحداث، بل تحولا إلى كيانين فاعلين في تشكيل المعنى».

وقدّمت الدكتورة جميلة العبيدي نماذج لدراسة التحويل في روايات المرأة السعودية: «ففي رواية (طوق الحمام) لرجاء عالم، على سبيل المثال، تتحول مكة إلى كائنٍ حيٍّ يتحدث بذاكرته، تتجاور فيه القداسة واليومي، والماضي والمستقبل. فالمدينة هنا ليست مجرد مسرحٍ للوقائع، بل هي شخصية رئيسة في النص، تروي تحوّلاتها وتعبّر عن صراعها بين الثابت والمتحوّل».

كما لاحظت أنه «في رواية (جاهلية) لليلى الجهني، تتبدّى اللغة ذاتها كموضوعٍ للنقد، حيث تُفكّك الكاتبة الخطاب الذي يفرض تعريفاتٍ جاهزة للمرأة، وتُظهر كيف يمكن للمفردة الواحدة أن تكون سجناً أو أفقاً، تبعاً لمن يملك حقّ النطق بها».

أما في «رواية (بنات الرياض) فقد أعيد تعريف علاقة الكاتبة بالقارئ، حيث انكسر الحاجز التقليدي بين الراوي والمتلقي، ليصبح النص فضاءً حوارياً مفتوحاً، تتوزع فيه السلطة بين الكاتب والقارئ، ويُنتج المعنى عبر التفاعل لا التلقّي».

وفي ختام ورقتها، أكّدت الدكتورة العبيدي أن الأدب السعودي أصبح «وثيقة ثقافية تشهد على تحوّل الهوية الوطنية بأكملها؛ من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن الصوت الواحد إلى التعدد، ومن التلقّي إلى المشاركة».


مقالات ذات صلة

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

يوميات الشرق نواف الظفيري في أحد مشاهده بفيلم «هجرة» (منصة «إكس»)

نواف الظفيري... أداء سعودي يلفت المهرجانات الدولية

في السنوات الأخيرة، أُضيف إلى المشهد السينمائي العربي حضور متنامٍ لممثلين سعوديين باتوا يحصدون تقديراً فعلياً في مهرجانات دولية، مع الالتفات إلى أدوارهم بوصفها…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق من اليسار ريان كوغلر وكلوي تشاو وغييرمو دل تورو وبول توماس أندرسن وجوش صفدي (غيتي)

«نقابة المخرجين»... تاريخ حافل وحاضر مزدهر

لا يمكن الاستهانة بتأثير جوائز النقابة على جوائز الأوسكار

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.