في الحل والترحال... بينالي الدرعية للفن المعاصر يعود إلى الرياض

بمشاركة 70 فناناً عربياً وعالمياً

حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

في الحل والترحال... بينالي الدرعية للفن المعاصر يعود إلى الرياض

حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)
حي جاكس الإبداعي يحتضن فعاليات البينالي (مؤسسة بينالي الدرعية)

لا يغيب بينالي الدرعية كثيراً عن جمهوره، فبعد انتهاء الدورة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية في جدة في شهر مايو (أيار) الماضي، تستعد الرياض في شهر يناير (كانون الثاني) القادم لاستقبال النسخة الجديدة والثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر الذي يأتي تحت عنوان: «في الحل والترحال»، ويستضيفه حي جاكس الإبداعي.

وأعلنت مؤسسة بينالي الدرعية اليوم عن العنوان والقائمة الأولية للفنانين المشاركين الذين يبلغ عددهم أكثر من 70 فناناً، وسيعرض البينالي أكثر من 20 عملاً فنياً جديداً. يشرف على النسخة الثالثة من البينالي المديران الفنيان نورا رازيان وصبيح أحمد، إلى جانب فريق دولي من القيّمين الفنيين، في حين يعمل استوديو فارما فانتازما على تصميم المعرض ضمن مساحات متعددة في الموقع.

حي جاكس الإبداعي في الرياض (مؤسسة بينالي الدرعية)

في الحل والترحال

التقت «الشرق الأوسط» بالمديرين الفنيين للبينالي نورا رازيان وصبيح أحمد للحديث عن الموضوع، والأعمال المشاركة، والفعاليات التي ستشغل جمهور الفنون في العاصمة السعودية لأسابيع.

موضوع البينالي «في الحل والترحال» يطلق حديثنا مع نورا رازيان وصبيح أحمد. بداية تشير رازيان إلى أن العنوان بصيغته العربية يشير إلى حالة من الحركة الدائمة: «هي حالةٌ من التقلب بين الاستقرار والحركة، ولكنه أيضاً يعكس فكرة الاستمرارية والتضامن في ذلك، وهو ما يتضمنه قول (سأكون معك في الحل والترحال)». وتستكمل: «أردنا استحضار عالم التقلبات المستمرة، وفي الوقت نفسه هناك نوع من المرونة والاستمرارية، نتعامل هنا مع فكرة الانتقال، فكرة الارتباط الطويل بالماضي، والمضي قدماً نحو المستقبل». عنوان الدورة القادمة له دلالات أخرى بعضها يظهر من خلال استخدام التعبير العربي الشهير، ولكن أيضاً من خلال النسخة الإنجليزية للعنوان، وهي «In Interludes and Transitions» تشير رازيان إلى أن العنوان بالإنجليزية يعكس مزيجاً إضافياً من المعاني. من جانبي أعلق أنه يبدو أقل شاعرية عن التعبير العربي، وتجيب: «نعم، قد يكون أقل شاعرية، لكنه فعال. فكل لغة لها مرجعيتها الخاصة، ورسالتها. أما في الإنجليزية، فهو يُلمّح أكثر إلى النوتات الموسيقية، والفواصل المسرحية، وأيضاً إلى فكرة استحضار الإيقاعات والتوقفات، مع الرغبة في الحفاظ على فكرة التحول».

نورا رازيان (مؤسسة بينالي الدرعية)

بشكل عام وبعنوانيه العربي والإنجليزي يتحول موضوع البينالي ليشمل أطيافاً من وسائل التعبير، وبحسب البيان الصحافي فإن الرؤية الفنية التي يطرحها البينالي القادم تعتمد على الحكايات المشتركة ما بين التاريخ والأجداد والأحلام والهواجس من خلال الأغاني والحكايات وهدير الرياح. يستفيض القيم صبيح أحمد في شرح ما سيقدمه البينالي: «بطريقة ما، يتعلق الأمر بدورات التوقف والحركة في عالم في حالة حركة مكثفة. الأشياء في حركة مستمرة، والعناصر في حركة، والناس في حركة، أحياناً باختيارهم، وأحياناً رغماً عنهم. لذا، فإن الوعي بالحركات التي تُشكل العالم الآن هو ما يحاول البينالي استحضاره. أن ننظر إلى العالم من خلال عدسة المواكب التي تُشكله الآن، مواكب الناس، مواكب القصص، التواريخ المختلفة، والمتشابكة جميعاً مع بعضها البعض». الحركة التي يتحدث القيم عنها هنا تشمل موجات الهجرة والشتات التي صنعت على مدى قرون جسوراً من التواصل والتبادل بين مواطن الخليج العربي، «كلها ظواهر حملت معها حكايات وأغاني ومفردات، ونتجت منها إيقاعات وبحور شعرية».

20 عملاً جديداً

نتحدث عن الأعمال المشاركة، وما الذي نفذ خصيصاً للبينالي، تقول رازيان: «هناك مجموعة واسعة من الأعمال الجديدة، لدينا أكثر من 20 عملاً جديداً، ولدينا كثير من الأعمال التي تُعدّ إعادة صياغة لأعمال موجودة عن الموضوع أو المكان. ولدينا أيضاً، بالتأكيد، أعمال محلية». يضيف صبيح أحمد عنصراً جديداً للأعمال المشاركة، ويقول: «كما ذكرت نورا، لأن العنوان الإنجليزي مستوحى من لحظة موسيقية وأدائية. لذا، هناك حضور قوي للموسيقى والشعر والأداء والمحاضرات الأدائية، وهذا النوع من الإيماءات الأدائية للفنانين إلى جانب المعرض ليست مجرد مصاحبات للعرض، بل هي جوهرية». يستفيض في الشرح: «ستكون هناك حفلات موسيقية وقراءات شعرية وتفاعلات متنوعة مع التاريخ الشفوي والتاريخ الموسيقي، وتاريخ حرفة صنع الآلات الموسيقية. بالإضافة إلى ذلك، هناك فنانون يبحثون، على سبيل المثال، في تاريخ الموسيقى، وحتى في تاريخ النطاقات النغمية في الموسيقى العربية، وكيف تطورت وأصبحت أكثر توحيداً».

صبيح أحمد (مؤسسة بينالي الدرعية)

اختلاف الجغرافيا والأجيال

يشير القيم أيضاً إلى أن اختيار الفنانين جاء متنوعاً: «هناك تنوع في المناطق الجغرافية التي تتفاعل مع بعضها البعض، ولذلك لدينا فنانون من مناطق جغرافية مختلفة، ومن أجيال مختلفة. على سبيل المثال، لدينا فنانة من فيتنام، يُعد عملها في الواقع حواراً مع فنانة من الجيل الأكبر سناً، والتي أنجزت عملاً يُخلّد ذكراها في أعمالها الفنية في البينالي، لذا لديك مناطق جغرافية وأجيال مختلفة في حوار مع بعضها البعض. وطريقة تنظيمنا للبينالي ليست باعتبارها تخصيص معرض واحد للحداثيين، وآخر للفنانين الشباب، وآخر. نحن لا نقسم بناءً على الموضوعات، أو بالأحرى، نحن نقسم بناءً على الوسائط أو الأجيال أو الأساليب، وننظمها في سياق حوارات مختلفة تحدث أحياناً في الواقع أو تاريخياً وبعضها خيالي وتخميني».

فنانو السعودية

يتجه الحديث إلى الفنانين السعوديين المختارة أعمالهم في البينالي، ويعلق صبيح أحمد: «من المؤكد أن هناك حضوراً قوياً لفنانين من المملكة العربية السعودية»، ويشير إلى أن الأعمال المشاركة من المملكة ستمثل «حواراً شيقاً بين الأجيال» بين بعض الفنانين من جيل الشباب، مثل ربى السويل، وعهد العمودي، بالإضافة إلى بعض الفنانين الكبار.

من الدورة الثانية لبينالي الدرعية للفن المعاصر (الشرق الأوسط)

تشمل قائمة الفنانين المشاركين الأسماء التالية: بيو أباد، رند عبد الجبار، يوسف أغبو-أولا [استوديو أولانيي]، عهد العمودي، تيسير البطنيجي، رافين تشاكون، روهيني ديفاشر، عفراء الظاهري، ميرفه إرطفان، إيفانا فرانكه، رحيمة غامبو، بيتريت هاليلاي، محمد الحمدان (حمدان)، عزيز هزارة، ألانا هانت، يزن الخليلي، جورج ماهاشي، تيو ميرسييه، نور مبارك، نانسي منير، حسين ناصر الدين، دانيال أوتيرو توريس، تاو نغوين فان، غالا بوراس-كيم، ساركر بروتيك، مجموعة رقص ميديا، أوسكار سانتيان، رُبى السويل، تشونغ كونغ تونغ، وولف للعمارة، أغوستينا وودغيت، ويو جي.

تعددية الانتماء

وعن اختلاف الخلفيات الجغرافية بين الفنانين المشاركين يقول القيم: «هناك نوعٌ من الانتماء ليس إلى مكانٍ واحد، بل إلى أماكنَ مُتعدِّدة. أن تكون مُستقرًّا في أماكنَ مُتعدِّدة، فنحنُ جميعاً، على الأقلِّ في هذا الجزءِ من العالم، لسنا فقط ثنائيَّي اللغةِ. نحنُ لا ننتمي إلى لغاتٍ مُتعدِّدةٍ فحسب، بل ننتمي أيضاً إلى مناطقَ زمنيةٍ مُتعدِّدة. هناك شيء ما ناقشته أنا ونورا، إلى جانب فريقنا، وهو استخدام البينية باعتبارها فرصة، ليس لإظهار كيف يبدو هذا المكان لبقية العالم، بل كيف يبدو العالم من هذه الزاوية. ويظهر ذلك من خلال لغات متعددة، ومسارات سياحية متنوعة، مع نقل القصص والأغاني والتاريخ الذي يجد مواقع جديدة للفولكلور والذاكرة الجماعية. أعتقد أن هذا هو النهج الذي نتبعه. يبدو العالم جلياً من خلال هذه المجازات عندما تكون هنا، أليس كذلك؟» أعلق قائلة: «حسناً، إذاً، لسنا قلقين بشأن كيف يرانا العالم الخارجي، بل كيف نرى العالم الخارجي»، ويجيب مؤكداً: «نعم، نتعامل مع العالم الخارجي كما يظهر من هنا في صوره المختلفة».



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».