المثقف والانهيارات الخلاقة

المسافة الفكرية بيننا وبين أوروبا 200 سنة على الأقل

شاتوبريان
شاتوبريان
TT

المثقف والانهيارات الخلاقة

شاتوبريان
شاتوبريان

تشكل الرومنطيقية إحدى الحركات الكبرى في تاريخ الآداب الفرنسية. ولكنها، على عكس ما نظن، ليست حركة أدبية أو شعرية فقط. وإنما هي حركة فلسفية ضخمة رافقت كل الثورات السياسية الكبرى أو ما يدعى بربيع الشعوب الأوروبية. وقد ازدهرت الحركة الرومنطيقية وبلغت أوجها على أيدي كتاب كبار، ليس أقلهم شاتوبريان، أو فيكتور هيغو، أو جيرار دو نيرفال، أو ألفريد دوموسيه، أو لامارتين، أو سواهم... وعندما نقرأهم نجد الفكرة الأساسية التالية التي تهمنا نحن المثقفين العرب أيضاً: وهي أنها تربط بين اندلاع الحركة الرومنطيقية شعرياً وأدبياً واندلاع الثورة الفلسفية التنويرية الكبرى: أي ثورة الأزمنة الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان وكرامته وتجلها وتقدسها أياً يكن. فهذه الثورة الكبرى أو القطيعة الكبرى قسمت تاريخ أوروبا إلى قسمين: ما قبلها وما بعدها. ولكن بما أن العالم القديم لا يمكن أن يموت مرة واحدة، وبما أن العالم الجديد لا يمكن أن يولد دفعة واحدة، فإن الجيل الذي عاش بينهما شهد كثيراً من التمزقات النفسية والانهيارات الداخلية والتذبذبات. إنه جيل العبور الصعب والاحتراق النفسي بالمعنى الحرفي للكلمة. وهذه هي سمة العصر العربي المشتعل حالياً. مَن يستطيع أن ينكر ذلك؟ نعم، نحن جميعاً رومانطيقيون أو فجائعيون بشكل من الأشكال. نحن جميعاً منكوبون ومتمزقون في مجتمعات منكوبة ومتمزقة ومتذبذبة بين بين. ولن تستقر وتهدأ قبل وقت طويل. هذه صيرورة طويلة ومعقدة تتجاوزنا جميعاً. ومعلوم أن هذه التمزقات والانهيارات النفسية التي يشهدها المثقف العربي حالياً هي التي كان مثقفو أوروبا قد شهدوها في القرن التاسع عشر قبل الثورة الفرنسية وفيما بعدها. بل واحترقوا بحر نارها. يقول شاتوبريان معبّراً عن هذه النقطة بكل وضوح:

«لقد وجدت نفسي على مفترق قرنين، كما يجد المرء نفسه على مفترق نهرين. وقد غطست في المياه المضطربة مبتعداً بحسرة عن الشاطئ القديم حيث ولدتُ، وسابحاً نحو الشاطئ الآخر المجهول الذي سوف تصل إليه الأجيال المقبلة، والذي لن أراه بأم عيني».

خليل حاوي

وهذا تصوير من أجمل ما يكون لعملية النقلة أو القطيعة التي تمزقنا نحن الآن. نحن أيضاً لن نرى الشاطئ الآخر. لن نصل إليه مهما حاولنا. لا يزال بعيداً. سوف تصل إليه الأجيال المقبلة، فهنيئاً لها. ينبغي العلم بأن شاتوبريان وُلِد وعاش نصف عمره تقريباً في القرن الثامن عشر، أي قبل الثورة الفرنسية الكبرى، ثم عاش نصف عمره الآخر في القرن التاسع عشر، أي بعد الثورة (1768 - 1848). وبالتالي فقد شهد كلا العالمين، القديم والجديد. ولم يكن من السهل عليه أن يحدث القطيعة مع العالم القديم الذي وُلِد فيه ونشأ وترعرع في أحضانه. وهو عالم مسيحي، كاثوليكي، زراعي، ريفي في معظمه. هذا في حين أن العالم الجديد ابتدأ يصبح علمانياً، صناعياً، تكنولوجيّاً، فلسفياً مضاداً للدين المسيحي عموماً، أو قل للأصولية المسيحية لكي نكون أكثر دقة؛ فالحداثة لم تكن ضد الدين في المطلق، وإنما ضد التصور الانغلاقي التكفيري القديم للدين. الحداثة ولّدت تأويلاً جديداً منعشاً جداً للدين المسيحي. وهو الذي أنقذ أوروبا من براثن العصور الوسطى والحروب الأهلية والمجازر. نقصد بذلك التأويل المستنير المتسامح المضاد للتأويل الأصولي القديم. ولكن ذلك لم يتم دون مخاضات عسيرة وصراعات هائجة بين الحزب الكاثوليكي الراسخ والحزب العلماني الصاعد. لقد شغل هذا الصراع المحتدم الضاري القرن التاسع عشر كله، بل وحتى منتصف القرن العشرين. وهذا الصراع أو المخاض هو الذي ابتدأنا نعيشه نحن في العالم العربي حالياً. وبالتالي فالمسافة الفكرية بيننا وبين أوروبا هي 200 سنة على الأقل. ما عاشوه وعانوه قبل مائتي سنة نعيشه نحن الآن ونعانيه. لذلك قلت وأقول إن الزمن العربي الإسلامي غير الزمن الأوروبي. بينهما يوجد تفاوت تاريخي كبير. وينبغي أن نأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار لكي نفهم ما يحصل حالياً. هذا لا يعني أننا سنقلدهم في كل شيء. أبداً. أبداً. فانحرافات الحداثة المادية الإلحادية وانزلاقاتها التي حصلت مؤخراً نحن في غنى عنها. ولا يمكن أن نقبل بها. وبالتالي فهذه القطيعة الكبرى التي نحلم بها لن تكون مع الدين ذاته ولا مع التراث العربي الإسلامي العظيم المفعم بالقيم الأخلاقية والروحية والإنسانية. وإنما ستكون فقط مع المفهوم الظلامي والتكفيري والإبادي للأصولية الدينية والفصائل المتطرفة.

بودلير

لكن لنعد إلى الصعيد الأدبي والشعري المحض. في الواقع، فإن الحركة الرومنطيقية الفرنسية يمكن حصرها في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وبالتحديد بين عامي 1800 - 1869. بهذا المعنى، فإن بودلير نفسه ينتمي إلى الحركة الرومنطيقية بالمعنى النبيل للكلمة، أو قل إنه يضع رجلاً هنا ورجلاً هناك: أي رجلاً في الحداثة ورجلاً فيما قبل الحداثة. وهذا يعني أن بودلير كان آخر الرومنطيقيين وأول الحداثيين. والأمر ذاته ينطبق على جيرار دو نيرفال الذي سبقه بسنوات قليلة. لقد أغلق بودلير المرحلة الرومنطيقية في الشعر، ودشن المرحلة الحداثية، دون أن يعني ذلك أن الرومنطيقية ليست حداثة؛ فالواقع أنها تمثل الحداثة الأولى والكبرى إذا جاز التعبير، بعدئذ سوف تجيء الحداثة الثانية التي لا نزال نعيش فيها حتى الآن. ولكن الحداثة الشعرية لم تكن شعرية فقط، وإنما فكرية أيضاً. لم تكن فقط كسراً للأوزان والقوافي، وإنما كسراً لكل الأفكار والحساسيات التقليدية المصاحبة لهما. كانت تنطوي على مضمون فلسفي عميق. ولهذا السبب كرهها التراثيون في العالم الفرنسي والعالم العربي على حد سواء وشنوا عليها الحملات الشعواء. بل واعتبروها وكأنها بمثابة انتهاك للمقدسات. ذلك لأنها كانت ثورة الشكل والمضمون في آن معاً. لقد كانت ثورة الحرية والانفجار الغاضب بعد طول احتقان. لقد كانت تحريراً هائلاً للطاقات المكبوتة. لقد أدَّت الحداثة إلى تحطيم الأشكال الكلاسيكية وانهيار القديم. بهذا المعنى، فالانهيارات شيء إيجابي جداً وخلاق ضمن حركة التاريخ. ولكن رافق كل ذلك نوع من الهلع والجزع أمام العالم الجديد الذي ينفتح أمام الشاعر على مصراعيه. لنستمع إلى أحد كبار الشعراء الرومنطيقيين الفرنسيين، ألفريد دوموسيه، يتحدث عن تلك الفترة، عن تلك القطيعة المرة:

«واأسفاه! لقد انتهت أصولية الدين المسيحي الراسخة بعد الثورة الفرنسية. انتهى كل شيء كنا قد تربينا عليه طيلة قرون وقرون. ولم يعد لنا أي أمل. لم نعد ننتظر أي شيء من غياهب المجهول. وأما شمس المستقبل فلم تبزغ بعد. يا له من ظلام حالك يطبق على وجه الأرض! وعندما يطلع الفجر الجديد سوف نكون قد متنا...».

وأما جيرار دو نيرفال فيعبر عن الفكرة ذاتها، قائلاً ما معناه: «لقد أصبح الإيمان الأصولي القديم مستحيلاً في هذا العصر. ونحن الذين وُلدنا في أيام الثورات الكبرى والأعاصير، حيث انهارت جميع العقائد التراثية الراسخة يصعب علينا أن نجد إيماناً جديداً... من هنا قلقنا ورعبنا. من هنا هلعنا».

بمعنى آخر: نحن جيل القطيعة الكبرى، نحن جيل الاحتراق والعبور. نحن جيل الموت والولادة في آن معاً. ولكننا واأسفاه سوف نشهد موت العالم القديم حتى النخاع، دون أن يتاح لنا أن نكحل أعيننا بولادة العالم الجديد... هذا هو قدرنا ومصيرنا... نحن جيل التضحية وكبش الفداء. والعالم الجديد لن ينهض إلا على أنقاضنا. لا أعرف لماذا تذكرني هذه الفكرة بتلك الابيات الرائعة لخليل حاوي:

يعبرون الجسر في الصبح خفافاً

أضلعي امتدت لهم جسراً وطيدْ

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

إلى الشرق الجديدْ

أضلعي امتدت لهم جسرا وطيدْ

هل تنبَّأ خليل حاوي بتلك القطيعة الكبرى التي ستفرض نفسها علينا يوماً ما، شئنا أم أبينا؟ أقصد القطيعة بين القدامة والحداثة، أو بين الأصولية وما بعد الأصولية؟ هل أرهص بها؟ ولكن كل الشعر العربي الحديث أرهص بها. لماذا هاجت عليه الهوائج؟ وهي قطيعة إجبارية محتومة إذا ما أردنا الانتقال من عصر بن لادن وكهوف تورا بورا إلى عصر الهواء الطلق والحداثة والحرية؟ على أي حال، يبدو أن الشاعر اللبناني أحس بخطورة المسألة ورعبها، وربما لهذا السبب انتحر. مجرد افتراض لا أكثر.


مقالات ذات صلة

سلطة الذائقة

ثقافة وفنون سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش».

خالد الغنّامي
ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة
TT

سلطة الذائقة

سلطة الذائقة

مِن أكثر العبارات شيوعاً في الحديث عن الأدب والفن قولنا إن «الأذواق لا تناقَش». تبدو العبارة في ظاهرها تسامحاً محموداً؛ لأنها تمنح كل فرد حقه في أن يحب ما يشاء وأن ينفر مما يشاء، لكنها قد تتحول إلى حجة تُلغي إمكان الحديث عن الجودة والرداءة، وتُسوّي بين الخبرة العابرة والحكم المتبصر.

لا خلاف في أن لكل إنسان الحق في أن يقول: أعجبني هذا العمل أو لم يعجبني. فالإعجاب تجربة شخصية لا يمكن فرضها بالقوة، لكن حرية الذوق لا تعني أن جميع الأحكام متساوية في القيمة. هناك فرق كبير بين أن نقول: «هذا العمل لم يعجبني»، وبين أن نقول: «هذا عمل رديء». الجملة الأولى تصف تجربة صاحبها، أما الثانية فتصدر حكماً على العمل نفسه. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي صدر عنه الحكم، وعن مقدار معرفة صاحبه بالفن الذي يتحدث عنه، وعن خبرته بالمقارنة والتمييز.

فالذائقة لا تولَد مكتملة. القارئ الذي لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الكتب تكون أدواته في الحكم محدودة، كما أن المستمع الذي لم يألف إلا نمطاً واحداً من الموسيقى ستكون استجابته محكومة بما اعتاده. وكلما اتسعت الخبرة أصبحت الفروق أوضح، وازدادت القدرة على التمييز.

بل إن كثيراً مما نسميه «ذوقاً شخصياً» قد يكون أثراً للتعوّد. فما يتكرر أمامنا يصبح مألوفاً، والمألوف يبدو أقرب إلينا، حتى لو لم يكن أرفع قيمة، لهذا قد يتنكر الاعتياد في صورة ذائقة مستقلة، بينما هو في الحقيقة نتيجة بيئة وتربية وتكرار.

ونحن نقر في مجالات كثيرة بأن الخبرة تصنع فرقاً. فليس حكم المبتدئ في الخط كحكم الخطاط، ولا حكم مَن تذوّق طَبقاً للمرة الأولى كحكم مَن خبَرَ مكوناته وطرائق إعداده. ومع ذلك نتردد حين نصل إلى الفن والثقافة، وكأن كل الآراء فيهما متساوية لمجرد أنها شخصية.

مِن حق المرء أن يفضل عملاً بسيطاً على آخر أكثر تعقيداً، وأن يعود إلى كتاب خفيف مرات كثيرة ويهجر كتاباً كبيراً بعد صفحات قليلة. لكن التفضيل لا يحسم مسألة القيمة، فقد نستمتع بعمل محدود فنياً، وقد نعترف بقيمة عمل رفيع دون أن نحبه.

ومن هنا تبدو عبارة «الأذواق لا تناقَش» أكثر إشكالاً مما تبدو عليه، فإذا كانت كل استجابة شخصية حكماً نهائياً، فما الحاجة للنقد؟ وما جدوى التعليم الفني والأدبي؟ ولماذا نقرأ تاريخ الفنون أو نتعلم كيف تطورت الرواية والسينما والموسيقى؟ إن وجود هذه الحقول يفترض أن الذائقة قابلة للصقل والتطوير، وأن الإنسان يستطيع أن يرى ويسمع ويفهم أكثر مما كان يفعل من قبل.

وهذا لا يعني أن الذائقة الجيدة ذائقة موحدة، ولا أن المطلوب أن يحب الجميع الأشياء نفسها. المقصود أن يمتلك الإنسان أدوات أوسع للاختيار، وأن يعرف الفرق بين ما يميل إليه شخصياً وما يراه ذا قيمة. والذائقة لا تتكون في فراغ. ففي كل عصر كانت هناك مؤسسات وأصوات تمنح بعض الأعمال مكانة أعلى من غيرها، فهناك المدرسة، والجامعة، والصحيفة، والناقد، ودار النشر، والمجلة الثقافية، ثم لاحقاً الجوائز والقوائم والبرامج التلفزيونية. وهذه الجهات لم تكن معصومة من الخطأ، ولم تكن دائماً عادلة، لكنها كانت تؤدي وظيفة الفرز، وتمنح القارئ إطاراً أوسع من استجابته الفردية المباشرة.

أما اليوم فقد ضعفت سلطة كثير من هذه الوسائط، وصعدت، بدلاً منها، أدوات جديدة أسرع وأكثر تأثيراً. فالسوق لا تكتفي بتلبية الذوق، بل تشارك في صنعه. التكرار والإعلان والانتشار توحي بأن ما يراه الجميع جدير بأن يُرى، وما يشتريه الجميع جدير بأن يُشترى. ثم جاءت المنصات والخوارزميات لتعرض علينا غالباً ما يشبه ما أحببناه من قبل، فتُضيق مجال الاكتشاف وهي تُوهمنا باتساع الاختيار.

ومع شبكات التواصل أصبحت الأحكام الثقافية أكثر ارتباطاً بردود الفعل السريعة؛ مِن إعجاب ومشاركة وتقييم وعدد مشاهدات. وهذه الأرقام لا تقيس القيمة بقدر ما تقيس القدرة على الوصول والانتشار. ومع ذلك تسللت شيئاً فشيئاً إلى وعينا بوصفها قرائن على الجودة، حتى صار العمل الأكثر حضوراً يبدو تلقائياً كأنه الأفضل، رغم أن السبب قد يعود إلى علاقات وصداقات ونشاط صاحب العمل.

وهنا يكمن أحد أخطر التحولات في الذائقة المعاصرة، اختلاط الشهرة بالقيمة. فالعمل قد ينتشر لأنه سهل، أو لأنه مثير للجدل، أو لأنه وصل إلى الجمهور في اللحظة المناسبة، أو لأنه مدعوم بآلة تسويق قوية. ولا شيء من ذلك يكفي وحده للحكم على مستواه.

كان الناقد، والمحرر، والمجلة الثقافية، والمؤسسة التعليمية، يقومون بدرجات متفاوتة بدور الوسيط بين العمل والجمهور. أما اليوم فقد أصبح العمل قادراً على بلوغ جمهور هائل قبل أن يبدأ أي نقاش جاد حول قيمته. وفي أحيان كثيرة يصل الحكم بعد أن تكون الشهرة قد صنعت رأياً عاماً يصعب مقاومته.

لهذا لا تبدو الذائقة شأناً فردياً خالصاً كما نحب أن نتصور. نحن نختار، نعم، لكننا نختار داخل بيئة تقترح علينا باستمرارٍ ما ينبغي أن نقرأه ونشاهده ونسمعه، وتكرر أمامنا بعض الأعمال حتى تصبح جزءاً من وعينا. ومن هنا لم يعد السؤال فحسب: ماذا نحب؟ بل: كيف تكوَّن هذا الحب، ومَن أسهم في تشكيله؟ فإذا كانت الذائقة قابلة للتكوين، فمن يقودها اليوم؟ أهو الناقد والمؤسسة الثقافية، أم السوق والمنصة والمؤثر والخوارزمية

* كاتب سعودي


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

ثقافة التعايش، وتحولات الرواية العربية، وحضور المرأة في فن الخط، وصون التراث المعماري والمخطوطات النادرة، قضايا تصدرت العدد الثامن من مجلة «الإيسيسكو» الثقافية الفصلية، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في 104 صفحات جمعت بين الحوارات الفكرية والدراسات النقدية والبحوث التراثية.

وطرح العدد سؤالاً يتصل بمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي، وكيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الحضارية، دون تحويل التراث إلى مجرد مادة للاحتفاء بالماضي، بل استثماره في إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار والتواصل بين الثقافات.

وعكست موضوعات العدد اهتماماً يجمع بين النقد الأدبي والبحث التاريخي والفكر الديني وقضايا المعرفة، مع الاهتمام بموقع التراث في الحياة المعاصرة.

وبين أسئلة الرواية والشعر، وقضايا الحوار والتعايش، وحماية المخطوطات والعمارة والفنون، تقدم المجلة قراءة للثقافة الإسلامية باعتبارها تجربة إنسانية متعددة الروافد، لا تنفصل فيها الذاكرة عن أسئلة الحاضر، ولا يقتصر دور التراث على حفظ ما أنتجته الأجيال السابقة، بل يمتد إلى إعادة قراءته وتوظيفه في مواجهة تحديات المستقبل.

وفي افتتاحية العدد، رأت رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج أن الموضوعات التي تجمعها المجلة، على اختلاف حقولها، تلتقي عند سؤال العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. وأكدت أن دور المجلة الثقافية لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساءلة معاني الأحداث والأفكار، وإعادة اكتشاف التراث وتأويله.

وفي كلمة العدد، استعرض المدير العام لمنظمة الإيسيسكو الدكتور سالم بن محمد المالك، أبرز مشروعات المنظمة خلال عام 2026، مشيراً إلى استمرار برامجها الثقافية والعلمية رغم التحديات الدولية.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها إطلاق برنامج لتدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورة الثانية من ملتقى شباب المعرفة، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك.

كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث وتوثيقه، وحصول المنظمة على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع في خدمة اللغة العربية وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي.

الحوار ضرورة

وخصصت المجلة حوارها الرئيسي مع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، لقضايا الاعتدال الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.

وأكد العيسى أن الحوار لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة إنسانية وأخلاقية، مشدداً على أهمية الانتقال من اللقاءات الشكلية إلى حوار يتناول القضايا الخلافية، ويؤسس للتفاهم والتعاون.

وتناول الحوار دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ قيم التعايش، والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصاً انتشار المعلومات المضللة وخطابات الإقصاء. ودعا العيسى إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية.

كما ناقش ظاهرة الإسلاموفوبيا، معتبراً أنها نتاج عوامل سياسية وثقافية وإعلامية متداخلة، وأن مواجهتها تتطلب حضوراً إعلامياً أكثر مهنية، إلى جانب تصحيح التصورات التي تنتجها الممارسات المتطرفة.

وقال العيسى: «(الإسلاموفوبيا) ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية وإعلامية وثقافية وتتمدد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، مستفيدة من ممارسات المتطرفين المحسوبين في الظاهر على المسلمين، والتغطيات الإعلامية المنحازة، إضافة إلى الجهل بحقيقة الإسلام، وتكوين صورة سلبية عنه من خلال ممارسات بعض المسلمين».

وأضاف أنه «بحسب دراسات رابطة العالم الإسلامي، فإن بعضاً من تنامى هذه الظاهرة يرتبط بممارسات صادرة عن بعض المنتسبين للإسلام، أساءت إلى صورته الحقيقية، وغذت خطاب التطرف، ثم جرى تعميمها بصورة ظالمة على الدين وأتباعه».

وأشار إلى «أننا نحتاج إلى حضور إعلامي أكثر احترافية، يوصل الرسالة الحقيقية للإسلام، ويواجه خطاب الكراهية بلغة رصينة ومؤثرة».

وعن مسؤولية العلماء والمثقفين في مواجهة التطرف الفكري؟ قال العيسى: «تقع على عاتق العلماء والمثقفين مسؤولية محورية في حماية الوعي العام، وتحصين المجتمعات المسلمة من الفكر المتطرف، بوصفهم حملة الشريعة ورواد ما يسمى الفكر الإسلامي، وتبدأ هذه المسؤولية بتفكيك الخطابات المتطرفة وكشف انحرافها عن الشريعة ومقاصدها، من خلال خطاب علمي رصين، مؤصل شرعاً، ومقدم بلغة معاصرة تلامس واقع الناس».

الرواية العربية بين الحكاية واللغة

واختارت المجلة «شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة» عنواناً لملف العدد، الذي تناول التحولات التي شهدها الفن الروائي العربي، وعلاقة البناء السردي باللغة، وتأثير الحداثة والتقنيات الجديدة في أشكال الكتابة والتلقي.

وشارك في الملف نقاد وباحثون، من بينهم سعيد يقطين، ومحمد محمود أبو علي، وزهور كرام، وحاتم الفطناسي، في مقاربات تناولت الرواية بوصفها فناً يتجدد بتغير المجتمع ووسائط التعبير.

وناقشت الدراسات قدرة الرواية على تجاوز الحكاية التقليدية، وإعادة تشكيل الزمن والشخصيات والأحداث، من خلال اللغة والتجريب وتعدد الأصوات. كما طرحت أسئلة عن العلاقة بين الرواية والواقع، وحدود التداخل بين الأجناس الأدبية، وتأثير التحولات الرقمية في الكتابة السردية.

قال سعيد يقطين إن «عدم التركيز في دراساتنا للرواية العربية على خصوصيتها الجمالية، والاهتمام أكثر بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتعامل معها لا يمنحها خصوصيتها التعبيرية المميزة لها عن غيرها من الخطابات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعنى بها الباحثون. إن إبداع مادة حكائية يتطلب خيالاً، وقدرة على بناء قصة جديرة بجلب المتلقي وإثارته إليها بالدرجة الأولى. إن ما يعنيه قبل ذلك هو ما تمثله هذه القصة بالنسبة إليه أكثر مما يزخر به واقعه إننا نستمتع الآن بالنصوص القديمة التي أبدعها الإنسان، وصارت من التراث العالمي بجماليتها في التعبير. وليس لأنها تطرح علينا المشكلات اليومية التي نعيشها الآن تحت تأثير العولمة وما تفرضه علينا قيم ومعاملات بين الشعوب. وصراعات بين القيم والأفكار والإثنيات، ومسائل الهجرة السرية، أو القضايا النسوية، وما شاكل هذا من المسائل التي تقدمها لنا الرواية العربية اليوم لا مراء في أن طرح هذه القضايا هو من جوهر العمل الإبداعي والسردي على وجه الخصوص، لكن عدم تقديمها من خلال قصة مبنية بشكل يثير القارئ ويستهويه ويفرض عليه الاندماج في اللعبة السردية يجعلها، رغم قيمتها، غير قادرة على خلق قيمة جمالية أو معرفية لدى المتلقي. إن ما يهم القارئ، وهو بصدد قراءة رواية، تحصيل المتعة الفنية التي من خلالها تتقدم عوالم الرواية وصراع الشخصيات حول قيم وأفكار معينة. إننا نركز عادة على موقف الكاتب، وليس على كيفية بنائه لعمله السردي».

الشعر تجربة لا تحتاج إلى شرح

وفي حوار آخر أجراه الباحث عبد الرحمن غانمي مع الشاعر المغربي محمد بنيس، عادت المجلة إلى أسئلة الكتابة الشعرية وعلاقة الشاعر بنصوصه، وتجربته الممتدة في الشعر والترجمة والفكر النقدي.

وجاء الحوار تحت عنوان «لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه»، في إشارة إلى موقف بنيس من استقلال النص الشعري، وحق القارئ في إنتاج قراءته بعيداً عن سلطة المؤلف.

يقول بنيس: «أنا لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه، مسؤوليتي تقف عند حد الكتابة. أما ما وراءها، مما يمكن أن تخلقه القصيدة فنياً ورؤيوياً، فهو أمر لا يمكنني ادعاء معرفته أو اعتقاده في دلالة ما شخصية. نعم، لدي كتابات ونصوص تأملية في الكتابة، كما أشرت سابقاً. لكني لا أتجاوز الحد الفاصل بين الشاعر والناقد».

هذا الحوار يضيف بعداً إلى العدد، من خلال الانتقال من نقد الرواية إلى التجربة الشعرية، ومن دراسة تقنيات الكتابة إلى علاقة المبدع باللغة والمعنى.

العمارة المغربية وذاكرة الأندلس

وفي مجال التراث العمراني، تناول العدد قرية سيدي بوسعيد التونسية، التي أدرجتها «الإيسيسكو» عام 2022 ضمن قائمتها للتراث في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجاً لتداخل التاريخ والعمارة والهوية الثقافية.

وركزت الدراسة على خصوصية المكان، وأهمية التعامل مع المواقع التراثية باعتبارها بيئات حية، تتطلب الحماية والإدارة والاستثمار الثقافي، لا مجرد المحافظة على المباني.

كما تناولت المجلة العمارة التراثية المغربية ودورها في تشكيل المعنى الجمالي، وخصصت دراسة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه بافيل نوتبيك، في استعادة للاهتمام الأوروبي بالفنون الأندلسية، وما تمثله العمارة من مصدر للمعرفة والإبداع الفني.

المرأة والخط العربي

واستعادت المجلة حضور المرأة في تاريخ الخط العربي، من خلال دراسة تتبعت مساهمات النساء في فنون الكتابة والنسخ وتدوين المصاحف.

وأبرزت الدراسة أسماء وتجارب نسائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من الأندلس إلى المشرق والهند، مؤكدة أن النساء شاركن في إنتاج المعرفة وحفظ النصوص، ولم يقتصر دورهن على تلقي العلوم والفنون.

المخطوطات والكتب النادرة

وفي باب التراث المكتوب، ناقشت المجلة مفهوم الكتاب النادر والعوامل التي تمنحه قيمته التاريخية والمعرفية، ومنها طبيعة الطبعة، وندرة النسخ، والإهداءات، والارتباط بالمؤلفين، والشخصيات، والأحداث.

كما أعادت الاهتمام بالمخطوطات بوصفها مصادر لدراسة تاريخ التأليف وانتقال المعرفة، وامتدت موضوعات العدد إلى تاريخ المجلات والدوريات الثقافية العربية، ودورها في تشكيل الوعي ونشر الأفكار.

الغذاء في التراث الإسلامي

وفتحت المجلة ملفاً عن تاريخ الغذاء في الحضارة الإسلامية، تناول العلاقة بين الطعام والعادات الاجتماعية والصحة والفقه، ودور المطبخ في التعبير عن أنماط الحياة.

واستعادت الدراسة مؤلفات في فن الطبخ، منها «الطبيخ» لابن سيار الوراق، و«الطبيخ» للبغدادي، و«فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي، الذي يوثق جوانب من المطبخ المغربي الأندلسي.

وتوقفت عند العلاقة بين الطعام والطب، وأثر العادات الغذائية في تشكيل هوية المجتمعات الإسلامية، إلى جانب ما تكشفه كتب الطبخ عن الحياة اليومية والفوارق الاجتماعية وتطور الأدوات المنزلية.

وثيقة المدينة وأسس التعايش الحضاري

وتناولت دراسة أخرى «وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري»، من خلال قراءة تاريخية وحقوقية للمبادئ التي نظمت العلاقات بين المكونات الدينية والاجتماعية في المدينة المنورة.

وربطت الدراسة بين مضامين الوثيقة ومفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية الدينية، مع التوقف عند إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بوصفه إحدى المبادرات التي استلهمت هذه التجربة التاريخية.

وناقشت الدراسة إمكانية الاستفادة من هذه المرجعيات في مواجهة أطروحات صدام الحضارات، وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.


تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها