ترمب يصعّد... الأدوية والأثاث والشاحنات الثقيلة تحت الرسوم العقابية

دونالد ترمب يوقع أوامر تنفيذية بحضور نائب الرئيس ووزير الخزانة والمدعي العام في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ ب أ)
دونالد ترمب يوقع أوامر تنفيذية بحضور نائب الرئيس ووزير الخزانة والمدعي العام في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ ب أ)
TT

ترمب يصعّد... الأدوية والأثاث والشاحنات الثقيلة تحت الرسوم العقابية

دونالد ترمب يوقع أوامر تنفيذية بحضور نائب الرئيس ووزير الخزانة والمدعي العام في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ ب أ)
دونالد ترمب يوقع أوامر تنفيذية بحضور نائب الرئيس ووزير الخزانة والمدعي العام في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (إ ب أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن حزمة جديدة من الرسوم الجمركية العقابية على مجموعة واسعة من السلع المستوردة، شملت فرض رسوم بنسبة 100 في المائة على الأدوية المملوكة للعلامات التجارية، ورسوماً بنسبة 25 في المائة على الشاحنات الثقيلة، على أن تدخل حيز التنفيذ، الأسبوع المقبل.

وأوضح ترمب أن هذه الخطوة تأتي في إطار حماية الصناعة التحويلية الأميركية والأمن القومي، وذلك بعد فرض رسوم سابقة واسعة النطاق وصلت إلى 50 في المائة على عدد من الشركاء التجاريين، فضلاً عن رسوم استهدفت سلعاً محددة مثل الصلب، وفق «رويترز».

وألقت هذه الإجراءات بظلالها على النمو الاقتصادي العالمي، وأدَّت إلى حالة من الشلل في قرارات الأعمال حول العالم، بينما حذّر مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أنها ساهمت في زيادة أسعار المستهلك داخل الولايات المتحدة.

ولم يحدد ترمب في إعلاناته الأخيرة عبر منصة «تروث سوشال» ما إذا كانت الرسوم الجديدة ستُضاف إلى الرسوم القائمة بالفعل. غير أن اتفاقيات تجارية أُبرمت مؤخراً مع اليابان والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، تتضمن بنوداً تضع سقفاً محدداً للرسوم على منتجات معينة، مثل الأدوية.

وأفادت طوكيو بأنها ما زالت تدرس تداعيات هذه الإجراءات، في حين وصفت كانبيرا الخطوة بأنها «غير عادلة» و«غير مبررة».

وفي سياق متصل، أوفى ترمب بوعده بـ«إعادة» صناعة الأثاث إلى الولايات المتحدة، معلناً فرض رسوم بنسبة 50 في المائة على خزائن المطبخ والحمامات المستوردة، ورسوم بنسبة 30 في المائة على الأثاث المنجد، على أن يبدأ تطبيقها في الأول من أكتوبر (تشرين الأول).

وقال ترمب: «السبب وراء ذلك هو (الإغراق الواسع) لهذه المنتجات في الأسواق الأميركية من دول أجنبية».

وقد شهدت أسهم شركات الأدوية في آسيا تراجعات حادة مع تفاعل المستثمرين مع هذه الأنباء؛ حيث هبط سهم شركة «سي إس إل» الأسترالية إلى أدنى مستوى له في ست سنوات، وانخفضت أسهم «سوميتومو فارما» اليابانية بأكثر من 3 في المائة، فيما تراجعت مؤشرات قطاع الأدوية في هونغ كونغ والهند بأكثر من 1 في المائة. كما انخفض مؤشر يتتبع شركات تصنيع الأثاث الصينية المدرجة بنحو 1 في المائة.

تأتي هذه الإجراءات في إطار توجه إدارة ترمب نحو الاستناد إلى سلطات قانونية أكثر صلابة في فرض الرسوم الجمركية، في ظل المخاطر المرتبطة بقضية منظورة أمام المحكمة العليا، بشأن شرعية الرسوم العالمية الواسعة التي فرضها سابقاً.

وأشار ترمب إلى أن الرسوم البالغة 100 في المائة على أي منتج دوائي محميّ ببراءة اختراع أو مملوك لعلامة تجارية ستُطبَّق على جميع الواردات، ما لم تكن الشركة قد شرعت فعلياً في إنشاء مصنع داخل الولايات المتحدة.

وقالت رابطة أبحاث ومصنّعي الأدوية الأميركية إن الشركات «لا تزال تعلن عن استثمارات جديدة بمئات المليارات داخل الولايات المتحدة، إلا أن الرسوم الجمركية تهدد هذه الخطط».

كما فتحت إدارة ترمب نحو 12 تحقيقاً في التداعيات الأمنية الوطنية لواردات توربينات الرياح، والطائرات، وأشباه الموصلات، والبوليسيليكون، والنحاس، والأخشاب، والمعادن الحيوية، لتكون أساساً لفرض رسوم جديدة.

وأعلن ترمب، هذا الأسبوع، عن فتح تحقيقات إضافية بشأن معدات الوقاية الشخصية، والمستلزمات الطبية، والروبوتات، والآلات الصناعية. وكان قد فرض سابقاً رسوماً جمركية على أساس الأمن القومي على الصلب والألمنيوم ومشتقاتهما، والسيارات الخفيفة وقطع غيارها، والنحاس.

الرسوم كأداة للسياسة الخارجية

جعل ترمب من الرسوم الجمركية أداة محورية للسياسة الخارجية، مستغلاً إياها لإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية، وانتزاع التنازلات، وممارسة ضغوط سياسية على دول أخرى.

وتؤكد إدارته أن أثر الرسوم على أسعار المستهلك محدود، معتبرة إياها مصدراً مهماً للإيرادات؛ حيث صرّح وزير الخزانة، سكوت بيسنت، بأن واشنطن قد تجني 300 مليار دولار، بحلول نهاية العام.

وقد تستفيد بعض الاقتصادات التي أبرمت بالفعل اتفاقيات مع واشنطن من إعفاءات من الرسوم الجديدة؛ إذ ينص اتفاق الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة على فرض رسوم بنسبة 15 في المائة فقط على بعض السلع، ومنها الأدوية. أما اليابان، فأكد كبير مفاوضيها التجاريين، ريوسي أكازاوا، أن الاتفاقية تضمن ألّا تتجاوز الرسوم المفروضة عليها تلك المقررة على الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن طوكيو لا تزال تقيّم الإجراءات الجديدة.

وفي أستراليا، وصف وزير الصحة مارك باتلر الرسوم الجديدة بأنها «غير عادلة وغير مبرَّرة بعد 20 عاماً من التجارة الحرة»، مشيراً إلى أن حكومته تعمل على تقييم تداعياتها.

وبحسب رابطة التجارة الدوائية الأميركية، يُنتَج أكثر من نصف المكونات الدوائية المستخدمة في الولايات المتحدة (البالغة قيمتها 85.6 مليار دولار) محلياً، فيما يأتي الباقي من أوروبا وحلفاء آخرين.

أما فيما يتعلق بقطاع الأثاث، فقد بلغت قيمة واردات الولايات المتحدة 25.5 مليار دولار في 2024، بزيادة 7 في المائة عن العام السابق، جاء نحو 60 في المائة منها من فيتنام والصين، بحسب مجلة «فورنشر توداي».

وقالت نغوين ثي ثو هواي، من جمعية الأخشاب والحرف اليدوية في مقاطعة دونغ ناي بفيتنام: «العديد من أعضائنا صُدموا عند سماع الخبر. ونرى أن قرار فرض رسوم إضافية غير عادل».

وكان ترمب قد وعد في أغسطس (آب) بفرض رسوم جديدة على الأثاث، مؤكداً أنها «ستعيد صناعة الأثاث» إلى ولايات نورث كارولاينا وساوث كارولاينا وميتشيغان. وتشير بيانات حكومية إلى أن عدد العاملين في صناعة الأثاث والمنتجات الخشبية في الولايات المتحدة انخفض إلى النصف منذ عام 2000 ليصل اليوم إلى نحو 340 ألف عامل.

ضغوط تضخمية متزايدة

قد تؤدي الرسوم الجديدة على المركبات التجارية الثقيلة إلى زيادة تكاليف النقل، وهو ما يتعارض مع تعهُّد ترمب بخفض التضخم، لا سيما على السلع الاستهلاكية مثل المواد الغذائية.

وأوضح ترمب أن الرسوم على الشاحنات الثقيلة تهدف إلى حماية الشركات المصنعة من «المنافسة الأجنبية غير العادلة»، مؤكداً أن هذه الخطوة ستخدم شركات مثل «بيتر بيلت» و«كينورث» التابعتين لشركة «باكار»، و«فرايتلاينر» المملوكة لشركة «دايملر تراك».

وكانت غرفة التجارة الأميركية قد دعت في وقت سابق إلى تجنّب فرض هذه الرسوم، مشيرة إلى أن أكبر خمس دول مصدّرة للشاحنات إلى الولايات المتحدة (المكسيك وكندا واليابان وألمانيا وفنلندا) «كلها حلفاء أو شركاء مقربون ولا تمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي».

وأعربت المكسيك، أكبر مصدّر للشاحنات، عن رفضها للرسوم الجديدة، لافتة إلى أن جميع الشاحنات المكسيكية المصدّرة إلى الولايات المتحدة تحتوي في المتوسط على 50 في المائة في المائة من المكونات الأميركية، بما في ذلك محركات الديزل. وتُعد «ستيلانتيس»، الشركة الأم لـ«كرايسلر»، من بين العديد من الشركات التي تنتج شاحنات في المكسيك.

وبحسب بيانات مكسيكية، استوردت الولايات المتحدة، العام الماضي، ما يقرب من 128 مليار دولار من قطع غيار المركبات الثقيلة من المكسيك، أي ما يعادل نحو 28 في المائة من وارداتها الإجمالية في هذه الفئة.


مقالات ذات صلة

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

الاقتصاد ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

تصدَّرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى الخبراء.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))
الاقتصاد صائغ يفحص الحلي الذهبية في متجر للذهب في بانكوك (إ.ب.أ)

الذهب يسجل قمماً جديدة... والفضة تكسر حاجز الـ 90 دولاراً للمرة الأولى

واصل الذهب صعوده يوم الأربعاء ليسجل مستويات قياسية جديدة، بينما حققت الفضة إنجازاً تاريخياً بتجاوزها حاجز 90 دولاراً للمرة الأولى على الإطلاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مصفاة «إكسون موبيل بايتاون» في تكساس (أ.ف.ب)

النفط يستقر بعد صعود حاد مع استئناف شحنات فنزويلا

توقفت أسعار النفط عن ارتفاعها يوم الأربعاء، متراجعةً بعد أربعة أيام من الارتفاع، مع استئناف فنزويلا لصادراتها.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد سبائك وعملات ذهبية بريطانية معروضة في متجر «بيرد آند كو في هاتون غاردن» بلندن (رويترز)

الذهب يحطم الأرقام القياسية مجدداً... والفضة تقفز لمستويات تاريخية

سجل الذهب مستوى قياسياً جديداً، يوم الثلاثاء، حيث لامس السعر الفوري له ذروة تاريخية عند 4634.33 دولار للأوقية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد امرأة تعدّ النقود المعدنية داخل محفظة حمراء في ألمانيا (د.ب.إ)

البنك الدولي: رغم الصمود... الاقتصاد العالمي يتجه للانخفاض في 2026

قال البنك الدولي إن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة أكبر على الصمود مما كان متوقعاً، رغم استمرار التوترات التجارية وحالة عدم اليقين بشأن السياسات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

سقوط «آينده»... كيف فجَّرت إمبراطورية الظل المالية بركان الغضب في إيران؟

إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)
إيرانيون يمرون أمام أحد فروع بنك «آينده» عام 2017 (أ.ف.ب)

لم تكن الشرارة التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة في إيران ناتجة من مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي فحسب، بل بدأت من داخل النظام المصرفي الذي ظل لسنوات يمثل «الصندوق الأسود» لتمويل النخبة الحاكمة، وفق تقرير موسع لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية.

حين أعلن عن انهيار بنك «آينده» (Ayandeh Bank) أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية، بل كان إيذاناً بنهاية حقبة «اقتصاد الظل» الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، غرق في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية؛ ما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة، وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري... مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، يبرز اسم علي أنصاري بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي ينحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك «آينده» عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً. هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد؛ ما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود، تجلت مظاهر ثرائها في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر.

متظاهرة في سيدني تحمل علماً تاريخياً لإيران خلال مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات التي تجتاح إيران حالياً (إ.ب.أ)

تمويل «الحرس الثوري» والعقوبات

لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية؛ فبعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك «آينده»، سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه، واصفةً إياه بـ«المصرفي الفاسد» الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد، «الحرس الثوري» الإيراني.

وعلى الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عازياً فشل البنك إلى «قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته»، في محاولة لإلقاء اللوم على الظروف الاقتصادية الكلية، متجاهلاً حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها «عملية هروب إلى الأمام» أدت في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي.

«إيران مول»... نصب تذكاري للفساد

يتجلى عمق المأساة في قصة «إيران مول»، المشروع العملاق الذي موّله بنك «آينده» والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة بمساحة تفوق حجم «البنتاغون»، وفق «وول ستريت جورنال». في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، فيما وصفه الخبراء بأنه «مخطط بونزي» (Ponzi Scheme) تحت رعاية رسمية. لقد كان هذا المشروع تجسيداً صارخاً لسياسة «الإقراض الذاتي»، حيث منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري؛ ما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش.

المصرف المركزي وطباعة الديون

لقد كشف انهيار بنك «آينده» عن الوجه القبيح للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران؛ حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب، محاولاً إبقاءه على قيد الحياة بأي ثمن. هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وفق «وول ستريت جورنال».

فرع لبنك «ملي» الذي استحوذ على مصرف «آينده» (أ.ف.ب)

العاصفة الكاملة وتآكل الهيبة

جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري عقب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي. هذا الفشل المزدوج، المالي والعسكري، أدى إلى تآكل «شرعية الإنجاز» التي كان النظام يستند إليها. ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل «الرئة المنسية» للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته، محولاً حياة الطبقة المتوسطة إلى كابوس يومي من الغلاء الفاحش.

الموازنة «الانتحارية» والطريق المسدود

بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر (كانون الأول) لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية وصفها محللون بأنها «رصاصة الرحمة» على العقد الاجتماعي الهش. شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة.

لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى «البازار» التقليدي — وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران — للنزول إلى الشارع، بعد أن وجد التجار أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم في ظل عملة تنهار قيمتها بالدقيقة والساعة.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من ثاني أيام احتجاجات البازار (أ.ب)

احتضار النظام المالي

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول «دولة الاستثناء» إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك قنواتٍ لإثراء النخبة المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، جفت المنابع تماماً.

وبات انهيار بنك «آينده» يمثل نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته؛ ما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية الحاكمة. وفي ظل أزمات موازية في المياه والكهرباء، يبدو أن الدولة لم تعد تملك سوى «القبضة الأمنية» لمواجهة شعب لم يعد لديه ما يخسره.


المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
TT

المنتدى الاقتصادي العالمي يدق ناقوس الخطر بقرب «المواجهة الاقتصادية»

ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)
ارتفاع الرسوم الجمركية والرقابة على الاستثمار الأجنبي وتشديد القيود على إمدادات الموارد أمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» بين الدول (رويترز)

تصدرت المواجهة الاقتصادية بين الدول وتداعياتها استطلاع «المنتدى الاقتصادي العالمي» السنوي لتصورات المخاطر، والذي نُشر الأربعاء، لتحل محل النزاع المسلح كأكبر مصدر قلق لدى أكثر من 1300 خبير شملهم الاستطلاع حول العالم.

وأظهر الاستطلاع تراجعاً في تصنيف المخاطر البيئية، بينما برزت مخاوف أخرى، ولا سيما المخاوف بشأن العواقب طويلة الأجل لضعف حوكمة الذكاء الاصطناعي.

وأشارت سعدية زاهدي، المديرة العامة للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انطلاقه الأسبوع المقبل، إلى ارتفاع الرسوم الجمركية، والرقابة على الاستثمار الأجنبي، وتشديد القيود على إمدادات الموارد، مثل المعادن الحيوية، كأمثلة على «المواجهة الجيواقتصادية» التي احتلت المرتبة الأولى من حيث المخاطر.

وقالت في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت: «نرى ذلك عندما تتحول أدوات السياسة الاقتصادية إلى أسلحة في جوهرها، بدلاً من أن تكون أساساً للتعاون»، مشيرة إلى سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «أميركا أولاً» التي أدت إلى ارتفاع حاد في الرسوم الجمركية على مستوى العالم، وزادت من حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين، المهيمنة على المعادن الحيوية وثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وتراجعت المخاطر المتوقعة المتعلقة بالظواهر الجوية المتطرفة خلال العامين المقبلين من المركز الثاني إلى الرابع، والتلوث من السادس إلى التاسع. كما انخفض القلق بشأن التغيرات الخطيرة في النظم البيئية وفقدان التنوع البيولوجي سبعة وخمسة مراكز على التوالي.

ومع ذلك، عندما سُئل المشاركون أنفسهم عن أبرز مخاوفهم على مدى 10 سنوات، وضعوا هذه المخاوف البيئية ضمن المراكز الثلاثة الأولى. أما القلق بشأن «الآثار السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي» فقد احتل المركز الثلاثين على مدى عامين، ولكنه تراجع إلى المركز الخامس على مدى 10 سنوات.

وقالت سعدية زاهدي إن الاستطلاع كشف أن معظم المخاوف تركزت على كيفية تأثير قصور الحوكمة حول الذكاء الاصطناعي سلباً على الوظائف والمجتمع والصحة النفسية، في ظل ازدياد استخدامه سلاحاً في الحروب.

وأوضح المنتدى الاقتصادي العالمي أن استطلاعه السنوي يستند إلى ردود أكثر من 1300 من القادة والخبراء العالميين، من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.

وتم إصدار النتائج قبل أيام من الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المقرر انعقاده في الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، والذي من المتوقع أن يحضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.


«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

«معادن» تعتزم استثمار 110 مليارات دولار لزيادة استكشافات الثروات السعودية

بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)
بوب ويلت يتحدث للحضور في الجلسة الحوارية ضمن مؤتمر التعدين الدولي بالرياض (الشرق الأوسط)

قال الرئيس التنفيذي لشركة التعدين العربية السعودية «معادن»، بوب ويلت، إن المملكة لديها أساس قوي في وقت دخلت فيه إلى نماذج تنويع المصادر خلال «رؤية 2030» والاستفادة من كل موارد البلاد، مؤكداً أنه بناءً على هذه الأسس القوية ستستثمر الشركة 110 مليارات دولار للعقد المقبل ومضاعفة الأعمال في الألمنيوم والفوسفات و3 أضعاف لاستكشافات الذهب.

جاء ذلك في جلسة حوارية خلال مؤتمر التعدين الدولي، الأربعاء، في الرياض، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، بحضور دولي واسع في العاصمة السعودية.

وأبان ويلت أن هذا الحجم الهائل من البنى التحتية يتطلب دعم الممكنات الحكومية، وأنه بالعمل مع عدة وزارات لتحقيق السياسات التعدينية في السعودية، هناك كم هائل من رؤوس الأموال لأعمال التشييد والإعمار، كاشفاً عن توقع شراكة خلال هذا الأسبوع مع شركة عالمية لاستقطاب آلاف المطورين والمهندسين للمشاريع من أفضل الشركات العالمية في هذا المجال.

وتطرق إلى إعلان الحكومة خلال العام الماضي عن استكشاف 7.8 مليون أونصة من الذهب في المملكة، مفصحاً في الوقت ذاته عن برامج استكشافية عالمية.

وكانت شركة «معادن»، أعلنت في يناير (كانون الثاني) الحالي، عن إضافة أكثر من 7.8 مليون أونصة من موارد الذهب الجديدة عبر أربعة مواقع رئيسية تمتد عبر مناجم قيد التشغيل حالياً، وفرص استكشافية في مراحلها المبكرة، واكتشافات جديدة وجميعها ضمن المملكة العربية السعودية.

وجاء ذلك نتيجة برامج الحفر وأنشطة الاستكشاف التي ساهمت في تحديد أكثر من 9 ملايين أونصة من الإضافات قبل تعديلها وفقاً للعوامل السنوية مثل افتراضات التكلفة والأسعار.

واستطرد الرئيس التنفيذي حديثه خلال الجلسة قائلاً: «يمكننا تحقيق 30 في المائة في محفظتنا من خلال تنمية الشراكات التي تنتج عن تحسين قدرة استكشاف المعادن بالمملكة».