«مصيون» تروي قصة أول استقرار إنساني قبل 11 ألف عام في الجزيرة العربية

اكتشاف تاريخي يضع شمال غربي السعودية على خريطة الحضارات المبكرة

موقع «مصيون» مُدرج في سجل الآثار الوطني منذ 1978 (هيئة التراث)
موقع «مصيون» مُدرج في سجل الآثار الوطني منذ 1978 (هيئة التراث)
TT

«مصيون» تروي قصة أول استقرار إنساني قبل 11 ألف عام في الجزيرة العربية

موقع «مصيون» مُدرج في سجل الآثار الوطني منذ 1978 (هيئة التراث)
موقع «مصيون» مُدرج في سجل الآثار الوطني منذ 1978 (هيئة التراث)

أعلنت «هيئة التراث» السعودية اكتشاف أقدم مستوطنة بشرية معروفة في الجزيرة العربية، في موقع «مصيون» شمال غربي مدينة تبوك؛ يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار، ما بين 11 ألفاً و10300 سنة من الوقت الحاضر.

وكشفت الهيئة بالتعاون مع «نيوم» عن أقدم مستوطنة معمارية من العصر الحجري الحديث في الجزيرة العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد، الخميس، في الرياض، بعد نشر نتائج البحث في ورقة علمية في مجلة «الدراسات الآسيوية لعلم الأمراض القديمة»، وذلك ضمن أعمال المسح والتنقيب المشتركة مع جامعة كانازاوا اليابانية.

تنقيبات شملت ألفي متر مربع  (هيئة التراث)

وأُدرج موقع «مصيون» شمال غربي تبوك ضمن سجل الآثار الوطني منذ عام 1978، كما أن الدراسات الميدانية الحديثة التي انطلقت في ديسمبر (كانون الأول) 2022، أعادت الكشف عن أهميته التاريخية بوصفه أقدم نموذج معروف للاستقرار البشري في الجزيرة العربية.

ونفّذت «هيئة التراث» عبر فريقها العلمي المشترك مع الجامعة اليابانية 4 مواسم ميدانية مكثَّفة حتى مايو (أيار) 2024، شملت أعمال تنقيب منظَّمة باستخدام منهجية علمية دقيقة، تضمَّنت تحديد مربعات العمل، وتوثيق الطبقات الأثرية، وفرز وتصنيف المعثورات.

شمال غربي تبوك... أقدم نموذج للاستقرار البشري في الجزيرة العربية (هيئة التراث)

ما أسفرت عنه التنقيبات

أسفرت التنقيبات عن وحدات معمارية شبه دائرية من أحجار غرانيتية محلّية، ضمّت مباني سكنية ومخازن وممرات ومواقد نار، عكست تخطيطاً متقدّماً لحياة قائمة على الصيد وزراعة الحبوب.

كما عُثر على أدوات حجرية متنوّعة مثل السكاكين ورؤوس السهام والمطاحن، وأخرى للزينة من الأمازونيت والكوارترز والأصداف، إضافة إلى مواد خام تدل على نشاط إنتاجي.

وشملت المكتشفات بقايا بشرية وحيوانية وقرون ثيران وقطعاً مزخرفة بخطوط هندسية، ما أضاء على رمزية الحياة الاجتماعية والدينية في العصر الحجري الحديث.

منعطف علمي لفهم بدايات الاستيطان في شمال غربي المملكة (هيئة التراث)

أكدت «هيئة التراث» أن الاكتشاف يُشكّل منعطفاً علمياً في فهم بدايات الاستيطان بشمال غربي المملكة، ويعزّز فرضية امتداد «الهلال الخصيب» (بلاد الرافدين، بلاد الشام، وجنوب الأناضول) إلى الجزيرة العربية، بوصفه موطناً مبكراً لتحوّل الإنسان من الترحال إلى الاستقرار.

في هذا السياق، كشف مدير إدارة الآثار في الهيئة، الدكتور عجب العتيبي، عن محددات تاريخية أبرزها الهياكل العظمية البشرية الثلاثة، ونتائج التأريخ بالكربون المشعّ لمواقد الموقع، إضافة إلى رماح وسهام حجرية مميّزة للمرحلة المبكرة من العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار.

قطع وسهام حجرية من العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار (هيئة التراث)

وبيَّن الدكتور عجب العتيبي أنّ «مصيون» تضمّ أقدم استيطان بشري معماري موثَّق في الجزيرة العربية والعالم، وأنّ العمل المتواصل على مدى 13 موسماً بمشاركة باحثين من السعودية واليابان أفضى إلى نتائج شديدة الأهمية.

وأوضح أن المستوطنة تمتدّ على 11 ألف متر مربع، بينما شملت التنقيبات الأخيرة ألفي متر مربع فقط ، ما يستدعي مزيداً من العمل للكشف عن تفاصيل إضافية.

وأضاف أن الموقع ضمّ أساسات مبانٍ تعود إلى العصر الحجري المبكر ما قبل الفخار، ولقى أثرية متنوّعة عكست أنشطة سكنية وزراعية وصيداً برياً وأدوات إنتاجية وزينة، فضلاً عن آثار طقوس جنائزية وعشائرية.

آثار تدلّ على طقوس جنائزية وعشائرية في الموقع (هيئة التراث)

بدايات استقرار الإنسان في المنطقة

وتكمن أهمية الحدث في أنه يكشف بدايات استقرار الإنسان في المنطقة ويُعزّز حضور السعودية على خريطة الاكتشافات الأثرية عبر أقدم مستوطنة معمارية معروفة في الجزيرة العربية، مؤكداً قيمتها التاريخية وصلتها الثقافية بـ«الهلال الخصيب».

من جهته، أوضح رئيس الفريق الياباني، الدكتور فوجي، أنّ موقع «مصيون» هو الأقدم حتى الآن في الجزيرة العربية، إذ يعود إلى المرحلة الأولية من العصر الحجري الحديث، لافتاً إلى أنه لا توجد مستوطنات مماثلة حتى في المواقع الشهيرة مثل الثمامة والدوسرية، ما يجعله متفرّداً وقابلاً للمقارنة فقط بالمستوطنات المبكرة في المحيط الأوسع.

لقى أثرية تكشف عن تنوّع أنشطة المستوطنة (هيئة التراث)

وتابع رئيس الفريق الياباني أنّ أهمية اكتشاف «مصيون» تكمن في إعادة رسم خريطة بدايات الاستيطان المستقر، إذ يكشف عن امتداد «الهلال الخصيب» إلى الجزيرة العربية، ويبرز دور المنطقة بوصفها قاعدة ممهِّدة لظهور الحضارات القديمة.

آثار تُبيّن طقوساً جنائزية وعشائرية بالموقع (هيئة التراث)

ثقافة مترابطة لقرون

أما الباحث والمتخصّص في الآثار، الدكتور عبد الله الزهراني، فقال إنّ موقع «مصيون» هو أقدم مستوطنة معمارية موثقة في الجزيرة العربية، يعود إلى العصر الحجري الحديث قبل 11 ألف سنة، وقد أسَّس لثقافة مترابطة استمرَّت قروناً طويلة.

بقايا بشرية وحيوانية وقطع مزخرفة نادرة (هيئة التراث)

وأكد أنّ اكتشافات الفريق السعودي - الياباني قدَّمت معلومات دقيقة عن تحوّل الإنسان في «مصيون» من الترحال إلى الاستقرار، حيث بدأ بناء البيوت وتربية الماشية وممارسة الزراعة.

كما عُثر على مطاحن حبوب وأدوات صيد وحلي وزينة من الحجر والخرز والأصداف.

أدوات حجرية تضمّ سهاماً وسكاكين ومطاحن (هيئة التراث)

وأشار الزهراني إلى أنّ إنسان «مصيون» تجاوز حدود الاستقرار ليمارس شعائر وطقوساً يومية، ويتّضح ذلك من وجود مدافن تضم هياكل بشرية، ربما للاحتفاظ ببقية من الأسلاف أو لاستخدامها في طقوس تلك المرحلة.

آثار تكشف عن الزراعة البدائية والصيد والأنشطة الإنتاجية (هيئة التراث)

وبيّن أن تحوّلات «مصيون» من التنقّل إلى الاستقرار، ومن البساطة إلى العمق، ارتبطت بتأثير متبادل مع بلاد الأناضول والرافدين و«الهلال الخصيب»، مما أرسى ثقافة مترابطة استمرَّت قروناً في العصر الحجري الحديث.


مقالات ذات صلة

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق المتهمان بحيازة تابوت أثري بعد توقيفهما في سوهاج (وزارة الداخلية المصرية)

مصر: ضبط تابوت أثري نادر بسوهاج قبل الاتجار به

تمكنت الأجهزة الأمنية المصرية من ضبط تابوت أثري يعود إلى العصر الروماني المتأخر قبيل الاتجار به.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
يوميات الشرق جانب من المدينة الذهبية التي تم اكتشافها في الأقصر سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

«البعثات الأثرية المصرية» في الأقصر يكشف أسرار «المدينة الذهبية»

كشف ملتقى للبعثات الأثرية المصرية في الأقصر عن دراسة تتناول تأثير المناخ والجيولوجيا المحلية على العمارة المدنية بمدينة أمنحتب الثالث.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

التراث اللبناني اليوم يقف في مواجهة تهديد وجودي، مع تصاعد الحرب واتساع نطاق المخاطر التي تطال ذاكرة الإنسانية

سوسن الأبطح (بيروت)

رواد «أرتميس 2» يوثّقون الأرض من الطريق إلى القمر: «تبدين مذهلة»

الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
TT

رواد «أرتميس 2» يوثّقون الأرض من الطريق إلى القمر: «تبدين مذهلة»

الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)
الأرض تلمع في العتمة وتُعيد تعريف معنى البُعد (ناسا)

أرسل رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس 2» إلى القمر الصور الأولى للأرض. وقال رائد الفضاء في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، فيكتور غلوفر، من الكبسولة «أوريون»: «أنتِ تبدين مذهلة. أنتِ تبدين جميلة».

ويُعدّ غلوفر وزميلاه الأميركيان، كريستينا كوتش وريد وايزمان، إلى جانب رائد الفضاء الكندي جيرمي هانسن، أول بشر يُسافرون إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وانطلق رواد الفضاء الأربعة، الأربعاء الماضي، على متن الكبسولة «أوريون» باستخدام صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» من ميناء كيب كانافيرال الفضائي في ولاية فلوريدا الأميركية.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنه بعد نحو 24 ساعة، غادروا مدار الأرض باستخدام مناورة خاصة. وبعد مرور 24 ساعة أخرى تقريباً، أتموا نحو نصف الرحلة إلى القمر. وخلال هذا الوقت، أجرى رواد الفضاء عدداً من الاختبارات العلمية، والمَهمّات التدريبية.

ومن المقرَّر أن تستمر مهمة «أرتميس 2» نحو 10 أيام، وتشمل تحليق رواد الفضاء الأربعة حول القمر. ومن خلال هذه المهمة، سيصلون إلى مسافة أبعد عن الأرض من أيّ إنسان قطعها من قبل.

وكانت «أبولو 8» أول مهمّة فضائية تحمل بشراً إلى القمر، ثم تعيدهم إلى الأرض. وعلى غرار مهمّة «أرتميس 2»، لم يهبط طاقم تلك الرحلة على سطح القمر، بل داروا حول جانبه الخلفي قبل العودة إلى الأرض.

وقد أمضى رواد الفضاء فرانك بورمان، وجيمس لوفيل، وويليام أندرس نحو 20 ساعة في الدوران حول القمر قبل التوجُّه عائدين إلى الأرض. واستغرقت المهمّة بأكملها ما يزيد قليلاً على 6 أيام، قبل أن يهبط الطاقم في مياه المحيط الهادئ.

هناك... نرى الأرض كما لو أننا نكتشفها للمرة الأولى (ناسا)

ومن المُنتظر أيضاً أن يُسجّل رواد «أرتميس 2» إنجازات تاريخية، فإلى جانب ريد وايزمان، قائد المهمّة التابعة لـ«ناسا»، تصبح كريستينا كوتش أول امرأة تذهب إلى القمر، وفيكتور غلوفر، الطيار التابع لـ«ناسا»، أول رجل أسود يذهب إليه أيضاً. وكذلك زميلهما جيرمي هانسن، رائد الفضاء في وكالة الفضاء الكندية، يصبح أول شخص غير أميركي يُحقّق هذا الإنجاز.


«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
TT

«أكتر من أي وقت»... جسرٌ موسيقيّ تمُدّه «أنغامي» بين العرب

مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)
مجموعة من الفنانين العرب المشاركين في أغنية «أكتر من أي وقت» (أنغامي)

منذ تترات مسلسلات رمضان وعدّاد الإصدارات الغنائية متوقّف. وفي وقتٍ كان ينتظر الفنانون عيد الفطر ليُصدروا جديدهم الموسيقي، شكّل هذا العام استثناءً، حيث تَقدّم دويّ الحرب على الإيقاعات، والنغمات.

أمام الواقع المستجدّ الذي وضع الفن في خانة الكماليّات، جاءت منصة «أنغامي» لتُذكّر بأنّ الموسيقى حياة في وجه الموت. ورغم تقطّع الأوصال، اختصرت المنصة العربية للبث الموسيقي المسافات جامعةً 7 أصواتٍ متعدّدة الجنسيات، وموحّدة حول عنوانٍ واحد هو «أكتر من أي وقت».

تجمع الأغنية 7 فنانين هم: سليم عساف من لبنان، وأصيل هميم من العراق، وبدر الشعيبي وسلطان خليفة من المملكة العربية السعودية، وعبد العزيز لويس من الكويت، وجابر التركي من البحرين، وغالية من سوريا. أما اللحن، والكلام، فلسليم عسّاف الذي أوضح أنّ «الموسيقى في هذه اللحظة المفصليّة يجب ألا يُنظر إليها على أنها مجرّد مجموعة نغمات، وإنما هي الذاكرة الجماعيّة، وشعلة الأمل اللتان تجمعان ما بين الشعوب العربية أكثر من أي وقت».

تُعَدّ أغنية «أكتر من أي وقت» إنتاجاً عابراً للحدود، وقد كان «الإجماع على المشاركة فورياً من قِبَل الفنانين»، على ما يؤكد عساف.

«أكتر من أي وقت نحنا بحاجة لبعض... خلّي صوتك مع صوتي ت تسمع كل الأرض»؛ معاني الصمود، وتغليب لغة التواصل على التفرقة ترجمها المغنّون من خلال نصٍ يمزج ما بين اللهجتَين الشاميّة، والخليجيّة. مع العلم بأنه جرى تطوير العمل خلال فترة زمنية قصيرة، وقد سُجّل في مواقع متعدّدة بمبادرة ذاتية من الفنانين، وبدعم من «أنغامي» التي ذلّلت المسافات، وأتاحت لكل فنان أن يضيف صوته ورؤيته الخاصة التي تتماهى والمنطقة الآتي منها.

يعلّق إدي مارون، الشريك المؤسس لـ«أنغامي»، في هذا السياق قائلاً: «(أكتر من أي وقت) تذكير بأثر الموسيقى القويّ، وبقدرتها على اختصار المسافات، والجمع بين الناس». ويضيف مارون: «ما يمنح هذا المشروع قوته الحقيقية هو أنه ينبع من رغبة الفنانين أنفسهم في التعبير عن مشاعرهم الصادقة في هذه المرحلة».

يرافق الأغنية فيديو مصوّر يوثّق أداء الفنانين خلال التسجيل، إضافةً إلى مشاهد واقعية من تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة، تعكس روابط الألفة الإنسانية التي تجمع بين البشر. وليست هذه المرة الأولى التي تختصر فيها «أنغامي» المسافات عبر الموسيقى، أو تضيء على القضايا الإنسانية من خلال الإنتاجات الغنائية، ففي رصيد المنصة مشاريع فنية عدة امتدّت جسوراً بين الشعوب العربية خلال لحظاتٍ مفصلية.


المتحف المصري يحتفل بذكرى تأسيسه بإبراز تمثال «إيزيس»

تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)
تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)
TT

المتحف المصري يحتفل بذكرى تأسيسه بإبراز تمثال «إيزيس»

تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)
تمثال إيزيس أول قطعة تسجل بالمتحف المصري (المتحف المصري)

في ذكرى تأسيسه، أبرز المتحف المصري في ميدان التحرير (وسط القاهرة) القطعة رقم 1 في «السجل العام» له، وهو تمثال «إيزيس»، ويجسد شخصية «إيزيس»، رمز الأمومة والوفاء في مصر القديمة.

التمثال الأول الذي وضع في سجلات المتحف مصنوع من «الشست» بارتفاع يصل إلى 38 سم، ويعود تاريخ هذا العمل الفني إلى العصر المتأخر (الأسرة 26)، وهي المدة التي شهدت نهضة فنية مميزة في محاكاة الطرز القديمة، وفق بيان للمتحف المصري.

​وقد عُثر على التمثال عام 1858 في منطقة سقارة الأثرية، ضمن حفائر العالم «مارييت» مؤسس مصلحة الآثار المصرية آنذاك، وتعدّ هذه القطعة حجر الزاوية في توثيق التاريخ المصري العريق، وفق بيان المتحف.

ويحمل احتفاء المتحف المصري بذكرى تأسيسه من خلال إبراز تمثال إيزيس بوصفه أول قطعة مسجّلة دلالات رمزية وعلمية عميقة تتجاوز مجرد العرض المتحفي التقليدي، لتلامس جوهر تشكّل الوعي الأثري والمؤسسي في مصر الحديثة. وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان التي قالت لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية الأكاديمية، يعكس هذا الاختيار إدراكاً مبكراً لقيمة التوثيق والأرشفة بوصفهما ركيزتين أساسيتين في علم المتاحف؛ إذ لا تقتصر أهمية القطعة على بعدها الفني أو الديني، بل تمتد إلى كونها شاهداً على البدايات الأولى لعملية تنظيم المجموعات الأثرية وفق معايير علمية، وتبرز دور المتحف كمؤسسة معرفية أسهمت في تشكيل علم المصريات الحديث».

وتوضح المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم أن «اختيار تمثال إيزيس تحديداً له دلالة رمزية عميقة؛ فالمعبودة إيزيس تمثل في الفكر المصري القديم الأمومة والحماية والبعث، وهي معانٍ تتقاطع بشكل لافت مع فكرة إحياء التراث التي يضطلع بها المتحف».

وتتابع: «كما أن قصة الأثر تساعد في جذب الجمهور، فالعرض المتحفي لم يعد مقتصراً على القطعة في ذاتها، بل امتد ليشمل تاريخ تسجيلها وسياق عرضها؛ ما ينشئ علاقة أكثر عمقاً بين الزائر والقطعة الأثرية».

المتحف المصري يضم مجموعات أثرية نادرة (صفحة المتحف على فيسبوك)

وتم بدء تأسيس المتحف المصري عام 1895، بعد اختيار المهندس المعماري الفرنسي مارسيل دورغنون، ليقوم بتصميمه من خلال مسابقة دولية، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني عام 1902، وهو أول مبنى متحفي بالشرق الأوسط، ويضم عشرات الآلاف من القطع الأثرية من عصور مختلفة تحكي قصة الحضارة المصرية القديمة منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني، ويعد المبنى نفسه من المعالم السياحية البارزة في وسط القاهرة.

ويصف أستاذ تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، الدكتور عمر المعتز بالله، رئيس مركز دراسات الهوية وحفظ التراث تمثال إيزيس قائلاً إنه «ليس مجرد رمز عابر، بل هو إعلان بصري أن هذه الشخصية هي صاحبة القدرة على منح الحياة للعقيدة المصرية في بدء الزمان».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن التمثال الذي يعود للأسرة 26 التي حكت مصر في الفترة ( 688 -525 قبل الميلاد)، وعرفت في التاريخ بـ «النهضة الصاوية» في الدلتا، يؤكد أن هذه الأسرة آمنت بأن استعادة مجد مصر يبدأ باستعادة فنونها وتقاليدها القديمة؛ «لذا تعمدوا إحياء أساليب الدولة القديمة، عصر الأهرامات، في النحت والتصوير. من هنا يأتي التناسق المثالي في نسب تمثال إيزيس، والدقة الجراحية في ملامح الوجه، كأن النحات يعود بنا عبر الزمن ألفي سنة إلى الوراء»، على حد تعبيره.

ويضم المتحف المصري مجموعة فريدة من القطع الأثرية من بينها «المجموعة الجنائزية ليويا وتويا، وبسوسينيس الأول وكنوز تانيس، ولوحة نارمر التي تخلد توحيد مصر العليا والسفلى، كما يضم تماثيل للملوك بناة الأهرامات في الجيزة: خوفو، وخفرع، ومنكاورع، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من البرديات والتوابيت والحلي، وفق وزارة السياحة والآثار.