حسن داود: المثقفون العرب يعيشون في جزر منعزلة

روايته فازت بـ«ميدالية نجيب محفوظ الـ21 للأدب الروائي»

حسن داود يتسلم الجائزة
حسن داود يتسلم الجائزة
TT

حسن داود: المثقفون العرب يعيشون في جزر منعزلة

حسن داود يتسلم الجائزة
حسن داود يتسلم الجائزة

فاز الروائي اللبناني حسن داود بجائزة «ميدالية نجيب محفوظ للأدب الروائي»، التي أعلنت مساء أمس الأحد، عن روايته التاسعة «لا طريق إلى الجنة»، كأول أديب لبناني يفوز بالجائزة التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة. وسلمت الدكتورة ليزا أندرسون، رئيسة الجامعة الأميركية، داود الميدالية الفضية للجائزة وقيمتها المادية ألف دولار، في الذكرى الـ104 لميلاد نجيب محفوظ، وفي ظل غياب ابنتيه فاطمة وأم كلثوم.
تدور أحداث الرواية حول رجل دين شيعي يعيش بالجنوب اللبناني، يصارع مرض السرطان الذي ينهك جسده. ويظل البطل يتأمل حالة والده المُقعد وولديه الأبكمين، وزوجته المحبطة، تتكالب عليه هموم الحياة، ويجبره المرض على بتر أعضائه دون اختيار منه أيضا، وتنشأ بينه وبين أرمله أخيه علاقة حب لا يستطيع أن يخوضها لأنه مقيد بموقعه كرجل دين، ويصاب ابنه بمرض عضال، فيتمرد على الجبة والعمامة. تعالج الرواية العلاقات الإنسانية وقضايا الدين والوجودية والتحرر والبحث عن معنى جديد للجنة والخلود.
وعن حيثيات استحقاق الرواية للجائزة، ذكرت لجنة التحكيم أنها «رواية بديعة نفيسة تنفذ إلى معضلة الزمان والإنسان في مجتمع ديني»، ووصفوها بأنها رواية مختلفة «تتميز بسرد جوهر شخصية رجل دين، عبر سرد يتماهى كثيرا مع سرد إرنست همنغواي في جمل قصيرة محكمة، تبطن أكثر مما تكشف، وينسج الكاتب الذروة بهدوء شديد، ليخلع رجل الدين العمامة والجبة ويواجه العالم برغبته، وإدراكه أن ما يفعله لا يشكل طريقا إلى الجنة كرد على اضطهاد القدر له، فيرفض ما خضع له طوال حياته ويتمرد على معاناته مع مرض السرطان وهو على شفا الموت».
تكونت لجنة تحكيم الجائزة هذا العام من الدكتورة تحية عبد الناصر أستاذة الأدب الإنجليزي والمقارن بالجامعة الأميركية بالقاهرة، والدكتورة شيرين أبو النجا أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة؛ والدكتورة منى طلبة أستاذة الأدب العربي بجامعة عين شمس، وهمفري ديفيز المترجم المعروف للأدب العربي، والدكتور رشيد العناني الأستاذ الفخري للأدب العربي الحديث بجامعة إيكستر ببريطانيا.
وقال المترجم المخضرم همفري ديفيز عن الرواية: «إيحاءات العمل تشبه أسلوب مارسيل بروست في دقتها. كل فقرة تشبه طبقة رقيقة من الواقع، تقدم ببساطة شديدة تكشف عن المشاكل والأسئلة التي يثيرها كل حدث بكل تركيباته. الأسلوب الهادئ النقي يعطي هذا الكتاب صوتا متميزا». بينما ذهب رشيد العناني إلى وصف الرواية بأنها «طرح معاصر لقصة أيوب التوراتية». وقالت الدكتورة تحية عبد الناصر في كلمتها: «تتميز هذه الرواية بسردها الدقيق ويحفل النص بالتفاصيل وإيحاءات اللغة، وتشكل عالما كان الصمت فيه وسيلة للتواصل. تجسد الإشارات ما بين الراوي وولديه طرقا بديلة للخطاب في النص. وفي أثناء مرضه ينزوي الراوي للصمت».
وقال داود فور تسلمه الميدالية: «هذه الجائزة تُدنيني من نجيب محفوظ الإنسان، الذي صنعت رواياته إدراكنا لمعنى أن يتحول العيش إلى رواية». وردا على سؤال «الشرق الأوسط» له حول تأثره في هذه الرواية بأسلوب محفوظ الواقعي، قال: «نجيب محفوظ صوت نادر في رواية العالم خصوصا في أدبنا العربي، وتأثيره في وفي غيري من الأدباء أعمق بكثير من أثره في هذه الرواية، فهو أحد أعمدة الرواية العربية، صور المجتمع بتفاصيل هائلة وقوية بقوة الواقع نفسه، أمكنته وشخوصه لا تزال تعيش معنا. أصبحنا نأتي لمصر نسأل عن أمكنته رغم قراءاتي له منذ أكثر من 30 سنة، فجميع الروايات التي قرأتها لا أتذكر أحداثها ولا شخوصها، بينما محفوظ وأبطاله يعيشون بداخلي وأعتقد بداخل كل عربي». وأضاف: «كتبت هذه الرواية عن حياة رجل الدين ومحيطه الإنساني، ولم أقصد بها أي مجتمع أو أي إسقاط على أوضاع تاريخية أو مرحلية مرت بها لبنان أو غيرها. ألهمني والدي الكتابة عن حياة تلك الشخصية، أزمتها وهشاشتها، كونه عاش حياة لم يردها؛ كتبت الرواية له وعنه، لكن (السيد)، شخصية بطل الرواية، طورت نفسه وأصبح ما هو عليه، فهو مكتمل الفرادة كونه دفع دفعا ليكون إماما بينما كانت تعوزه القوة ليكون أبا».
وعن مسيرته الروائية، قال: «أرادني والدي أن أكون رجل دين، وأن أدرس بالنجف لأعود وأصبح إماما لثلاث قرى، كنوع من الوظائف المضمونة، إلا أن الصورة الذهنية عن رجل الدين لم تكن تستهويني، فقد كانت صورته لدي هي الصورة التي جسدتها السينما المصرية للمأذون، فلم أحب ذاك الطريق الذي أرادني والدي أن أسلكه رغم كونه غير متدين بدرجة عميقة». الرواية تحدث زمنيا في سنوات السبعينات، حيث كان الدين يشهد تراجعا، وهي تتحدث عن المأساة الفردية لهذا الشخص، وهو لا يحيل إلى سواه، كما لا تحيل الرواية على بلد بعينه حتى لبنان ذاته؛ وهذه المأساة هي سعي هذا الرجل إلى الخلاص مما لا يريده؛ وتحتفل الرواية بتفاصيل كثيرة في حياته، فهي تبحث في أعماق هذا الرجل».
استعان صاحب «لا طريق إلى الجنة» بتقنية السرد البطيء الخالي من الحوار والأمكنة، ونجح في تجسيد حياة ذلك الإمام المملة والرتيبة، بوصف دقيق للحياة اليومية كمشاهد سينمائية متصلة.
ولداود المولود في بيروت عام 1950، ثلاث مجموعات قصصية و10 روايات من بينها «بناية ماتيلدا»، و«غناء البطريق»، و«سنة الأوتوماتيك».
وكشف لأول مرة عن سر لم يعلنه من قبل بخصوص الرواية الفائزة قائلا: «كتبت هذه الرواية منذ 12 عاما، وحملتها معي كمخطوطة أثناء اضطراري للسفر لفرنسا، وهناك سرقت مني، ورغم كل محاولاتي لمكافأة من يجدها لم يعدها إلي أحد، وظللت طوال 10 سنوات أجاهد نفسي كي أعيد كتابتها، واستغرقت الرواية المطورة عامين، حيث قمت بتعديلها تماما، وأخيرا خرجت للنور. وحينما أعدت كتابة هذه الرواية لم أضع في ذهني النهاية ذاتها أو تطور الأحداث ذاته، بل بدأتها وتركتها تتجسد وتتشكل، فأنا أؤمن بأن الرواية عمل فكري قبل أن تكون عملا سرديا»
صدرت الرواية الفائزة عن دار «الساقي» ببيروت عام 2013، وخرجت في 320 صفحة من القطع المتوسط. وتمنح الجائزة لأفضل رواية معاصرة نشرت خلال عامين باللغة العربية، ولم تترجم للغة الإنجليزية، ويقوم قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة بترجمة ونشر الرواية الفائزة إلى اللغة الإنجليزية في القاهرة ونيويورك ولندن.
وأعرب داود عن سعادته بفوز الرواية بالجائزة خاصة أنها تمنح في مصر، قائلا: «مصر الثقافة والأدب كانت هي محجتنا الفكرية والأدبية منذ أن كنا في مقتبل العمر. ما كنا نعرفه عن الثقافة كان يأتي من مصر، حتى الأدب الأجنبي كان يصلنا مترجما من مصر. كنا في السنوات الماضية نتثقف بثقافة مصر وفنها. وأعتبر هذه الرواية محظوظة رغم أنها لا تباع في مصر، إلا أنها الآن يمكنها أن تجد القارئ المصري والغربي أيضا». وأعرب عن حزنه لرحيل عدد كبير من الأدباء المصريين مؤخرا خلال العامين الماضيين والذين كانت تربطه بهم صداقة وطيدة.
وحول الرواية العربية، قال صاحب «نقل فؤادك»: «نشهد نهضة روائية كبيرة، أقصد في عدد الروايات التي تنتج كل عام وهي نحو 200 رواية، وهو أمر يصعب على أي شخص أن يطلع عليها كلها. قرأت لكل الكتاب المصريين تقريبا، من جيل الستينات والسبعينات؛ لأننا في الماضي كنا نعرف ماذا يصدر في مصر والعراق والمغرب، والآن ما يصدر في المغرب يظل في المغرب وما يصدر في مصر يبقى في مصر، وأحد أسباب رغبتي في الوجود بمصر من وقت لآخر هو الاطلاع على ما ينتج فيها، وأعتقد أن السبب هو أن المثقفين العرب يعيشون في جزر منعزلة، والدول العربية في حالة تشظٍ بارتفاع أسهم إقليميتها على وطنيتها»، مضيفا: «كان اللبنانيون يطبعون كتبا لمصريين وعراقيين، لكن دور النشر هذه توقفت بسبب الحروب والظروف الاقتصادية. وبتنا الآن في وضع صعب تتراجع فيه الترجمة والكتابة والقراءة. الأمة العربية لم تعد تقرأ، وأصبحت أمة كاتبة. نحن بحاجة إلى ثورات في كل المجالات، لكن قبل أي شيء علينا أن نتخلص من كمية الفساد والقمع والنزاعات الطائفية والمذهبية».
وحول قيمة الجوائز العربية بالنسبة لفن الرواية والترويج لها، قال: «مهمة بالطبع، لكنني أفضل أن يختار القارئ كاتبه، خصوصا أن ما يقترح على القارئ قد لا يكون صائبا. هناك مشاكل كبيرة تتعلق بما يُختار من الروايات العربية، خاصة الروايات التي تكتب وترتبط بحدث معين كالحرب على سوريا، هذه الأعمال لا تصبح ذات مستوى جيد».
تأسست جائزة نجيب محفوظ منذ 19 عاما دعما للأدب العربي المترجم وتكريما للأديب العالمي، الذي يعد الأديب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، وأطلقتها دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1996 باسم «ميدالية نجيب محفوظ للأدب الروائي»، كونها الناشر الرئيسي لأعمال نجيب محفوظ باللغة الإنجليزية لأكثر من خمسة وعشرين عاما والمالكة لحقوق نشر أكثر من 600 طبعة باللغات الأجنبية الأخرى لأعمال الأديب التي تُرجمت إلى 40 لغة في جميع أنحاء العالم منذ فوزه بجائزة نوبل عام 1988.
وكان «الأستاذ» نجيب محفوظ قد رحب بالجائزة التي تحمل اسمه قائلا: «الإعلان عن هذه الجائزة التي تكرم الأدب والأدباء هو حدث مهم يوم عيد ميلادي. وأتمنى أن تساعد هذه الجائزة في اكتشاف مواهب جديدة في الأدب العربي وتعريفهم للقراء في جميع أنحاء العالم».
فاز بالجائزة 20 أديبا عربيا؛ منهم: 11 أديبا مصريا، وفلسطينيان، وسوريان، وجزائري، ومغربي، وعراقي وسوداني، ولبناني. أما تصنيف الفائزين وفقا للجنس، فقد فاز بها: 8 سيدات و12 رجلا. وكان أول من فاز بها عام 1996 مناصفة الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد عن روايته «البلدة الأخرى»، والأديبة الراحلة لطيفة الزيات عن روايتها «الباب المفتوح»، بينما فاز بها العام الماضي الروائي السوداني حمور زيادة عن روايته «شوق الدرويش».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.