​«حرب الأعلام» الفلسطينية تحتدم في فرنسا وعشرات البلديات ترفض أوامر وزير الداخلية ​

انقسامات الداخل الفرنسي تتفاقم والحزب «الاشتراكي» يطالب ماكرون بالتدخل واليمين المتطرف يُندّد

رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
TT

​«حرب الأعلام» الفلسطينية تحتدم في فرنسا وعشرات البلديات ترفض أوامر وزير الداخلية ​

رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)

أثارت مبادرة رفع العلم الفلسطيني على بلديات فرنسا جدلاً واسعاً في الأيام الأخيرة، فالمبادرة أطلقها أوليفييه فور، أمين عام الحزب «الاشتراكي» يوم 14 سبتمبر (أيلول)، حيث دعا إلى رفع العلم الفلسطيني على واجهات مباني البلديات في فرنسا، بالتزامن مع إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون الاعتراف بالدولة الفلسطينية من منبر الأمم المتحدة في نيويورك. ورداً على منتقديه، شدّد فور، بمناسبة رفع العلم الفلسطيني على واجهة بلدية مدينة سان دوني، الواقعة على مدخل باريس الشمالي، على أن هذه البادرة «ليس من شأنها التعبير عن الدعم لـ(حماس)»، مضيفاً أن «هذا العلم ليس علم (حماس)، بل هو علم نساء ورجال لهم الحق، هم أيضاً، في الحرية وتقرير المصير».

رفع العمل الفلسطيني على واجهة بلدية ليون الواقعة جنوب شرقي فرنسا وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد (أ.ف.ب)

معارضة وزير الداخلية

لكن برونو روتايو، وزير الداخلية المستقيل، يرفض هذه المقاربة. فقد سارع إلى إرسال برقية إلى المحافظين كافة الذين يمثلون الدولة في مناطقهم، داعياً إياهم إلى التصدي إلى كل مبادرة من هذا النوع، بل واللجوء إلى القضاء الإداري بحجة الحفاظ على «حيادية» البلديات. وذكّر برونو روتايو، يوم السبت، خلال زيارة إلى منطقة نورماندي، بأنّ «واجهة البلدية ليست لوحة إعلانات، وأن العلم الوحيد الذي يحق له أن يُرفَع عليها هو العلم الثلاثي الألوان، رمز ألواننا وقيمنا، لأنه يمثل ما تبقى لنا من بيت مشترك»، مُجدّداً، إصراره على ضرورة التزام «الحياد الجمهوري»، ورافعاً سلاح التوجه إلى القضاء للطعن بقرارات البلديات «المتمردة».

وإزاء مواقف الوزير المعني، فقد طلب فور، الاثنين، من الرئيس ماكرون «التدخل» للسماح برفع العلم الفلسطيني. وجاء في رسالته: «لن يكون ذلك مجرد موقف قوي تجاه جميع من يؤمنون بحلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل سيكون أيضاً متّسقاً مع موقف فرنسا الذي ستُعلنه أمام المجتمع الدولي». وبرأيه، فإن الغرض من مبادرته هو «أن نقول للعالم إن فرنسا ليست فقط رئيس الجمهورية، بل إن فرنسا تقف خلف هذه الخطوة، وإننا نريد فعلاً التوصل إلى حل الدولتين» كذلك، عبّر كثير من رؤساء البلديات عن دهشتهم إزاء دعوى روتايو، من جهة، لأنها لا تتوافق مع المبادرة الفرنسية الخاصة بالاعتراف.

ومن جهة ثانية، لأن بلديات كثيرة بادرت سابقاً إلى رفع علم أوكرانيا، دون أن يثير ذلك أي اعتراض. أما كريستيان أستروزي، رئيس بلدية مدينة «نيس» المتوسطية، والمعروف بدعمه لإسرائيل، فلم يجد غضاضة بأن يترك علم إسرائيل يرفرف على واجهة بلديته. وأعلن رئيس منطقة بروفانس ألب كوت دازور (جنوب شرق) برونو موزولييه، الذي ينتمي إلى حزب «النهضة» وترأس سابقاً معهد العالم العربي، أنه سيرفع نحو 20 علماً فرنسياً رداً على ما وصفه بـ«حسابات سياسية». ومن جهته، فقد وجد نيكولا ماير - روسينيول، رئيس بلدية «روان» شمال غربي فرنسا، حلاً للمشكلة، إذ عمد إلى رفع العلمين الفلسطيني والإسرائيلي إلى جانب العلم الفرنسي. وفي مارسيليا، ثالث أكبر المدن الفرنسية، عمد منتخبو حزب «فرنسا الأبية» إلى إضاءة واجهة مبنى البلدية بألوان العلم الفلسطيني.

لم تمنع تحذيرات وزير الداخلية الذي يترأس حزبه اليميني التقليدي والطامح للترشح لرئاسة الجمهورية في عام 2027، كثيراً من البلديات من مخالفة تعليماته، وتحدي برقياته وتصريحاته، مثل ليون ثاني أكبر مدن فرنسا.

أوليفييه فور أمين عام الحزب «الاشتراكي» الفرنسي (الأول إلى اليسار) صاحب الدعوة لرفع العلم الفلسطيني على واجهة البلديات (إ.ب.أ)

وقالت وزارة الداخلية، ظهر الاثنين، إن ما لا يقل عن 52 بلدية عمدت إلى رفع العلم الفلسطيني، منها بلديات كبرى، مثل مدينة «رين» و«نانت»، وأخرى متوسطة أو صغيرة. وجزء كبير من هذه المدن يقع في المنطقة الباريسية، مثل سان دوني، ومالاكوف، وبانيو، وإيفري سور سين، وكوربي إيسون... وإضافة إلى ما ستقوم به البلدية الأخيرة، فإن رئيسها أعلن، الاثنين، أنه سيوزع ألف علم فلسطيني للتعبير عن تضامن مدينته مع الفلسطينيين، وتأييد الخطوة الرسمية الفرنسية.

وكتبت عمدة نانت، جوانا رولان المنتمية للحزب «الاشتراكي»، في تغريدة صباحية على منصة «إكس» قائلة: «سيعلن رئيس الجمهورية الليلة، في الأمم المتحدة، الاعتراف بدولة فلسطين. وتدعم نانت هذا القرار التاريخي للجمهورية الفرنسية برفع العلم الفلسطيني طوال هذا اليوم». ورغم أهمية هذه الخطوة رمزياً وسياسياً، فإنها تبقى هامشية قياساً لعدد البلديات الكبير «أقل بقليل من 35 ألف مدينة وقرية».

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في إطلاق دينامية سياسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية (أ.ف.ب)

انقسامات داخلية

ثمة عنصر جامع بين هذه البلديات، وعنوانه أنها تدار غالبيتها الساحقة من قبل أحزاب يسارية أو بيئوية. وهذا الفرز يستنسخ مقاربة الأحزاب، بشكل عام، من مبادرة ماكرون بالاعتراف، التي أدت إلى شبه انقسام داخل المجتمع الفرنسي. وبشكل عام، فإن اليسار وأحزابه الثلاثة «الاشتراكي والشيوعي وفرنسا المتمردة»، بالإضافة إلى حزب «البيئيين»، وهم جميعهم معارضون لسياسة ماكرون الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنهم يعبرون عن دعمهم لخطوة الاعتراف التي يرى بعضهم أنها جاءت إما «متأخرة»، وإما «غير كافية». ومن جانبها، فإن أحزاب «الكتلة الوسطية» الداعمة لماكرون «النهضة والحركة الديمقراطية وهورايزون» لم تعبر عن دعم واضح وثابت، إذ ربطته ببعض الشروط، وتساءلت عن جدواه «في المرحلة الراهنة». وقالت رئيسة البرلمان، يائيل براون - بيفيه التي زارت إسرائيل بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ودافعت عن حقها في الرد على «حماس»، «بلا قيود»، فقد دعت، في مقابلة، الاثنين، مع إذاعة «فرنسا إنفو» العمومية «الدول العربية التي أيدت إعلان نيويورك إلى الاعتراف رسمياً بدولة إسرائيل، وهو ما لم تفعله منذ عام 1948». كذلك رفضت براون - بيفيه استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية»، بوصفها توصيفاً لما تقوم بها إسرائيل في غزة، بحجة أنه «ليس من شأننا أن نصف ما يحدث من الناحية القانونية»، وأن ذلك «من مهمة المحاكم». ويتماهى موقف اليمين التقليدي «للجمهوريين» إلى حد بعيد مع مواقف «الكتلة الوسطية»، ويتحدث عن مبادرة ماكرون بكثير من «الفتور».

وفي المقابل، فإن اليمين المتطرف، ممثلاً بحزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبان، فقد تبنى السردية الإسرائيلية، لأسباب انتخابية واضحة، علماً بأنه كان الحزب المتهم بمعاداة السامية. وسبق لمؤسسه جان ماري لوبان، والد مارين لوبان، أن أدين عدة مرات لتصريحاته المعادية لليهود. وكتبت لوبان على منصة «إكس»: «من خلال هذا الاعتراف اليوم، دون أي شروط، فإن إيمانويل ماكرون يعترف بـ«حماس» وليس بـ«فلسطين»، مضيفة أنها «دولة إرهابية سيُكتب ميلادها بدماء ضحايا أكبر مذبحة جماعية منذ الحرب العالمية الثانية». أما ماريون مارشال، النائبة في البرلمان الأوروبي عن اليمين المتطرف وحفيدة لوبان، فقد رأت أن يوم الاثنين، هو «يوم حزين لفرنسا»، مضيفة أن «ماكرون لا يقدم على الاعتراف باسمي». لكنها ذهبت أبعد من ذلك من خلال اتهامه بأنه «لا يمتلك أي شجاعة، وأنه يريد إرضاء جزء من الناخبين الفرنسيين الذين يتعاطفون مع القضية الفلسطينية»، وبنظرها، فإن العلم «الفلسطيني هو علم الإسلاموية - اليسارية اليوم»، ما ينم عن جهل مطبق، إذ إنه تم اعتماده في عام 1964 من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، وأكد هذا الخيار في عام 1988، عند إعلان استقلال الدولة الفلسطينية في الجزائر. وفي عام 2015 سمحت الأمم المتحدة برفعه إلى جانب 193 علماً وطنياً بمقرها في نيويورك.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أكد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية انتصار دبلوماسي كبير لبلاده (أ.ف.ب)

إزاء هذه المغالطات، دخل وزير الخارجية جان نويل بارو الذي سافر مع الرئيس ماكرون إلى نيويورك على خط الجدال ليعيد التأكيد على أن «الاعتراف بفلسطين هو رفض قاطع لـ(حماس)»، ورد بارو على حجج رئيس الوزراء نتنياهو، الذي قال الأحد إن «إنشاء دولة فلسطينية سيعرض وجودنا للخطر، وسيشكل مكافأة سخيفة للإرهاب»، بتأكيده أن يوم الاثنين سيكون يوماً عظيماً للسلام، وانتصاراً دبلوماسياً كبيراً لفرنسا. وأوضح بارو، في حديث لقناة «تي إف 1»، أن الاعتراف سيكون «فورياً... لكن تنفيذه، وإقامة العلاقات الدبلوماسية، سيكون تدريجياً ومرهوناً بعوامل على الأرض، لا سيما إطلاق سراح الرهائن».

وتجدر الإشارة إلى أن فرنسوا ميتران، الرئيس الاشتراكي، كان أول من دعا في فرنسا لقيام الدولة الفلسطينية في خطاب شهير له في الكنيست الإسرائيلي في الرابع من مارس (آذار) عام 1982. وقبل 11 عاماً صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية لقرار يحث الحكومة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية زمن رئاسة فرنسوا هولاند. وبذلك تكون الخطوة الفرنسية قد تأخرت 43 عاماً «فقط».


مقالات ذات صلة

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

الخليج شددت السعودية على ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال وتهيئة الظروف اللازمة للتقدم السياسي (أ.ب)

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

شددت السعودية على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية، ولا سيما فيما يتعلق بعمل مجلس السلام.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
الخليج جانب من اللقاء (واس)

مباحثات سعودية – فلسطينية تشدد على تسوية عادلة ودائمة

استعرض وزير خارجية السعودية، ونائب الرئيس الفلسطيني، تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، ولا سيما التداعيات الإنسانية المتفاقمة التي يعانيها سكان غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (رويترز)

إجماع دولي في جدة على دعم فلسطين... ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية

أعلنت وفود دولية رفيعة المستوى من جدة، دعمها لفلسطين ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، مؤكدة ضرورة «حل الدولتين»، وإنهاء الاحتلال، وحماية الحقوق الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي أعضاء مجلس الأمن يصوتون على مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة لتفويض قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة (د.ب.أ)

خطة ترمب لغزة تنال مباركة أممية واسعة تدفع مسار الدولة الفلسطينية

وفّر مجلس الأمن غطاء دولياً واسعاً لخريطة الطريق الأميركية بشأن غزة، فيما يمثل اختراقاً مهماً يعطي بعداً قانونياً يتجاوز مجرد وقف النار وإطلاق الرهائن.

علي بردى (واشنطن)
العالم رجل يتحدث أثناء تجمع الناس دعماً للفلسطينيين بينما يرفرف العلم الفلسطيني في تورونتو بكندا 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

للمرة الأولى... العلم الفلسطيني يرفرف على مبنى بلدية تورونتو الكندية

رُفع العلم الفلسطيني على مبنى بلدية تورونتو، الاثنين، للمرة الأولى منذ اعتراف الحكومة الفيدرالية بدولة فلسطين في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)

الرئيس الإيراني: المحادثات مع أميركا «خطوة إلى الأمام»

إيرانيون يمرون بجانب لوحة عملاقة مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في أحد ميادين طهران ()
إيرانيون يمرون بجانب لوحة عملاقة مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في أحد ميادين طهران ()
TT

الرئيس الإيراني: المحادثات مع أميركا «خطوة إلى الأمام»

إيرانيون يمرون بجانب لوحة عملاقة مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في أحد ميادين طهران ()
إيرانيون يمرون بجانب لوحة عملاقة مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في أحد ميادين طهران ()

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، إن المحادثات التي جرت مع الولايات المتحدة، الجمعة، تمثل «خطوةً إلى الأمام»، مؤكداً أن طهران لن تتسامح مع أي تهديد، فيما عبر وزير الخارجية، عباس عراقجي، عن تمسك بلاده بتخصيب اليورانيوم، كاشفاً أن طهران لديها «شكوك» حول جدية الولايات المتحدة في مواصلة المفاوضات.

وقال بزشكيان، في تدوينة على منصة «إكس»: «مثّلت المحادثات الإيرانية - الأميركية، التي جرت بفضل جهود المتابعة التي بذلتها الحكومات الصديقة في المنطقة، خطوةً إلى الأمام».

وأضاف: «لطالما كان الحوار استراتيجيتنا للوصول إلى حلول سلمية. منطقنا بشأن القضية النووية هو الحقوق الصريحة المنصوص عليها في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية». وأكد أن الشعب الإيراني «لطالما ردَّ على الاحترام بالاحترام، لكنه لا يتسامح مع لغة القوة».

بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم، إن طهران مصممة على تخصيب اليورانيوم ولن تتراجع عنه حتى وإن تم تهديدها بالحرب، مشدداً على أنه لا يحق لأي جهة أن تملي على إيران ماذا يجب عليها أن تفعل.

وأضاف أمام «المؤتمر الوطني للسياسة وتاريخ العلاقات الخارجية» في طهران: «المحادثات تصل إلى نتيجة عندما يحترمون حقوق إيران ويعترفون بها، وطهران لا تقبل الإملاءات».

وشدَّد الوزير الإيراني على أنه لا يحق لأي جهة مطالبة بلاده بتصفير تخصيب اليورانيوم، ولكنه عبَّر عن استعداد طهران للإجابة عن أي أسئلة تخص برنامجها النووي.

وأكد عراقجي على الدبلوماسية والتفاوض سبيلاً للتعامل، قائلاً: «إيران لا تقبل أي إملاءات، ولا حل سوى بالمفاوضات، وحقوق إيران ثابتة، وما نسعى إليه اليوم هو إحقاق مصالح الشعب الإيراني».

وحذَّر من أن هناك اعتقاد لدى الأطراف الأخرى «أنهم عندما يهاجموننا سنسلم لهم، وهذا الأمر لا يمكن أن يحدث. نحن أهل للدبلوماسية، وأهل للحرب وإن كنا لا نريدها».

وفي وقت لاحق، قال وزير الخارجية الإيراني في مؤتمر صحافي إن «على الطرف الآخر أن يقبل بموضوع تخصيب اليورانيوم وهو أساس المفاوضات»، مشيراً إلى أن استمرار المفاوضات «مرهون بجدية الطرف المقابل»، ومشدداً على أن بلاده لن تتراجع أبداً عن حقها في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية.

واعتبر عراقجي أن «فرض عقوبات جديدة (على إيران) وبعض التحركات العسكرية تثير شكوكاً في جدية الطرف الآخر واستعداده لإجراء مفاوضات فعلية»، لافتاً إلى أن بلاده «ستقيّم مجمل المؤشرات وتتخذ قرارا بالنسبة إلى مواصلة المفاوضات»..

وأوضح أن «التفاوض غير المباشر مع الطرف الآخر لا يمنع التوصل إلى نتائج إيجابية»، مؤكداً أن المفاوضات ستكون مقتصرة على الملف النووي، وأن موضوع الصواريخ الإيرانية لم يكن أبداً محوراً من محاور التفاوض. وقال إن بعض الخطوات لبناء الثقة «يمكن اتخاذها بشأن برنامجنا النووي وفي المقابل يجب رفع العقوبات».

وأوضح أنه لم يتحدد بعد موعد لجولة المفاوضات الجديدة وأن ذلك سيكون بالتشاور مع وزير الخارجية العماني.

وعقدت إيران والولايات المتحدة محادثات نووية في سلطنة عمان، يوم الجمعة، قال عنها عراقجي، في حينها، إنها تُشكِّل بدايةً جيدةً وستستمر، وذلك بعد مخاوف متزايدة من أن يؤدي إخفاق تلك المفاوضات المهمة إلى إشعال فتيل حرب أخرى في الشرق الأوسط.

لكن عراقجي أضاف عقب المحادثات في العاصمة العُمانية، مسقط، أن «العدول عن التهديدات والضغوط شرط لأي حوار. طهران لا تناقش إلا قضيتها النووية... لا نناقش أي قضية أخرى مع الولايات المتحدة».

وفي الوقت الذي أشار فيه الجانبان إلى استعدادهما لإعطاء الدبلوماسية فرصةً جديدةً لنزع فتيل النزاع النووي القائم منذ فترة طويلة بين طهران والغرب، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الأربعاء، إن واشنطن تريد أن تشمل المحادثات البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، ودعم إيران جماعات مسلحة في المنطقة، فضلاً عن «طريقة تعاملها مع شعبها».

وكرَّر مسؤولون إيرانيون مراراً أنهم لن يناقشوا مسألة الصواريخ الإيرانية، وهي واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ في المنطقة. وقالوا من قبل إن طهران تريد اعترافاً بحقها في تخصيب اليورانيوم.

وبالنسبة إلى واشنطن، يمثّل إجراء عمليات تخصيب داخل إيران، وهو مسار محتمل لصنع قنابل نووية، خطاً أحمر. وتنفي طهران منذ فترة طويلة أي نية لاستخدام الوقود النووي سلاحاً.


مفاوضات مسقط معلّقة على عقدة التخصيب

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات مسقط معلّقة على عقدة التخصيب

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لجولة أولى من مفاوضات مسقط غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بدا مصير الجولة الثانية معلقاً على حل معضلة تخصيب اليورانيوم.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن جولة جديدة من المفاوضات ستُستأنف «الأسبوع المقبل».

وطالبت الإدارة الأميركية بـ«صفر تخصيب»، وهو ما عارضته طهران بوصف التخصيب «حقاً سيادياً»، واقترحت عوضاً عن ذلك مستوى «مطمئناً» من التخصيب.

كما قطع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الطريق على أي توسيع للملفات، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأطلق الوزير الإيراني تحذيراً جديداً بمهاجمة القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت إيران لهجوم، وأكد أن بلاده «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وبالتوازي زار المبعوثان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وفي إسرائيل، ساد التشكيك في نتائج المفاوضات، وقال مسؤولون إنها «لن تؤدي إلى اتفاق». وأعلنت تل أبيب مساء أمس أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيلتقي ترمب في واشنطن الأربعاء لبحث ملف إيران.


ما المطالب الإسرائيلية بشأن إيران التي سيقدمها نتنياهو لترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

ما المطالب الإسرائيلية بشأن إيران التي سيقدمها نتنياهو لترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

من المقرر أن يلتقي رئيسُ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الرئيسَ الأميركي دونالد ترمب، يوم الأربعاء في واشنطن، في زيارة تهدف إلى حماية المصالح الإسرائيلية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

وبحسب موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، فإن هناك مخاوف إسرائيلية من سيناريو يقتصر فيه الاتفاق على الملف النووي فقط، دون التطرق لما تعدّه إسرائيل تهديدات إيرانية أخرى لأمنها.

لقاء سابق بين ترمب ونتنياهو في واشنطن (رويترز)

ما مطالب إسرائيل المتعلقة بإيران؟

وفقاً لموقع «واي نت»، ترغب إسرائيل في أن تُفضي المحادثات إلى اتفاقٍ يتضمَّن تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، بما في ذلك وقف تخصيب اليورانيوم، وإزالة اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية.

وتطالب إسرائيل بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران؛ لمراقبة برنامجها النووي «مراقبة دقيقة وحقيقية وعالية الجودة»، بما في ذلك عمليات تفتيش مفاجئة في المواقع المشتبه بها.

إضافة إلى ذلك، تعتقد إسرائيل أن أي اتفاق يجب أن يتضمَّن تحديد مدى الصواريخ الإيرانية بـ300 كيلومتر، حتى لا تُشكِّل تهديداً لها.

كما تطالب بأن ينصَّ الاتفاق على الحدِّ من الصواريخ الباليستية، ومنع إيران من تقديم الدعم لوكلائها في الشرق الأوسط، بما في ذلك «حزب الله» في لبنان، والحوثيين في اليمن.

وقال مصدر سياسي رفيع إن سبب استعجال نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة، حيث قام بتقديم موعد الزيارة أسبوعاً، هو «محاولة التأثير على واشنطن لقبول شروط إسرائيل في المفاوضات، مع التركيز على الصواريخ الباليستية».

وسيكون اجتماع الأربعاء هو السابع بين نتنياهو وترمب منذ ‌عودة الرئيس الأميركي إلى منصبه في ‍يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.

وعقد مسؤولون إيرانيون وأميركيون محادثات نووية غير مباشرة في العاصمة العمانية، مسقط، يوم الجمعة. وقال الجانبان إن من المتوقع عقد جولة أخرى من المحادثات قريباً.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، انضمت الولايات ​المتحدة إلى حملة عسكرية إسرائيلية على برنامج إيران النووي، وذلك في أبرز تحرك أميركي مباشر ضد طهران. وردَّت إيران بشنِّ هجوم صاروخي على قاعدة «العديد» الأميركية في قطر. وحذَّرت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران مراراً من هجوم جديد إذا مضت طهران قدماً في برنامجَي تخصيب اليورانيوم، والصواريخ الباليستية.