​«حرب الأعلام» الفلسطينية تحتدم في فرنسا وعشرات البلديات ترفض أوامر وزير الداخلية ​

انقسامات الداخل الفرنسي تتفاقم والحزب «الاشتراكي» يطالب ماكرون بالتدخل واليمين المتطرف يُندّد

رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
TT

​«حرب الأعلام» الفلسطينية تحتدم في فرنسا وعشرات البلديات ترفض أوامر وزير الداخلية ​

رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)
رفع العلم الفلسطيني يوم الاثنين صباحاً على واجهة مبنى بلدية سان دوني الواقعة على مدخل باريس الشمالي (إ.ب.أ)

أثارت مبادرة رفع العلم الفلسطيني على بلديات فرنسا جدلاً واسعاً في الأيام الأخيرة، فالمبادرة أطلقها أوليفييه فور، أمين عام الحزب «الاشتراكي» يوم 14 سبتمبر (أيلول)، حيث دعا إلى رفع العلم الفلسطيني على واجهات مباني البلديات في فرنسا، بالتزامن مع إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون الاعتراف بالدولة الفلسطينية من منبر الأمم المتحدة في نيويورك. ورداً على منتقديه، شدّد فور، بمناسبة رفع العلم الفلسطيني على واجهة بلدية مدينة سان دوني، الواقعة على مدخل باريس الشمالي، على أن هذه البادرة «ليس من شأنها التعبير عن الدعم لـ(حماس)»، مضيفاً أن «هذا العلم ليس علم (حماس)، بل هو علم نساء ورجال لهم الحق، هم أيضاً، في الحرية وتقرير المصير».

رفع العمل الفلسطيني على واجهة بلدية ليون الواقعة جنوب شرقي فرنسا وهي ثاني أكبر مدينة في البلاد (أ.ف.ب)

معارضة وزير الداخلية

لكن برونو روتايو، وزير الداخلية المستقيل، يرفض هذه المقاربة. فقد سارع إلى إرسال برقية إلى المحافظين كافة الذين يمثلون الدولة في مناطقهم، داعياً إياهم إلى التصدي إلى كل مبادرة من هذا النوع، بل واللجوء إلى القضاء الإداري بحجة الحفاظ على «حيادية» البلديات. وذكّر برونو روتايو، يوم السبت، خلال زيارة إلى منطقة نورماندي، بأنّ «واجهة البلدية ليست لوحة إعلانات، وأن العلم الوحيد الذي يحق له أن يُرفَع عليها هو العلم الثلاثي الألوان، رمز ألواننا وقيمنا، لأنه يمثل ما تبقى لنا من بيت مشترك»، مُجدّداً، إصراره على ضرورة التزام «الحياد الجمهوري»، ورافعاً سلاح التوجه إلى القضاء للطعن بقرارات البلديات «المتمردة».

وإزاء مواقف الوزير المعني، فقد طلب فور، الاثنين، من الرئيس ماكرون «التدخل» للسماح برفع العلم الفلسطيني. وجاء في رسالته: «لن يكون ذلك مجرد موقف قوي تجاه جميع من يؤمنون بحلّ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بل سيكون أيضاً متّسقاً مع موقف فرنسا الذي ستُعلنه أمام المجتمع الدولي». وبرأيه، فإن الغرض من مبادرته هو «أن نقول للعالم إن فرنسا ليست فقط رئيس الجمهورية، بل إن فرنسا تقف خلف هذه الخطوة، وإننا نريد فعلاً التوصل إلى حل الدولتين» كذلك، عبّر كثير من رؤساء البلديات عن دهشتهم إزاء دعوى روتايو، من جهة، لأنها لا تتوافق مع المبادرة الفرنسية الخاصة بالاعتراف.

ومن جهة ثانية، لأن بلديات كثيرة بادرت سابقاً إلى رفع علم أوكرانيا، دون أن يثير ذلك أي اعتراض. أما كريستيان أستروزي، رئيس بلدية مدينة «نيس» المتوسطية، والمعروف بدعمه لإسرائيل، فلم يجد غضاضة بأن يترك علم إسرائيل يرفرف على واجهة بلديته. وأعلن رئيس منطقة بروفانس ألب كوت دازور (جنوب شرق) برونو موزولييه، الذي ينتمي إلى حزب «النهضة» وترأس سابقاً معهد العالم العربي، أنه سيرفع نحو 20 علماً فرنسياً رداً على ما وصفه بـ«حسابات سياسية». ومن جهته، فقد وجد نيكولا ماير - روسينيول، رئيس بلدية «روان» شمال غربي فرنسا، حلاً للمشكلة، إذ عمد إلى رفع العلمين الفلسطيني والإسرائيلي إلى جانب العلم الفرنسي. وفي مارسيليا، ثالث أكبر المدن الفرنسية، عمد منتخبو حزب «فرنسا الأبية» إلى إضاءة واجهة مبنى البلدية بألوان العلم الفلسطيني.

لم تمنع تحذيرات وزير الداخلية الذي يترأس حزبه اليميني التقليدي والطامح للترشح لرئاسة الجمهورية في عام 2027، كثيراً من البلديات من مخالفة تعليماته، وتحدي برقياته وتصريحاته، مثل ليون ثاني أكبر مدن فرنسا.

أوليفييه فور أمين عام الحزب «الاشتراكي» الفرنسي (الأول إلى اليسار) صاحب الدعوة لرفع العلم الفلسطيني على واجهة البلديات (إ.ب.أ)

وقالت وزارة الداخلية، ظهر الاثنين، إن ما لا يقل عن 52 بلدية عمدت إلى رفع العلم الفلسطيني، منها بلديات كبرى، مثل مدينة «رين» و«نانت»، وأخرى متوسطة أو صغيرة. وجزء كبير من هذه المدن يقع في المنطقة الباريسية، مثل سان دوني، ومالاكوف، وبانيو، وإيفري سور سين، وكوربي إيسون... وإضافة إلى ما ستقوم به البلدية الأخيرة، فإن رئيسها أعلن، الاثنين، أنه سيوزع ألف علم فلسطيني للتعبير عن تضامن مدينته مع الفلسطينيين، وتأييد الخطوة الرسمية الفرنسية.

وكتبت عمدة نانت، جوانا رولان المنتمية للحزب «الاشتراكي»، في تغريدة صباحية على منصة «إكس» قائلة: «سيعلن رئيس الجمهورية الليلة، في الأمم المتحدة، الاعتراف بدولة فلسطين. وتدعم نانت هذا القرار التاريخي للجمهورية الفرنسية برفع العلم الفلسطيني طوال هذا اليوم». ورغم أهمية هذه الخطوة رمزياً وسياسياً، فإنها تبقى هامشية قياساً لعدد البلديات الكبير «أقل بقليل من 35 ألف مدينة وقرية».

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في إطلاق دينامية سياسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية (أ.ف.ب)

انقسامات داخلية

ثمة عنصر جامع بين هذه البلديات، وعنوانه أنها تدار غالبيتها الساحقة من قبل أحزاب يسارية أو بيئوية. وهذا الفرز يستنسخ مقاربة الأحزاب، بشكل عام، من مبادرة ماكرون بالاعتراف، التي أدت إلى شبه انقسام داخل المجتمع الفرنسي. وبشكل عام، فإن اليسار وأحزابه الثلاثة «الاشتراكي والشيوعي وفرنسا المتمردة»، بالإضافة إلى حزب «البيئيين»، وهم جميعهم معارضون لسياسة ماكرون الداخلية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنهم يعبرون عن دعمهم لخطوة الاعتراف التي يرى بعضهم أنها جاءت إما «متأخرة»، وإما «غير كافية». ومن جانبها، فإن أحزاب «الكتلة الوسطية» الداعمة لماكرون «النهضة والحركة الديمقراطية وهورايزون» لم تعبر عن دعم واضح وثابت، إذ ربطته ببعض الشروط، وتساءلت عن جدواه «في المرحلة الراهنة». وقالت رئيسة البرلمان، يائيل براون - بيفيه التي زارت إسرائيل بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول)، ودافعت عن حقها في الرد على «حماس»، «بلا قيود»، فقد دعت، في مقابلة، الاثنين، مع إذاعة «فرنسا إنفو» العمومية «الدول العربية التي أيدت إعلان نيويورك إلى الاعتراف رسمياً بدولة إسرائيل، وهو ما لم تفعله منذ عام 1948». كذلك رفضت براون - بيفيه استخدام مصطلح «الإبادة الجماعية»، بوصفها توصيفاً لما تقوم بها إسرائيل في غزة، بحجة أنه «ليس من شأننا أن نصف ما يحدث من الناحية القانونية»، وأن ذلك «من مهمة المحاكم». ويتماهى موقف اليمين التقليدي «للجمهوريين» إلى حد بعيد مع مواقف «الكتلة الوسطية»، ويتحدث عن مبادرة ماكرون بكثير من «الفتور».

وفي المقابل، فإن اليمين المتطرف، ممثلاً بحزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبان، فقد تبنى السردية الإسرائيلية، لأسباب انتخابية واضحة، علماً بأنه كان الحزب المتهم بمعاداة السامية. وسبق لمؤسسه جان ماري لوبان، والد مارين لوبان، أن أدين عدة مرات لتصريحاته المعادية لليهود. وكتبت لوبان على منصة «إكس»: «من خلال هذا الاعتراف اليوم، دون أي شروط، فإن إيمانويل ماكرون يعترف بـ«حماس» وليس بـ«فلسطين»، مضيفة أنها «دولة إرهابية سيُكتب ميلادها بدماء ضحايا أكبر مذبحة جماعية منذ الحرب العالمية الثانية». أما ماريون مارشال، النائبة في البرلمان الأوروبي عن اليمين المتطرف وحفيدة لوبان، فقد رأت أن يوم الاثنين، هو «يوم حزين لفرنسا»، مضيفة أن «ماكرون لا يقدم على الاعتراف باسمي». لكنها ذهبت أبعد من ذلك من خلال اتهامه بأنه «لا يمتلك أي شجاعة، وأنه يريد إرضاء جزء من الناخبين الفرنسيين الذين يتعاطفون مع القضية الفلسطينية»، وبنظرها، فإن العلم «الفلسطيني هو علم الإسلاموية - اليسارية اليوم»، ما ينم عن جهل مطبق، إذ إنه تم اعتماده في عام 1964 من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، وأكد هذا الخيار في عام 1988، عند إعلان استقلال الدولة الفلسطينية في الجزائر. وفي عام 2015 سمحت الأمم المتحدة برفعه إلى جانب 193 علماً وطنياً بمقرها في نيويورك.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أكد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية انتصار دبلوماسي كبير لبلاده (أ.ف.ب)

إزاء هذه المغالطات، دخل وزير الخارجية جان نويل بارو الذي سافر مع الرئيس ماكرون إلى نيويورك على خط الجدال ليعيد التأكيد على أن «الاعتراف بفلسطين هو رفض قاطع لـ(حماس)»، ورد بارو على حجج رئيس الوزراء نتنياهو، الذي قال الأحد إن «إنشاء دولة فلسطينية سيعرض وجودنا للخطر، وسيشكل مكافأة سخيفة للإرهاب»، بتأكيده أن يوم الاثنين سيكون يوماً عظيماً للسلام، وانتصاراً دبلوماسياً كبيراً لفرنسا. وأوضح بارو، في حديث لقناة «تي إف 1»، أن الاعتراف سيكون «فورياً... لكن تنفيذه، وإقامة العلاقات الدبلوماسية، سيكون تدريجياً ومرهوناً بعوامل على الأرض، لا سيما إطلاق سراح الرهائن».

وتجدر الإشارة إلى أن فرنسوا ميتران، الرئيس الاشتراكي، كان أول من دعا في فرنسا لقيام الدولة الفلسطينية في خطاب شهير له في الكنيست الإسرائيلي في الرابع من مارس (آذار) عام 1982. وقبل 11 عاماً صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية لقرار يحث الحكومة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية زمن رئاسة فرنسوا هولاند. وبذلك تكون الخطوة الفرنسية قد تأخرت 43 عاماً «فقط».


مقالات ذات صلة

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

الخليج شددت السعودية على ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال وتهيئة الظروف اللازمة للتقدم السياسي (أ.ب)

السعودية تشدد على ضمان الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية

شددت السعودية على أهمية تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 الذي يمثل المرجعية القانونية والسياسية، ولا سيما فيما يتعلق بعمل مجلس السلام.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
الخليج جانب من اللقاء (واس)

مباحثات سعودية – فلسطينية تشدد على تسوية عادلة ودائمة

استعرض وزير خارجية السعودية، ونائب الرئيس الفلسطيني، تطورات الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، ولا سيما التداعيات الإنسانية المتفاقمة التي يعانيها سكان غزة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج صورة جوية لقبة الصخرة والمسجد الأقصى في القدس (رويترز)

إجماع دولي في جدة على دعم فلسطين... ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية

أعلنت وفود دولية رفيعة المستوى من جدة، دعمها لفلسطين ورفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية، مؤكدة ضرورة «حل الدولتين»، وإنهاء الاحتلال، وحماية الحقوق الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
العالم العربي أعضاء مجلس الأمن يصوتون على مشروع قرار قدمته الولايات المتحدة لتفويض قوة دولية لحفظ الاستقرار في غزة (د.ب.أ)

خطة ترمب لغزة تنال مباركة أممية واسعة تدفع مسار الدولة الفلسطينية

وفّر مجلس الأمن غطاء دولياً واسعاً لخريطة الطريق الأميركية بشأن غزة، فيما يمثل اختراقاً مهماً يعطي بعداً قانونياً يتجاوز مجرد وقف النار وإطلاق الرهائن.

علي بردى (واشنطن)
العالم رجل يتحدث أثناء تجمع الناس دعماً للفلسطينيين بينما يرفرف العلم الفلسطيني في تورونتو بكندا 17 نوفمبر 2025 (رويترز)

للمرة الأولى... العلم الفلسطيني يرفرف على مبنى بلدية تورونتو الكندية

رُفع العلم الفلسطيني على مبنى بلدية تورونتو، الاثنين، للمرة الأولى منذ اعتراف الحكومة الفيدرالية بدولة فلسطين في سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (تورونتو)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.