كيف تعمل إسرائيل على «هندسة التجويع» في غزة؟

TT

كيف تعمل إسرائيل على «هندسة التجويع» في غزة؟

أطفال فلسطينيون يتجمعون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب غزة يوم الجمعة الماضي (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يتجمعون لتلقي الطعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب غزة يوم الجمعة الماضي (أ.ب)

عاش سكان قطاع غزة خلال فترة، اقتربت من العامين من الحرب الإسرائيلية، فترات بالغة الصعوبة، لم تقتصر على الهجمات العسكرية فقط، بل زادها معاناةً استخدامُ «التجويع» كسلاح للحرب التي ضربت الفلسطينيين في كل مناحي الحياة.

لكن ذلك «التجويع» لم يكن عشوائياً، وفق ما أظهرت الأنماط التي لجأت إليها إسرائيل في إدخال المساعدات إلى القطاع طوال فترة الحرب، والتي بدت ممنهجة للموازنة بين ادعاء حكومة بنيامين نتنياهو استمرار إدخالها للمساعدات، والضغط بسلاح «التجويع» لتهجير سكان قطاع غزة.

تزاحم للحصول على طعام من تكية خيرية في مدينة غزة يوم 28 أغسطس 2025 (رويترز)

وفي أغسطس (آب) الماضي، أعلنت الأمم المتحدة وخبراء دوليون رسمياً للمرة الأولى تفشي المجاعة على نطاق واسع في غزة، وأفاد منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، أنه كان من الممكن منع هذه المجاعة «إذا سُمح لنا بذلك... الأغذية تتكدس على الحدود بسبب العرقلة الممنهجة من إسرائيل».

3 مراحل من التجويع

واجه سكان غزة 3 مراحل من التجويع الفعلي؛ الأولى كانت في مدينة غزة وشمالها، التي كان يقطنها حينها نحو 380 ألف نسمة (غالبية السكان كانوا قد نزحوا جنوباً)، وامتدت من نهاية شهر يناير (كانون الثاني)، حتى مايو (أيار) 2024. واضطر سكان تلك المناطق إلى تناول أكل الحيوانات للتغلب على انقطاع الدقيق «الطحين» وكافة المواد الغذائية وغيرها، قبل أن يسمح ببدء دخول المواد الغذائية بشكل تدريجي.

وجاءت المرحلة الثانية للتجويع لفترة قصيرة في مناطق وسط وجنوب القطاع، وهي المناطق التي كانت تحتضن ما يصل إلى نحو مليون و900 ألف نسمة، قبل أن يُسمح بإدخال الدقيق لتلك المناطق وانخفاض الأسعار مجدداً فيها.

وفي المرحلة الثالثة، فرضت إسرائيل سياسة التجويع الأشد فتكاً على كل أنحاء القطاع، وبدأ منذ نهاية مايو الماضي، وتتواصل فصولها مع اشتدادها تارةً وتراجعها تارةً حتى هذا اليوم.

وقتلت إسرائيل بسلاح التجويع «440 شخصاً، بينهم 147 طفلاً» حتى الأحد. فيما سجلت 162 حالة، بينهم 32 طفلاً، منذ أن أعلن مرصد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) الأممي، قطاع غزة، وخاصةً محافظة غزة وشمالها، منطقة تعاني المجاعة في أغسطس الماضي.

أساليب مناورة إسرائيلية

بعد تواصلها مع عدة مؤسسات تتبع جهات أممية وغيرها، أدخلت إسرائيل كميات من الدقيق، ولكنها لم تسمح لأي جهة بتأمين هذه المساعدات للوصول إلى مخازن تلك المؤسسات وتوزيعها بشكل عادل، سواء من شمال أو جنوب القطاع.

وأمر الجيش الإسرائيلي تلك المؤسسات بأن توقف شاحناتها في شوارع عامة بالقرب من المناطق التي تسيطر عليها، وهو الأمر الذي ساهم في أن تقتل قواته مئات الغزيين ممن كانوا يتهافتون لمناطق دخول المساعدات.

ومع تصاعد الانتقادات حتى من الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمجاعة التي قُتل بسببها مزيد من سكان غزة، عادت إسرائيل للمناورة عبر إدخال كميات أخرى من المساعدات.

لكن إسرائيل تحت ذريعة ألا تصل المساعدات إلى «حماس» وتسيطر عليها، قصفت بالطائرات المسيرة من حاولوا تأمين المساعدات، ما تسبب بمزيد من الفوضى التي دفعت عصابات اللصوص إلى السيطرة على تلك المساعدات وبيعها في السوق السوداء بمبالغ باهظة الثمن.

أطفال فلسطينيون ينتظرون دورهم للحصول على طعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة أغسطس الماضي (د.ب.أ)

ومرة أخرى، انتهت المساعدات بعيداً عن مستحقيها، وزادت بالتبعية من أعداد وفيات المجاعة وسوء التغذية، خاصةً أن حليب الأطفال وغيره من المكملات الغذائية الصحية كان أيضاً ينهب.

تجار القطاع الخاص

لم تقف عملية «هندسة التجويع» الإسرائيلية عند حد تعميق الفوضى، بل إن حكومة نتنياهو لجأت إلى اتخاذ قرار بإدخال مواد غذائية عبر تجار القطاع الخاص، وسط محاولات إعلامية منها بادعاء أن هذه الخطوة ستحسن الوضع الحياتي للغزيين.

لكن السكان في القطاع فوجئوا بأن أسعار تلك المواد باهظة الثمن، ولا تستطيع الغالبية شراءها لعدم توفر السيولة النقدية لديهم، وكذلك عدم توفر أي فرص عمل للغالبية العظمى من السكان.

ووفقاً لتجار تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن البضائع لم يُسمح بدخولها لكل التجار بهدف المنافسة، بل مررتها إسرائيل إلى تاجرين فقط، هما بالأساس يعملان لصالح مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، ولم يسمح بالمنافسة من قبل تجار آخرين.

ورغم أن تلك البضائع سمح بإدخالها بتحويلات بنكية، وليس سيولة نقدية، فإن القائمين على إدخالها يجبرون السكان على شرائها عبر تحويلات إلكترونية بشكل جزئي، وجزء آخر نقداً. الأمر الذي يُصعب على المواطنين القدرة على شراء احتياجاتهم.

وبحسب المصادر، فإن إسرائيل فرضت على أولئك التجار على سبيل المثال، إدخال الدواجن المجمدة إلى قطاع غزة لمرة واحدة فقط، وانتعش السوق بكميات متوسطة منها، وكان سعرها باهظ الثمن ووصل ثمن الكيلو الواحد 120 شيقلاً (نحو 37 دولاراً)، فيما كان قبيل الحرب لا يتعدى الكيلو الواحد أكثر من دولار.

استغلال صور الجمعيات الخيرية

في مواجهة المجاعة المستمرة، أقدمت جمعيات خيرية ومبادرون يجمعون التبرعات من الخارج لدعم السكان بمشاريع مختلفة، منها تقديم الطعام لهم، فلجأوا إلى شراء كميات من الدواجن وقاموا بتصوير مشاريعهم الخيرية.

لكن إسرائيل استغلت ذلك، بادعاء أنها تعمل على تخفيف الأزمة الإنسانية كما وصفتها، في وقت صنفتها الأمم المتحدة بأنها «مجاعة حقيقية»، لكن الحقيقة التي غابت عن الجميع في ثنايا التفاصيل أن ما دخل كان كمية متوسطة، ولم يستطع شراءها سوى الأغنياء والجمعيات الخيرية وغيرها، وكان ذلك لمرة واحدة، ولم تدخل مرةً ثانية، بل ذهبت السلطات الإسرائيلية إلى إدخال مجمدات بعد نحو أسبوعين من ذلك، ولمرة واحدة، وبثمن باهظ جداً.

شاحنات المساعدات تصطف أمام معبر رفح استعداداً للدخول إلى قطاع غزة (تصوير: محمد عبده حسنين)

ولم يقف هذا الأمر عند هذا الحد، وفعلت ذلك أيضاً في مواد أخرى أدخلتها من خضار ومواد تنظيف وغيره، وقامت بإدخالها لمرة واحدة فقط، بينما سمحت بإدخال المساعدات الإنسانية بشكل مستمر للسكان، التي شملت بشكل أساسي مواد أساسية، مثل: الطحين والزيوت والسكر وغيره، إلا أنها كانت تُنهب من قبل عصابات اللصوص المنظمة وغير المنظمة، وتباع في السوق السوداء بأسعار باهظة، قبل أن تتراجع الأسعار وتصبح أكثر قبولاً، لكنها ما زالت ليست في متناول يد الجميع.

وفي سبيل هدفها، تعميق التجويع في غزة، اشترط الجيش الإسرائيلي على سائقي شاحنات المساعدات بأن يتوقفوا في طرق عامة وأماكن محددة، ما سهّل سرقتها.

وكانت حجج إسرائيل ألا تصل المساعدات إلى أيدي «حماس» ونهبها من قبلهم، في وقت كانت فعلياً تنهب من قبل جهات أخرى، الأمر الذي يشير إلى تعمد الاحتلال الإسرائيلي خلال فترات الانتقادات الدولية لها بتجويع سكان قطاع غزة، هندسة عملية التجويع.

وحتى فترة قريبة، لم تكن إسرائيل تسمح بتأمين المساعدات الطبية، التي كانت تتعرض هي الأخرى للسرقة والنهب، قبل أن تسمح بتأمينها من قبل عناصر مسلحة محدودة.


مقالات ذات صلة

البرلمان الإسرائيلي يوافق على إنشاء لجنة تحقيق في «هجوم 7 أكتوبر»

شؤون إقليمية أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

البرلمان الإسرائيلي يوافق على إنشاء لجنة تحقيق في «هجوم 7 أكتوبر»

وافق البرلمان الإسرائيلي، الاثنين، في قراءة أولى على مشروع قانون لإنشاء لجنة تحقيق في الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى هجوم حركة حماس.

«الشرق الأوسط»
تحليل إخباري فلسطينيون خلال جنازة زوجين قُتلا في قصف إسرائيلي استهدف حي الصبرة بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle 01:30

تحليل إخباري ماذا يعني حل اللجنة الحكومية لـ«حماس» في غزة؟ وما الخطوة التالية؟

أعلن مسؤولون في «حماس»، حل ما يسمى «لجنة الطوارئ» التي تُعدّ الحكومة الفعلية في غزة، بعد عقدين من إدارة الحركة للقطاع... فماذا يعني ذلك؟ وما الخطوة المقبلة؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رنا أبو نصار والدة الأسير الفلسطيني أسامة أبو نصار المحتجز لدى إسرائيل تحمل هاتفاً محمولاً يعرض صورة انتشرت على نطاق واسع، تعتقد أنها تُظهر ابنها مقيداً أثناء احتجازه لدى إسرائيل وذلك في منزلها بمخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة (رويترز)

إسرائيل تخفي هوية فلسطيني ظهر مقيّداً ووالدتان من غزة تؤكدان أنه ابنهما

ظهر رجل من قطاع غزة في صورة وهو معصوب العينين وقد جُرّد من ملابسه باستثناء ملابسه الداخلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي فلسطينيون يسيرون على طريق وسط مبانٍ مهدّمة جراء الضربات الإسرائيلية في جباليا بقطاع غزة (أ.ب) p-circle

«حماس» تعلن حلّ حكومتها في قطاع غزة

أعلنت حركة «حماس»، الاثنين، حلّ «لجنة الطوارئ الحكومية» واستقالة رئيسها، تمهيداً لنقل المهام الإدارية إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة». 

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نُقل رجل مصاب إلى مستشفى ناصر على أثر قصف إسرائيلي بخان يونس جنوب قطاع غزة (أرشيفية-أ.ف.ب)

مقتل 5 فلسطينيين بنيران إسرائيلية في قطاع غزة

قُتل خمسة مواطنين فلسطينيين وأصيب آخرون، اليوم الاثنين، باستهدافات إسرائيلية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ماكرون يلتقي الشرع بقصر الشعب عقب انفجارات قرب مقر إقامته بدمشق

فرق الطوارئ تعمل فيما تيتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة قرب الفندق الذي أمضى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما تيتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة قرب الفندق الذي أمضى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته في دمشق (رويترز)
TT

ماكرون يلتقي الشرع بقصر الشعب عقب انفجارات قرب مقر إقامته بدمشق

فرق الطوارئ تعمل فيما تيتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة قرب الفندق الذي أمضى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما تيتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة قرب الفندق الذي أمضى فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليلته في دمشق (رويترز)

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع الثلاثاء، نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الشعب الرئاسي، وذلك عقب سماع دوي انفجارات قرب مقر إقامته بدمشق.

الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الشعب اليوم (أ.ف.ب)

وقال شاهد من وكالة «رويترز» في وقت سابق اليوم إن دوي انفجارات سُمع في العاصمة السورية، فيما نقلت الوكالة عن مصدر أمني قوله مجموعة عبوات ناسفة انفجرت بالقرب من فندق يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأفاد الإليزيه بأن ماكرون لم يسمع أي انفجارات أثناء توجهه للقاء الرئيس السوري.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

وبدأ ماكرون أمس (الاثنين) زيارة إلى دمشق هي الأولى لزعيم دولة غربية كبرى منذ إطاحى حكم بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وخلال محادثاته مع الشرع اليوم، سيبحث ماكرون إعادة إعمار البلاد التي مزقتها الحرب ويكرر رسالته بشأن «وحدة» سوريا و«تعدديتها».

رجال أمن قرب الفندق الذي يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دمشق (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من 13 عاما من نزاع استنزف الاقتصاد ومقدراته وعمّق عزلة سوريا عن محيطها والعالم، تسعى البلاد إلى «إعادة تموضعها كبوابة للشرق بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي»، وفق ما يشرح الباحث في جامعة باريس الأولى بانتيون السوربون أرتور كينيه.

ويتمثل الرهان في توفير مسارات بحرية وبرية، إلى جانب شبكات ربط بديلة نحو العراق ودول الخليج.

ويرافق الرئيس الفرنسي في زيارته عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية عملاقة، بينهم رئيس مجلس إدارة شركة «سي إم آ-سي جي إم» رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجي» باتريك بويانيه.

ومن المقرر توقيع عدد من الاتفاقيات، رغم أن المستثمرين الفرنسيين ما زالوا يتعاملون بحذر مع الوضع القائم.

الرئيس السوري أحمد الشرع يرافق نظيره الفرنسي خلال زيارة إلى المسجد الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

واستهل ماكرون لقاءاته الثلاثاء بعقد اجتماع مع ممثلين عن المجتمع المدني، على أن يلتقي بعدها الشرع في القصر الرئاسي لإجراء محادثات رسمية، يعقبها «منتدى اقتصادي مخصص لإعادة إعمار سوريا والممرات الاستراتيجية».

وفي مقابلة مع قناة «بي أف أم تي في» الفرنسية مساء الاثنين، شدد الرئيس السوري على وجود «فرصة استثمارية ضخمة جدا» في بلاده.وتوقع أن تشارك فرنسا في إعادة إعمار البنى التحتية في قطاعات مثل السياحة والزراعة والصناعة، لافتا إلى أن سوريا «تُجري الآن عقدا كبيرا لثماني طائرات إيرباص» ستطلبها من شركة صناعات الطيران الأوروبية.


العليمي: تسيير رحلة لـ«الحرس الثوري» إلى صنعاء خرق لسيادتنا

رشاد العليمي خلال لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
رشاد العليمي خلال لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
TT

العليمي: تسيير رحلة لـ«الحرس الثوري» إلى صنعاء خرق لسيادتنا

رشاد العليمي خلال لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
رشاد العليمي خلال لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الاثنين، أن إقدام النظام الإيراني على تسيير رحلة جوية تابعة لـ«الحرس الثوري» إلى مطار صنعاء يعدّ خرقاً واضحاً للسيادة اليمنية، وتحدياً صارخاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وقال العليمي، خلال لقاء بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، إن المعلومات الأولية تنسف الرواية الحوثية بشأن الطابع الإنساني للرحلة، مبيناً أن التقارير تفيد بأنها حملت عناصر عسكرية وأمنية، وخبراء إيرانيين متخصصين في تطوير الطائرات المسيرة ومنظومات الصواريخ، ومعدات وتقنيات إلكترونية واتصالات ذات استخدامات محتملة في منظومات القيادة والسيطرة، فضلاً عن كوادر يمنية خضعت لتدريب أمني داخل إيران.

وأضاف الرئيس أن المؤشرات «لا تقتصر على طبيعة الركاب والحمولة، فقد تم رصد انقطاعات متكررة في إشارات التتبع الخاصة بالطائرة في أثناء عبورها الأجواء اليمنية، وهو سلوك مناقض لمزاعم الميليشيات بأنها رحلة إنسانية؛ ما يستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً لكشف الملابسات والأهداف».

وأشار العليمي إلى أن «الطائرة تتبع شركة ارتبط اسمها، خلال السنوات الماضية، بعقوبات دولية واتهامات تتعلق بتقديم دعم لوجستي لـ(الحرس الثوري) الإيراني، وهو ما يزيد خطورة هذا التطور، ويستدعي أعلى درجات اليقظة الدولية»، داعياً إلى أهمية فتح تحقيق دولي في خروقات النظام الإيراني، بما فيها تلك الحمولة.

ودعا الرئيس إلى موقف دولي أكثر حزماً تجاه التدخلات الإيرانية السافرة في الشأن اليمني، مُطالباً بالتطبيق الصارم لقرارات مجلس الأمن ونظام العقوبات، ومنها «منع استخدام الطيران المدني والمطارات والموانئ لنقل الخبراء أو المعدات ذات الاستخدام العسكري، وتشديد الرقابة على شبكات التمويل والتهريب المرتبطة بالميليشيات الإرهابية».

وأكد العليمي «ضرورة تشديد العقوبات على الميليشيات الحوثية كخيار سلمي لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية خصوصاً القرار 2216، ومضاعفة الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة اليمنية، كشريك وثيق في استعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق السلام، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة».

وقال الرئيس إن «اليمن لا يطلب من المجتمع الدولي سوى الدفاع عن المبادئ التي قام عليها النظام الدولي، مُحذراً من أنه في حال أصبحت الجماعات المسلحة قادرة على تحدي قرارات مجلس الأمن، وخرق العقوبات، واستخدام الطيران المدني غطاءً لنقل الخبرات العسكرية، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، دون إجراءات رادعة، فإن الخطر لن يقف عند حدود اليمن».

وأوضح العليمي أن «القضية اليمنية لم تعد اليوم نزاعاً داخلياً، بل تحدياً مباشراً للنظام الدولي، والاقتصاد العالمي الذي أصبح رهينة لحسابات ميليشيات إيران في المنطقة»، معتبراً أن «الخرق الإيراني الأخير يمثل تطوراً نوعياً بالغ الخطورة ومحاولة متعمدة لاختبار قدرة المجتمع الدولي على إنفاذ قراراته، وكسر منظومة العقوبات، وفرض أمر واقع جديد بالقوة».

وتابع الرئيس: «بينما يستثمر النظام الإيراني في الميليشيات، واستمرار الصراع، وتقويض الدولة الوطنية، تستثمر السعودية في مؤسسات الدولة، والتنمية، وتحسين معيشة اليمنيين، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد».

وحمل الرئيس الحوثيين المسؤولية المباشرة عن تعميق الأزمة الإنسانية في البلاد، مؤكداً أنها «بدأت بانقلاب الميليشيات على الدولة، واغتصاب مؤسساتها الشرعية، وإشعال الحرب، ورفض جميع المبادرات السياسية التي كان من شأنها تجنيب اليمن ويلات هذا المسار الكارثي».

وأضاف العليمي أن «الحوثيين بدلاً من الاستثمار في السلام يواصلون الاستثمار في اقتصاد الحرب والتعبئة والتحشيد للجبهات واستغلال كل هدنة، وكل مبادرة سياسية، لإعادة التسلح والتحضير لجولة جديدة من التصعيد»، متوعداً برد حازم على جميع الجبهات.

وأكد الرئيس أن «الجمهورية اليمنية لا تعادي الشعب الإيراني، ولا تستهدف علاقات الصداقة بين الشعوب، وإنما ترفض سياسات النظام الإيراني القائمة على دعم الميليشيات المسلحة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتقويض مؤسساتها الوطنية، بما يخالف مبادئ حسن الجوار، وميثاق الأمم المتحدة».

ونوَّه العليمي بأن اليمن تعامل مع هذه التطورات بوصفها قضية تمس سيادته، ومصداقية النظام الدولي؛ لأن تجاهل مثل هذه الخروقات سيشجع على تكرارها، ويقوض من هيبة قرارات مجلس الأمن.


اليمنيات يرفعن سقف مطالبهن لتولي المناصب القيادية

اليمنيات يطالبن بتمثيل عادل في المناصب العليا للدولة (إعلام حكومي)
اليمنيات يطالبن بتمثيل عادل في المناصب العليا للدولة (إعلام حكومي)
TT

اليمنيات يرفعن سقف مطالبهن لتولي المناصب القيادية

اليمنيات يطالبن بتمثيل عادل في المناصب العليا للدولة (إعلام حكومي)
اليمنيات يطالبن بتمثيل عادل في المناصب العليا للدولة (إعلام حكومي)

رفعت النساء اليمنيات سقف مطالبهن بالحصول على تمثيل أوسع في المناصب العليا ومواقع صنع القرار، بالتزامن مع تحركات حكومية لتعزيز حضور المرأة في مؤسسات الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية، في حين تستمر الجماعة الحوثية في فرض قيود متزايدة على النساء بمناطق سيطرتها، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية محلية ودولية.

وتعكس هذه التطورات تبايناً واضحاً بين مناطق الحكومة المعترف بها دولياً، التي تتجه نحو توسيع مشاركة المرأة في الإدارة العامة، وبين مناطق سيطرة الحوثيين التي تشهد تضييقاً متزايداً على حركة النساء وعملهن وتعليمهن ومشاركتهن في الحياة العامة.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد مسؤولتين حكوميتين بارزتين ضرورة ضمان تمثيل النساء بصورة عادلة في المناصب القيادية والعليا، انسجاماً مع توجهات الحكومة الرامية إلى دمج المرأة في مؤسسات الدولة، في وقت أعلنت فيه السلطة المحلية بمحافظة حضرموت التزامها بتعزيز دور الشرطة النسائية وتوسيع مشاركتها في القطاع الأمني.

وفي هذا السياق، ناقشت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، ورئيسة اللجنة الوطنية للمرأة، شفيقة سعيد، آليات تعزيز التنسيق بين المؤسستين وتوحيد الجهود الرسمية لدعم قضايا النساء، بما ينسجم مع البرنامج الحكومي الهادف إلى توسيع مشاركة المرأة في إدارة الشأن العام.

التزام حكومي بتعزيز مشاركة المرأة في إدارة الشأن العام (إعلام حكومي)

وأكد اللقاء أهمية تعزيز حضور قضايا المرأة داخل مجلس الوزراء، وضمان إدراجها ضمن أولويات الخطط والسياسات الحكومية، مع التشديد على الإسراع في إنشاء مركز للمعلومات والدراسات الخاصة بالمرأة، باعتباره أحد المشاريع المدرجة في البرنامج الحكومي، لتوفير قاعدة بيانات حديثة تساعد في رسم السياسات واتخاذ القرار.

واستعرضت رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة اختصاصات اللجنة في إعداد السياسات والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية، وصياغة الاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالمرأة وتكافؤ الفرص، داعية إلى تنسيق تدخلات المانحين والشركاء الدوليين وتوجيهها وفق الاحتياجات الفعلية، بما يحد من تداخل المشاريع ويعزز فاعليتها.

واتفق الجانبان على أهمية استيعاب المرأة ضمن عملية إصلاح الهيكل الوظيفي للدولة، وضمان تمثيلها العادل في الوظائف العليا والقيادية على المستويين المركزي والمحلي، إلى جانب تفعيل «صندوق تنمية المرأة» ليكون مظلة وطنية لتمويل برامج التمكين الاقتصادي، وعقد لقاءات دورية لتحويل السياسات الوطنية إلى برامج تنفيذية.

حضور في القطاع الأمني

في خطوة تعكس اتجاهاً عملياً لتوسيع مشاركة المرأة اليمنية، التقت وكيلة محافظة حضرموت لشؤون المرأة، عبير الحضرمي، عدداً من منتسبات الشرطة النسائية العاملات في الأجهزة الأمنية بوادي وصحراء حضرموت، من قطاعات النجدة والجوازات والمطار والبحث الجنائي وإدارة الأمن.

وخصص اللقاء للاستماع إلى التحديات المهنية التي تواجه الكوادر النسائية، ومناقشة احتياجاتهن، وطرح مقترحات لتحسين بيئة العمل، بما يسهم في تعزيز حضور المرأة داخل المؤسسات الأمنية ورفع مستوى مشاركتها في خدمة المجتمع.

حضور فاعل للمرأة اليمنية في القطاع الأمني (إعلام محلي)

وأكدت الحضرمي أن التواصل المباشر مع الكوادر النسائية يمثل خطوة ضرورية لفهم احتياجاتهن، ووضع معالجات عملية بالتنسيق مع الجهات المختصة، مشيدة بما تقدمه النساء العاملات في القطاع الأمني من أدوار مهمة، ومعتبرة أن تمكين المرأة في هذا المجال يسهم في رفع كفاءة المنظومة الأمنية وتعزيز الاستقرار وتقديم خدمات أكثر فاعلية للمواطنين.

ويأتي هذا التوجه ضمن مسار أوسع تتبناه السلطات الحكومية لزيادة مشاركة المرأة في القطاعات التنفيذية والخدمية، لا سيما في المجالات التي تتطلب وجود كوادر نسائية للتعامل مع القضايا المجتمعية والإنسانية.

قيود حوثية متزايدة

في المقابل، تواصل النساء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مواجهة قيود متزايدة على حركتهن ومشاركتهن في الحياة العامة؛ إذ وثقت تقارير حقوقية فرض الجماعة إجراءات تحدّ من تنقل النساء؛ بينها اشتراط مرافق قريب من الذكور أو الحصول على موافقة من ولي الأمر في بعض حالات السفر والتنقل واستئجار وسائل النقل.

وتؤكد منظمات حقوقية أن هذه القيود انعكست سلباً على قدرة النساء على الوصول إلى فرص العمل والتعليم والخدمات الصحية، كما حدّت من نشاط الموظفات في المنظمات الإنسانية العاملة في تلك المناطق.

كما تتحدث التقارير عن فرض قيود على لباس النساء، وتشديد الفصل بين الجنسين في بعض المرافق العامة، والتضييق على الأنشطة النسائية، إلى جانب تراجع حضور المرأة في مؤسسات صنع القرار والإدارة المحلية.

وتتهم تلك التقارير التشكيلات النسائية التابعة للجماعة، المعروفة باسم «الزينبيات»، بالمشاركة في مراقبة النساء وفرض قيود اجتماعية وأمنية عليهن، وهو ما تعدّه منظمات حقوقية أحد أبرز مظاهر تراجع مساحة الحريات المتاحة للمرأة في مناطق سيطرة الجماعة.