إلياس خوري... فقدانُ مَن تبقّى من جيلِ الآمال الضائعة والخيبات!

صوت لم يخفت بل ازداد عناداً وتشبّثاً بالأمل

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

إلياس خوري... فقدانُ مَن تبقّى من جيلِ الآمال الضائعة والخيبات!

إلياس خوري
إلياس خوري

عرفتُه في وقتٍ مبكرٍ من رحلتي إلى المنفى «الواجب» في بيروت والشام، في نهاية السبعينيات، للمساهمة في إعادة ترتيب خيارات الحزب الشيوعي العراقي في مواجهة حملة القمع الفاشية التي صعّدها نظام البعث تحت شعار «التصفية الجسدية بمختلف الأساليب والأدوات، أو الاستسلام والانتحار السياسي بالدخول في خيمة البعث». لا يتكفّل اللقاءُ الأول دائماً بخلق وشائجَ تفاعلٍ تتشكّل وتمتد مع مبدعٍ إشكاليٍّ يقايس نبض مودته بثقل همٍّ يتجاوز إشكاليات الحياة، بل يختزل نشاطه الفكري والإبداعي، ويتدفّق في روح كتاباته الصحافية ومعاركه اليومية!

هكذا كان اللقاءُ الأول بين مدرستين حزبيتين، وإلى حدٍّ ما فكرتين، تجاورتا ولم يُكتب لهما أن تتوحَّدا في مواجهة الانحدار والخراب والاستبداد الذي حلّ بالأمة العربية ودولها. رغم استنكاف أكثرها عياطاً، وهي تتقاذف مع أشقائها شعارات «المجد للأمة»، عن الإحساس بالانتماء إلى المصير العاصف المخبوء لها، الذي لن يُبقي على أي هدفٍ مضمرٍ لاختيارٍ خارج حصار الأزمة المصيرية الخانقة.

كان هذا لقائي الأول مع إلياس خوري في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبدا لي كما لو أنه آخر لقاء. ولم يكن يبدو لي أنه مستعدٌّ لأي اهتمامٍ لا يلتقي مع تلبّسه الحميم بفلسطين، القضية الأسمى، والشعب الفلسطيني الهوية الشاردة!

لكنني، وأنا أتوقف عند مجسّات إلياس وتوحّده مع همّه الفلسطيني العروبي، فاتني للحظة أن استغراقي الملتاع بمحنة العراق والعراقيين، دون انتباهةٍ للدروب التي تلتقي على مساراتها أوجاعٌ ومحن وأزمات هي الأخرى، يمكن أن تثير التباساً عند الآخر الذي يرى أن فلسطين تعلو على «الصغائر» التي تبدو أنها أولوية لوطنٍ مستلبٍ من داخله لطاغيةٍ ومستبدٍّ مثيرٍ للشبهات.

وتتالت الأحداث، وكلها كانت فجائعية، تنحدر بدولةٍ خلف أخرى، ومعها تخفت الشعارات الصاخبة، ويتراجع معها الاهتمام بالقضية الفلسطينية، لتتحوّل إلى ملهاةٍ تتقاذفها ركلات القادة والساسة والأحزاب، ويتدنّى الاهتمام الشعبي بمصائر الشعب الفلسطيني بعد أن أصبح نهباً للاستراتيجيات المشبوهة، شعاراً مجرّداً، يأكل من رصيد كفاحٍ دامٍ، حصد آلاف الشهداء، وأفرغ نضالاتٍ قائمة من مضامين التأسيس الأول للحراك الوطني الشعبي.

سعد الله ونوس

إلّا صوت إلياس خوري، فلم يخفت، بل ازداد عناداً وتشبّثاً بالأمل والتشوّف... لكن لإلياس وجهه الإنساني النبيل، المغسول بينابيع الحرية والعدالة والنبل والنزوع نحو المثل والقيم التي يريد لها أن تسمو. وقد يضيء شخصيةَ إلياس خوري موقفٌ أستذكره من سنوات دمشق في النصف الثاني من القرن الماضي.

في تلك المرحلة العصيّة، وجدتُ من بين وسائل أخرى لاستنهاض الحياة الثقافية والفكرية، إصدار مجلة «المدى» الثقافية الجامعة، منصة تحمل بصمات المثقفين والمبدعين في العالم العربي ممن يبحثون عن منبرٍ يعبّر عنهم، لا تتسع لهم المطبوعات القائمة.

ولبلورة هوية المجلة وتوجّهاتها وكل ما يتعلّق بسويتها، دعوتُ نخبةً من الأصدقاء المكرّسة أدوارهم وحضورهم الإبداعي: عبد الرحمن منيف، وسعد الله ونوس، وفيصل درّاج، وإلياس خوري، ومحمد دكروب، وسعدي يوسف، وفواز طرابلسي... دار النقاش في جوٍّ من الودّ والمسؤولية حول كل جوانب المشروع. وتبلور النقاش حول كل جوانب العمل والهوية والمسؤوليات. ومن بين ما دار النقاش حوله، سؤال وُجّه إليّ يتعلّق بموقعي ودوري في المجلة.

عبد الرحمن منيف

كان جوابي أنّ أوساطاً واسعة من المثقفين العرب يؤاخذون الشيوعيين على موقفهم السلبي من الدور المستقل للثقافة، وإصرارهم على إبقائها في ظلّ الحزب، ويحولون دون أن تكون للمثقف شخصية مستقلة. وأرى أنّ الوقت مناسب، مع هذا التراجع الخطير على الصعيد السياسي العربي، أن نحوّل الثقافة إلى رافعةٍ تسهم في الارتقاء بالاستعداد السياسي لقوى المجتمعات العربية، وللمثقفين في الصدارة لمواجهة التحديات المصيرية. ولتجاوز الالتباس أكّدتُ بوضوح أنّ المجلة من حيث نهجها وسياستها الثقافية ستكون تحت تصرّف هيئة التحرير دون أي تابوهات. وسأكون واحداً من هيئة التحرير، لي ما لأعضائها من حقوق.

وفي مجرى النقاش حول هوية المجلة ومتطلبات إصدارها، وتأكيد جوانب من الحقوق والاشتراطات وتوزيع المهام، وجدتُ أن بعضاً من المتطلبات المطروحة ثقيلة، يمكن أن تعيق استمرار المجلة. ومع ذلك طلبتُ أن نُقرّ ما طُرح في الاجتماع التالي بحضور إلياس خوري، لأن من الضروري أن نشارك جميعاً في إقرار الالتزامات والتوجّهات وكل ما يتعلّق بالمجلة.

كان لقاؤنا الأول لقاء بين مدرستين حزبيتين، وإلى حدٍّ ما فكرتين، تجاورتا ولم يُكتب لهما أن تتوحّدا في مواجهة الانحدار

في الاجتماع التالي، وبحضور الجميع، كان موقف إلياس صادماً بعد أن قرأ محضر الاجتماع السابق. ولإضاءة جوانب خفية من شخصية إلياس ورفعته الأخلاقية ونزوعه للإبداع كقيمة سامية، أورد ما أدلى به في الاجتماع المذكور.

قال إلياس: «بقينا طوال سنوات نوجّه اللوم للشيوعيين بأنهم يعرقلون أي مسعى نبذله لتأكيد حضورنا واستقلاليتنا. وفجأة يظهر شيوعي من موقعه المعروف، وقيادته لمركز أبحاث الأحزاب الشيوعية والعمالية ومجلتها المعروفة (النهج)، ويقدّم لنا مشروعاً طالما تمنيناه دون شروط ولا إملاءات، بل يكون واحداً منّا يخضع لتوجّهاتنا وشروطنا الإبداعية. وإذا بالبعض يريد هيئة ثلاثية متفرّغة، ومكتباً مستقلاً، وميزانيةً سنوية، ومكافآتٍ للكتّاب ضعف ما تدفعه المجلات الخليجية. مع العلم أن ما نصدره مجلة فصلية تحتاج إلى منسّقٍ ينظّم العلاقة بيننا والمطبعة. والكتّاب الذين يميلون للكتابة عندنا هم ممن لا تُنشر كتاباتهم التي يخصّون بها المجلة، ولا سبيل لنشرها في أي مجلة أخرى».

تحدّث بمرارة عن فشل آخر محاولة لإصدار مطبوع «مجلة» بصيغة كتاب: نتولّى تحضير موادها مضموناً وشكلاً جاهزاً للطباعة، ونحوّله إلى الناشر ليطبعه ويوزّعه ككتاب، ويحاسبنا وفقاً لما يجري التعامل به بين ناشرٍ وكتّاب، يقدّم لنا نسبةً من حصيلة التوزيع والمبيعات، دون أي التزامٍ آخر لمن يكتب فيها، أو تأمين مكتب أو متفرّغين، أو سوى ذلك مما يُراد أن يُقدَّم وفقاً لما ورد في محضركم...! ومع ذلك، تخلّى الناشر عن تعهّده بإصدار المجلة - الكتاب.

أنهى الفقيد الكبير، الصديق العزيز إلياس خوري، حديثه بالقول:

«اعذروني أيها الأصدقاء... هذا ليس سعري في سوق الكتابة، وأعتذر».

وصَدرت المجلة بالصيغة التي صارت عليه...

كتبتُ قصة المجلة كفصلٍ في المذكرات التي لا يُراد لها أن تكتمل.

اطّلع على مطالعته أعلاه وأجاز نشرها، وهي تشبه مضموناً ما أكتبه الآن في ذكرى الفقدان الأليم...!


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية