ضياء العزاوي يعرض فصول التراجيديا العربية في غاليري «صالح بركات»

من بغداد إلى غزة المجزرة تتوسع

خريطة بغداد بعد 2003 (غاليري صالح بركات)
خريطة بغداد بعد 2003 (غاليري صالح بركات)
TT

ضياء العزاوي يعرض فصول التراجيديا العربية في غاليري «صالح بركات»

خريطة بغداد بعد 2003 (غاليري صالح بركات)
خريطة بغداد بعد 2003 (غاليري صالح بركات)

يواصل الفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي، في معرضه الفردي في «غاليري صالح بركات» البيروتي، المستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، رحلته الإبداعية التي تصور التراجيديا العربية. وتحت عنوان «شهود الزور» يتحول الزائر إلى متفرج على المجزرة الكبرى.

المقتلة ممتدة من بغداد إلى الموصل فحلب، وبيروت وغزة. أعمال ضخمة تحتل جدران الغاليري وأرضياته. بين الألوان والطين، اللوحات والمنحوتات والتجهيزات، يبحر الزائر في عالم من الألم اللامتناهي.

في الأصل لم يكن المعرض ليتضمن أعمالاً عن غزة. فقد كان مقرراً أن يفتتح في أكتوبر من عام 2023، لكن بدء الإبادة، أجّل الافتتاح. ثم حدد سبتمبر (أيلول) 2024 موعداً جديداً، فوقعت الحرب الإسرائيلية على لبنان وحالت دون بدئه. لكن هذه المرة ها هو العزاوي يعود إلى بيروت التي اشتاقها، بعد طول غياب. حقاً، لم يتوقف هذا الفنان الذي تطارده الحروب عن تصويرها مستخدماً خلفياته، ومكتنزاته الثقافية، ومعارفه، ليصرخ باللوحة والمنحوتة والنص، وأحياناً يستخدمها مجتمعة علّه يأتي بأعمال توازي الكارثة.

خريطة بغداد قبل 2003 (غاليري صالح بركات)

تأخير المعرض جعله يضيف إلى الأعمال التي كانت مقررة سبعاً من سلسلة مكونة من 12 لوحة رسمها العزاوي إثر بدء الحرب على غزة، عنونها بـ«ليالي الإبادة». في هذه اللوحات المرسومة بالفحم، تسرق المتفرج نظرات عيون الضحايا، والأجساد المتهاوية، وجثث القتلى المتناثرة، والأجواء الجحيمية. هي من آخر ما رسمه العزاوي، مواكباً، المأساة العربية الكبرى التي عرفها رغم مواكبته الطويلة للحروب. فمنذ السبعينات وهو يجسد في أعماله، الكوارث المتلاحقة، من فلسطين إلى لبنان والعراق في حربه مع إيران ثم الغزو الأميركي المدمر لبلاده، ليجد نفسه في النهاية في جلجلة لا تنتهي، لا بل إن الدماء تتوسع رقعتها.

وإلى جانب لوحات «ليالي الإبادة»، نجد دفتر غزة الذي أصدره هذه السنة، بعنوان «غزة: الألم الذي فتح عيني ابنتي» من وحي صدمة الناس الذين شاهد هلعهم، مستوحياً تساؤلات ابنته وحفيدته، وهما تتابعان فداحة ما يحدث.

لوحة شهود الزور (غاليري صالح بركات)

أما اللوحات العملاقة المبهرة التي اعتدناها في معارض ضياء العزاوي، هذه المرة، أضاف إليها منحوتات الورود الصحراوية، التي تذكّرنا بمنحوتته عن حنظلة، ووجوهه وأحصنته الأثيرة.

العزاوي كثيراً ما شبّه ببيكاسو بسبب قوة وقع أعماله، وأسلوبه الذي يخلط بين التكعيبية، والتفكيكية، حيث نرى أجساداً مبعثرة الأجزاء، وبيوتاً متناثرة، وحيوانات مقطعة. يبدو كل شيء متشظياً، بحيث نرى عناصر كثيرة في لوحاته، لكننا في الوقت نفسه لا نرى شيئاً محدداً. وهو وإن شبِّه ببيكاسو أو حتى ديفيد سيمينز، فإنه وهو الذي درس الآثار، وانغمس في معرفة فنون الحضارات العراقية القديمة، وشغف بالفن الإسلامي، نلمس تلك الجذور الصلبة في أعماله، وهو ما يشكل فرادتها وجاذبيتها.

العزاوي أقرب إلى مؤرخ فني، لوحاته جزء من أرشيف الذاكرة الجماعية التي يكتبها على طريقته، بإعادة تركيب المعروف، بأشكال غير معهودة، وهو ما يخلق الصدمة عند متابعيه. لوحة «خريطة بغداد قبل 2003»، والغزو الأميركي المدمر للعراق، نرى فيها رسماً تجريدياً للعاصمة العراقية، يجمع بين الفراغ واللون الأخضر، أما الأحمر فسيطر على الخلفية. لكن اللوحة رغم قسوتها، نرى فيها تماسكاً، وكأنما عضل يشدّ الأجزاء كلها، مع ما نلمحه من تمزق. تماماً عكس لوحة «بغداد بعد 2003» التي تبدو وكأن انهياراً قد أصاب كل الأجزاء التي كانت متلاحمة، حتى غطت الألوان المساحة وقد سالت وتداخلت.

أما لوحة «شهود الزور» التي هي بعرض 5 أمتار ويحمل المعرض اسمها، فملحمية بخلفيتها الحمراء الداكنة، والشخص المصلوب، ومجموعة الأجساد السوداء المتراصة التي تشي بالغضب، وإلى جانبها جثث مكومة. مشهد المذبحة يجمع بين الانتفاضة والتضحية والموت في لوحة واحدة.

أما «جنة المنسيين»، بأمتارها التي تزيد على التسعة، فهي تكمل ما سبقها من حيث الخلفية النازفة بالحمرة، والجثامين المحمولة في مشهد جنائزي بين صفين تقف فيهما الجماهير المودعة. هو وداع الضحايا من أناس بلا وجوه ولا ملامح، إنها الجماعة التي ذابت حتى تلاشت تقاسيمها. هي من اللوحات التي رسمها العزاوي بعد الرد العنيف للسلطة العراقية على ثورة أكتوبر 2019 - 2020 حين تعرض المتظاهرون إلى القمع، واستهدفوا بقسوة حتى قضى أكثر من 700 شخص من المحتجين.

جانب من المعرض يظهر فيه تجهيز مأساة مدينتي الموصل وحلب (غاليري صالح بركات)

ومن وحي الموصل (2017 - 2000) «بانوراما الدمار» العملاقة بعرض 10 أمتار، بالأبيض والأسود. هي حقاً لوحة كابوسية. جدارية تنطق ألماً. مرة أخرى التفكيك يفعل فعله، في تصوير العنف اللامتناهي. بقايا أجساد تتشابك مع عجلات، وأشياء أخرى، كأنما البشري فقد روحه وهيئته، وصار جزءاً من آلة. إنها الفوضى التي لا تبقى من الأشكال ما يدلل عليها، حيث الأعضاء المفككة، تشبه أرجل وأيدي الدمى أكثر منها انتماءً إلى الإنسان.

ربما أكثر الأعمال تأثيراً في النفس، تجهيز ضخم يحتل أرضية صالة العرض يحمل عنوان «دمار مدينتين: الموصل وحلب». مأساتان لمدينتين عربيتين. قرر العزاوي أن يحفر نكبتهما بالطين، وأن يحفر فيه بقايا منازل، وخراب أبنية، وأشلاء أناس كانوا هنا. إنه الخراب الكبير مجسداً منحوتاً ومسكوباً وموجعاً. يمكنك وأنت تنظر إلى المشهد أن تتخيل غزة أيضاً، أو أي مدينة أخرى قد تدخل جغرافيا الدمار الشامل. فالمقتلة متواصلة والخراب لا حدود له.

الضحايا عند ضياء العزاوي، في فلسطين ولبنان والعراق وأي مكان آخر، هم ألم واحد متشابه. وإن كان لا يخفي أن الجرح العربي الغائر الذي يزداد عمقاً، ورغبته في رفع الضيم عمن يحيطون به هو المحرك الأول، لكل هذه الصرخات المتوالية التي يحفرها باللون حيناً والفحم حيناً آخر، ولا يتردد في استخدام الكلمة والطين والستانلس، وكل ما يمكن أن يترجم تلك المآسي الجحيمية التي لا تنتهي.


مقالات ذات صلة

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

يوميات الشرق رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

تنفرج أساريرك وأنت تتجوّل في معرض «شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي في غاليري «غاليريست» ببيروت...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يستمر المعرض لغاية 4 يوليو (الشرق الأوسط)

«المعرض الفني الجماعي»... حكايات بصرية معلّقة بين الحلم واليقظة

بتقنيات تتراوح بين الأكريليك والزيت والنحت و«الميكسد ميديا»، يأخذ المعرض زواره في رحلة بصرية تتنقل بين الواقع والخيال.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ما سقط من الحسابات دخل في النسيج (الشرق الأوسط)

«(In) Seam» لديما يوسف ربيز: الدَرْزة فلسفةُ بقاء

الدَرْزة هي الأثر الظاهر لفعل الاحتفاظ. عندما تتمزَّق قطعة ما، تصبح الدَرْزة إعلاناً عن قرار بعدم التخلّي عنها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض الفنانة سهير عثمان (وزارة الثقافة المصرية)

«الهوية وأنا»... معرض مصري يردد أصداء الحضارة القديمة

تحت عنوان «الهوية... وأنا» افتتحت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، معرضاً للفنانة سهير عثمان، عميدة كلية الفنون التطبيقية سابقاً.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق معرض «بدايات جديدة» يستمر لغاية 27 يونيو الحالي (الشرق الأوسط)

«بدايات جديدة»... لقاء الروح بالحب في معرض ترايسي شمعون

وجدت ترايسي شمعون في أحضان الطبيعة السكينة والطمأنينة، ومنها استمدّت الإلهام الذي تحوّل إلى لوحات تحتفي بالحياة والحرية والتجدّد.

فيفيان حداد (بيروت)

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
TT

«شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي... رحلة البحث عن الحب

رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)
رحلة من التجارب الشخصية تضعها نتالي معيكي في أعمالها (الشرق الأوسط)

تنفرج أساريرك وأنت تتجوّل في معرض «شيء يشبه العيش» لنتالي معيكي في غاليري «غاليريست» ببيروت. فمنذ اللحظة الأولى لدخولك صالة العرض، تستقبلك ألوان زاهية تنبض بالحياة، وتدعوك إلى الاقتراب من مجموعة لوحات تروي حكايات إنسانية متعددة. قد لا تدرك لأول وهلة موضوعاتها أو تستوعب عوالم شخصياتها المتخيلة. لكن ما إن تبتعد عنها قليلاً حتى تتضح تفاصيلها، وتنكشف أمامك قراءات جديدة تحملها الألوان والخطوط والمساحات.

حتى عناوين اللوحات التي نفّذتها معيكي بتقنية الأكريليك تبدو كأنها فصول من قصص شخصية تستلهمها من خبرات وتجارب عاشتها. فهي تتناول موضوعات الوحدة والمشاركة والعزلة والعودة إلى الذات.

تستخدم الألوان الزهرية لأنها تشبه بشرة المرأة (الشرق الأوسط)

أما شخصياتها فتجتمع وتستريح وتتعانق وتعيش ببساطة وسط عالم يلفُّه الغموض. تسكن لوحاتها حبكة فنية، تأخذ ناظرها إلى الماورائيات، وبينها: «كنا لا نزال متمسكين بالأمل»، و«لن ننتظرك»، و«الغرفة كانت لها ولكنها لم تحسم أمرها بعد». رسائل إنسانية متعددة تصوغها الفنانة بقالب أنثوي شفاف وتخرجها إلى العلن. كما توجهها إلى الرجل لعلّه يقترب أكثر من عالم المرأة. فيدرك كيف تفكِّر شريكة الحياة وما الذي تنشده في علاقتها بالآخر من حب واهتمام واحتواء.

تشير نتالي معيكي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الفكرة الأساسية التي تدور حولها أعمالها ترتبط بحقيقة الإنسان وما يخفيه خلف ملامحه الظاهرة. وتوضح: «غالباً ما نرى وجوه الناس من حولنا مشرقة وسعيدة، فيما يحملون في أعماقهم مشاعر مختلفة تماماً. فالإنسان يميل إلى إخفاء أوجاعه وكتمان ما يثقل قلبه، ولذلك؛ فإن الابتعاد قليلاً عن الصورة المباشرة يساعدنا على رؤية ما يختبئ خلفها وفهم ما يمر به الآخرون». وتتابع: «لذلك؛ أدعو الزوار إلى مشاهدة اللوحات من مسافة معينة قبل الاقتراب منها؛ لأن هذه المسافة تكشف عن حقيقتها بصورة أوضح. فالشخصيات التي تظهر فيها وصلت إلى حالاتها الراهنة عبر تجارب ومشاعر متعددة. وما يجمع بينها جميعاً هو بحثها الدائم عن الحب والاهتمام والتواصل الإنساني. إنها شخصيات تتوق إلى أن تُرى وتُفهم وأن تجد صلة حقيقية بالآخر».

تعالج في لوحاتها موضوعات الوحدة والعودة إلى الذات (الشرق الأوسط)

تحضر في أعمال معيكي الثنائيات والعلاقات الإنسانية والمجموعات المتشاركة للمشهد، في حين تتصدر المرأة وحدها لوحات أخرى. فهي بطلة روايات بصرية تروي هشاشتها وقوتها في آن معاً. وتطغى على أعمالها درجات الزهري والأحمر، كما في لوحتي «كل الحب كان حقيقياً، لكنه لم يكن كافياً»، و«اقتربنا كثيراً لدرجة أنه لم يتبقَّ شيء»، حيث يتحوَّل اللون عنصراً أساسياً في بناء المعنى ونقل المشاعر.

وتوضح الفنانة: «هذه الحالات تعبِّر عني، كما تعبِّر عن كثيرين خاضوا تجارب مشابهة. فنحن نتشارك أسلوب حياة متقارباً، ونحاول باستمرار مقاومة الألم كي نتابع طريقنا. وفي بعض اللوحات أحكي عن الوحدة، وعن ذلك الوهم الذي نعيش فيه ونعجز أحياناً عن التخلي عنه».

أما عن اختيارها هذه الألوان تحديداً، فتقول: «إنها ألوان ترتبط بالأنثى، وبنعومة بشرتها، كما تعكس عالمها الحالم والخيالي. إنها ألوان تنتمي إلى واقع يتكئ على الأحلام بقدر ما يتكئ على الحقيقة».

وتنجح معيكي بهذه المجموعة في استدراج المتلقي إلى مساحة من التأمل والمشاركة، فلا يكتفي بدور المشاهد، بل يتحوَّل شريكاً في البحث والتحليل واكتشاف المعاني الكامنة خلف الأشكال والألوان. لذلك؛ يصعب المرور أمام أعمالها مروراً عابراً، إذ تستوقف الزائر وتدفعه إلى التمعّن فيها أكثر من مرة.

وتعزّز معيكي هذا التفاعل عبر تقنية بصرية ذات بعد ثلاثي، فتمنح اللوحات عمقاً إضافياً وتفتح أمام العين مستويات متعددة من القراءة، فيقترب المتلقي تارة ويبتعد أخرى، باحثاً عن تفاصيل جديدة قد تُغيِّر فهمه العمل. فتبدو كل لوحة كأنها تُخفي حكاية لا تكشف عن أسرارها دفعة واحدة، بل تدعو إلى اكتشافها تدريجياً.

تطغى الأنثى على أعمال معيكي في معرضها «شيء يشبه العيش» (الشرق الأوسط)

وتعلّق الفنانة: «لا أحب أن يكتفي المتلقي بنظرة سريعة إلى اللوحة فيدرك أبعادها فوراً. أفضّل أن يُمضي وقتاً أمامها، وأن يطيل التأمل فيها؛ كي يكتشف القصة التي ترويها بنفسه. فالعلاقة بين العمل الفني والناظر إليه تشبه رحلة اكتشاف تتوضح خطوطها تدريجياً». وتتابع: «أقرب اللحظات إلى قلبي هي تلك التي تسبق اكتمال اللوحة وولادتها النهائية. ففي هذه المرحلة أكون منشغلة باستشراف الحالة التي أريد التعبير عنها وتجسيد المشاعر المرتبطة بها. إنها لحظة شديدة الحساسية وصعبة المنال. أحاول خلالها أن أترجم ما يختلج في داخلي إلى لغة بصرية قادرة على ملامسة الآخر».

وتعترف معيكي بتأثرها بعدد من كبار الفنانين التعبيريين، وفي مقدمهم ويليام دي كونينغ، وجورج بازيليتز. «يمكنني أن أمضي ساعات طويلة وأنا أتأمل لوحات دي كونينغ؛ لما تختزنه من تفاصيل وطبقات بصرية لا تنتهي. والأمر نفسه ينطبق على بازيليتز، الذي لطالما شدَّني أسلوبه الخاص في مقاربة اللوحة وتكوينها».

وتضيف: «لقد ترك الفنانان أثراً مباشراً في تجربتي الفنية، وهو تأثير يمكن ملاحظته بوضوح في أعمالي، ويحضر عبر طريقة بناء المشهد التشكيلي، أو في العلاقة التي أقيمها بين الشكل والتجريد، وبين الظاهر وما يختبئ خلفه من معانٍ ومشاعر».

وتختم معيكي حديثها قائلة: «أردت لزائر المعرض أن يحلم وأن يتمسك بالأمل، وأن يشارك شخصيات لوحاتي تجاربها المختلفة مع الحياة. قد تكون هذه التجارب حلوة أو مرّة، لكنها جميعاً تركت أثراً في أصحابها. كما أردت أن يخوض الزائر رحلة بحث وتأمل بعيداً من واقع يرزح تحت ثقل الهموم والحروب والأسى. فالفن بالنسبة إليّ مساحة للتنفس ولإعادة اكتشاف الذات، وفرصة لفتح نافذة على عالم أرحب وأعمق إنسانية».


«بلايد رَنر»... نبوءة عالم يقف على حافة الخطر

المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

«بلايد رَنر»... نبوءة عالم يقف على حافة الخطر

المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)
المخرج ريدلي سكوت (تونتييث سنتشري فوكس)

بعد 44 عاماً على إطلاقه، تتبلور أمامنا اليوم بعض الرؤى الأساسية التي قام عليها فيلم «بلايد رَنر» (Blade Runner) للمخرج ريدلي سكوت، المأخوذ عن رواية لفيليب ك. ديك بعنوان «هل تحلم الأندرويدات بالخراف الإلكترونية؟ (Do Androids Dream of Electric Sheep؟).

تدور أحداث الفيلم والرواية التي اقتُبس عنها في عام 2019. ومن منظور عام 1982، حين أُنجز الفيلم، كانت المسافة الزمنية كافية لتخيّل العالم الذي نعيش فيه اليوم بكل إنجازاته ومخاطره العلمية. وخلال الربع الأول من هذا القرن، تم تطوير الروبوتات واستخدام متطوعين من البشر في تجارب الحمض النووي (DNA)، وصولاً إلى شيوع الذكاء الاصطناعي، الذي كان عنوان فيلم ستيفن سبيلبرغ «A.I.: Artificial Intelligence» عام 2001، والذي توقع تطوّر الإنسان الآلي في هذا العصر.

هناك أفلام كثيرة أخرى تناولت أحداثاً تقع في الربع الأول من هذا القرن، مثل «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future) الذي أخرجه روبرت زيميكيس عام 1989 وتقع أحداثه في عام 2015. وقبله أنجز ريتشارد فلايشر فيلم «Soylent Green» عام 1973، الذي تدور وقائعه في عام 2022. لكن الفيلم الذي يُعدّ الأب الروحي لصورة المستقبل المتخيَّل هو «2001: أوديسا الفضاء» (2001: A Space Odyssey). وقد أنجزه ستانلي كوبريك عام 1968، محذّراً من مستقبل يسيطر فيه العلم على شتى شؤون الحياة ويتمرّد على الإنسان الذي صنعه، في توليفة تذكّر بالوحش الذي تمرّد على خالقه في رواية «فرانكنشتاين».

عنوان لافت بلا دلالات

هاريسون فورد في «بلايد رَنر» (لاد كومباني)

لكن «بلايد رَنر» يختلف تماماً عن تلك الأفلام وغيرها من أعمال الخيال العلمي. ففي اختلافاته قراءات مهمة لطبيعة المستقبل الذي نعيشه، وللعلم بوصفه سلعة، ولحياة الكائنات المصنوعة علمياً، وللبيئة الملوّثة، وللأيديولوجيا التي تدور الأحداث في إطارها. وكل ذلك يُقدَّم ضمن مغامرة ذات طابع قاتم يستلهم أفلام «الفيلم نوار» (film noir) داخل منظومة الخيال العلمي.

وفي تلخيص لا يفسد متعة المشاهدة لمن لم يشاهد الفيلم بعد، تدور الأحداث في مدينة لوس أنجليس عام 2019، حيث نجح العلم في صنع روبوتات متطورة تشبه البشر تماماً من حيث الإحساس والسلوك والقوة والقدرة على النطق. وأُطلق عليها اسم «مستنسخين» (Replicants) وأُرسلت للعمل في الفضاء. لكن أربعة منها تمرّدت وعادت إلى الأرض من دون إذن صانعيها، ما عُدَّ تهديداً للبشر. عندها تلجأ مؤسسة «تايريل كوربوريشن» إلى المقاتل المحترف ريك ديكارد (هاريسون فورد) لتعقب هؤلاء الروبوتات والقضاء عليهم. غير أن ديكارد يكتشف أن القضية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، وأن المؤسسة تخفي أسراراً خطيرة تتعلق بالتلاعب بالذاكرة البشرية واستبدال الذكريات المصطنعة بها.

بدايةً، ليس هناك معنى مباشر للكلمتين المستخدمتين في العنوان «Blade Runner». وترجمتها الحرفية إلى «راكض النصل» لا تشرح مدلولها الفعلي داخل الفيلم. وهكذا يضيف العنوان مزيداً من الغموض والخصوصية إلى العمل. والأهم، أن رواية فيليب ك. ديك لا تحمل هذا العنوان أصلاً، علماً بأن هناك رواية أخرى للخيال العلمي كتبها آلان إي. نورس بعنوان «Bladerunner» عام 1974، لكنها لا ترتبط برواية ديك أو بالفيلم.

كذلك، لا يسعى الفيلم إلى تفسير عنوانه. فلا يوجد حوار مباشر يشير إليه، ولا رابط واضح بينه وبين الأحداث. وفي المقابل، ترتبط عناوين كثيرة في أفلام الخيال العلمي الأخرى بمضمونها، مثل «Capricorn One» الذي يشير إلى مشروع رحلة إلى المريخ، و«سوليانت غرين» هو اسم مصنع يوفر طعاماً من لحوم البشر، «ترميناتور» هو عن مخلوق فضائي يهبط ليقوم بمهمّة القضاء على أم وابنها الذي قد يكون المسيح المنتظر، حسب الفيلم.

مسائل شائكة

علم متقدّم وعالم موبوء: من «بلايد رَنر 2049» (وورنر برذرز)

بتجاوز هذه النقطة، تتبدى مفاهيم ومضامين عدّة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لا ترد عبثاً أو لمجرد إثارة التساؤلات.

في صميم المهمة التي يتولاها ريك ديكارد يكمن اكتشافه أن الكائنات التي يُطلب منه القضاء عليها تبدو بشرية بالكامل. ولذلك تصبح مهمته شاقة؛ إذ يجد نفسه أمام واقع يختلط فيه الإنسان بالآلة إلى حد انعدام اليقين. وفي الوقت نفسه، يوظف الفيلم هذا الالتباس لتوجيه نقده إلى العلم المنفلت من الضوابط، لا إلى الروبوتات نفسها، بل إلى البشر الذين صنعوها.

انطلاقاً من هذا التحديد، يطرح الفيلم مسألة شائكة حول العلم حين يتجاوز المنطق ويتجاهل المخاطر ويتوسّع في محاولة فهم الطبيعة الإنسانية لمن هم بشر والطبيعة الاصطناعية لمن هم مخلوقات آلية. تتداخل في هذا الشأن مسألة أخرى مهمّة. البشر الحقيقيون في هذا الفيلم، وبينهم ديكارد، لا يعكسون عاطفة في حين تحاول المخلوقات التواصل عاطفياً مع الإنسان. في النهاية يفهم ديكارد هذه المسألة حين يشعر بالعاطفة حيال الطريدة الأخيرة راتشل (شون يونغ) في الوقت الذي يقف على غايات غير مشروعة للمؤسسة.

ورغم أن الفيلم يبدأ من منطق «نحن الأخيار وهم الأشرار»، فإنه يمنح المستنسخين حق البحث عن تاريخ وهوية ومعنى لوجودهم. وعندما تنكشف الحقائق، تصبح المؤسسة العلمية هي الطرف المُدان، لا الكائنات التي صنعتها وتسعى إلى التخلص منها.

كل ذلك يجري في عالم موبوء؛ فالبيئة الطبيعية ملوثة، والمدينة مكتظة إلى حد الاختناق، في حين يتكرر حضور المطر والليل شبه الدائم، إلى جانب خليط بشري يعيش على هامش المجتمع.

نبوءة مشتركة

في مقابلة أجريتها مع ريدلي سكوت بعد 20 عاماً على إنجاز الفيلم، قال إن «بلايد رَنر» قبل كل شيء فيلم تشويقي يستند إلى تقاليد أفلام التحري والمطاردة.

وأضاف: «الفارق أن الأشخاص الذين تتم مطاردتهم ليسوا بشراً، وأن العالم لم يعد كما عهدناه، والمسائل لم تعد واضحة. الحقيقة والكذب امتزجا إلى درجة يصعب معها التمييز بينهما».

• يصوّر الفيلم مستقبلاً لمجتمع يسوده الاستبداد ويعاني كارثة بيئية. هل كان هذا تصورك للمستقبل؟

- كان تصوراً مشتركاً بيني وبين فيليب ك. ديك وكاتب السيناريو هامبتون فانشر، لكنه ليس حكراً علينا. العالم يتطور بلا ضوابط واضحة، والعلم يتجه نحو المادة والاستهلاك بعيداً عن خدمة الإنسان. لذلك؛ سعى الفيلم إلى تقديم نبوءة تستند إلى تقاليد الخيال العلمي في استشراف مستقبل قاتم.

• هذا فيلم كلاسيكي في تاريخ الخيال العلمي... هل تفكر في جزء ثانٍ؟

- لا. علينا أن نكتفي به وحده.

لكن ذلك لم يحدث. ففي عام 2017 أخرج دنيس فيلنوف الجزء الثاني بعنوان «Blade Runner 2049»، الذي تدور أحداثه بعد 30 عاماً من أحداث الفيلم الأول، ويتابع شخصية جديدة تدعى K (يجسدها رايان غوسلينغ) في عالم يبدو أنه تجاوز مرحلة الإنقاذ.


السعودية تتصدر دول العشرين في مستوى أمان السكان

قفزت نسبة الشعور بالأمان من 92.6 في المائة في فبراير 2025 لتصل إلى ذروة جديدة بلغت 97.7 في المائة في يونيو 2026 (واس)
قفزت نسبة الشعور بالأمان من 92.6 في المائة في فبراير 2025 لتصل إلى ذروة جديدة بلغت 97.7 في المائة في يونيو 2026 (واس)
TT

السعودية تتصدر دول العشرين في مستوى أمان السكان

قفزت نسبة الشعور بالأمان من 92.6 في المائة في فبراير 2025 لتصل إلى ذروة جديدة بلغت 97.7 في المائة في يونيو 2026 (واس)
قفزت نسبة الشعور بالأمان من 92.6 في المائة في فبراير 2025 لتصل إلى ذروة جديدة بلغت 97.7 في المائة في يونيو 2026 (واس)

تصدرت السعودية دول مجموعة العشرين في مؤشر الأمان داخل الأحياء وشعور السكان بالثقة والطمأنينة أثناء السير بمفردهم ليلاً في مناطق سكنهم، وذلك وفق نتائج مسح أجرته الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، ومقارنتها مع نتائج مؤشر الأمان لعام 2025 لأعلى الدول ضمن مجموعة العشرين.

وأظهرت نتائج المسح الذي أجرته الهيئة العامة للإحصاء أن نسبة الذين يشعرون بالأمان أثناء السير بمفردهم ليلاً في مناطق سكنهم بلغت (97.7 في المائة)، فيما بلغت نسبة الإناث اللاتي يشعرن بالأمان أثناء السير بمفردهن ليلاً في مناطق سكنهم (94.9 في المائة)، وبلغت نسبة كبار السن في الفئة العمرية (60-64 سنة) الذين يشعرون بالأمان أثناء السير بمفردهم ليلاً في مناطق سكنهم (97.2 في المائة).

وأصدرت الهيئة العامة للإحصاء (الاثنين) نتائج المسح عن مستويات الأمان، وأوضحت النتائج تصدر السعودية المرتبة الأولى بين دول مجموعة العشرين حسب بيانات الدول في قاعدة بيانات الأمم المتحدة لمؤشرات أهداف التنمية المستدامة، ومقارنة نتائج مؤشر الأمان لديها خلال عام 2025.

وكشفت النتائج عن دور القطاعات الحكومية ذات العلاقة في تحقيق الأمان الذي ينعم به سكان المملكة في جميع المناطق، والمحافظات، وجاء ذلك انسجاماً مع الجهود المبذولة لتوفير الأمن والأمان، والحياة الكريمة في السعودية في العديد من المجالات المختلفة، وتشمل الأمن الاقتصادي، والغذائي، والبيئي، والصحي، والاجتماعي، والسياسي، والفكري، والتقني والسيبراني، والارتقاء بالخدمات المقدمة، تحقيقاً لرؤية السعودية 2030.

وقفزت نسبة الشعور بالأمان أثناء السير منفرداً ليلاً في الأحياء السكنية من 92.6 في المائة في فبراير (شباط) 2025 وفق الإحصاء السابق الذي كشفت عنه الهيئة لتصل إلى ذروة جديدة بلغت 97.7 في المائة في يونيو (حزيران) 2026، وفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، عاكساً هذا التطور الملحوظ في غضون عام ونصف فقط ثمار عمل دؤوب، وتكامل أمني وبنيوي جعل من شوارع السعودية وأحيائها نموذجاً عالمياً للبيئة الآمنة، والمستقرة.

وقال الدكتور علي العفنان، أستاذ علم النفس المشارك بجامعة الملك سعود، إن السعودية أضحت تمثل نموذجاً عالمياً في ظل رؤية 2030، مشيراً إلى أن نتائج مؤشر الأمان التي كشفت عنها هيئة الإحصاء هذا العام تؤكد على عدة أبعاد تتعلق بمستويات الأمان الاجتماعي التي تنعكس على مفهوم جودة الحياة الذي تتبناه السعودية في رؤية 2030.

وأضاف الدكتور العفنان: «بالنظر إلى المعايير الأخرى المتعلقة بمساحة البلاد، وعدد السكان، وتعدد الجنسيات الوافدة إليها، وحجم الأنشطة، والمواسم، والفعاليات التي تقام على مدار العام في السعودية، وعلى رأسها موسم الحج، تتضح لدينا قيمة وأهمية تقدم السعودية على مستوى عالمي في مؤشر وحالة الأمان لدى السكان». وعزا العفنان هذه النتائج إلى مجموعة عوامل، من بينها «حُسن إدارة الدولة، والعمل الأمني الرصين الذي يعد نموذجاً عالمياً، وتوفر الكوادر الوطنية التي تؤمن برسالتها، وتعمل دائبة على تحقيق هذه النتيجة المرضية في شعور السكان بالأمان».

وقال أستاذ علم النفس المشارك بجامعة الملك سعود إن السعودية وهي تحقق هذه النتائج اللافتة أضحت قبلة للباحثين والمهتمين للاطلاع من كثب على تجربتها في تحقيق الشعور بالأمان في مختلف الجوانب المرتبطة بشعور الإنسان العميق بالأمان، والاستقرار، مؤكداً أن الإحصاءات تعكس الواقع الذي تتمتع به السعودية، ومقارنة النتائج المتحصلة من السعودية مع المؤشرات الدولية تثبت جدارة السعودية بهذا المستوى من التقدم الأمني، والاستقرار الاجتماعي.

وتنفذ الهيئة العامة للإحصاء جميع أعمالها الإحصائية في السعودية وفق منهجية عمل موحدة تنسجم مع طبيعة كل منتج إحصائي، وتعتمد على دليل إجراءات الأعمال الإحصائية المتوافق مع إجراءات العمل المعتمدة لدى المنظمات الإحصائية الدولية، ويُعد مسح جودة الحياة الشخصي أحد منتجاتها التي تكشف عن نتائجه بشكل دوري.