«تاريخ الكتابة» يكشف علاقتها بالوجود البشري

كتاب لعالم لغويات نيوزيلندي يتساءل عن شكلها في المستقبل

كتابة مسمارية
كتابة مسمارية
TT

«تاريخ الكتابة» يكشف علاقتها بالوجود البشري

كتابة مسمارية
كتابة مسمارية

في كتابه «تاريخ الكتابة»، يؤكد عالم اللغويات النيوزيلندي ستيفن روجر فيشر، أن الكتابة كانت في السابق مجالاً متخصصاً تقتصر ممارسته على بضعة آلاف من الأشخاص، أما اليوم فنحو 85 في المائة من سكان العالم يمارس الكتابة، ويستند المجتمع الحديث بأجمعه عليها. لكنّ أنظمة الكتابة والخطوط القديمة، لم يعد لها وجود الآن، ولم يتبقَّ سوى آثار ضئيلة لأقدم أنظمة الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة.

الكتاب صدر عن مشروع «كلمة للترجمة» بمركز أبوظبي للغة العربية، ونقلته للعربية رشا صلاح الدخاخني، ويتناول أصول أنظمة الكتابة الرئيسية المستخدمة في العالم، ونصوصها وأشكالها وأدوارها والتغيرات الزمنية التي طرأت عليها.

الكتابة القديمة

يتكون الكتاب من ثمانية فصول، عرض من خلالها للأشكال البدائية الأولى للكتابة في الحضارات والبلدان القديمة، في فترة ما قبل الميلاد وما بعدها، وكيف بدأت الكتابة بأدوات بدائية بسيطة مثل الكتابة على العظام والأخشاب والنقش على الأحجار والجدران والمعادن، وأشكال الكتابة التي بدأت برموز ورسوم وصور تبعث برسائل للآخرين، ودور التجارة والتجار في تطوير ونقل الكتابة من بلد لآخر، واقتصار الكتابة قديماً على النخبة والحكام. ومكانة الكتبة في العصور القديمة، التي كانت مكانة عظيمة لمهنة نادرة ومهمة.

وتناول الكتاب أهم أنواع الكتابة في عدة بلدان؛ منها مصر وبلاد الشام واليونان والصين والهند واليابان وروسيا ودول أوروبا والأميركتين وأفريقيا، وكيف تطورت أشكال الكتابة ورموزها والحروف حتى وصلت لما عليه الآن.

في الفصل الأول، وهو بعنوان «من الثلمات إلى الألواح»، يذكر المؤلف أنه قبل ظهور الكتابة الكاملة، استفاد الجنس البشري من وفرة الرموز التصويرية والرموز التذكيرية بمختلف أنواعها من أجل تخزين المعلومات، وحظيت الفنون الصخرية بذخيرة من الرموز العالمية على هيئة (مجسمات بشرية، ونباتات، وحيوانات، وشمس، ونجوم، وغيرها الكثير)، بالإضافة إلى الكتابة بالصور، والثلمات المحفورة على العظام أو الأغراض الأخرى، والحصى الملون. وعبر آلاف من السنين، نمت الفنون التصويرية وأدوات التذكير أكثر من أي وقت مضى في سياقات اجتماعية محددة، وفي النهاية، اندمجت لتصبح «رموزاً تذكيرية تصويرية»، ويذكر منها «سجلات العقد»، وهي عبارة عن عقد بسيطة في خيط واحد، أو سلاسل معقدة من العقد المشفرة بالألوان مرتبطة بخيوط ذات ترتيب أعلى، وشكلت هذه العقد وسيلة متقنة للعد؛ إذ صورت العقد المختلفة في أوضاع متنوعة كميات عددية، وألوان العقد كانت تمثل سلعاً منفردة. ويعود تاريخ سجل العقد إلى أوائل العصر الحجري الحديث، واستخدمته حضارة الأنكا في بيرو القديمة، لتسجيل المعاملات التجارية اليومية والطويلة الأجل، وكان هذا هو الشكل البدائي للكتابة.

ومنها «الثلمات»، وهي خطوط مائلة محفورة على لحاء شجرة، أو عظام أو حجر، بغرض نقل رسالة إلى الآخرين، ويعود تاريخها إلى 412 ألف عام. ووجدت في كهف بلومبوس بجنوب أفريقيا.

ثم كانت الحاجة للكتابة بالصور، لنقل تفاصيل دقيقة مثل الصفات والخصائص، مثل رسومات الكهوف أو الرسم على الجدران والصخور أو لفائف الخشب. وقد كانت الرسائل المصورة تنقل بالفعل منذ عشرات الآلاف من السنين. وفي القرن التاسع عشر، تبادلت بعض القبائل بأميركا، مثل قبيلة شايان، إرسال خطابات تصويرية على لفائف خشبية، وفي أفريقيا يزين شعب الأشانتي منازلهم وأوانيهم بصور تستدعي إلى الذاكرة الأمثال الشعبية، فصورة تمساح يحمل سمكة طين بين فكيه، تعني: «إذا حصلت سمكة الطين على أي شيء، فإنه سيؤول في النهاية إلى التمساح». وكان الغرض من الكتابة بالصور هو التواصل. ومن قبيل المصادفة أن الكتابة بالصور هي «الخط الافتراضي» للغة التكنولوجية الحديثة الآن.

ولطالما وجدت «عصي العد»، إلى جانب الكتابة الكاملة؛ إذ يسهل استخدامها من قبل الأميين، لكنها مجرد ثلمات وثقوب معيارية تدل على وحدات، وليست كلاماً ملفوظاً بوضوح. وتنتمي عصي العد إلى أقدم أشكال حفظ السجلات، بل إن الأستراليين الأصليين استخدموا هذه العصي لتبادل الرسائل بعضهم مع بعض عبر مسافات، بحيث يشير عدد الثلمات على العصا إلى مقدار ما اتفق مسبقاً على أن الرسالة تنقله. واستخدمت دائرة الخزانة البريطانية عصي العد لتسجيل الإيصالات بين عامي 1100 إلى 1862 ميلادية، إلى جانب الرموز التذكيرية ورسائل الإشارة، والرموز الرسومية على الفخار والطين، للقطع الرمزية الطينية التي ظهرت ما بين عام 8000 و1500 قبل الميلاد في شرق إيران وجنوب تركيا، والألواح الطينية التي ظهرت قرب مصب نهر الفرات في عام 3300 قبل الميلاد. وتحمل تلك الألواح رسماً لليد أو الرأس أو القدم، أو ضم رسمين تصويرين معاً مثل العين والماء ويعنيان البكاء، أو المحراث إلى جوار الرجل وتعني الحارث. ثم ظهرت الكتابة السومرية التي انتشرت في العراق وحتى مصر.

فن الكلام

يستعرض الكتاب في أحد فصوله بعض أنواع الكتابة في الحضارات القديمة. ومنها: الكتابة المصرية، حيث شكلت عدة مئات من الرموز الهيروغليفية الجزء الأكبر من النظام المحلي، المكتوب بالحبر على ورق البردي، واشتقت الكتابة الهيروغليفية في مصر والكتابة المسمارية في بلاد الرافدين من المعين ذاته – الرسم اللفظي أو كتابة الكلمات، وقد أطلق المصريون القدماء على الكتابة (مدو نثر) أي (كلمات الإله)؛ لأنهم آمنوا بأنها هدية من تحوت، كاتب الآلهة ذي رأس أبي منجل.

و«الكتابة المسمارية»، التي يرجع تاريخها إلى تاريخ الكتابة اللوغرافية أو كتابة الصوت، حيث حل الصوت محل الرموز، وكانت تلك الكتابة أداة في خدمة أنشطة تجار بلاد الرافدين؛ ولهذا ساد استخدام الكتابة المسمارية في المنطقة لآلاف السنين. وقد شهدت الكتابة المسمارية تطوراً واضحاً في الخط، واتجه الكتبة فجأة ومن دون أسباب واضحة، إلى كتابة معظم العلامات التصويرية وكأنها مالت على جانبها الأيسر، وتغير اتجاه الخط، فلم تعد النصوص تكتب من اليمين إلى اليسار رأسياً، بل صارت تكتب من اليسار إلى اليمين أفقياً في خطوط عمودية، تماماً كما في صحف اليوم.

وكان الكتبة يدربون الصبية في مدارس خاصة بالكتابة، كما في مصر، وهذا يعد أول نظام تعليمي شهده العالم، فينسخون ما كتبه المعلم على ألواح من الطين.

وصولاً إلى ظهور «الألفبائية» الأولية في مصر وأرض كنعان، والتي كانت مجرد طريقة أخرى للتعبير عن الكلام، ويمكن للعديد من اللغات استخدامها نظراً لسهولة تعديلها بإضافة مجموعة صغيرة من العلامات أو النقاط أو الرموز إلى الحروف الموجودة بالفعل.

ثم ظهرت «الألفبائية الفينيقية»، حيث ازدهرت الأبجدية الفينيقية وانتشرت في شكلين منفصلين، ومن الواضح أن كليهما انحدر من تنويعات خاصة بالألفبائية الكنعانية، وبحلول عام 1000 قبل الميلاد تطورت الألفبائية السامية الشمالية الفينيقية تطوراً كاملاً، وتشكلت من 22 حرفاً صامتاً، واستخدمت الألفبائية الفينيقية لما يقارب الألف عام، وتطورت فيما بعد إلى اللغة البونيقية، التي كتب بها أحفاد المستعمرين الفينيقيين في غرب حوض البحر المتوسط حتى القرن الثالث الميلادي.

الكتابة بالصور هي «الخط الافتراضي» للغة التكنولوجية الحديثة الآن

«كتابة المستقبل»

يذكر المؤلف في الفصل الثامن من الكتاب الذي يحمل عنوان «كتابة المستقبل»، أنه لولا الكتابة لما كان ثم وجود للمجتمع البشري المتقدم الذي نعرفه اليوم، وإذا كان هناك درس واحد يمكن أن نتعلمه من تاريخ الكتابة، فهو أن الكتابة لم تنشأ تدريجياً من الصور الصامتة، بل بدأت بصورة مباشرة بصفتها تعبيراً رسومياً عن الكلام المنطوق، وظلت هكذا لآلاف السنين، ولكن يبدو أن هذه الحال تتغير. وكشفت الدراسات الحديثة عن أن القراءة عبارة عن تتابع من الرموز أو الحروف – وليس كتابتها – يربطها مباشرة بصورتها الذهنية من دون الحاجة إلى تحويلها إلى كلام. وتتيح التكنولوجيا الحديثة للحواسيب والأجهزة الإلكترونية الأخرى التواصل من دون وساطة بشرية.

ثم تناول المؤلف موضوع الازدواجية اللغوية، فحين تختلف اللغة التي يستخدمها شعب ما في الكتابة اختلافاً كبيراً عن اللغة المنطوقة تنشأ لغتان منفصلتان، والسبب في ظهور الازدواجية اللغوية هو أن النقل الكتابي لا يهتم إلا باستخدام اللغة الراقية في المجتمع، إضافة لاستمرار تطور اللغة العامية بصفتها لغة حية، أما اللغة المكتوبة فتتغير بوتيرة أبطأ بكثير أو لا تتغير على الإطلاق. وهذا الانفصال بين اللغتين المكتوبة والمنطوقة تنتج عنه مشكلات. وتظهر في أغلب اللغات فجوة شاسعة بين الأسلوب المكتوب والمنطوق، وكثيراً ما تكون العلامة المميزة للشخص المثقف هي مدى مقاربة اللغة التي يتحدث بها للغة المكتوبة.

ثم تناول المؤلف موضوع مستقبل الكتابة، وذكر أن الكفاءة والبساطة لا تحددان مستقبل الخط، وإنما تحدده مكانة مستخدميه وسلطتهم، وتتطور اللغات تطوراً طبيعياً، أما أنظمة الكتابة والخطوط فلا تتطور بالطريقة نفسها؛ إذ إنها تستعار وتتبدل وتهمل عن قصد لأسباب اجتماعية ونفسية وسياسية. ويمكن أن يصبح التوجه نحو استخدام خط واحد ونظام كتابة واحد على مستوى العالم، مجرد أداة تعمل لصالح اللغة الإنجليزية.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.