«تاريخ الكتابة» يكشف علاقتها بالوجود البشري

كتاب لعالم لغويات نيوزيلندي يتساءل عن شكلها في المستقبل

كتابة مسمارية
كتابة مسمارية
TT

«تاريخ الكتابة» يكشف علاقتها بالوجود البشري

كتابة مسمارية
كتابة مسمارية

في كتابه «تاريخ الكتابة»، يؤكد عالم اللغويات النيوزيلندي ستيفن روجر فيشر، أن الكتابة كانت في السابق مجالاً متخصصاً تقتصر ممارسته على بضعة آلاف من الأشخاص، أما اليوم فنحو 85 في المائة من سكان العالم يمارس الكتابة، ويستند المجتمع الحديث بأجمعه عليها. لكنّ أنظمة الكتابة والخطوط القديمة، لم يعد لها وجود الآن، ولم يتبقَّ سوى آثار ضئيلة لأقدم أنظمة الكتابة الهيروغليفية المصرية القديمة.

الكتاب صدر عن مشروع «كلمة للترجمة» بمركز أبوظبي للغة العربية، ونقلته للعربية رشا صلاح الدخاخني، ويتناول أصول أنظمة الكتابة الرئيسية المستخدمة في العالم، ونصوصها وأشكالها وأدوارها والتغيرات الزمنية التي طرأت عليها.

الكتابة القديمة

يتكون الكتاب من ثمانية فصول، عرض من خلالها للأشكال البدائية الأولى للكتابة في الحضارات والبلدان القديمة، في فترة ما قبل الميلاد وما بعدها، وكيف بدأت الكتابة بأدوات بدائية بسيطة مثل الكتابة على العظام والأخشاب والنقش على الأحجار والجدران والمعادن، وأشكال الكتابة التي بدأت برموز ورسوم وصور تبعث برسائل للآخرين، ودور التجارة والتجار في تطوير ونقل الكتابة من بلد لآخر، واقتصار الكتابة قديماً على النخبة والحكام. ومكانة الكتبة في العصور القديمة، التي كانت مكانة عظيمة لمهنة نادرة ومهمة.

وتناول الكتاب أهم أنواع الكتابة في عدة بلدان؛ منها مصر وبلاد الشام واليونان والصين والهند واليابان وروسيا ودول أوروبا والأميركتين وأفريقيا، وكيف تطورت أشكال الكتابة ورموزها والحروف حتى وصلت لما عليه الآن.

في الفصل الأول، وهو بعنوان «من الثلمات إلى الألواح»، يذكر المؤلف أنه قبل ظهور الكتابة الكاملة، استفاد الجنس البشري من وفرة الرموز التصويرية والرموز التذكيرية بمختلف أنواعها من أجل تخزين المعلومات، وحظيت الفنون الصخرية بذخيرة من الرموز العالمية على هيئة (مجسمات بشرية، ونباتات، وحيوانات، وشمس، ونجوم، وغيرها الكثير)، بالإضافة إلى الكتابة بالصور، والثلمات المحفورة على العظام أو الأغراض الأخرى، والحصى الملون. وعبر آلاف من السنين، نمت الفنون التصويرية وأدوات التذكير أكثر من أي وقت مضى في سياقات اجتماعية محددة، وفي النهاية، اندمجت لتصبح «رموزاً تذكيرية تصويرية»، ويذكر منها «سجلات العقد»، وهي عبارة عن عقد بسيطة في خيط واحد، أو سلاسل معقدة من العقد المشفرة بالألوان مرتبطة بخيوط ذات ترتيب أعلى، وشكلت هذه العقد وسيلة متقنة للعد؛ إذ صورت العقد المختلفة في أوضاع متنوعة كميات عددية، وألوان العقد كانت تمثل سلعاً منفردة. ويعود تاريخ سجل العقد إلى أوائل العصر الحجري الحديث، واستخدمته حضارة الأنكا في بيرو القديمة، لتسجيل المعاملات التجارية اليومية والطويلة الأجل، وكان هذا هو الشكل البدائي للكتابة.

ومنها «الثلمات»، وهي خطوط مائلة محفورة على لحاء شجرة، أو عظام أو حجر، بغرض نقل رسالة إلى الآخرين، ويعود تاريخها إلى 412 ألف عام. ووجدت في كهف بلومبوس بجنوب أفريقيا.

ثم كانت الحاجة للكتابة بالصور، لنقل تفاصيل دقيقة مثل الصفات والخصائص، مثل رسومات الكهوف أو الرسم على الجدران والصخور أو لفائف الخشب. وقد كانت الرسائل المصورة تنقل بالفعل منذ عشرات الآلاف من السنين. وفي القرن التاسع عشر، تبادلت بعض القبائل بأميركا، مثل قبيلة شايان، إرسال خطابات تصويرية على لفائف خشبية، وفي أفريقيا يزين شعب الأشانتي منازلهم وأوانيهم بصور تستدعي إلى الذاكرة الأمثال الشعبية، فصورة تمساح يحمل سمكة طين بين فكيه، تعني: «إذا حصلت سمكة الطين على أي شيء، فإنه سيؤول في النهاية إلى التمساح». وكان الغرض من الكتابة بالصور هو التواصل. ومن قبيل المصادفة أن الكتابة بالصور هي «الخط الافتراضي» للغة التكنولوجية الحديثة الآن.

ولطالما وجدت «عصي العد»، إلى جانب الكتابة الكاملة؛ إذ يسهل استخدامها من قبل الأميين، لكنها مجرد ثلمات وثقوب معيارية تدل على وحدات، وليست كلاماً ملفوظاً بوضوح. وتنتمي عصي العد إلى أقدم أشكال حفظ السجلات، بل إن الأستراليين الأصليين استخدموا هذه العصي لتبادل الرسائل بعضهم مع بعض عبر مسافات، بحيث يشير عدد الثلمات على العصا إلى مقدار ما اتفق مسبقاً على أن الرسالة تنقله. واستخدمت دائرة الخزانة البريطانية عصي العد لتسجيل الإيصالات بين عامي 1100 إلى 1862 ميلادية، إلى جانب الرموز التذكيرية ورسائل الإشارة، والرموز الرسومية على الفخار والطين، للقطع الرمزية الطينية التي ظهرت ما بين عام 8000 و1500 قبل الميلاد في شرق إيران وجنوب تركيا، والألواح الطينية التي ظهرت قرب مصب نهر الفرات في عام 3300 قبل الميلاد. وتحمل تلك الألواح رسماً لليد أو الرأس أو القدم، أو ضم رسمين تصويرين معاً مثل العين والماء ويعنيان البكاء، أو المحراث إلى جوار الرجل وتعني الحارث. ثم ظهرت الكتابة السومرية التي انتشرت في العراق وحتى مصر.

فن الكلام

يستعرض الكتاب في أحد فصوله بعض أنواع الكتابة في الحضارات القديمة. ومنها: الكتابة المصرية، حيث شكلت عدة مئات من الرموز الهيروغليفية الجزء الأكبر من النظام المحلي، المكتوب بالحبر على ورق البردي، واشتقت الكتابة الهيروغليفية في مصر والكتابة المسمارية في بلاد الرافدين من المعين ذاته – الرسم اللفظي أو كتابة الكلمات، وقد أطلق المصريون القدماء على الكتابة (مدو نثر) أي (كلمات الإله)؛ لأنهم آمنوا بأنها هدية من تحوت، كاتب الآلهة ذي رأس أبي منجل.

و«الكتابة المسمارية»، التي يرجع تاريخها إلى تاريخ الكتابة اللوغرافية أو كتابة الصوت، حيث حل الصوت محل الرموز، وكانت تلك الكتابة أداة في خدمة أنشطة تجار بلاد الرافدين؛ ولهذا ساد استخدام الكتابة المسمارية في المنطقة لآلاف السنين. وقد شهدت الكتابة المسمارية تطوراً واضحاً في الخط، واتجه الكتبة فجأة ومن دون أسباب واضحة، إلى كتابة معظم العلامات التصويرية وكأنها مالت على جانبها الأيسر، وتغير اتجاه الخط، فلم تعد النصوص تكتب من اليمين إلى اليسار رأسياً، بل صارت تكتب من اليسار إلى اليمين أفقياً في خطوط عمودية، تماماً كما في صحف اليوم.

وكان الكتبة يدربون الصبية في مدارس خاصة بالكتابة، كما في مصر، وهذا يعد أول نظام تعليمي شهده العالم، فينسخون ما كتبه المعلم على ألواح من الطين.

وصولاً إلى ظهور «الألفبائية» الأولية في مصر وأرض كنعان، والتي كانت مجرد طريقة أخرى للتعبير عن الكلام، ويمكن للعديد من اللغات استخدامها نظراً لسهولة تعديلها بإضافة مجموعة صغيرة من العلامات أو النقاط أو الرموز إلى الحروف الموجودة بالفعل.

ثم ظهرت «الألفبائية الفينيقية»، حيث ازدهرت الأبجدية الفينيقية وانتشرت في شكلين منفصلين، ومن الواضح أن كليهما انحدر من تنويعات خاصة بالألفبائية الكنعانية، وبحلول عام 1000 قبل الميلاد تطورت الألفبائية السامية الشمالية الفينيقية تطوراً كاملاً، وتشكلت من 22 حرفاً صامتاً، واستخدمت الألفبائية الفينيقية لما يقارب الألف عام، وتطورت فيما بعد إلى اللغة البونيقية، التي كتب بها أحفاد المستعمرين الفينيقيين في غرب حوض البحر المتوسط حتى القرن الثالث الميلادي.

الكتابة بالصور هي «الخط الافتراضي» للغة التكنولوجية الحديثة الآن

«كتابة المستقبل»

يذكر المؤلف في الفصل الثامن من الكتاب الذي يحمل عنوان «كتابة المستقبل»، أنه لولا الكتابة لما كان ثم وجود للمجتمع البشري المتقدم الذي نعرفه اليوم، وإذا كان هناك درس واحد يمكن أن نتعلمه من تاريخ الكتابة، فهو أن الكتابة لم تنشأ تدريجياً من الصور الصامتة، بل بدأت بصورة مباشرة بصفتها تعبيراً رسومياً عن الكلام المنطوق، وظلت هكذا لآلاف السنين، ولكن يبدو أن هذه الحال تتغير. وكشفت الدراسات الحديثة عن أن القراءة عبارة عن تتابع من الرموز أو الحروف – وليس كتابتها – يربطها مباشرة بصورتها الذهنية من دون الحاجة إلى تحويلها إلى كلام. وتتيح التكنولوجيا الحديثة للحواسيب والأجهزة الإلكترونية الأخرى التواصل من دون وساطة بشرية.

ثم تناول المؤلف موضوع الازدواجية اللغوية، فحين تختلف اللغة التي يستخدمها شعب ما في الكتابة اختلافاً كبيراً عن اللغة المنطوقة تنشأ لغتان منفصلتان، والسبب في ظهور الازدواجية اللغوية هو أن النقل الكتابي لا يهتم إلا باستخدام اللغة الراقية في المجتمع، إضافة لاستمرار تطور اللغة العامية بصفتها لغة حية، أما اللغة المكتوبة فتتغير بوتيرة أبطأ بكثير أو لا تتغير على الإطلاق. وهذا الانفصال بين اللغتين المكتوبة والمنطوقة تنتج عنه مشكلات. وتظهر في أغلب اللغات فجوة شاسعة بين الأسلوب المكتوب والمنطوق، وكثيراً ما تكون العلامة المميزة للشخص المثقف هي مدى مقاربة اللغة التي يتحدث بها للغة المكتوبة.

ثم تناول المؤلف موضوع مستقبل الكتابة، وذكر أن الكفاءة والبساطة لا تحددان مستقبل الخط، وإنما تحدده مكانة مستخدميه وسلطتهم، وتتطور اللغات تطوراً طبيعياً، أما أنظمة الكتابة والخطوط فلا تتطور بالطريقة نفسها؛ إذ إنها تستعار وتتبدل وتهمل عن قصد لأسباب اجتماعية ونفسية وسياسية. ويمكن أن يصبح التوجه نحو استخدام خط واحد ونظام كتابة واحد على مستوى العالم، مجرد أداة تعمل لصالح اللغة الإنجليزية.


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».