روبرت مانش... ذاكرة تتلاشى وقصص أطفال باقية

قصص الكاتب نمت من خيال الصغار وحياتهم اليومية

روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
TT

روبرت مانش... ذاكرة تتلاشى وقصص أطفال باقية

روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)
روبرت مانش في مكتبة «دافيرين سانت كلير» يروّج ليوم الأسرة لمحو الأمية (غيتي)

روبرت مانش، المؤلف المحبوب لكتب مثل «الأميرة ذات الرداء الورقي»، و«سأحبك إلى الأبد»، وعشرات الكلاسيكيات الأخرى، بنى مسيرته الإبداعية من خلال أداء قصصه مباشرة أمام الأطفال، مجرّباً ومعدّلاً إياها حتى تصل إلى صورتها المثالية للنشر. لكن اليوم، وقد بلغ الـ76 من عمره، بدأ الخرف ينهش الخيال الذي غذّى واحدة من أبرز المسيرات الأدبية في أدب الطفل.

أشعر بأفكاري وقصصي تبتعد شيئاً فشيئاً بسبب الخرف وباركنسون (نيويورك تايمز)

في عام 1989، بدأت الطفلة غاه - نينغ تانغ، (8 أعوام)، بمراسلة مانش من بلدتها الصغيرة هيرست في أونتاريو، وكانت رسائلها غالباً تُكتب على قصاصات من مفارش مطعم والديها. وعلى عكس كثير من المؤلفين، كان مانش يحرص على الرد على كل طفل بشكل شخصي، مهما كان بسيطاً أو عابراً.

امتلأت رسائل غاه - نينغ تانغ بتفاصيل الحياة اليومية في بلدة صغيرة، مليئة بالإحباطات والفضول الطفولي، وكانت الشرارة التي أطلقت مراسلات طويلة مع مانش، وألهمته في نهاية المطاف لكتابة كتابه الصادر عام 1994 بعنوان «أين هي غاه - نينغ؟». وكان مانش يؤمن بأن الطفل الذي يُلهم قصة ما، يمتلكها بحق، فيُدرج اسمه، وشخصيته، وصورته الحقيقية داخل الحكاية، كما لو كان شريكاً أصيلاً في صناعتها.

من الرهبنة إلى أدب الطفل

هذا الإخلاص العميق لأصوات الأطفال، وقدرته على تحويلهم من مجرد مستمعين إلى شركاء في الإبداع، جعلا منه واحداً من أكثر كتّاب أدب الأطفال مبيعاً في أميركا الشمالية، إذ تجاوزت أعماله 85 كتاباً، وبيعت منها أكثر من 87 مليون نسخة.

ورغم هذا النجاح، فإن رحلة مانش إلى عالم القصص لم تكن تقليدية. فقد وُلد في بيتسبرغ بأميركا لعائلة كاثوليكية كبيرة، وبدأ دراسته في سلك الرهبنة ساعياً ليصبح كاهناً. لكن أثناء تطوعه في دار للأيتام، اكتشف ميله العميق للعمل مع الأطفال، فقرر التخلي عن الرهبنة، والتحق بجامعة «تافتس» لدراسة تعليم الطفولة المبكرة. ومن هناك بدأت رحلته الحقيقية حين عمل في رياض الأطفال.

وهناك، في لحظات ما قبل قيلولة الأطفال، اكتشف مانش قدرته الفريدة على جذب انتباههم من خلال القصص. فكان يحكي بعفوية، فيسكن الضجيج وتُفتح العيون. ومع تشجيع زملائه، بدأ بتدوين تلك القصص التي أحبها الأطفال.

في عام 1975، وبعد انتقاله إلى كندا مع زوجته آن، قدَّم مجموعة من القصص للناشرين. لم يُقبل منها سوى واحدة فقط بعنوان «بركة الطين»، لكنها كانت كافية لتكون بداية انطلاقته الأدبية.

أما انطلاقته الكبرى فجاءت عام 1980، حين نشر كتاب «الأميرة ذات الرداء الورقي» بالتعاون مع الرسام مايكل مارتشينكو. في هذه القصة، تُنقذ الأميرة إليزابيث الأمير رونالد من التنين، لكنه بدلاً من شكرها ينتقد مظهرها الرث. فترد عليه بجملتها الشهيرة: «تبدو أميراً حقيقياً، لكنك أحمق». وقد بيع من هذا الكتاب أكثر من 7.5 مليون نسخة، وأصبح يُحتفى به بوصفه واحداً من أبرز الكتب النسوية التي قلبت موازين القصص الخيالية التقليدية.

غلاف كتاب «سأحبك إلى الأبد»

أما كتابه الأشهر الآخر «سأحبك إلى الأبد» (1986)، فقد كان بطابع مختلف تماماً. كتبه بعد فقدانه لطفلين وُلدا ميتين، فجاءت القصة نوعاً من الرثاء الحنون. وتتابع الحكاية حياة الأم وهي تردد لابنها، في كل مرحلة من عمره، عبارة تؤكد حبها غير المشروط له. ورغم أن بعض النقاد رأوا فيه مبالغة عاطفية، فإن الكتاب لامس وجدان ملايين الآباء والأمهات بعمق، وتسلل بهدوء إلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، حتى أصبح من أكثر كتب الأطفال تأثيراً وانتشاراً.

قصص صنعتها عفوية الأطفال

كان مانش يؤكد دائماً أنه راوٍ للقصص قبل أن يكون مؤلفاً. وكان يقدم عروضه في المدارس في جميع أنحاء أميركا الشمالية، وغالباً ما يُفاجِئ الجمهور بظهوره دون سابق إنذار، ويقيم مع العائلات المحلية لجمع الأفكار من الحياة اليومية. وكانت عروضه المليئة بالطاقة والمرح والتفاعل تُشكّل مختبره الإبداعي الخاص.

الأطفال كانوا هم صانعي قصصه الحقيقيين؛ يقاطعونه، ويضحكون، ويقترحون إضافات تُدمج أحياناً في الحبكة. وتطورت القصص عبر ما يصل إلى 50 عرضاً حياً قبل أن تستقر على شكلها النهائي. وكان مانش يوضح أن هذه العملية تُزيل الدروس التي يفرضها الكبار، وتحتفظ فقط بما يجده الأطفال مضحكاً ومفاجئاً ومثيراً.

كما قالت محررته ديان كورنر: «يستمع مانش للأطفال أكثر من أي مؤلف آخر عرفته». وعلى عكس الكتب المليئة بالعبر الأخلاقية الصارمة، كانت كتب مانش خالية من الدروس المباشرة، ومليئة بحفلات الميلاد، والمقالب، وحتى النكات عن التبول، وكلها أشياء يحبها الأطفال فعلاً.

ورغم بهجة قصصه، فإن مانش كان يعاني من الاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، بالإضافة إلى الوسواس القهري. ففي ثمانينات القرن الماضي، انضم إلى جمعية مدمني الكحول المجهولين، ولاحقاً تلقى علاجاً نفسياً. وقد ساعدته الأدوية على الاستقرار من دون أن تخمد شرارة إبداعه.

لكن في سنواته الأخيرة، تعرض لانتكاسات، مع إدمان الكحول ثم الكوكايين. ورغم ذلك، أبقى هذه الصراعات بعيدة عن كتبه للأطفال، مصرّاً على ألا تسمح آلام البالغين بتدمير عالم الطفولة في قصصه.

الخرف وسرقة الخيال

وفي عام 2008، أصيب بجلطة دماغية أفقدته مؤقتاً القدرة على سرد القصص. وبمساعدة معالج نطق، تعافى وعاد ليزور المدارس مجدداً. لكن بحلول عام 2021، أعلن تشخيصه بالخرف ومرض باركنسون.

بدأ المرض يسلبه كلماته وتوازنه، فأصبح يتعثر كثيراً، وبدأ ينسى الأسماء، ولم يعد قادراً على قراءة الكتب، إذ بدت له النصوص مشوشة وغريبة. ومع الإرهاق الشديد، لم يعد يخرج من المنزل، وقال ذات مرة: «حياتي تنكمش بهذه الطريقة».

غلاف كتاب «الأميرة ذات الرداء الورقي»

لكن الأكثر إيلاماً كان توقف تدفق القصص. فعلى مدى عقود، كانت الأفكار تأتيه كاملة، وكأنها من دون حدود. أما الآن، فعندما ينتظر الإلهام، «لا يحدث شيء».

وفي عام 2023، حدث أمر استثنائي: ظهرت قصة جديدة. أثناء تفكيره في شقيقتين مسنّتين يعرفهما، تخيلهما كأنهما طفلتان مشاغبتان تثيران الفوضى في مستشفى. وعلى مدى أيام، كتب وعدّل القصة مسترشداً فقط بالأطفال الوهميين في رأسه. وكانت النتيجة كتاب «اقفز!» الذي نُشر عام 2024، وهو أول كتاب جديد له منذ سنوات. لكنه لم يكتب شيئاً منذ ذلك الحين.

ولا يزال مانش مدركاً لتدهور حالته الصحية، إذ يمزح بسخرية قاتمة قائلاً إنه سيصبح مثل «نبات اللفت». لكنه يتحدث بصراحة مع أحفاده عن الموت. وبعد تشخيصه، تقدم بطلب للانضمام إلى برنامج المساعدة الطبية على الموت في كندا، موضحاً أنه لا يرغب في الاستمرار في الحياة بعد فقدانه القدرة على التواصل.

ومع ذلك، تبقى قصصه القديمة محفوظة في ذاكرته، لم يمسّها المرض. فما زال قادراً على سرد «مورتيمر» أو «الأميرة ذات الرداء الورقي» من البداية إلى النهاية، مؤدياً إياها بالحيوية الكوميدية نفسها التي كانت تملأ قاعات المدارس.

وفي أحد اللقاءات، وبعد حديثه عن مرضه، بدأ مانش فجأة في سرد قصة «مورتيمر». فتغيرت ملامحه، وارتفعت نبرته بأصوات «عميقة، تشبه أصوات رجال الشرطة» التي أسعدت أجيالاً من الأطفال. ولبرهة قصيرة، بدا المرض وكأنه اختفى، وبقي روبرت مانش، راوِي القصص، حيّاً في كلماته الخالدة.

خدمة: «نيويورك تايمز»*



المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».


«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
TT

«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)

في أروقة «بيت السناري» الأثري وسط القاهرة، تصطف لوحات وأعمال فنية متنوعة تقدم رؤية معاصرة للآثار القديمة، سواء كانت هذه الآثار مادية أو معنوية أو رمزية، ضمن المعرض الفني «آثار معاصرة» الذي تنظمه مبادرة «وحدات الحياة» بالتعاون مع سفارة النمسا بالقاهرة.

المعرض الذي افتتح في 11 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويستمر حتى 24 من الشهر نفسه في المركز الثقافي «بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية، ضم أعمالاً متنوعة لـ21 فناناً من 10 دول، هي: مصر والمملكة العربية السعودية والنمسا والولايات المتحدة الأميركية، ورومانيا، والنرويج، وبلجيكا، والهند، وتايوان، وآيرلندا.

ويقدم الفنانون المشاركون أعمالاً تعكس مقاربات معاصرة تنطلق من مرجعيات تراثية وبصرية ممتدة، ضمن رؤية فنية تسعى إلى إعادة طرح العلاقة بين الماضي والحاضر في سياق فني عالمي.

لوحات المعرض تنتمي لأساليب فنية متنوعة (بيت السناري)

ويضم المعرض أعمال كل من: لينا أسامة، مهني ياؤود، فائق رسول، تانيا رشيد، شروق بنت فهد، عبد السلام سالم، أليكس سيجيرمان، أفيجيت موكيرجي، بريت بطرس غالي، كارمين بيترارو، سيسيليا فونج، يوليا موركوف، لين بيشيا، مايكل هايندل، بيتر بلودو، روايري أوبراين، سكايلر سميث، سابينا ديلاهاوت، توم شوانج، وهيروين سينز.

وأوضحت الفنانة لينا أسامة، منسقة المعرض ومؤسسة مبادرة «وحدات الحياة» هي والفنان مهني ياؤود أن المبادرة انطلقت عام 2016 لتنظيم المعارض الدولية، انطلاقاً من إيمانهما المشترك بأن «الفن أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتبادل الثقافي والحوار المشترك عبر لغة بصرية تتجسد في المعارض الفنية التي أقيمت تحت عناوين مختلفة وبشكل شبه دوري».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض الحالي في بيت السناري استغرق التحضير له نحو عام ونصف العام، والشريك الرئيسي فيه سفارة النمسا، بالإضافة إلى سفارة رومانيا ومؤسسة المحروسة».

ولفتت إلى أن كل الفنانين جاءوا من حضارات عريقة ومتأثرين بتراث بلدانهم، وجاءت أعمالهم بمثابة إعادة صياغة ومعالجة وتشخيص لهوية تلك البلدان، ويتضمن المعرض تنوعاً لافتاً في الأساليب والتقينات من رسم وتصوير فوتوغرافي ونحت معاصر، و«تكست آرت» وتجهيز في الفراغ لمهني ياؤود ولوحات جدارية لشروق بنت فهد متأثرة بالكثير من التاريخ وتعبر عن الهوية العربية، بالإضافة إلى أعمال الحفر لعبد السلام سالم، وفوتوغرافيا تانيا رشيد، وهي نمساوية عراقية لها أسلوبها الخاص.

وعن المعارض السابقة التي قدمتها المبادرة تقول لينا إن «أول معرض أقيم في 2016 وكان بعنوان (عن الذات والآخر وقصص أخرى) وضم 9 فنانين وسافر إلى النمسا في العام نفسه، وفي السنة التالية نظمنا معرضاً باسم (جينات متوارية) عن الجينات المخفية في البشر والتي تسمح بالتشابه أكثر من المتخيل، وضم هذا المعرض نحو 20 فناناً من جنسيات كثيرة بين مصر وإيطاليا والمغرب وأقيم في مركز الجزيرة للفنون وفي جوتة».

أعمال المعرض تناولت حضور معالم أثرية في حياتنا المعاصرة (بيت السناري)

وفي متحف التراث الأمازيغي في المغرب، نظمت المبادرة معرضاً بعنوان «ابن بطوطة حلم عابر للأوطان» يعتمد على فكرة التجوال والترحال الجغرافي وشارك فيه فنانون من دول مختلفة، ومن مصر شارك عمر الفيومي ومحمد عبلة وأحمد صقر ومن السودان صلاح المر، كما أقامت المبادرة معرضاً في متحف الحضارة المصرية بعنوان «7 درجات من لون البشرة»، شاركت فيها 9 فنانات من دول مختلفة مثل مصر ورومانيا وآيرلندا وموزمبيق وغيرها، كما توضح مؤسسة المبادرة.

افتتاح المعرض في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية (بيت السناري)

وبالنسبة للوحة التي شاركت بها في المعرض الأحدث تقول لينا: «نظمنا من قبل معرض ابن بطوطة للترحال عبر الجغرافيا؛ فأعتبر هذا المعرض الجديد (آثار معاصرة) ترحالاً عبر الزمن، ومن هذا المنطلق قدمت عملاً به كثير من الرموز والتكوينات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة ومحاولة ربطها بالواقع المعاصر عبر فتاتين تقفان بجوار بعضهما البعض وتم تضفير شعرهما في ضفيرة واحدة، مستندة في ذلك إلى الموروث الشعبي وإلى رمزية الياسمين، تلك الشجرة التي تطرح زهوراً كل ليلة، وتسقط هذه الزهور في الصباح ليتجدد الأمر بلا توقف».

إحدى لوحات المعرض (بيت السناري)

وصاحب افتتاح المعرض الفني فقرات موسيقية وغنائية قدمتها كل من لينا عمر التي تسعى إلى توظيف الغناء والعزف على الغيتار وكتابة الأغاني كوسيلة لتحويل المشاعر إلى تعبير فني صادق، يستند إلى حضور أدائي لافت على خشبة المسرح. وفق بيان لـ«بيت السناري» بالقاهرة.

كما قدمت الفنانة بسمة البنداري رؤية موسيقية معاصرة تنطلق من التراث الغنائي المصري، عبر مشروع فني يمزج بين الروح الشرقية وإيقاعات الفلامنكو، من خلال مصاحبة العود للغيتار، في حوار موسيقي مع عازف العود إيهاب زكريا.