كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

الأكاديمية مريم الهاشمي ترصد تحولاتها ومراحلها التاريخية

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟
TT

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

في كتابها «التحولات السردية في الأدب الإماراتي: الرواية الإماراتية الجديدة أنموذجاً - دراسة فنية» الصادر عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، تقدّم الكاتبة والناقدة الإماراتية الدكتورة مريم الهاشمي قراءة لبعض الروايات الإماراتية الجديدة، تكشف من خلالها عن التحولات السردية في الأدب الإماراتي.

في مقدمة الكتاب، تعرض الباحثة القضايا التي تثيرها الرواية، مثل مكان ظهورها وزمانها ومراحلها التاريخية. حيث تشير إلى أن العلاقة بين الجنس والنص هي علاقة معقدة ومتحولة، وأن الرواية نوع من الأجناس الأدبية المتشعبة والمتنوعة، لها خصوصيتها وجذورها الضاربة في الملحمة والشعر الغنائي والأدب الشفوي. كما تشير إلى أن الرواية اقترنت في بدايتها الأولى في أواخر القرن التاسع عشر بوظيفة التسلية والفكاهة، ثم تطورت للتعليم والوعظ والإرشاد، وفي بداية القرن العشرين اتخذت بشيء من التعميم أحد الاتجاهات الثلاثة: الاتجاه الرومنطيقي، والاتجاه التاريخي، والاتجاه الواقعي. وأن تعبير الرواية الجديدة حمل إشكالية اصطلاحية لدى البعض، وأن المصطلح تمت استعارته من بيئات أخرى، مثل الرواية الفرنسية الجديدة.

وترى أن الإمارات، تُعدُّ من المجتمعات سريعة التغير والأكثر انفتاحاً على الآخر، وأن ذلك أثَّر على التعبير عن الواقع والذات وعلى اللغوية الإبداعية؛ لتزدهر الرواية وتتعدد أنواعها، وتتسع أغراضها، وتتنوع مصادرها، وتتسارع في تطورها، وتمردها على القوالب واستيعابها كثيراً من عناصر الفنون وانتشارها في كل الآداب المعاصرة.

وتقول إن الرواية الإماراتية، هي نص تخييلي سردي يدور حول شخصيات متورطة في حدث، وهي كذلك تمثيل للحياة والتجربة واكتساب المعرفة.

ومن خلال قراءة بعض الروايات الإماراتية؛ عرضت المؤلفة في الفصل الأول، اتجاهات الخطاب السردي في الرواية الإماراتية الجديدة، ومنها: الاتجاه التاريخي، والواقعي، والعجائبي. أما في الفصل الثاني «تطور التقنيات الفنية السردية في الرواية الإماراتية الجديدة»، فقد عرضت لكثير من التقنيات الفنية الخاصة بكتابة الرواية الإماراتية، ومنها: تقنية السارد، والتقنية الزمانية، والتقنية المكانية، والتقنية الحوارية، وتقنية الشخصية، وتقنية اللغة.

الرواية الإماراتية

ترصد الهاشمي مسيرة الرواية الإماراتية، والتنوع الذي تتميز به، وتعبيرها عن الهوية الثقافية للمجتمع الإماراتي. حيث تعرض لرواية «ثلاثية الدال» لنادية النجار، التي تناولت فترة الستينات في الإمارات، وحادثة احتراق سفينة «دارا»، والتي عرضت من خلالها تراث المنطقة بانسيابية سردية للأحداث. ثم عرضت لرواية «رحلة غريسة» للكاتبة فاطمة حمد بوعيسى الشامسي، التي تداخل فيها التاريخ مع السيرة في توليفة تراثية ثرية، يمكن أن تكون مرجعاً للعادات القديمة والتراث، والألعاب الشعبية، واللهجة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ فهي تقف على الحياة في الإمارات قبل مائة عام، بخاصة منطقتا عجمان ورأس الخيمة. ثم عرضت لرواية «يوميات روز» للكاتبة ريم الكمالي، التي تناولت قضية تعليم المرأة وتمكينها، والتي ارتبط فيها التاريخ بالحياة الاجتماعية.

وعرضت لرواية «رياح من طشقند» لمنى التميمي، التي تسقط التاريخ على الحاضر، والاعتبار من أخطاء الماضي برؤية وعظية. ثم عرضت لرواية «في فمي لؤلؤة» للكاتبة ميسون القاسمي، التي اعتمدت على المعطيات التاريخية في خطابها السردي.

وتوضح الكاتب أنه على رغم أن الرواية والتاريخ ينتميان إلى حقلين متباعدين، فالتاريخ يستند إلى المادة الواقعية، والرواية تعتمد في بنائها المادة التخييلية، لكنهما ينتميان إلى مملكة السرد، وصارت أشكال التبادل بينهما ميسورة نسقياً. كما أن نظرة الفن إلى سياق الواقع بصفة عامة تقوم على تخييله، فنكون أمام ذاكرتين: الأولى: تاريخية تسجيلية تنتمي إلى حقل التاريخ، والأخرى: جمالية تعتمد على لعبة الخيال.

الاتجاه الواقعي

وعن الاتجاه الواقعي للرواية الإماراتية، ذكرت المؤلفة أنه في العمل الروائي يوجد تكامل بين الفن والوعي، وبين الذات والموضوع، وبين بنية شكلية فنية وبنية موضوعية اجتماعية، وأن الرواية استطاعت أن تتمثل الواقع وتعكس صورته. كما أن الذات المتلقية هذا الفن سوف تنظر إليه من خلال عين أخرى، هي عين المبدع الذي اختار أن يمنح تجربته مع هذا الواقع قدراً من البقاء عبر التواصل مع فضاءات أخرى؛ ليتحول الواقع المرئي عبر هذه العين المبدعة إلى ما يشبه المرآة، التي يمكن للقارئ أن يرى فيها ذاته الفردية، وجماعته والظرف الزمني الذي يحتويه. والرواية الواقعية هي من أكثر الأنواع الروائية التي تحتمل تداخل الأجناس الأدبية في رحمها، وتعيد إحياءها في خطابها السردي؛ كالتراث، والأسطورة، والشعر، والقصة الشعبية، والملحمة والأرجوزة.

كما عرضت لبعض الروايات الواقعية الإماراتية، مثل رواية «رحلة غريسة» للكاتبة فاطمة الشامسي، التي تعكس واقع أمة وحضارتها وواقع إنسان عاش فترة ناضل فيها من أجل لقمة العيش. ثم عرضت لرواية «كولاج» للكاتبة فتحية النمر، التي تحكي عن القضايا الاجتماعية في المجتمع الإماراتي، والتي طرأت بفعل الانفتاح الحضاري، والتغير القيمي، والاحتكاك الثقافي مع الآخر، ثم عرضت لرواية «الهائمون» للكاتبة نجيبة الرفاعي، ورواية «ريتاج» للكاتب حمد الحمادي، ورواية «سين تريد ولداً» للكاتبة لطيفة الحاج، التي تطرح قضية الزواج في مجتمع منفتح ومتطور اقتصادياً وثقافياً، ونظرة الرجل للمرأة في المجتمع الحديث.

وتضيف الكاتبة أن الرواية في طرحها قضايا مجتمعية وواقعية – تُعدُّ توثيقاً للمجتمع وقضاياه خلال زمن كتابة الرواية أو زمن الخطاب السردي؛ فالمجتمع دائم التغير والتبدل، ليأتي دور الخطاب السردي في الأعمال الروائية كالراصد المستمر لتلك التحولات كونها من أكثر الأجناس الأدبية الحاملة لهم القضايا المجتمعية والكاشفة عن أسرارها وخباياها بواسطة اللغة والتقنيات السردية.

الاتجاه العجائبي

وعرجت الباحثة على الاتجاه العجائبي في الرواية الإماراتية، لافتة إلى أنه يعتمد على ثقافة الأديب ورؤيته للآداب الأخرى، عن طريق الخروج من الواقع إلى أشياء غير مألوفة تتعدى مخيلة الإنسان. وأن هذا النوع من الخطاب السردي في دولة الإمارات قائم على السحر والتحول واستحضار الجن، والغرائبية التخييلية، والتنقل عبر فضاءات غيبية غامضة ومخيفة.

ثم قدمت قراءة لبعض الروايات الإماراتية التي تعتمد هذا الاتجاه، ومنها: رواية «ثنايئة مجبل بن شهوان»، ورواية «زينة الملكة» للكاتب علي أبوالريش، ورواية «عذراء وولي وساحر» للكاتبة سارة الجروان الكعبي، ورواية «ربيع الغابة» لجمال مطر، ورواية «ك – ص: ثلاثية الحب والماء والتراب» لعلي أبو الريش ورواية «غرفة واحدة لا تكفي» لسلطان العميمي.

التقنية الزمنية والمكانية

وعن التقنية الزمنية في الرواية، تذكر المؤلفة أن الزمن يُعدّ أحد مكونات العمل الأدبي؛ فالزمن في الأدب هو الزمن الإنساني، وهو مكونً للنص الأدبي، له ارتباطه بعناصر أخرى مهمة للعمل منها المكان؛ فالزمن حركة لا تتم إلا في مكان. وله ارتباط كذلك بشخصيات العمل الأدبي وأحداثه ولغته، بل هو صانع الأحداث ومؤثر في صيرورتها.

وعرضت المؤلفة للتقنية الزمنية في رواية «الهائمون» للكاتبة نجيبة الرفاعي، وكذلك في رواية «يوميات روز» للكاتبة ريم الكمالي، وفي رواية «رياح من طشقند» للكاتبة منى التميمي. وفي رواية «دائرة التوابل» لصالحة عبيد.

وذكرت أن الرواية الإماراتية الجديدة، اتجهت إلى تفعيل البنية الزمانية بشكل أكبر؛ ما شكَّل نقلة نوعية في توظيفها تقنيةً فنيةً واضحة الحضور في النص السردي. ولم يعد الزمن هو الزمن الآني أو الماضي؛ بل أصبح الجمع بين زمانين مختلفين في البعد الحضاري والمكاني واللغوي والقيمي. ثم عرضت لتقنية الاسترجاع أو الفلاش باك، ومدى ارتباطها بالتناص الأدبي بكل أنواعه.

وبخصوص التقنية المكانية في الرواية الإماراتية، ذكرت المؤلفة أن وظيفة المكان في العمل الروائي لا يمكن أن تكون مجرد وظيفة تزيينية أو منفصلة عن باقي عناصر الرواية، أو زائدة عليها، إنما يقدم المكان دلالات رمزية متعددة حسب رؤية مؤلف الرواية واستجابة القارئ وما يراه من تأويلات قد تختلف من متلقٍ إلى آخر بوصفه عنصراً متداخلاً ومتحداً مع باقي مكونات العمل الروائي. وعرضت المؤلفة قراءة لبعض الروايات الإماراتية التي وظفت تقنية المكان. وتحدثت عن التعددية المكانية والفضاء المكاني، ودور المكان في خيال المتلقي، ورمزية المكان، ودور المكان في الكشف عن التاريخ وتفاصيل الحياة، ودوره في تفعيل الحواس وتحريك البصر لدى المتلقي، ليصبح جزءاً من المكان.

الحوار في الرواية

ثم عرضت المؤلفة للتقنية الحوارية في الرواية الإماراتية، مشيرة إلى أن الحوارية تعمل أحياناً على تقديم صوت الشخصية مستقلة عن صانعها، وأحياناً لا يمكن الفصل بين الصوتين، وقد يتماهى الصوت الداخلي للشخصية مع الصوت الخارجي؛ وهو ما يحيلنا إلى التناص الأدبي. ثم عرضت لأنواع التقنية الحوارية وطرق توظيفها بما يخدم رؤية الكاتب الإبداعية في بعض الروايات الإماراتية ومنها: رواية «كمائن العتمة» للكاتبة فاطمة المزروعي، التي استطاعت أن تدخل القارئ في أعماق الشخصيات، من خلال تقنية الحوارية؛ ما يسهم في الحفاظ على الإثارة في العمل الحكائي فيما يتعلق بتطور الشخصيات ودورها في المشاهد اللاحقة. كما عرضت لرواية «ليلة مجنونة» لمحمد بن جرش، وكيف أتت الحوارية في روايته ملائمة لمستوى وعي الشخصيات وطبيعة أدوارها، كما كشف عن الفوضى الداخلية التي تعتري كوامنها الشخصية. أيضاً الخلفية المجتمعية التي ينتمي إليها العمل الأدبي، كما في رواية «رحلة غريسة» لفاطمة الشامسي.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم

بدر الخريف (الرياض)
ثقافة وفنون كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

كيف نظر كتّاب العالم وفلاسفته إلى مكتباتهم؟

لطالما كانت الكتب التي حمّلها الكتّاب والمبدعون منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، عصارات عقولهم وخلاصات حدوسهم ومكابداتهم، موضع احتفاء دائم من قِبل ملايين القراء.

شوقي بزيع

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».