في الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية... الصين تستعرض قدراتها العسكرية

تحالف الصين وروسيا والهند يثير طموحات جيوسياسية لمواجهة الهيمنة الأميركية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن (من اليسار) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدثون قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مركز ميجيانغ للمؤتمرات والمعارض في تيانجين بالصين يوم الاثنين 1 سبتمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتن (من اليسار) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدثون قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مركز ميجيانغ للمؤتمرات والمعارض في تيانجين بالصين يوم الاثنين 1 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

في الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية... الصين تستعرض قدراتها العسكرية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن (من اليسار) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدثون قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مركز ميجيانغ للمؤتمرات والمعارض في تيانجين بالصين يوم الاثنين 1 سبتمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتن (من اليسار) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدثون قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مركز ميجيانغ للمؤتمرات والمعارض في تيانجين بالصين يوم الاثنين 1 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تستعرض الصين قدراتها العسكرية بإقامة عرض عسكري ضخم، الأربعاء، الثالث من سبتمبر (أيلول)، احتفالاً بالذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية بمشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، حيث يسعى الرئيس الصيني إلى تعزيز مكانة بلاده كزعيمة للدول التي تشعر بالتهميش في ظل النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، وتقديم رؤيته لنظام أمني اقتصادي عالمي جديد يعطي الأولوية للجنوب والنظام متعدد الأقطاب. ويتزامن هذا الجهد مع اجتماعات قمة منظمة شنغهاي للتعاون، التي اقترحت مبادرة لبناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً.

وخلال القمة التي ضمت أكثر من 20 زعيماً في مدينة تيانجين الصينية، انتشرت صورة التجمع الدافئ بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جينبينغ وهم متشابكو الأيدي ومنخرطون في عناق دافئ. وتداولت وسائل الإعلام الأميركية هذه الصورة بين الدب الروسي والفيل الهندي والتنين الصيني باعتبارها رسالة تحدٍّ واضحة للهيمنة الأميركية في ظلّ سعي إدارة ترمب إلى تفكيك هذه التحالفات.

في هذه الصورة المركبة يتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتن (يسار) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (وسط) والرئيس الصيني شي جينبينغ قبل قمة منظمة شنغهاي للتعاون في مركز ميجيانغ للمؤتمرات والمعارض في تيانجين بالصين يوم الاثنين 1 سبتمبر 2025 (أ.ب)

وقد توطدت العلاقات الروسية الصينية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 حيث وفرت بكين شريان حياة اقتصادي لروسيا من خلال مواصلة التجارة رغم العقوبات الغربية، وقيام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على شركات صينية لقيامها بدعم الصناعة العسكرية الروسية.

وتعززت العلاقات الروسية الصينية الهندية في وجه تهديدات ترمب بفرض عقوبات ثانوية على الهند التي تستورد النفط الخام من روسيا بأسعار منخفضة وتقوم بتكريره وشحنه إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا وتحقق أرباحاً طائلة من ورائه.

وتُعد الهند والصين هما أكبر مشترٍ للنفط الخام من روسيا. ويسعى الرئيس الصيني إلى ما وصفه بعولمة اقتصادية أكثر شمولاً في ظل الاضطرابات التي أحدثتها سياسات ترمب الجمركية، مشيداً بالسوق الضخمة التي تتيحها منظمة شنغهاي للتعاون والفرص الاقتصادية الواعدة. وأيد الرئيس الروسي بوتين هذا التوجه قائلاً: «إن منظمة شنغهاي أحيت التعددية الحقيقية بما يرسي الأساس السياسي والاجتماعي والاقتصادي لبناء نظام جديد للاستقرار والأمن في أوراسيا»، وأضاف: «هذا النظام الأمني بخلاف النماذج الأوروبية المركزية والأوروبية الأطلسية سيراعي مصالح مجموعة واسعة من الدول بصدق وسيكون متوازناً تماماً، ولن يسمح لدولة واحدة بضمان أمنها على حساب الآخرين».

مودي وشي

رئيس وزراء الهند يحضر اجتماعاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون (د.ب.أ)

وفي قمة شنغهاي بدا التقارب الصيني الهندي حيث استغلت بكين انعقاد القمة لإصلاح العلاقات مع نيودلهي، واتفق مودي - الذي زار الصين لأول مرة منذ سبع سنوات - مع شي على أن بلديهما شريكان في التنمية وليس متنافسين. وقال شي لمودي: «إن الخيار الصحيح لهما أن يكونا صديقين تربطهما علاقات صداقة وشراكة تمكنهما من النجاح وأن يرقص التنين مع الفيل».

وقد كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مقابلات من 12 مسؤولاً من واشنطن ونيودلهي عن أسباب توتر العلاقات بين ترمب ومودي بعد مكالمة هاتفية في 17 يونيو (حزيران) أثار فيها ترمب غضب مودي بادعاء أنه السبب وراء انتهاء التوترات والحرب الهندية الباكستانية. وتفاخر ترمب بأن باكستان سترشحه لجائزة نوبل للسلام. في الجانب الآخر استشاط الزعيم الهندي غضباً موضحاً أن التوصل لوقف إطلاق النار وتسوية الصراع بين الهند وباكستان ليس له علاقة بالتدخل الأميركي. ورفض مودي الانخراط في دعم ترشح ترمب لجائزة نوبل مما أسهم بشكل كبير في تدهور العلاقة بينهما.

وتعد الصين إحدى الدول التي يستهدفها ترمب بسلاح الرسوم الجمركية كما انتقلت العلاقة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الهندي من الود والصداقة إلى التوتر والتباعد، بعد الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضها ترمب على الهند، مما دفع نيودلهي إلى التقارب مع بكين وموسكو على الرغم من أن مودي لن يشارك بحضور العرض العسكري الصيني. وقد أدت الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب بنسبة 50 في المائة على الصادرات الهندية إلى زيادة توتر العلاقات الأميركية الهندية، مما دفع نيودلهي إلى التقارب مع بكين وموسكو. وأشار أحد المراقبين إلى أن «ترمب يبث روحاً جديدة في القمة»، مما سمح للصين بتصوير دبلوماسيتها على أنها أكثر موثوقية.

تحالف موازٍ للهيمنة الأميركية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أثناء اجتماع على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين في الأول من سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ويقول المحللون إن منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم الآن 10 أعضاء كاملي العضوية، بما في ذلك بيلاروسيا، أصبحت تمثل ثقلاً موازناً للهيمنة الأميركية العالمية. ففي ختام القمة، تعهّد شي بتقديم 280 مليار دولار كمساعدات، ووضع خطة عشرية لـ«عالم متعدد الأقطاب»، داعياً إلى بدائل للدولار الأميركي وتعزيز العلاقات الأمنية.

وتُشكل هذه الرؤية تحدياً لنفوذ واشنطن، لا سيما في أوراسيا، حيث تمتد هذه الكتلة على اقتصادات وموارد هائلة. بقيادة الصين وروسيا، وبمشاركة الهند، تسعى منظمة شنغهاي للتعاون إلى إنشاء بنك تنمية وإبرام صفقات استخراج معادن حيوية، مما قد يُمكّن من تجاوز العقوبات الغربية. وصرح أحد الخبراء، مُشدداً على احترامه للقوى الناشئة: «رؤية منظمة شنغهاي للتعاون تُمثل حجة للولايات المتحدة». وتُشير مظاهر القمة - المصافحات، والرحلات بالسيارات، والبيانات المشتركة - إلى وحدة الصف في مواجهة سياسات ترمب.


مقالات ذات صلة

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز) play-circle

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية لاحقاً

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية، وموسكو تتابع «الوضع الاستثنائي» حول غرينلاند، وتتجنب إدانة خطوات ترمب

رائد جبر (موسكو)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.