فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

وضع ماركس في إطار تخييلي وجعله بطلاً لأحدث رواياته

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
TT

فيصل الأحمر: غياب المنابر المختصة أزمة الأدب الجزائري

 الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر
الشاعر والروائي الجزائري فيصل الأحمر

شاعر وروائي وباحث فلسفي وأكاديمي، هذه الوجوه الأربعة، برغم ما بينها من تباين، وقعت اتفاقية «تعايش سلمي» داخل تجربة فيصل الأحمر؛ الذي يعد أحد أبرز الأصوات في المشهد الجزائري الأدبي الراهن، محققاً انتشاراً لافتاً عبر بوابة الرواية، وأعمال سردية مميزة تتنوع ما بين الرواية التاريخية وأدب الخيال العلمي والأدب النفسي.

من أبرز أعماله «مدينة القديس أوغسطين»، و«أمين العلواني»، و«ضمير المتكلم»، وأخيراً «العشاء الأخير لكارل ماركس».

هنا حوار معه، حول هذه الوجوه الأربعة، وروايته الأحدث.

> ترتكز روايتك الأخيرة «العشاء الأخير لكارل ماركس» على واقعة تاريخية تتمثل في زيارة المفكر الألماني الشهير إلى الجزائر في أيامه الأخيرة عام 1882... ما الذي أثار حماسك في تلك الواقعة حتى تحولها إلى نقطة انطلاق لعمل إبداعي؟

- الرواية كلها ترتكز على ما يمكن أن يُدعى بـ«التفكير بالمنطق الافتراضي» أو «المنطق المعكوس»، إذ يضع الرياضيون فرضية قد تكون خاطئة عن قصد من أجل البرهنة على سلامة نمط معين في التحليل. لقد وقفت على رحلة ماركس إلى الجزائر من خلال رسائله وبعض التعليقات والأخبار المتفرقة، ولاحظت فقر تلك الرحلة بسبب المرض الشديد الذي ألَمَّ به، التهابات حادة في المسالك التنفسية، ثم وقفت جيداً عند ملاحظاته الهامة وإن قلّت حول الجزائريين من الأهالي؛ على اعتبار أنه قد كان هنالك جزائريون فرنسيو الأصل ساعتها.

أحاطت الرواية ماركس بإطار تخييلي مزج بين شخصيات واقعية حقيقية في مجملها وأخرى متخيلة أو مقتبسة من ملامح شخصيات وجدت حقاً، لكن بمعزل عن زيارة ماركس. وكان الجهد الأكبر هو محاولة بث الروح في زمن ولَّى ومضى، كل ذلك بهدف التأمل فيما نعيشه الآن في أيامنا من بقايا الاستعمار ورواسبه وتجلياته الجديدة.

> إلى أي حد تعكس تلك الرواية ولعك، على المستوى الشخصي، بالفلسفة وشراهتك في قراءة التاريخ؟

- أعتقد أنها رواية تشبهني كما قد عبّر مبكراً ثلاثة من أهم النقاد هم الجزائريان لونيس بن علي وطارق بوحالة والعراقي حسين القاصد. والواقع أن اشتغالي بالفلسفة من سنين طويلة ترك بصمة واضحة على الرواية التي بطلها مفكر كبير مستلقٍ على فراش المرض، هو شخصية ستكون كل مغامراتها الممكنة مغامرات داخلية بالضرورة. شخصية ماركس وهو شيخ داخل أيّة رواية ستكون متماشية مع نمط الحوار والتفكير، لا مع أحداث سريعة متسارعة ومغامرات صاخبة.

والواقع أنني كتبت رواية بطلها مفكر فيلسوف معروف، ولكنني ركزت على الحكايات الصغيرة الكثيرة التي أحاطت برحلته، وذلك ما بدا أنه قد راق للمتابعين والقراء والنقاد. نحن نمارس تفكيراً عميقاً من خلال الحكايات التي قد تبدو بسيطة وعادية أحياناً فيما هي تترجم تركيبات عقلية معقدة.

> انتقد البعض عبارة «العشاء الأخير» في العنوان باعتبارها «نمطية» و«مستهلكة»... كيف ترى الأمر؟

- ليس انتقاداً بقدر ما كان تساؤلاً يحمل استغراباً عميقاً حول فكرة الربط بين تيمة «العشاء الأخير» ذات الظلال الدينية وبين شخصية ماركس التي اشتهرت بالتحرك بين الإلحاد و«اللاأدرية». ومفتاح الحكاية هو أن ماركس كان يُكنى في بيته ومن قبل أقرب إنسان له في العالم؛ أقصد زوجته عالمة الاجتماع التي لا يشق لها غبار جيني فيستفالن، بكنية «رسولي الصغير» في إشارة ثلاثية إلى قصر قامته، وحمله لرسالة جديدة للإنسانية، وكذلك لحيته الكثة التي تميز الرسل كما يوصفون في الكتب المقدسة. أيضاً الرواية تنتهي بلقطة طويلة جداً هي وجبة عشاء صاخبة مثيرة لن يطيل ماركس المكوث في البلاد بعدها، فهو فعلاً عشاء أخير على عدة أصعدة.

> تنتمي الرواية إلى ما بات يطلق عليه «الرواية التاريخية» والتي تكاد تشكل التيار الأكبر في السرد العربي حالياً، لكن كثيرين يتهمون أدباء هذا اللون الإبداعي بـ«الاستسهال» و«الهروب من الواقع بحثاً عن وقائع جاهزة ومكتملة دون مجازفة إبداعية»... كيف ترد على ذاك؟

في كل مدارج الأدب وأنواع النصوص وفي كل العائلات الفنية أو الموضوعاتية يوجد الجيد والرديء، يوجد النقي والمشوب، يوجد ما يعمل عليه صاحبه كأنه ينحت حجراً، ويوجد كذلك ما يطويه صاحبه كشربة ماء من نهر جارٍ.

العبرة ليست بالاعتقاد بأن رواية من الخيال العلمي صعبة في حين أن رواية واقعية ستكون أسهل بالضرورة. هذا كلام لا يقنعني أبداً. أعتقد أن الرواية التاريخية صعبة جداً جداً وليست «حمار الروائيين» كما سماها أحدهم تأسياً بالتعبير التراثي الجميل «حمار الشعراء».

> ما سر شغفك بأدب الخيال العلمي الذي أنتجت فيه ثلاثة أعمال روائية؟

- الخيال العلمي يمنحك رئة خاصة جداً تتنفس بواسطتها هواءً نقياً جداً ومتميزاً جداً. هنا الكلمة المفتاحية هي الفكرة التي تنبني عليها الفلسفة: وضع فرضية مستقبلية لبعض إمكانات الواقع ثم دراستها بطريقة ملء الفراغات؛ إنه تمرين عقلي جميل، وكثيراً ما يمنحنا لذتين أكيدتين، الأولى هي تحقق بعض نبوءاتنا، وهذا لذيذ جداً ويدعو للفخر بشكل معين، والثانية هي الغرق في بناء عالم على الطريقة التي يقوم بها الأطفال وهم يبنون قصور رمال على الشاطئ؛ في تجربة يراها الكبار فارغة من المعنى فيما يتلذذ بها الصغار.

هذا الأمر يعبر عنه الفلاسفة تأسياً بمارتن هايديغر بشكل عميق حينما يرون أن سبب الحزن الملازم لإنسان الزمن الصناعي - المعاصر - الحداثي هو ذهاب البراءة المرتبطة بهامش المجهول الذي كان لدى إنسان الأزمنة القديمة، أو ما يسمونه «فقدان القدرة على الانبهار». الخيال العلمي كثيراً ما يلعب في هذه الزاوية وينجح في إعادة تأثيث عوالم عجيبة تدهشنا رغم كوننا مدججين بعدم الاستعداد للدهشة.

> هل يستطيع الخيال العلمي مواجهة «طوفان أدب الجريمة والرعب» الذي يجتاح الرواية حالياً على مستوى العالم؟

- لكل نوع مساراته. لو عدنا إلى السينما أو الأدب في الستينات والسبعينات شرقاً وغرباً وقلنا لأحدهم إن الإعلام الآلي سيتطور حتى يظهر الواقع الافتراضي ثم الذكاء الاصطناعي، وإن الفانتازيات والعجائبيات وأدب الجان والشياطين ساعتها ستكون هي الأوسع انتشاراً بين القراء، فلن يصدقنا.

أعتقد أن الفانتازيا وأدبيات الرعب والعالم الآخر ليست ظواهر أدبية بالمعنى العميق الجاد للكلمة، أعتقد أنها ظواهر تخص دور النشر أكثر مما تلمس الذوق الأدبي. هي كُتُب تولد مثل الفطريات وتذهب ليأتي غيرها مثل الفطريات. ذاكرة هذا النوع من الكتب قصيرة جداً. في حين أننا إلى غاية اليوم نقرأ «اللاز» للطاهر وطار، و«المتشائل» لإميل حبيبي، أو «مائة عام من العزلة» لماركيز و«عالم جديد فاضل» لألدوس هكسلي، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ. هذه ظواهر أدبية، أما الرعبيات والعوالم المظلمة فهي ذوق عابر بلا أثر على أديم الزمن فيما أرى.

> لك أكثر من ديوان شعري منها «الرغبات المتقاطعة» و«مجنون وسيلة»، لكنك متهم بكونك أحد «خونة الشعر» الذين تركوا القصيدة وارتموا في أحضان الرواية بحثا عن الشهرة والأضواء والجوائز؟

- إذا دخلت صفحتي على «فيسبوك» مثلاً؛ وهي صفحة ذات انتشار محترم وذات جمهور يعول عليه، ستجدين أهم ما ينشر فيها هو نصوص شعرية؛ مع ميل هذا العام صوب الكتابة الشعرية حول غزة وفلسطين والوجع العربي العميق، وكذلك انتشار مشهود لنصوص شعرية ذات اتجاه صوفي. أنا لم ولن أخون الشعر أبداً، وقلت سابقاً في أحد الحوارات: أنا إذا نمت حلمت بنفسي شاعراً قبل أي شيء آخر.

هذا لا ينفي أن الرواية تجد ردود فعل لدى القراء والنقاد والإعلاميين والجامعيين عشرات المرات أكثر مما يحظى به الشعر. وهذا واقع زمننا ولا مهرب لنا منه. ودعيني سيدتي الكريمة أقول لك إن الأمر جيد هكذا ولا حرج فيه. الشعر رفيق الصمت والهامش والانسحاب والليل، هو مثل الأجنة يحتاج العزلة والهدوء لكي ينمو نمواً جيداً.

> ألا يحد الناقد الأكاديمي من انطلاق المبدع بداخلك أحياناً... كيف تتعايش مع تلك الثنائية؟

- يُطرح عليّ هذا السؤال منذ ربع قرن من الزمن، ولعلي اليوم سأقول جديداً: أعتقد أن التفسير الأقرب إلى الحقيقة هو أنني شخص «شيزوفريني»، انفصامي، هنالك في داخلي تعايش سلمي غريب بين الشاعر والروائي والأكاديمي. يبدو أنه لا أحد يزعج الآخر. معاهدات السلام الدائم التي ظل الساسة يحلمون بها من أقدم الأزمنة تحققت بداخلي بين الأجناس الكتابية المختلفة.

> أخيراً، كيف ترى المشهد الروائي الجزائري حالياً... ما أبرز الإيجابيات والسلبيات التي ترد فوراً إلى ذهنك؟

- الوضع في الجزائر كحاله في غيرها، نصوص كثيرة جميلة تصدر، بعضها لا يحظى بالعرفان الواجب بسبب الكثرة والتسرع والميل غير الصحي لبعض القراء أو النقاد أو بسبب شخصيات بعض الكتاب.

الجوائز الأدبية فرضت إيقاعاً خاصاً؛ بما لها من إيجابيات وسلبيات، جو من التنافس الإيجابي جداً والذي يميل أحياناً صوب الجانب السلبي أو التجليات المرضية المختلة. وقد أدى كل ذلك وطمعاً في الاعتراف الجماهيري الواسع أو طمعاً في المكافآت المالية المجزية إلى تكاثر النصوص وثراء التجارب.

ولكن هنالك ظاهرة سلبية عندنا في الجزائر أكثر مما هي الحال عليه في بلدان عربية أخرى: هي غياب منابر مختصة كبيرة، وكذلك انسحاب المنابر النقدية الموجودة سواء في أجهزة الإعلام أو في الجامعات والمؤسسات الثقافية من أداء دورها الهام في الغربلة، في منح نصوص معينة شارة الجودة، ومنع الشارة عن النصوص الأمشاج التي لم يتم نموها أو التي كُتبت بتساهل معين.

ثمة ملاحظة أخرى ذات طابع إيجابي، إنه الدخول الكمي والنوعي للمرأة إلى عوالم الكتابة الروائية. هنالك عدد معتبر من الكاتبات الشابات يصدرن رواياتهن الأوائل. وهذا مما يجدر بنا أن نعلي من شأنه في رأيي لأنه يحيل لخطوة ضرورية في النمو الحضاري يبدو أن مجتمعاتنا تقوم بها بسلامة وشجاعة. ولعله مما يبشر بغد جميل.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».