لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

أصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم
TT

لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم

لا أتذكر أني سمعتُ باسم صنع الله إبراهيم في ثمانينات العراق الكئيبة؛ كانت الأخبار، آنذاك، قليلة، ومثلها الكتب. الحياة ذاتها كانت معلَّقة، برمتها، بالفراغ الدامي، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، كانت الحرب قصة البلاد الوحيدة ببطلها الأوحد الوحيد؛ فهو الحكاية كلها بفصولها المختلفة والمتعدِّدة، هو صانع الحكايات وراويها، وكان على البلاد أن تنتظر حتى تضع الحرب أوزارها. لكني للإنصاف، أيضاً، كنت مغرماً بالشعر والشعراء، وهذا، ربما، سبب إضافي لجهلي باسم الكاتب المصري الشهير، وكأن هناك قدراً حال دون تلك المعرفة، سوى أن مصائر الكتب ومؤلفيها لم تكن، يوماً، رهناً بالمزاج الشخصي؛ فأنا أتذكر أن صديقاً اشترى من «بسطية» كتب رواية عاش كاتبها ردحاً من الزمن في عراقنا العجيب، وكان عنوان الرواية «قصة حب مجوسية»؛ فلماذا لم أتعثَّر، أنا شخصياً، بإحدى روايات صنع الله كما تعثَّر صاحبنا؟!

أفكر الآن أن لا معنى لربط مصائر روايات كاتب ستيني أساسي، مثل صنع الله، بقراءاتي ومسارات حياتي المضطربة؛ فقصته التي صنعت شهرته: «تلك الرائحة»، كانت قد صدرت عام 1966 في القاهرة، وصودرت في الحال، ثم ظهرت منها نسخة غير مكتملة نشرتها مجلة «شعر» اللبنانية الشهيرة عام 1969. ولم أكن، وقتها، قد التقطت نفسي الأول. لكن القصة كلها هنا، في هذه النقطة المحدَّدة من الحياة؛ فأنا أفترض أن جانباً أساسياً من مساهمة صنع الله تكمن في هذه النقطة، فقصصه ورواياته كانت صانعة لمخيلتي الفقيرة آنذاك. هل كانت مخيلتي وحدها الفقيرة؛ أم أن البلاد، بلادي كلها، كانت تفتقر لمخيلة خصبة بعد حرب مدمِّرة وقصص مكرَّرة، ملايين المرات، لحاكم البلاد، وهو يضحك، ثم وهو يحتفل بميلاده «السعيد»، ثم وهو يذهب لتعاسته الخالدة؟

ثمة سيرة مقترحة... ثمة مخيلة أخرى

كانت قراءتي لقصة «تلك الرائحة» موعداً متأخراً مع مخيلة جديدة، كلياً، لم أعهدها من قبل. أفكر الآن أن تلك المخيلة كانت متصلة بسيرة ضمنية لكاتب تلك القصة المختلفة. تحكي القصة المطوَّلة، نسبياً، عن «سجين» سياسي يخرج، للتو، من المعتقل، ويعود إلى عالمه الأول، ولم يكن سوى غرفة قذرة هي المعادل للبلاد كلها. تبدو قصة السجين السياسي العائد قصة مكررة، ربما، في الرواية والقصة العربية؛ ففي الرواية العراقية، مثلاً، سيظهر عندنا ما سُمي، لاحقاً، بـ«ثلاثية شباط: (الوشم) - 1972 و(القلعة الخامسة) - 1972 و(الرجع البعيد) - 1980»، والروايات الثلاث، لا سيَّما «الوشم»، تتخذ من سردية السجين الخارج من المعتقل موضوعاً كلياً لها. ففي «الوشم» نغادر المعتقل مع «كريم الناصري»، ونعود معه إلى مدينته وعالمه العتيق. ثمة عالم كامل ينهار أمامنا، لا عِوَض أو بديل عنه سوى الوهم والخيبة. هذا بالضبط ما تقترحه «تلك الرائحة» من عوالم مختلفة وصادمة على القصة العربية، سوى أن بطل «تلك الرائحة» لا يملك بيتاً أو أهلاً يعود إليهم. فهي القصة، ولنقل «النوفيلا» المؤسسة لسردية السجين الخارج من المعتقل؛ حيث الأبواب الضخمة المغلقة بإحكام، الأبواب التي تكتم الأصوات وتقمع الأحلام. وهي، وحدها، مما يخرج منها الناس، في عالمنا العربي، إلى ما تبقَّى منهم، إلى سجون الذات المحصَّنة، فلا أبواب كبرى سواها تطاول السماوات؛ كما لو أن يجتاز عتبتها الأخيرة يُلقى به من أعلاها إلى أسفل سافلين، فلا يبقى منه غير الحطام!

وهذه سردية كررت عوالمها الرواية العربية مراراً بطبعاتها وأسمائها المختلفة. قصة المعتقل وسجينه والرائحة العجيبة، رائحة الذات المحطمة هي إحدى صنائع مخيلة صنع الله العجيب والمتفرد. هل كان إبراهيم يكتب عن تجربة بصفته معتقلاً سياسياً في سجون عبد الناصر؟ هذا من نافلة القول، وفي استلهام تجربة الذات فرادة وتفوُّق يُحسب لصنع الله؛ فلا نكون إزاء وهم الذات المتفجعة بمحنتها، ولا يستغرقنا فخ السرد المتوهَّم بمنجزه القصصي. كان صنع الله يستلهم تجربته، وهذه حقيقة كبرى قامت عليها مجمل رواياته؛ فهو يستعمل تجاربه الشخصية في الكتابة السردية، لكنه يعدها محض وسيلة من وسائل أخرى متعدِّدة، وربما مختلفة، في تشييد العالم السردي لقصته أو روايته.

1970: نسيان أقل وذاكرة منضبطة

لكن صنع الله المختلف لا يزيف تجربته ولا يخدع قارئه؛ فلا يكتب بقصد استعادة عالمه المنتهك أو المنهوب انتقاماً من سردية المعتقل، أو لترميم صورة الذات قبله، كما يرغب ويفعل كتَّاب عرب كثيرون؛ وللأسف؛ بروايات تتعكز على سردية «الحكاية المصنَّعة» فيسرفون في استعمال «النسيان» حتى كأنه قد صار ذاكرة كبرى في رواياتهم. أفكر هنا بروايته المتفردة أيضاً «(1970» («الثقافة الجديدة» - 2019)؛ فهي نموذج سردي خاص لما يمكن تسميته بجدل الذاكرة والنسيان. وعندي أن الرواية تنطوي وتقوم على مغالبة «النسيان» والاقتصاد الحذر في استعماله؛ فالأصل هنا هو الظفر بالقصة الأصلية بلا زيادات ولا نسيان متعمَّد.

تؤلف «1970» جزءاً ثالثاً من ثلاثية تُعرف بالاسم ذاته «ثلاثية صنع الله إبراهيم»، كما سمَّاها الناقد المغربي صدوق نور الدين في كتابه: «اكتمال الدائرة» («الثقافة الجديدة» - 2021)، وسبقها جزآن شهيران: «67» و«برلين 69». هي ثلاثية روائية بمواضيع تاريخية وأساليب سردية ذات صلة مؤكدة. ولست أعرف إن كان مصطلح «الثلاثية» قد أطلقه الكاتب نفسه، أم أنه من بنات أفكار نقاد رواياته ودارسيه، كما حدث من قبل عندما جمع الناقد المصري محمود أمين العالم 3 روايات للكاتب، في دراسة عُرفت بعنوان شهير: «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985)، وكان موضوعها الروايات: «تلك الرائحة»، و«نجمة أغسطس»، و«اللجنة». رواية «1970»، وقد انفردت عن الجزأين السابقين، بالصيغة التاريخية الكاملة «1970»؛ فرقاً عن «67» و«برلين 69»، وكأنها تعلن، ابتداءً، أنها بصدد كتابة سيرة جديدة، مختلفة ومتأخِّرة أيضاً، موضوعها ومادتها «الزعيم عبد الناصر».

حياة الزعيم في سنتها الأخيرة هي منطق الرواية وسبيلها لقراءة العالم السردي المنتهي بالوفاة المفاجئة لعبد الناصر. ولا تبخل علينا الرواية بمواد التوثيق السيري والتاريخي، بدءاً من التاريخ، وليس ختاماً بصورة «عبد الناصر» الواضحة على الغلاف الأمامي للرواية. والرواية تُفيد، من ثمّ، بوصفها نصاً مؤسساً في الرواية السيرية التاريخية، من موارد السرد التاريخي المختلفة والسرد الذاتي «منطق الراوي المتكلِّم» المتماهي مع سلطة مفترضة للراوي العليم المتخفي بألف قناع وقناع. ومثلما كانت قصته الأولى «تلك الرائحة» فاتحة روايات المعتقل في الأدب العربي بصيغتها الأخيرة المتمثِّلة بعودة السجين إلى عالمه الأول وحياته التالفة؛ فإن رواية «1970» هي صياغة كلية متأخِّرة (2019)، ولا شكَّ، لمنطق الذاكرة السيرية في سياق سردية «الزعيم». وقد سُبقت بثلاثية جميل عطية إبراهيم «1952»، و«أوراق 1954»، و«1981»، وقد صدر جزؤها الأول عام 1990. ولم تكن مختصَّة بسردية «الزعيم»، إنما بحدث مركزي هو «1952».

أفكر في سياق قراءتي لرواية «1970» بإشكالية الذاكرة الظافرة؛ إن صح الكلام والتسمية. وهي، هنا، الذاكرة المنضبطة، أو هذا ما تجاهر به الرواية، وهي تحايث سرديتين تتغالبان وتتضادان: سردية الراوي المتكلِّم: «لماذا لا أقول: المتذكِّر؟!»، وسردية الزعيم الرهيب. ويدخل ضمن هذا الانضباط التمكن الواضح، بل و«التغلُّب» على شهوة «النسيان». وهذه «شهوة» قاهرة أظهرت قدرة فائقة على اقتراح تواريخ وسير مختلفة عن أصلها الأول، مما نجده في أغلب روايات ما بعد الحداثة، لا سيَّما بنسخها العربية «المقلِّدة». رواية «1970» هي رواية الذاكرة الظافرة بنسيان أقل أثراً وفاعلية، وهي كذلك رواية الذاكرة المنصفة.

اخترت «نوفيلا: تلك الرائحة» ورواية أساسية، هي «1970»، في سياق مدونة كبرى تألفت من روايات كثيرة ومختلفة، كان لها أن تسهم في صناعة اسم متفرد هو «صنع الله إبراهيم». والنموذجان، أو النصان الأساسيان، ينجحان بتقديم العالم الخاص لكاتب من شاكلة «صنع الله»؛ فهما يقدمان طرائق متفردة من الريادة المُلهمة في كتابة الرواية والقصة المنتصرة لعوالم الذات المهمَّشة، والمغلوبة على أمرها، المرتبطة بالتواريخ المقصيَّة والملغاة من السجلات الرسمية، من دون أن يسمح لها بالسقوط في فخ الذات المنكسرة. ثمّ إن النصين ينجحان بتقديم صنع الله بوصفه سردية مقاومة لعسف السلطة، ولرغبة الذات الجامحة بكتابة مرثية تتوَّهم كتابة تاريخ ينتصر لها ولخيباتها السابقة. هذه السردية الأساسية تنجح كثيراً بتقديم نفسها بوصفها الرواية الثانية بعد رواية المؤسِّس نجيب محفوظ. هل ثمة مبالغة فيما نقول؟ أبداً؛ وقد أزعم أن الدراسات المقبلة في حقل الرواية العربية ستقف موسعاً عند نصوص صنع الله إبراهيم وتتأملها جيداً، ليس من نواحي أهميتها المؤكدة في تاريخ الرواية العربية فحسب، بنسختها المصرية المميزة، إنما سنجد باحثين ونقاداً يعيدون ربط رواية صنع الله إبراهيم بأصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ، وكأننا نتحدث عن ريادة أخرى، وتأسيس جديد للرواية العربية تحققها رواية الكاتب المتفرد حقاً صنع الله إبراهيم.


مقالات ذات صلة

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون فيتزجيرالد وزوجته

الجيل الضائع في باريس

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة.

شاكر نوري
ثقافة وفنون اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب،

جمعة بوكليب

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.