لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

أصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم
TT

لماذا لم يصل صنع الله إبراهيم إليّ مبكراً في العراق؟

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم

لا أتذكر أني سمعتُ باسم صنع الله إبراهيم في ثمانينات العراق الكئيبة؛ كانت الأخبار، آنذاك، قليلة، ومثلها الكتب. الحياة ذاتها كانت معلَّقة، برمتها، بالفراغ الدامي، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، كانت الحرب قصة البلاد الوحيدة ببطلها الأوحد الوحيد؛ فهو الحكاية كلها بفصولها المختلفة والمتعدِّدة، هو صانع الحكايات وراويها، وكان على البلاد أن تنتظر حتى تضع الحرب أوزارها. لكني للإنصاف، أيضاً، كنت مغرماً بالشعر والشعراء، وهذا، ربما، سبب إضافي لجهلي باسم الكاتب المصري الشهير، وكأن هناك قدراً حال دون تلك المعرفة، سوى أن مصائر الكتب ومؤلفيها لم تكن، يوماً، رهناً بالمزاج الشخصي؛ فأنا أتذكر أن صديقاً اشترى من «بسطية» كتب رواية عاش كاتبها ردحاً من الزمن في عراقنا العجيب، وكان عنوان الرواية «قصة حب مجوسية»؛ فلماذا لم أتعثَّر، أنا شخصياً، بإحدى روايات صنع الله كما تعثَّر صاحبنا؟!

أفكر الآن أن لا معنى لربط مصائر روايات كاتب ستيني أساسي، مثل صنع الله، بقراءاتي ومسارات حياتي المضطربة؛ فقصته التي صنعت شهرته: «تلك الرائحة»، كانت قد صدرت عام 1966 في القاهرة، وصودرت في الحال، ثم ظهرت منها نسخة غير مكتملة نشرتها مجلة «شعر» اللبنانية الشهيرة عام 1969. ولم أكن، وقتها، قد التقطت نفسي الأول. لكن القصة كلها هنا، في هذه النقطة المحدَّدة من الحياة؛ فأنا أفترض أن جانباً أساسياً من مساهمة صنع الله تكمن في هذه النقطة، فقصصه ورواياته كانت صانعة لمخيلتي الفقيرة آنذاك. هل كانت مخيلتي وحدها الفقيرة؛ أم أن البلاد، بلادي كلها، كانت تفتقر لمخيلة خصبة بعد حرب مدمِّرة وقصص مكرَّرة، ملايين المرات، لحاكم البلاد، وهو يضحك، ثم وهو يحتفل بميلاده «السعيد»، ثم وهو يذهب لتعاسته الخالدة؟

ثمة سيرة مقترحة... ثمة مخيلة أخرى

كانت قراءتي لقصة «تلك الرائحة» موعداً متأخراً مع مخيلة جديدة، كلياً، لم أعهدها من قبل. أفكر الآن أن تلك المخيلة كانت متصلة بسيرة ضمنية لكاتب تلك القصة المختلفة. تحكي القصة المطوَّلة، نسبياً، عن «سجين» سياسي يخرج، للتو، من المعتقل، ويعود إلى عالمه الأول، ولم يكن سوى غرفة قذرة هي المعادل للبلاد كلها. تبدو قصة السجين السياسي العائد قصة مكررة، ربما، في الرواية والقصة العربية؛ ففي الرواية العراقية، مثلاً، سيظهر عندنا ما سُمي، لاحقاً، بـ«ثلاثية شباط: (الوشم) - 1972 و(القلعة الخامسة) - 1972 و(الرجع البعيد) - 1980»، والروايات الثلاث، لا سيَّما «الوشم»، تتخذ من سردية السجين الخارج من المعتقل موضوعاً كلياً لها. ففي «الوشم» نغادر المعتقل مع «كريم الناصري»، ونعود معه إلى مدينته وعالمه العتيق. ثمة عالم كامل ينهار أمامنا، لا عِوَض أو بديل عنه سوى الوهم والخيبة. هذا بالضبط ما تقترحه «تلك الرائحة» من عوالم مختلفة وصادمة على القصة العربية، سوى أن بطل «تلك الرائحة» لا يملك بيتاً أو أهلاً يعود إليهم. فهي القصة، ولنقل «النوفيلا» المؤسسة لسردية السجين الخارج من المعتقل؛ حيث الأبواب الضخمة المغلقة بإحكام، الأبواب التي تكتم الأصوات وتقمع الأحلام. وهي، وحدها، مما يخرج منها الناس، في عالمنا العربي، إلى ما تبقَّى منهم، إلى سجون الذات المحصَّنة، فلا أبواب كبرى سواها تطاول السماوات؛ كما لو أن يجتاز عتبتها الأخيرة يُلقى به من أعلاها إلى أسفل سافلين، فلا يبقى منه غير الحطام!

وهذه سردية كررت عوالمها الرواية العربية مراراً بطبعاتها وأسمائها المختلفة. قصة المعتقل وسجينه والرائحة العجيبة، رائحة الذات المحطمة هي إحدى صنائع مخيلة صنع الله العجيب والمتفرد. هل كان إبراهيم يكتب عن تجربة بصفته معتقلاً سياسياً في سجون عبد الناصر؟ هذا من نافلة القول، وفي استلهام تجربة الذات فرادة وتفوُّق يُحسب لصنع الله؛ فلا نكون إزاء وهم الذات المتفجعة بمحنتها، ولا يستغرقنا فخ السرد المتوهَّم بمنجزه القصصي. كان صنع الله يستلهم تجربته، وهذه حقيقة كبرى قامت عليها مجمل رواياته؛ فهو يستعمل تجاربه الشخصية في الكتابة السردية، لكنه يعدها محض وسيلة من وسائل أخرى متعدِّدة، وربما مختلفة، في تشييد العالم السردي لقصته أو روايته.

1970: نسيان أقل وذاكرة منضبطة

لكن صنع الله المختلف لا يزيف تجربته ولا يخدع قارئه؛ فلا يكتب بقصد استعادة عالمه المنتهك أو المنهوب انتقاماً من سردية المعتقل، أو لترميم صورة الذات قبله، كما يرغب ويفعل كتَّاب عرب كثيرون؛ وللأسف؛ بروايات تتعكز على سردية «الحكاية المصنَّعة» فيسرفون في استعمال «النسيان» حتى كأنه قد صار ذاكرة كبرى في رواياتهم. أفكر هنا بروايته المتفردة أيضاً «(1970» («الثقافة الجديدة» - 2019)؛ فهي نموذج سردي خاص لما يمكن تسميته بجدل الذاكرة والنسيان. وعندي أن الرواية تنطوي وتقوم على مغالبة «النسيان» والاقتصاد الحذر في استعماله؛ فالأصل هنا هو الظفر بالقصة الأصلية بلا زيادات ولا نسيان متعمَّد.

تؤلف «1970» جزءاً ثالثاً من ثلاثية تُعرف بالاسم ذاته «ثلاثية صنع الله إبراهيم»، كما سمَّاها الناقد المغربي صدوق نور الدين في كتابه: «اكتمال الدائرة» («الثقافة الجديدة» - 2021)، وسبقها جزآن شهيران: «67» و«برلين 69». هي ثلاثية روائية بمواضيع تاريخية وأساليب سردية ذات صلة مؤكدة. ولست أعرف إن كان مصطلح «الثلاثية» قد أطلقه الكاتب نفسه، أم أنه من بنات أفكار نقاد رواياته ودارسيه، كما حدث من قبل عندما جمع الناقد المصري محمود أمين العالم 3 روايات للكاتب، في دراسة عُرفت بعنوان شهير: «ثلاثية الرفض والهزيمة» (1985)، وكان موضوعها الروايات: «تلك الرائحة»، و«نجمة أغسطس»، و«اللجنة». رواية «1970»، وقد انفردت عن الجزأين السابقين، بالصيغة التاريخية الكاملة «1970»؛ فرقاً عن «67» و«برلين 69»، وكأنها تعلن، ابتداءً، أنها بصدد كتابة سيرة جديدة، مختلفة ومتأخِّرة أيضاً، موضوعها ومادتها «الزعيم عبد الناصر».

حياة الزعيم في سنتها الأخيرة هي منطق الرواية وسبيلها لقراءة العالم السردي المنتهي بالوفاة المفاجئة لعبد الناصر. ولا تبخل علينا الرواية بمواد التوثيق السيري والتاريخي، بدءاً من التاريخ، وليس ختاماً بصورة «عبد الناصر» الواضحة على الغلاف الأمامي للرواية. والرواية تُفيد، من ثمّ، بوصفها نصاً مؤسساً في الرواية السيرية التاريخية، من موارد السرد التاريخي المختلفة والسرد الذاتي «منطق الراوي المتكلِّم» المتماهي مع سلطة مفترضة للراوي العليم المتخفي بألف قناع وقناع. ومثلما كانت قصته الأولى «تلك الرائحة» فاتحة روايات المعتقل في الأدب العربي بصيغتها الأخيرة المتمثِّلة بعودة السجين إلى عالمه الأول وحياته التالفة؛ فإن رواية «1970» هي صياغة كلية متأخِّرة (2019)، ولا شكَّ، لمنطق الذاكرة السيرية في سياق سردية «الزعيم». وقد سُبقت بثلاثية جميل عطية إبراهيم «1952»، و«أوراق 1954»، و«1981»، وقد صدر جزؤها الأول عام 1990. ولم تكن مختصَّة بسردية «الزعيم»، إنما بحدث مركزي هو «1952».

أفكر في سياق قراءتي لرواية «1970» بإشكالية الذاكرة الظافرة؛ إن صح الكلام والتسمية. وهي، هنا، الذاكرة المنضبطة، أو هذا ما تجاهر به الرواية، وهي تحايث سرديتين تتغالبان وتتضادان: سردية الراوي المتكلِّم: «لماذا لا أقول: المتذكِّر؟!»، وسردية الزعيم الرهيب. ويدخل ضمن هذا الانضباط التمكن الواضح، بل و«التغلُّب» على شهوة «النسيان». وهذه «شهوة» قاهرة أظهرت قدرة فائقة على اقتراح تواريخ وسير مختلفة عن أصلها الأول، مما نجده في أغلب روايات ما بعد الحداثة، لا سيَّما بنسخها العربية «المقلِّدة». رواية «1970» هي رواية الذاكرة الظافرة بنسيان أقل أثراً وفاعلية، وهي كذلك رواية الذاكرة المنصفة.

اخترت «نوفيلا: تلك الرائحة» ورواية أساسية، هي «1970»، في سياق مدونة كبرى تألفت من روايات كثيرة ومختلفة، كان لها أن تسهم في صناعة اسم متفرد هو «صنع الله إبراهيم». والنموذجان، أو النصان الأساسيان، ينجحان بتقديم العالم الخاص لكاتب من شاكلة «صنع الله»؛ فهما يقدمان طرائق متفردة من الريادة المُلهمة في كتابة الرواية والقصة المنتصرة لعوالم الذات المهمَّشة، والمغلوبة على أمرها، المرتبطة بالتواريخ المقصيَّة والملغاة من السجلات الرسمية، من دون أن يسمح لها بالسقوط في فخ الذات المنكسرة. ثمّ إن النصين ينجحان بتقديم صنع الله بوصفه سردية مقاومة لعسف السلطة، ولرغبة الذات الجامحة بكتابة مرثية تتوَّهم كتابة تاريخ ينتصر لها ولخيباتها السابقة. هذه السردية الأساسية تنجح كثيراً بتقديم نفسها بوصفها الرواية الثانية بعد رواية المؤسِّس نجيب محفوظ. هل ثمة مبالغة فيما نقول؟ أبداً؛ وقد أزعم أن الدراسات المقبلة في حقل الرواية العربية ستقف موسعاً عند نصوص صنع الله إبراهيم وتتأملها جيداً، ليس من نواحي أهميتها المؤكدة في تاريخ الرواية العربية فحسب، بنسختها المصرية المميزة، إنما سنجد باحثين ونقاداً يعيدون ربط رواية صنع الله إبراهيم بأصول جديدة للرواية العربية بعد نجيب محفوظ، وكأننا نتحدث عن ريادة أخرى، وتأسيس جديد للرواية العربية تحققها رواية الكاتب المتفرد حقاً صنع الله إبراهيم.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.