هل يستطيع الأدب أن يحمل رسالة بدون أن يتحول إلى موعظة؟

«سيد الذباب» لويليام غولدنغ نموذجاً

مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
TT

هل يستطيع الأدب أن يحمل رسالة بدون أن يتحول إلى موعظة؟

مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ
مشهد من فيلم» سيد الذباب» المستوحى من رواية غولدنغ

هل للأدب رسالة؟ سؤالٌ يبدو من فضول القول، فالأدب قول يخرج من خيال الأديب متجهاً إلى وعي المتلقي، وللقول معنى بذاته أو يحمّله إياه الأديب ويبحث عنه القارئ. لكن إن كان للأدب رسالة فهل معنى هذا أن الأديب واعظ يبشر بدعوة ما؟ أم هو فنان خالق ينفخ من روحه في صلصال ميت فإذا بالحياة تدب في عالم لم يكن له وجود من قبل؟ وإذا نزّهنا الأديب عن أن يكون واعظاً، هل يستطيع الأدب حمل رسالة دون أن يتحول إلى موعظة؟ هذه أسئلة دائماً ما شغلت المهتمين بالنقد والأدب من دون أن تُحسم بقول فصل.

وليام غولدنغ

من أدباء الإنجليز الذين يقفزون إلى الخاطر عند النظر في هذه القضية خصوصاً الروائي المعاصر ويليام غولدنغ (1911 - 1993) الحائز جائزة نوبل في الأدب سنة 1983. درس غولدنغ الأدب في جامعة أكسفورد وشارك في الحرب العالمية الثانية وكان ضابطاً في البحرية البريطانية، وشاهد من فظائع الحرب ما ترك في نفسه أثراً لم تمحه الأيام، وآمن بأن «الإنسان يفرز الشر كما تفرز النحلة العسل»، على حد قوله. بعد الحرب ترك الخدمة العسكرية وانخرط في الحياة المدنية مدرساً في مدرسة للأطفال، كما عكف على تأمل تجربته في الحرب وتجارب البشرية في تاريخها الطويل.

انتهى ولدنغ إلى أن الإنسان يُولد ومعه الاستعداد للشر. أن الشر يقطن في قلب الإنسان وليس شيئاً خارجاً عليه. إننا البشر مصدر الشر في الكون لكننا نحب أن نتعامى عن هذه الحقيقة، وأن نسقط ظلمتنا الباطنة على الآخرين، أو على قوى خفية غيبية هي من صنع خيالنا. هذه هي العلة في تشخيص الكاتب (الواعظ؟) فما هو العلاج في رأيه؟ معرفة الذات. من أراد الخلاص فليلتفت إلى داخله ويحدّق في ظلمة قلبه. فليُدِنْ نفسه قبل أن يدين الآخر. معرفة الذات هي بداية الصلاح.

هذه هي الرسالة أو «الموعظة» التي أراد جولدنغ أن يعظ بها البشر. لكن حيث إنه كاتب مبدع لا واعظ، وحيث إن الناس لا تستطيب الوعظ ولكن قد تستخلص العبرة من قصة حيّة آسرة، كان الطريق واضحاً أمام غولدنغ، ومن هنا وُلدت روايته الأولى «سيد الذباب» التي انقضى على نشرها الأول (1954) سبعون عاماً. نجحت الرواية نجاحاً باهراً حين اضطلعت بنشرها دار حصيفة هي «فابر آند فابر» بعد أن رفضها ناشرون عديدون لا شك أنهم تحسروا كثيراً فيما بعد، فقد بيع منها ملايين النسخ في بريطانيا والولايات المتحدة، وترجمت إلى لغات عديدة، كما أُدرجت في المناهج الدراسية، ولم تلبث بعد تسع سنوات من نشرها أن اضطلع المخرج الكبير بيتر برُوك بتحويلها إلى فيلم لاقى نجاحاً بدوره.

فمن هو «سيد الذباب» الذي تحمل الرواية اسمه؟ إنه الشيطان أو «بعلزبوب» في لغة «الكتاب المقدس»، الذي يشير اسمه إلى القذارة والعفن، وقد اختاره المؤلف رمزاً للشر في الرواية في إشارة إلى ميل البشر إلى إلصاق الشر بوجود خارجي لا قوة لهم عليه.

تدور أحداث القصة في زمن مستقبلي، وإن كان ذلك هو غاية ما تشترك فيه مع روايات الخيال العلمي. الخلفية هي حرب نووية وأبطالها حفنة من الصبيان تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة. يتعرض الأطفال للخطر في إحدى مناطق القتال فتقرر السلطات نقلهم جواً إلى منطقة آمنة. لكن الطائرة تُصاب بقذيفة أثناء الرحلة ويلقى الطيار مصرعه لكن الأطفال ينجون، إذ إن الطائرة مصممة بحيث تنفصل عنها كابينة الركاب وتهبط بمفردها عند الطوارئ. يجد الأطفال أنفسهم وحيدين بعيداً عن عالم الكبار في جزيرة غير مأهولة في وسط المحيط. وتبدأ القصة.

يعثر أحد الصبية الناجين على محارة فيلتقطها وينفخ فيها فتصدر صوتاً كالنفير يسمعه الأطفال فيتقاطرون نحوه من أنحاء الجزيرة. يجد الأطفال أنفسهم بمعزل عن المجتمع والحضارة والقانون في عالم بلا كبار يدبرون أمورهم لهم. يتشاورون في الموقف ويقررون تنظيم مجتمعهم الصغير لكي يتمكنوا من البقاء أحياء حتى تأتيهم النجدة.

في البداية يلجأ الأطفال إلى سلوك ديمقراطي متحضر فيجرون اقتراعاً وينتخبون زعيماً لهم، ويقررون أن هناك أمرين حيويين ينبغي عليهم القيام بهما. أولاً، إشعال نار دائمة فوق هضبة عالية في قلب الجزيرة على أمل أن تراها إحدى السفن العابرة فتأتي لإنقاذهم، ثانياً بناء أكواخ على شاطئ الجزيرة لكي تحميهم من الأمطار الغزيرة وعوامل الطقس.

في البداية تسير الأمور سيراً حسناً. لكن ما أسرع ما ينهار النظام وتُهجر الاتفاقات. تشذ من بين الصبيان جماعة تجعل همها الأوحد اللهو واللعب، خصوصاً صيد الخنازير فيتعطل بناء الأكواخ، وما هو أدهى من ذلك يتخلى حراس النار الموقدة عن مواقعهم التي يحتلونها لتغذية النار باستمرار ليشتركوا في مطاردة الخنازير، فتخبو في الوقت الذي تظهر فيه سفينة عند الأفق، لا تلبس أن تختفي بدون أن تحس بهم. يجن جنون رالف (الزعيم المنتخب) بسبب حماقة جاك (قائد فرقة الصيد)، الذي يتسبب في ضياع فرصة النجاة. يتشاجر الولدان وينسحب جاك مع فريقه ليعيشوا وحدهم داخل الغابة، بينما يبقى رالف والآخرون في الأكواخ قرب الشاطئ.

يبدأ الصراع بين القبيلتين. نعم، القبيلتين، فالأطفال لم يعودوا أطفالاً، والحضارة التي نشأوا في ظلها أصبحت نسياً منسياً، وما تلقوه من تعليم وتهذيب وقيم من عالم الكبار تحلل واندثر. ومما يزيد الأمور سوءاً أن أنصار رالف الولد العاقل والزعيم الشرعي ينفضون من حوله واحداً وراء الآخر أمام إغراء حياة اللهو وقتل الخنازير وأكلها، مما يوفره لهم جاك مغتصب الزعامة.

لا يقف الأمر عند ذلك بل تُهدر الدماء أيضاً، ويتحول الأطفال الذين اعتدنا أن نقرنهم بالبراءة إلى سفاكي دماء فيقتلون «سيمون» الصبي الرقيق، داعية السلام والحب بينهم، الأشبه بنبيٍّ، الذي يحاول أن يقنعهم أثناء قيامهم برقصة وثنية حول رأس خنزير قتلوه وتكاثف عليه الذباب لإبعاد «الغول» عنهم مع أنه لا غول هناك، وأنهم إنما يخلقون في خيالهم غولاً لا وجود له ثم يخافون منه بعد ذلك ويقدمون له القرابين. ثم تسقط ضحية أخرى «بيجي» الصبي الذي يصر على مبدأ الديمقراطية، ويبقى إلى جانب الزعيم الشرعي إلى أن يسقط قتيلاً بصخرة يلقونها عليه من إحدى القمم.

بذلك لا يبقى هناك سوى رالف، وقد هجره الجميع، وأباح جاك دمه بعد أن أصبح وحيداً تماماً. يهرب رالف مرعوباً بعد مقتل بيجي ليختبئ من مطارديه داخل الدغل الكثيف. لكنهم في إصرارهم الجنوني على قتله يشعلون النار في الغابة لإجباره على الخروج منها، مما ينتج عنه حريق كبير في الغابة تشاهده سفينة حربية عابرة فتتجه إلى الشاطئ وينزل منها ضابط ينقذ رالف في اللحظة الأخيرة.

حين تنهار القيم الحضارية نعود جميعاً صغاراً وكباراً إلى شرعة الغاب

عبرة الرواية تكمن في هذا المشهد الأخير المنطوي على مفارقة هائلة. فهذا الضابط هو بالأحرى في حاجة إلى من ينقذه. فهو يصل في سفينة حربية وهو أيضاً يطارد عدواً ويطارده عدو. هو أيضاً منهمك في صراع محموم ويتصور أن هناك غولاً يطارده ولا يدري الحقيقة البسيطة التي أدركها الطفل القتيل سيمون، وهي أن الغول ليس إلا وهماً من اختراعنا نسقطه على الآخرين. أن الغول الوحيد هو نحن. أن المصدر الوحيد للشر هو نحن.

هذه هي «الرسالة» التي أراد الكاتب إبلاغها للناس، ولأجلها خلق هذا العمل الفني الجميل، محوّلاً الموعظة إلى عمل مُشْغِف لا ينصرف الناس عنه كما ينصرفون عن المواعظ. القصة رغم غرابتها مقنعة وتفاصيلها تتسم بالواقعية الصريحة. كذلك يكشف تناول غولدنغ لشخصياته عن دراية عميقة بنفسية الأطفال وأسلوب تفكيرهم وتعبيرهم اللغوي، وهي دراية اكتسبها لا بد من عمله مدرساً. كما أنه نجح في تعضيد «موعظته» بجعل شخوصه الفاعلة من بين الأطفال الذين نقرنهم عادة بالبراءة، ما يدل على أن الميل للشر والهمجية مركب فيناً من الأصل ولا يحد منه ويروضه إلا القانون والأعراف الاجتماعية، وحين تنهار هذه القيم الحضارية نعود جميعاً، صغاراً وكباراً، إلى شرعة الغاب.في النهاية لا بد أن نعترف بأن غولدنغ الفنان اضطر هنا إلى إفساح المجال لغولدنغ الواعظ من باب الحرص على توصيل «الرسالة» أوضحَ ما تكون. فرموز الرواية تسهل ترجمتها إلى ما ترمز إليه، بينما يطمح الجمال الفني لأن يكون الرمز والمرموز إليه كياناً عضوياً لا ينفصم. كما أن شخصيات الأطفال يمكن ترجمتها إلى النماذج التي تمثلها في عالم الكبار. فهناك رالف الزعيم الليبرالي، وجاك الذي يمثل الطاغية المطلق، وبيجي الذي يرمز إلى المثقف العقلاني، وسيمون رمز النبي أو القديس حامل البشارة الذي يموت في سبيل تبليغ الرسالة. هذه الرواية تُعدّ بحق نموذجاً للتوتر الإبداعي بين الرغبة في خلق عمل فني جميل والرغبة المصاحبة في توصيل رسالة أخلاقية واضحة للقارئ.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.