تقرير: آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
TT

تقرير: آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)

كشف تقرير جديد أن آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا لسد النقص الكبير في حجم العمالة الذي تفاقم بسبب الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا.

ولجأت موسكو مراراً وتكراراً إلى بيونغ يانغ لمساعدتها في خوض الحرب، مستخدمةً صواريخها وقذائفها المدفعية وجنودها.

والآن، ومع مقتل أو انخراط عدد من رجال روسيا في القتال -أو فرارهم من البلاد- صرّح مسؤولون في الاستخبارات الكورية الجنوبية لشبكة «بي بي سي» البريطانية، بأن موسكو أصبحت تعتمد بشكل متزايد على العمال الكوريين الشماليين.

وأجرت «بي بي سي» مقابلات مع 6 عمال كوريين شماليين فرّوا من روسيا، إلى جانب مسؤولين حكوميين وباحثين.

وشرحت المصادر بالتفصيل كيف يُعذّب هؤلاء العمال في ظروف عمل «مريعة»، وكيف تُشدّد السلطات الكورية الشمالية قبضتها عليهم لمنعهم من الفرار.

وقالت إن العمال يتم احتجازهم في مواقع البناء ليلاً ونهاراً؛ حيث يخضعون لمراقبة عناصر من جهاز أمن الدولة في كوريا الشمالية، وينامون في حاويات شحن قذرة ومكتظة، ومليئة بالحشرات، أو على أرضيات مبانٍ سكنية غير مكتملة البناء.

«العالم الخارجي عدونا»

قال أحد العمال، ويُدعى جين، إنه عندما وصل إلى أقصى شرق روسيا، رافقه ضابط أمن كوري شمالي من المطار إلى موقع بناء، وأمره بعدم التحدث إلى أي شخص أو النظر إلى أي شيء.

وقال له الضابط: «العالم الخارجي عدونا»، وأضاف أنه كان يُجبر على العمل في بناء أبراج سكنية لأكثر من 18 ساعة يومياً.

ووصف باقي العمال الذين تحدثت «بي بي سي» إليهم أيضاً الشقاء الذي تعرضوا له جرّاء عملهم في روسيا، من الاستيقاظ في السادسة صباحاً وإجبارهم على بناء شقق سكنية شاهقة حتى الثانية من صباح اليوم التالي، مع يومي عطلة فقط في السنة.

وقال تاي، عامل بناء آخر تمكّن من الفرار من روسيا العام الماضي: «كان الاستيقاظ مرعباً، إذ يُدرك المرء أنه سيُضطر إلى تكرار اليوم نفسه مراراً»، لافتاً إلى أن يديه كانتا تتشنجان في الصباح، وأنه كان يشعر بالعجز عن فتحهما بسبب تأثرهما من عمل اليوم السابق.

وقال عامل آخر، يُدعى تشان: «كان بعض الناس يغادرون مواقعهم ويذهبون للنوم خلال النهار، أو ينامون وقوفاً، لكن المشرفين كانوا يجدونهم فيضربونهم. كنا حقّاً نموت».

أما عامل البناء، نام، فقد أكد أنه سقط ذات مرة من ارتفاع 4 أمتار من موقع البناء الذي يعمل فيه، و«تهشّم» وجهه، ما جعله عاجزاً عن العمل، وحتى حينها، لم يسمح له مشرفوه بمغادرة الموقع لزيارة المستشفى.

من جهته، لفت كانغ دونغ وان، الأستاذ في جامعة دونغ-إيه بكوريا الجنوبية، الذي سافر إلى روسيا عدة مرات لمقابلة عمال كوريين شماليين إلى أن «ظروف عملهم في موسكو مزرية للغاية».

وأضاف: «يتعرّض العمال لمواقف خطيرة للغاية. في الليل، تُطفأ الأنوار، ويعملون في الظلام، مع أدوات سلامة محدودة».

10 آلاف عامل كوري شمالي في روسيا

في الماضي، عمل عشرات الآلاف من الكوريين الشماليين في روسيا، وكانوا يكسبون ملايين الجنيهات سنوياً لصالح الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، ونظامه الذي يعاني ضائقة مالية.

ثم في عام 2019، حظرت الأمم المتحدة على الدول استخدام هؤلاء العمال في محاولة لقطع تمويل كيم ومنعه من تصنيع أسلحة نووية، ما أدّى إلى إعادة معظمهم إلى ديارهم.

لكن في العام الماضي، أُرسل أكثر من 10 آلاف عامل إلى روسيا، وفقاً لمسؤول استخباراتي كوري جنوبي تحدث إلى «بي بي سي»، شريطة عدم الكشف عن هويته.

وقال المسؤول إنه من المتوقع وصول مزيد من هؤلاء العمال هذا العام؛ حيث من المحتمل أن ترسل بيونغ يانغ أكثر من 50 ألف عامل إجمالاً.

وأضاف أن «هذا التدفق المفاجئ يعني أن العمال الكوريين الشماليين منتشرون الآن في كل مكان في روسيا، وبينما يعمل معظمهم في مشروعات بناء واسعة النطاق، عُيّن آخرون في مصانع ملابس ومراكز تكنولوجيا معلومات، في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة التي تحظر الاستعانة بالعمالة الكورية الشمالية».

علم كوريا الشمالية (يسار) وعلم روسيا (يمين) (إ.ب.أ)

وتُظهر أرقام الحكومة الروسية أن أكثر من 13 ألف كوري شمالي دخلوا البلاد عام 2024، بزيادة قدرها 12 ضعفاً على العام السابق. وقد دخل ما يقرب من 8 آلاف منهم بتأشيرات طلابية، ولكن وفقاً للمسؤول الاستخباراتي وخبراء، فإن هذا تكتيك تستخدمه روسيا لتجاوز حظر الأمم المتحدة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أقرّ مسؤول روسي رفيع المستوى، وهو سيرغي شويغو، مستشار الأمن الرئاسي الروسي الكبير، لأول مرة بإرسال 5 آلاف كوري شمالي لإعادة بناء كورسك، وهي منطقة روسية سيطرت عليها القوات الأوكرانية العام الماضي.

وقال المسؤول الكوري الجنوبي إنه «من المرجح جداً» أيضاً أن يجري إرسال بعض الكوريين الشماليين قريباً للعمل في مشروعات إعادة الإعمار في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا.

الخيار الأمثل

وقال أندريه لانكوف، الأستاذ في جامعة كوكمين في سيول، والخبير المرموق في العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا: «تعاني روسيا نقصاً حاداً في العمالة حالياً، والكوريون الشماليون يقدمون الحل الأمثل لها في هذا الشأن. إنهم يتميزون بأجور زهيدة، ويعملون بجد، ولا يحدثون أي مشكلات».

وتُعدّ وظائف البناء في الخارج مرغوبة بشدة في كوريا الشمالية، لما تتميز به من رواتب أعلى من تلك التي يتلقاها العمال في أوطانهم.

ويسافر معظم العمال أملاً في الهروب من الفقر والتمكن من شراء منزل لعائلاتهم، أو بدء مشروع تجاري عند عودتهم. ولا يُختار إلا الرجال الموثوق بهم بعد تدقيق شديد، ويُجبرون على ترك عائلاتهم.

لكن الجزء الأكبر من أرباحهم يُرسل مباشرةً إلى الدولة الكورية الشمالية بوصفه «رسوم ولاء». أما الجزء المتبقي -الذي يتراوح عادةً بين 100 و200 دولار أميركي شهرياً- فيُسجّل في سجلّ، ولا يتقاضى العمال هذه الأموال إلا عند عودتهم إلى أوطانهم، لمنعهم من الهرب، كما يقول الخبراء.

وفي الوقت يُدرك العمال حقيقة العمل الشاق وقلة الأجور.

وقال تاي إنه شعر «بالخجل» عندما علم أن عمال بناء آخرين من آسيا الوسطى يتقاضون رواتب أعلى بخمسة أضعاف منه مقابل ثلث العمل. وأضاف: «شعرتُ كأنني في معسكر عمل؛ سجن بلا قضبان».

الهرب من روسيا

وقال جين إن العمال الآخرين الذين كانوا يعملون معهم كانوا يسمونهم عبيداً، وإنهم سخروا منهم قائلين: «لستم بشراً، بل مجرد آلات تتكلم».

وفي إحدى المرات، أخبره مديره بأنه قد لا يتقاضى أي أموال عند عودته إلى كوريا الشمالية، لأن الدولة بحاجة إليها، وعندها قرر المخاطرة بحياته والهرب.

أما تاي فقد اتخذ قرار الهرب بعد مشاهدة مقاطع فيديو على «يوتيوب» تُظهر رواتب العمال في كوريا الجنوبية.

وقال: «في إحدى الليالي، وضعت أمتعتي في كيس قمامة، وتسللت خارج موقع البناء. وأوقفت سيارة أجرة وسافرت آلاف الكيلومترات عبر البلاد لمقابلة محامٍ ساعدني في ترتيب رحلتي إلى سيول».

وفي السنوات الأخيرة، تمكن عدد قليل من العمال من تدبير هروبهم باستخدام هواتف ذكية مستعملة ممنوعة، اشتروها من خلال ادخار المصروف اليومي الضئيل الذي كانوا يتقاضونه مقابل السجائر والكحول.

وانخفض عدد العمال الذين تمكنوا من الفرار مؤخراً. وقالت الحكومة الكورية الجنوبية إن عدد الكوريين الشماليين الذين يغادرون روسيا سنوياً ويصلون إلى سيول قد انخفض إلى النصف منذ عام 2022 (من نحو 20 سنوياً إلى 10 فقط).


مقالات ذات صلة

العثور على جثة أحد أفراد البعثة الروسية داخل سفارة بلاده لدى قبرص

أوروبا وزارة الخارجية الروسية (أرشيفية - رويترز)

العثور على جثة أحد أفراد البعثة الروسية داخل سفارة بلاده لدى قبرص

عُثر على أحد أفراد البعثة الدبلوماسية الروسية ميتا في سفارة بلاده لدى قبرص، وكشف تشريح جثته أن سبب الوفاة ليس طبيعياً، وقد يكون ناتجاً من «انتحار».

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)
شؤون إقليمية قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زاده يقدّم شرحاً إلى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في معرض الصواريخ الإيراني 20 سبتمبر 2023 (إرنا)

مسؤول غربي: إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بـ4 مليارات دولار منذ عام 2021

ذكرت شبكة «بلومبرغ»، الاثنين، نقلاً عن مسؤول أمني غربي، أن إيران باعت روسيا عتاداً عسكرياً بأكثر من 4 مليارات دولار لدعم حربها على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا فيلاديمير بوتين خلال اجتماع مع نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف (الكرملين)

نائب رئيس الوزراء الروسي: عقود تصدير الأسلحة الموقَّعة تبلغ رقماً قياسياً

أكد نائب رئيس الوزراء الروسي دينيس مانتوروف، اليوم (الاثنين)، أن الاهتمام بالأسلحة الروسية في الخارج بلغ مستوى قياسياً.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم صورة غير مؤرخة تم نشرها في 7 يناير 2026 تظهر السفينة «مارينيرا» في البحر (إ.ب.أ)

موسكو: أميركا أطلقت سراح روسيَّين من طاقم ناقلة النفط المحتجزة

أعلنت موسكو الجمعة، أن الولايات المتحدة قررت إطلاق سراح اثنين من أفراد طاقم ناقلة النفط الروسية التي احتجزتها في وقت سابق من هذا الأسبوع في شمال المحيط الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا عدد متزايد من الوحدات الروسية يقوم بإرسال سلاح الفرسان إلى خط المواجهة في شرق أوكرانيا (رويترز)

تقرير: روسيا تُركب أجهزة على الخيول للوصول إلى الإنترنت في ساحة المعركة

قامت وحدات عسكرية روسية بتركيب أجهزة استقبال «ستارلينك» على الخيول في محاولة لزيادة تغطية الإنترنت في ساحة المعركة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تقارير: باكستان وإندونيسيا تقتربان من إبرام صفقة دفاعية

جنود من جيش إندونيسيا يفرغون مساعدات موجهة للمتضررين من فيضانات إقليم آتشيه تاميانغ كانت على متن مروحية عسكرية (أ.ب)
جنود من جيش إندونيسيا يفرغون مساعدات موجهة للمتضررين من فيضانات إقليم آتشيه تاميانغ كانت على متن مروحية عسكرية (أ.ب)
TT

تقارير: باكستان وإندونيسيا تقتربان من إبرام صفقة دفاعية

جنود من جيش إندونيسيا يفرغون مساعدات موجهة للمتضررين من فيضانات إقليم آتشيه تاميانغ كانت على متن مروحية عسكرية (أ.ب)
جنود من جيش إندونيسيا يفرغون مساعدات موجهة للمتضررين من فيضانات إقليم آتشيه تاميانغ كانت على متن مروحية عسكرية (أ.ب)

قال 3 مسؤولين أمنيين مطلعين، الاثنين، إن وزير الدفاع الإندونيسي التقى قائد القوات الجوية ​الباكستانية في إسلام آباد؛ لمناقشة صفقة محتملة تشمل بيع طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة انتحارية إلى جاكرتا.

وتأتي هذه المحادثات في وقت يمضي فيه قطاع الدفاع الباكستاني قدماً في سلسلة من المفاوضات بشأن مشتريات دفاعية، بما في ذلك صفقات مع ‌الجيش الوطني ‌الليبي والجيش السوداني، ‌ويتطلع إلى ​ترسيخ مكانة باكستان ‌ضمن الأطراف الفاعلة الكبيرة في المنطقة.

وأكدت وزارة الدفاع الإندونيسية الاجتماع بين وزير الدفاع جعفري شمس الدين وقائد القوات الجوية الباكستانية المارشال زهير أحمد بابر سيدو.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع البريجادير جنرال ريكو ريكاردو سيرايت، لوكالة «رويترز»، «ركز الاجتماع على مناقشة علاقات التعاون الدفاعي العام، ‌بما في ذلك الحوار الاستراتيجي، ‍وتعزيز التواصل بين المؤسسات الدفاعية وفرص التعاون على أساس المنفعة المتبادلة في مختلف المجالات على المدى الطويل»، مضيفاً أن المحادثات لم تسفر بعد عن قرارات ملموسة.

ولم يرد جناح العلاقات العامة في الجيش ​الباكستاني بعد على طلب للتعليق.

وتقدمت إندونيسيا بعدد كبير من طلبات شراء الطائرات في السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك 42 طائرة «رافال» فرنسية بقيمة 8.1 مليار دولار في 2022، و48 طائرة مقاتلة من طراز «كان» من تركيا العام الماضي لتعزيز قواتها الجوية، وتحديث أسطولها الجوي المتقادم.


مقتل 7 من الشرطة الباكستانية في هجوم

أفراد من الشرطة الباكستانية (أ.ب)
أفراد من الشرطة الباكستانية (أ.ب)
TT

مقتل 7 من الشرطة الباكستانية في هجوم

أفراد من الشرطة الباكستانية (أ.ب)
أفراد من الشرطة الباكستانية (أ.ب)

قالت الشرطة في منطقة تانك بشمال ​غربي باكستان إن سبعة من ضباطها قتلوا في انفجار قنبلة استهدفت مركبتهم المدرعة اليوم الاثنين، في الوقت الذي تكافح فيه إسلام آباد موجة متصاعدة من التشدد.

وأظهرت صور الهجوم حطام السيارة التي انقلبت على ‌جانب الطريق.

وقال ‌برويز شاه نائب ‌قائد ⁠شرطة ​تانك ‌إن خمسة من أفراد الشرطة قتلوا على الفور بعد تفجير القنبلة بطريقة التحكم عن بعد، بينما توفي اثنان آخران في المستشفى.

شرط باكستاني (أ.ف.ب)

وقال وزير الداخلية محسن نقوي في بيان: «لقد ⁠ضحى رجال الشرطة الشجعان بأنفسهم من أجل مستقبل ‌آمن للأمة».

ولم تعلن أي ‍جماعة مسؤوليتها ‍عن انفجار اليوم.

ويواجه إقليم خيبر ‍بختونخوا في شمال باكستان، الذي تقع فيه تانك، زيادة في عنف المتشددين من حركة «طالبان باكستان» بشكل أساسي.

وتتهم ​باكستان حركة «طالبان» الأفغانية بتوفير ملاذ آمن لمقاتلي حركة «طالبان باكستان»، ⁠قائلة إنهم يستخدمون أراضي أفغانستان للتخطيط لضرب أهداف في باكستان. وتنفي كابل هذه الاتهامات، قائلة إن أمن باكستان مشكلة داخلية.

وتسري هدنة هشة بين باكستان وأفغانستان أُبرمت في أعقاب اشتباكات حدودية وقعت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأودت بالعشرات، في أسوأ قتال بينهما منذ تولي «طالبان» الأفغانية ‌السلطة في عام 2021.


«العدل الدولية» تباشر النظر في دعوى «إبادة الروهينغا»

أعضاء محكمة «العدل الدولية» في بداية الجلسة الأولى التي تنظر في دعوى ارتكاب إبادة جماعية ضد «الروهينغا» في لاهاي الاثنين (أ.ف.ب)
أعضاء محكمة «العدل الدولية» في بداية الجلسة الأولى التي تنظر في دعوى ارتكاب إبادة جماعية ضد «الروهينغا» في لاهاي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

«العدل الدولية» تباشر النظر في دعوى «إبادة الروهينغا»

أعضاء محكمة «العدل الدولية» في بداية الجلسة الأولى التي تنظر في دعوى ارتكاب إبادة جماعية ضد «الروهينغا» في لاهاي الاثنين (أ.ف.ب)
أعضاء محكمة «العدل الدولية» في بداية الجلسة الأولى التي تنظر في دعوى ارتكاب إبادة جماعية ضد «الروهينغا» في لاهاي الاثنين (أ.ف.ب)

باشرت محكمة «العدل الدولية»، الاثنين، ‌النظر في ‌قضية ‌تاريخية تتهم ميانمار بارتكاب ‌إبادة جماعية ضد أقلية «الروهينغا» المسلمة. وتعد هذه القضية التي رفعتها دولة غامبيا، أول قضية ‌إبادة ‍جماعية ‍تنظرها المحكمة الدولية بالكامل منذ أكثر من عقد. ومن المتوقع أن تمثل النتيجة سابقةً فيما يتعلق بكيفية تعريف الإبادة الجماعية وإثباتها.

وزير العدل الغامبي داودا جالوو في الجلسة الأولى لمحكمة «العدل الدولية» التي تنظر في دعوى ارتكاب إبادة جماعية ضد «الروهينغا» بلاهاي الاثنين (إ.ب.أ)

وأعلن وزير العدل الغامبي داودا جالوو، في افتتح جلسة المحكمة، أن المجلس العسكري الحاكم في ميانمار استهدف أفراد «الروهينغا» بصورة متعمدة، بهدف القضاء على هذه الأقليّة. وصرّح جالوو أمام قضاة المحكمة: «ليست مسائل باطنية على صلة بالقانون الدولي؛ بل هي مسألة تعني أشخاصاً حقيقيين، وهي قصص حقيقية ومجموعة فعلية من الناس هم (الروهينغا) في ميانمار. وقد تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ورفعت غامبيا هذه القضيّة أمام محكمة «العدل الدولية»، متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 خلال أعمال القمع في 2017. ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب، إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة أخرى مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة عقب هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لاجئون من «الروهينغا» في مخيم بكورس بازا ببنغلاديش - 10 يناير 2025 (أ.ف.ب)

عنف مروّع

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة «الروهينغا» هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون، إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حاملين معهم قصصاً مروّعة عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة. وهم تعرّضوا «لفصول من العنف المروّع التي لا تخطر ببال»، بحسب جالوو.

واليوم، يعيش نحو 1,17 مليون من «الروهينغا» مكدّسين بمخيّمات بالية في كوكس بازار ببنغلاديش. ومن هناك، قالت جنيفا بيغوم (37 عاماً): «أريد أن أرى إن كانت المعاناة التي قاسيناها ستظهر فعلاً في جلسات الاستماع»، أم لا. وصرّحت بيغوم وهي أمّ لولدين: «نريد العدالة والسلم»، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية». وقد يستغرق صدور القرار النهائي أشهراً، أو حتّى سنوات.

ورغم أن قرارات محكمة «العدل الدولية» ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على ميانمار. وأكّد جالوو: «لم نرفع هذه القضيّة باستخفاف... قمنا بذلك بعد النظر في تقارير موثوقة تفيد بانتهاكات هي من أعنف وأشنع ما يمكن تصوّره، فرضت على جماعة هشّة جرّدت من وجهها الإنساني واضطُهدت سنوات عدّة».

لاجئ من «الروهينغا» يعبر سوقاً في مخيم بكورس بازا ببنغلاديش الاثنين (أ.ف.ب)

وفي عام 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة «العدل الدولية» التي تبتّ في منازعات بين الدول. وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة إثر شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني. وفي لحظة فارقة بهذا المسار القضائي، مثلت أونغ سان سو تشي، الحائزة «نوبل السلام» أمام المحكمة في مقرّها بلاهاي، للدفاع عن بلدها ميانمار سنة 2019. وقالت سو تشي إن «الوقائع المقدّمة مضلّلة ومنقوصة» لما وصفته بـ«النزاع الداخلي المسلّح».

ولطالما عدت السلطات في ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو»، كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين «الروهينغا» بعد هجمات أودت بحياة نحو 10 من عناصر الأمن. ولن تعود سو تشي إلى مقرّ المحكمة في لاهاي المعروف بقصر السلام؛ إذ يحتجزها العسكر منذ انقلابهم على الحكم المدني سنة 2021 على خلفية تهم تقول مجموعات حقوقية إنها مدفوعة سياسياً.

 

دعاوى أخرى

في عام 2020، قالت المحكمة إنه ينبغي على ميانمار اتّخاذ «كلّ التدابير التي هي في مقدورها» لمنع أيّ عمل محظور بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. وتشتمل هذه الأعمال على «قتل أفراد من الجماعة»، و«تعمّد فرض ظروف عيش على الجماعة القصد منها القضاء المادي عليها بالكامل، أو بجزء منها».

وفي عام 2022، رأت الولايات المتحدة رسمياً أن العنف الواقع على «الروهينغا» يضاهي الإبادة الجماعية، بعد 3 سنوات من إعلان فريق أممي أن ميانمار تغذّي «نوايا الإبادة» بحق «الروهينغا». وقال فيليب ساندز الذي يمثّل غامبيا أمام المحكمة: «عندما تنظر المحكمة في... كلّ الأدلّة مجموعةً، فإن الخلاصة المعقولة الوحيدة الممكن التوصّل إليها هي أن نيّة إبادة معممة غذّت سلسلة الأعمال التي ارتكبتها الدولة في ميانمار بحقّ (الروهينغا)».

وليست محكمة «العدل الدولية» الهيئة القضائية الوحيدة التي تنظر في شبهات إبادة جماعية لـ«الروهينغا»؛ فالمحكمة الجنائية الدولية التي تتّخذ أيضاً من لاهاي مقرّاً لها، تحقّق في أعمال للقائد العسكري مين أونغ هلاينغ، يشتبه في أنها جرائم ضدّ الإنسانية.

ورُفعت دعوى أخرى بهذا الخصوص في الأرجنتين، بموجب الولاية القضائية العالمية التي تتيح لأي محكمة النظر في جرائم شديدة الفظاعة. ومن أمام مقرّ المحكمة، قال تون خين رئيس منظمة «الروهينغا» في بريطانيا: «ننتظر العدالة منذ سنوات عدّة». وأكّد: «ما يعانيه (الروهينغا) هو إبادة جماعية القصد منها القضاء علينا جميعاً. ونريد للحقّ أن يسود، وبعد ذلك نريد العودة إلى موطننا مزوّدين بكلّ حقوقنا. ونحن نطالب أيضاً بتعويضات».