تقرير: آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
TT

تقرير: آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون (أ.ب)

كشف تقرير جديد أن آلاف الكوريين الشماليين يتم إرسالهم للعمل «في ظروف أشبه بالعبودية» في روسيا لسد النقص الكبير في حجم العمالة الذي تفاقم بسبب الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا.

ولجأت موسكو مراراً وتكراراً إلى بيونغ يانغ لمساعدتها في خوض الحرب، مستخدمةً صواريخها وقذائفها المدفعية وجنودها.

والآن، ومع مقتل أو انخراط عدد من رجال روسيا في القتال -أو فرارهم من البلاد- صرّح مسؤولون في الاستخبارات الكورية الجنوبية لشبكة «بي بي سي» البريطانية، بأن موسكو أصبحت تعتمد بشكل متزايد على العمال الكوريين الشماليين.

وأجرت «بي بي سي» مقابلات مع 6 عمال كوريين شماليين فرّوا من روسيا، إلى جانب مسؤولين حكوميين وباحثين.

وشرحت المصادر بالتفصيل كيف يُعذّب هؤلاء العمال في ظروف عمل «مريعة»، وكيف تُشدّد السلطات الكورية الشمالية قبضتها عليهم لمنعهم من الفرار.

وقالت إن العمال يتم احتجازهم في مواقع البناء ليلاً ونهاراً؛ حيث يخضعون لمراقبة عناصر من جهاز أمن الدولة في كوريا الشمالية، وينامون في حاويات شحن قذرة ومكتظة، ومليئة بالحشرات، أو على أرضيات مبانٍ سكنية غير مكتملة البناء.

«العالم الخارجي عدونا»

قال أحد العمال، ويُدعى جين، إنه عندما وصل إلى أقصى شرق روسيا، رافقه ضابط أمن كوري شمالي من المطار إلى موقع بناء، وأمره بعدم التحدث إلى أي شخص أو النظر إلى أي شيء.

وقال له الضابط: «العالم الخارجي عدونا»، وأضاف أنه كان يُجبر على العمل في بناء أبراج سكنية لأكثر من 18 ساعة يومياً.

ووصف باقي العمال الذين تحدثت «بي بي سي» إليهم أيضاً الشقاء الذي تعرضوا له جرّاء عملهم في روسيا، من الاستيقاظ في السادسة صباحاً وإجبارهم على بناء شقق سكنية شاهقة حتى الثانية من صباح اليوم التالي، مع يومي عطلة فقط في السنة.

وقال تاي، عامل بناء آخر تمكّن من الفرار من روسيا العام الماضي: «كان الاستيقاظ مرعباً، إذ يُدرك المرء أنه سيُضطر إلى تكرار اليوم نفسه مراراً»، لافتاً إلى أن يديه كانتا تتشنجان في الصباح، وأنه كان يشعر بالعجز عن فتحهما بسبب تأثرهما من عمل اليوم السابق.

وقال عامل آخر، يُدعى تشان: «كان بعض الناس يغادرون مواقعهم ويذهبون للنوم خلال النهار، أو ينامون وقوفاً، لكن المشرفين كانوا يجدونهم فيضربونهم. كنا حقّاً نموت».

أما عامل البناء، نام، فقد أكد أنه سقط ذات مرة من ارتفاع 4 أمتار من موقع البناء الذي يعمل فيه، و«تهشّم» وجهه، ما جعله عاجزاً عن العمل، وحتى حينها، لم يسمح له مشرفوه بمغادرة الموقع لزيارة المستشفى.

من جهته، لفت كانغ دونغ وان، الأستاذ في جامعة دونغ-إيه بكوريا الجنوبية، الذي سافر إلى روسيا عدة مرات لمقابلة عمال كوريين شماليين إلى أن «ظروف عملهم في موسكو مزرية للغاية».

وأضاف: «يتعرّض العمال لمواقف خطيرة للغاية. في الليل، تُطفأ الأنوار، ويعملون في الظلام، مع أدوات سلامة محدودة».

10 آلاف عامل كوري شمالي في روسيا

في الماضي، عمل عشرات الآلاف من الكوريين الشماليين في روسيا، وكانوا يكسبون ملايين الجنيهات سنوياً لصالح الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، ونظامه الذي يعاني ضائقة مالية.

ثم في عام 2019، حظرت الأمم المتحدة على الدول استخدام هؤلاء العمال في محاولة لقطع تمويل كيم ومنعه من تصنيع أسلحة نووية، ما أدّى إلى إعادة معظمهم إلى ديارهم.

لكن في العام الماضي، أُرسل أكثر من 10 آلاف عامل إلى روسيا، وفقاً لمسؤول استخباراتي كوري جنوبي تحدث إلى «بي بي سي»، شريطة عدم الكشف عن هويته.

وقال المسؤول إنه من المتوقع وصول مزيد من هؤلاء العمال هذا العام؛ حيث من المحتمل أن ترسل بيونغ يانغ أكثر من 50 ألف عامل إجمالاً.

وأضاف أن «هذا التدفق المفاجئ يعني أن العمال الكوريين الشماليين منتشرون الآن في كل مكان في روسيا، وبينما يعمل معظمهم في مشروعات بناء واسعة النطاق، عُيّن آخرون في مصانع ملابس ومراكز تكنولوجيا معلومات، في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة التي تحظر الاستعانة بالعمالة الكورية الشمالية».

علم كوريا الشمالية (يسار) وعلم روسيا (يمين) (إ.ب.أ)

وتُظهر أرقام الحكومة الروسية أن أكثر من 13 ألف كوري شمالي دخلوا البلاد عام 2024، بزيادة قدرها 12 ضعفاً على العام السابق. وقد دخل ما يقرب من 8 آلاف منهم بتأشيرات طلابية، ولكن وفقاً للمسؤول الاستخباراتي وخبراء، فإن هذا تكتيك تستخدمه روسيا لتجاوز حظر الأمم المتحدة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أقرّ مسؤول روسي رفيع المستوى، وهو سيرغي شويغو، مستشار الأمن الرئاسي الروسي الكبير، لأول مرة بإرسال 5 آلاف كوري شمالي لإعادة بناء كورسك، وهي منطقة روسية سيطرت عليها القوات الأوكرانية العام الماضي.

وقال المسؤول الكوري الجنوبي إنه «من المرجح جداً» أيضاً أن يجري إرسال بعض الكوريين الشماليين قريباً للعمل في مشروعات إعادة الإعمار في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا.

الخيار الأمثل

وقال أندريه لانكوف، الأستاذ في جامعة كوكمين في سيول، والخبير المرموق في العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا: «تعاني روسيا نقصاً حاداً في العمالة حالياً، والكوريون الشماليون يقدمون الحل الأمثل لها في هذا الشأن. إنهم يتميزون بأجور زهيدة، ويعملون بجد، ولا يحدثون أي مشكلات».

وتُعدّ وظائف البناء في الخارج مرغوبة بشدة في كوريا الشمالية، لما تتميز به من رواتب أعلى من تلك التي يتلقاها العمال في أوطانهم.

ويسافر معظم العمال أملاً في الهروب من الفقر والتمكن من شراء منزل لعائلاتهم، أو بدء مشروع تجاري عند عودتهم. ولا يُختار إلا الرجال الموثوق بهم بعد تدقيق شديد، ويُجبرون على ترك عائلاتهم.

لكن الجزء الأكبر من أرباحهم يُرسل مباشرةً إلى الدولة الكورية الشمالية بوصفه «رسوم ولاء». أما الجزء المتبقي -الذي يتراوح عادةً بين 100 و200 دولار أميركي شهرياً- فيُسجّل في سجلّ، ولا يتقاضى العمال هذه الأموال إلا عند عودتهم إلى أوطانهم، لمنعهم من الهرب، كما يقول الخبراء.

وفي الوقت يُدرك العمال حقيقة العمل الشاق وقلة الأجور.

وقال تاي إنه شعر «بالخجل» عندما علم أن عمال بناء آخرين من آسيا الوسطى يتقاضون رواتب أعلى بخمسة أضعاف منه مقابل ثلث العمل. وأضاف: «شعرتُ كأنني في معسكر عمل؛ سجن بلا قضبان».

الهرب من روسيا

وقال جين إن العمال الآخرين الذين كانوا يعملون معهم كانوا يسمونهم عبيداً، وإنهم سخروا منهم قائلين: «لستم بشراً، بل مجرد آلات تتكلم».

وفي إحدى المرات، أخبره مديره بأنه قد لا يتقاضى أي أموال عند عودته إلى كوريا الشمالية، لأن الدولة بحاجة إليها، وعندها قرر المخاطرة بحياته والهرب.

أما تاي فقد اتخذ قرار الهرب بعد مشاهدة مقاطع فيديو على «يوتيوب» تُظهر رواتب العمال في كوريا الجنوبية.

وقال: «في إحدى الليالي، وضعت أمتعتي في كيس قمامة، وتسللت خارج موقع البناء. وأوقفت سيارة أجرة وسافرت آلاف الكيلومترات عبر البلاد لمقابلة محامٍ ساعدني في ترتيب رحلتي إلى سيول».

وفي السنوات الأخيرة، تمكن عدد قليل من العمال من تدبير هروبهم باستخدام هواتف ذكية مستعملة ممنوعة، اشتروها من خلال ادخار المصروف اليومي الضئيل الذي كانوا يتقاضونه مقابل السجائر والكحول.

وانخفض عدد العمال الذين تمكنوا من الفرار مؤخراً. وقالت الحكومة الكورية الجنوبية إن عدد الكوريين الشماليين الذين يغادرون روسيا سنوياً ويصلون إلى سيول قد انخفض إلى النصف منذ عام 2022 (من نحو 20 سنوياً إلى 10 فقط).


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

أوروبا  رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (د.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يقترح عقوبات جديدة على روسيا تشمل الطاقة والتجارة والبنوك

اقترح الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على روسيا تستهدف قطاعي الطاقة والبنوك، وتشمل حظر تقديم خدمات بحرية لناقلات النفط الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وخلفه الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

واشنطن تدعو إلى مفاوضات تشمل موسكو وبكين للحد من الأسلحة النووية

دعت الولايات المتحدة إلى إطلاق مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين لوضع قيود جديدة على الأسلحة النووية، وذلك غداة انتهاء مفاعيل معاهدة «نيو ستارت».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في وزارة الخارجية في العاصمة واشنطن، 4 فبراير 2026 (أ.ب)

وزير الخارجية الأميركي: معاهدة «نيوستارت» النووية لم تعد تحقق أهدافها

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إن معاهدة «نيوستارت» مع روسيا بشأن الأسلحة النووية «لم تعد تحقق الغرض منها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ضباط إنفاذ القانون وصحافيون خارج المبنى السكني الذي شهد محاولة اغتيال الجنرال الروسي فلاديمير أليكسيف في موسكو، روسيا 6 فبراير 2026 (رويترز)
p-circle 00:39

إطلاق نار على جنرال في الجيش الروسي... ولافروف يتهم أوكرانيا

تعرّض جنرال في الجيش الروسي لإطلاق نار في مبنى سكني بموسكو، صباح الجمعة، ونُقل إلى المستشفى، حسب ما أفادت «لجنة التحقيقات الروسية».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب) p-circle

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

باكستان: منفذ هجوم مسجد إسلام آباد تلقى تدريباً في أفغانستان

مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)
مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)
TT

باكستان: منفذ هجوم مسجد إسلام آباد تلقى تدريباً في أفغانستان

مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)
مشيعون يؤدون صلاة الجنازة على ضحايا التفجير الذي وقع يوم الجمعة داخل مسجد في إسلام آباد (أ.ب)

حددت السلطات الباكستانية هوية منفذ الهجوم على مسجد في إسلام آباد، بأنه من سكان بيشاور وتلقى تدريباً في أفغانستان، مما يلقي ضوءاً جديداً على الإرهاب العابر للحدود في البلاد، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وطبقاً لمعلومات أولية صادرة عن مصادر مقربة من التحقيق، كان المهاجم ياسر خان ياسر، يقيم في أفغانستان منذ نحو 5 أشهر قبل أن يعود إلى باكستان، حسب شبكة «جيو نيوز» الباكستانية اليوم (السبت).

ويدرس المحققون أيضاً في روابط محتملة بين المهاجم وتنظيم ولاية خراسان، وهو فرع من تنظيم «داعش» ينشط في وسط وجنوب آسيا، وأشار المحققون إلى أن التحقيقات لا تزال جارية في تلك المرحلة.

ويعتقد أن ياسر خان تلقى تدريباً عسكرياً خلال إقامته في أفغانستان.

وقالت السلطات إن الجهود جارية للكشف عن الشبكة الكاملة التي تقف وراء الهجوم.

الشرطة تعزز الإجراءات الأمنية

إلى ذلك، بدأت الشرطة الباكستانية في مدينة روالبندي جهوداً لتعزيز الأمن في المنشآت الحساسة وأماكن العبادة.

ونظراً للوضع الأمني الراهن، تم وضع شرطة روالبندي في حالة تأهب قصوى، حسب بيان صادر عن متحدث باسم الشرطة، طبقاً لما ذكرته صحيفة «ذا نيشن» الباكستانية اليوم.

وجاء في البيان: «يتم التحقق من الواجبات الأمنية وإطلاع المسؤولين على آخر المستجدات في المساجد وغيرها من الأماكن في مختلف أنحاء المدينة».

وعقد مسؤولو الشرطة اجتماعات مع المسؤولين الإداريين وحراس الأماكن الدينية، وأطلعوهم على الإجراءات العملياتية الأمنية القياسية، والإجراءات التي يتم اتخاذها في هذا الصدد.

ومن جهة أخرى، تم وضع جميع المستشفيات الحكومية في حالة تأهب قصوى.

وأعلن تنظيم «داعش» المتطرف مسؤوليته عن الهجوم الدموي على مسجد شيعي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وجاء ذلك عبر وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم والتي نشرت بياناً على تطبيق «تلغرام»، وصورة قالت إنها للمفجر الانتحاري.

وقتل ما لا يقل عن 31 شخصاً في الهجوم أثناء صلاة الجمعة في إحدى ضواحي إسلام آباد. كما أصيب نحو 170 آخرين، حسبما أفاد مسؤولون.


«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
TT

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)
تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

وقال ⁠مسؤولون من ‌الشرطة ‍والحكومة ‍إن تفجيراً ‍انتحارياً أودى بحياة 31 على الأقل ​وأصاب قرابة 170 وقت صلاة الجمعة في المسجد الواقع في منطقة ترلاي على أطراف إسلام آباد.

وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «المهاجم توقف عند البوابة وفجّر نفسه».

وهذا أعنف هجوم من حيث حصيلة القتلى في العاصمة الباكستانية منذ سبتمبر (أيلول) 2008، حين قُتل 60 شخصاً في تفجير انتحاري بشاحنة مفخخة دمّر جزءاً من فندق فخم.


31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
TT

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)
نقل الجرحى بسيارات إسعاف إلى المستشفيات القريبة (إ.ب.أ)

ارتفعت حصيلة ضحايا الانفجار الذي وقع في مسجد شيعي في منطقة ترلاي على أطراف العاصمة إسلام آباد إلى 31 قتيلاً و169 مصاباً، بناء على ما أدلى به مسؤول رفيع بالشرطة الباكستانية، مضيفاً أن الهجوم وقع بُعيد صلاة الجمعة. وذكرت الشرطة في إسلام آباد أن الانفجار في المسجد الواسع المساحة وقع نتيجة هجوم انتحاري، وأنه يجري التحقيق بشأنه.

أشخاص ينقلون رجلاً مصاباً إلى المستشفى عقب انفجار في مسجد بإسلام آباد يوم 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وقال نائب مفوض إسلام آباد عرفان ميمون، في بيان: «ارتفع عدد القتلى في الانفجار. فقد 31 شخصاً حياتهم. وزاد عدد الجرحى المنقولين إلى المستشفيات إلى 169».

وأظهرت لقطات تلفزيونية ومقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي الشرطة والسكان وهم ينقلون المصابين إلى مستشفيات قريبة كما أظهرت التسجيلات المصوّرة جثثاً ملقاة قرب البوابة الأمامية للمسجد، بينما تناثرت غيرها، إضافة إلى الأنقاض والركام، في قاعة الصلاة. وكان عشرات الجرحى الآخرين يستلقون في الحديقة الخارجية للمسجد الواقع على مشارف إسلام آباد، بينما كان الناس يستغيثون طلباً للمساعدة.

وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للتفجير الإرهابي الذي استهدف مسجداً في عاصمة جمهورية باكستان الإسلامية، إسلام آباد، وأدى لسقوط عدد من القتلى والجرحى.

وشدد بيان وزارة الخارجية على موقف المملكة الرافض لاستهداف دور العبادة وترويع الآمنين وسفك دماء الأبرياء، مؤكداً وقوف المملكة إلى جانب جمهورية باكستان الإسلامية الشقيقة ضد جميع أشكال العنف والتطرف والإرهاب.

وقدمت الوزارة العزاء والمواساة لذوي الضحايا وللحكومة والشعب الباكستاني الشقيق، مع التمنيات للمصابين بالشفاء العاجل.

عناصر الأمن الباكستاني يبعدون الناس عن موقع الانفجار في إسلام آباد الجمعة (أ.ب)

والتفجيرات نادرة في العاصمة التي تخضع لإجراءات أمنية مشددة، رغم أن باكستان شهدت خلال السنوات القليلة الماضية موجة متصاعدة من أعمال العنف المسلح.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن التفجير على الفور، لكن من المرجح أن تحوم الشبهات حول جماعات مسلحة مثل حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش»، اللذين نسبت إليهما مسؤولية تنفيذ هجمات سابقة استهدفت مصلين من الشيعة. وقال مصدر أمني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «المهاجم أوقف عند البوابة وفجّر نفسه».

نقل الجرحى من مكان الانفجار قريباً من الجامع الشيعي (إ.ب.أ)

ورأى مراسلون عند مستشفى «المعهد الباكستاني للعلوم الطبية» عدداً من النساء والأطفال يُنقلون إلى المنشأة. وتولى مسعفون وأشخاص آخرون نقل الضحايا المضرجين بدمائهم من سيارات الإسعاف ومركبات أخرى. وعلت صرخات أصدقاء وأقارب الجرحى لدى وصولهم إلى قسم الطوارئ في المستشفى، حيث فرضت إجراءات أمنية مشددة.

وفُرض طوق أمني في محيط المنطقة، حيث تناثرت الملابس والأحذية والزجاج المحطم.

ودان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الاعتداء، متعهّداً بالعثور على منفذيه وسوقهم إلى العدالة. وأمر شريف بفتح تحقيق شامل، وقال: «لا بد من تحديد هوية المسؤولين ومعاقبتهم».

كما دان وزير الداخلية محسن نقوي أيضاً الهجوم، وطلب من السلطات توفير أفضل رعاية طبية للجرحى الذين تم نقلهم لمستشفيات مختلفة بالمدينة. ووقع الهجوم اليوم بينما كان الرئيس الأوزبكي شوكت مرضيايف، الذي يقوم بزيارة رسمية للبلاد لمدة يومين، يشارك في إحدى الفعاليات مع شريف. وكان موقع الفعالية يبعد عدة كيلومترات عن موقع الانفجار.

جموع من الناس قريباً من مكان الحادث (رويترز)

ووصف نائب رئيس الوزراء إسحاق دار الهجوم بأنه «جريمة شنيعة ضد الإنسانية، وانتهاك صارخ للمبادئ الإسلامية». وأضاف في منشور على «إكس» أن «باكستان تقف صفّاً واحداً ضد الإرهاب بكافة أشكاله».

ولم تعلن أي جهة بعدُ مسؤوليتها عن التفجير الذي يأتي في وقت تواجه فيه قوات الأمن الباكستانية حركات تمرّد تزداد حدة في المناطق الجنوبية والشمالية المحاذية لأفغانستان.

واتّهمت إسلام آباد في الماضي مجموعات انفصالية مسلّحة في إقليم بلوشستان (جنوب) وحركة «طالبان» الباكستانية وغيرها من الجماعات الإسلامية في إقليم خيبر بختونخوا (شمال) باستخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لشنّ هجمات.

ونفت حكومة «طالبان» في أفغانستان مراراً الاتهامات الباكستانية. إلا أن العلاقات بين البلدين تدهورت في الآونة الأخيرة، بينما تدور مواجهات متكررة بين قواتهما عند الحدود.

وشهدت باكستان زيادة في عنف الجماعات المسلحة في الأشهر القليلة الماضية، التي تم إلقاء اللائمة فيها على جماعات انفصالية من بلوشستان وحركة «طالبان باكستان». وتنشط في البلاد أيضاً جماعة مرتبطة بتنظيم «داعش».

نقل الجرحى من مكان الانفجار قريباً من الجامع الشيعي (إ.ب.أ)

ويشكّل المسلمون الشيعة ما بين 10 و15 في المائة من سكان باكستان ذات الغالبية من المسلمين السنّة، وسبق أن استُهدفوا بهجمات في أنحاء مختلفة في الماضي.

وأعلن الجيش الباكستاني، الجمعة، أن وحدات الكوماندوز قتلت 24 مسلحاً إرهابياً على الأقل في عمليات بالقرب من الحدود الأفغانية، بعد يوم من وصول حصيلة الوفيات جراء عملية استمرت أسبوعاً في جنوب غربي البلاد إلى 250 قتيلاً.

وأوضح بيان عسكري أن الجنود المدعومين من المروحيات الحربية اقتحموا مخابئ المسلحين من «طالبان» باكستان في موقعين في إقليم خيبر بختونخوا بشمال غربي البلاد. وأضاف البيان، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»: «تأكدت وفاة 24 عدواً على الأقل في تبادل لإطلاق النار في الموقعين».

ولدى «طالبان» باكستان هيكل تنظيمي مختلف عن نظيرتها الأفغانية التي تحكم الآن كابل، ولكنّ كلتيهما تعتنق نفس التفسير المتشدد للإسلام. وتريد المجموعة التي تفيد المزاعم بأنها تعمل من المناطق الحدودية الأفغانية، تكرار الحكم الإسلامي لأفغانستان في باكستان المسلحة نووياً.

وكان الجيش الباكستاني قد دفع بـ«طالبان» باكستان إلى أفغانستان في سلسلة من الهجمات من 2014، ولكنها ظهرت مجدداً في باكستان بعد سقوط كابل في يد «طالبان» أفغانستان.

وتأتي العملية بعد يوم من إعلان إدارة العلاقات العامة بالجيش الباكستاني أن القوات الأمنية اختتمت بنجاح عملية «رد الفتنة 1»؛ إذ قضت على 216 إرهابياً في عدة اشتباكات وعمليات تطهير. ومن ناحية أخرى، لقي 36 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى 22 من أفراد قوات الأمن، حتفهم في هذه العمليات.

وقال الجيش الباكستاني، الخميس، إنه أنهى عملية أمنية استمرت أسبوعاً في إقليم بلوشستان ضد جماعة انفصالية اقتحم عناصرها أكثر من 12 موقعاً، واحتجزوا رهائن وفجروا قنابل وخاضوا اشتباكات مسلحة مع قوات الأمن. وتعطلت الحياة في بلوشستان، أكبر أقاليم باكستان وأفقرها، السبت، عندما شنت جماعة «جيش تحرير بلوشستان» الانفصالية هجمات منسقة في الساعات الأولى من الصباح على مدارس وبنوك وأسواق ومنشآت أمنية في أنحاء الإقليم، في واحدة من أكبر عملياتها على الإطلاق.

سيارات الإسعاف تنقل الضحايا من مكان الانفجار (رويترز)

وظهر في صور من كويتا، عاصمة الإقليم، وغيرها من المناطق مبانٍ مدمرة سُوّي بعضها بالأرض، وتناثر الطوب والخرسانة المتفحمة في الشوارع.

وقال الجيش إنه «أنهى بنجاح» عملية «رد الفتنة 1»، وإن قواته تمكنت من إحباط هجمات الانفصاليين وتفكيك خلايا نائمة ومصادرة أسلحة.

ورغم ذلك، قال «جيش تحرير بلوشستان» في بيان، إنه يعتبر العملية التي أطلق عليها اسم «هيروف» أو (العاصفة السوداء) مستمرة، ونفى ما أشار إليه الجيش بشأن انتهاء العملية، ووصف الأمر بأنه «دعاية مضللة».

ودعا «جيش تحرير بلوشستان» سكان الإقليم إلى دعم الجماعة، مضيفاً، في بيان، نقلت عنه «رويترز» أن عناصره قتلت 310 جنود خلال عمليته، لكن دون تقديم أي دليل.

وقال مسؤولون أمنيون وشهود إن الانفصاليين سيطروا على مبان حكومية ومراكز شرطة في عدة مواقع، بما في ذلك السيطرة على بلدة نوشكي الصحراوية لمدة ثلاثة أيام قبل طردهم.

وأضاف المسؤولون أن طائرات هليكوبتر وطائرات مسيرة جرى نشرها في نوشكي لإخراجهم.

ووجهت باكستان اتهامات للهند بالوقوف وراء الهجمات، لكنها لم تقدم أدلة على هذه الاتهامات التي ربما تؤدي إلى تصعيد حدة التوتر بين الجارتين المسلحتين نووياً، واللتين خاضتا أسوأ صراع مسلح بينهما منذ عقود في مايو (أيار) الماضي.

قوات الجيش الباكستاني تقوم بدوريات في شامان ببلوشستان (إ.ب.أ)

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الجمعة: «صعّدت الهند مرة أخرى أعمال الإرهاب في باكستان عبر وكلائها». وتنفي وزارة الخارجية في نيودلهي هذه الاتهامات، وشددت على ضرورة تركيز إسلام آباد على تلبية «المطالب القديمة لشعبها في المنطقة».