غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

قال إن فصل اللبناني عن الثقافة انتزاع لروحه

غسان سلامة
غسان سلامة
TT

غسان سلامة لـ «الشرق الأوسط» : القطاع الثقافي في لبنان مداخيله تفوق الزراعة

غسان سلامة
غسان سلامة

بعد ربع قرن من توليه وزارة الثقافة اللبنانية، يعود غسان سلامة إلى الموقع نفسه، وقد نضجت التجربة، وتبدلت الأحوال، وجاءت أجيال جديدة، لكنَّ إصراره على أنها واحدة من أهم الوزارات في لبنان لم يتبدل. يخبرنا بأنه سيفاجئ الجميع بدراسة تبيِّن أن القطاع الثقافي في لبنان نصيبه من الناتج المحلي أكبر من الزراعة، وربما الصناعة أيضاً. عن هذا يتحدث غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط» وعن رؤيته للمستقبل وخططه ومشاريعه الطموحة.

يصف وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة نفسه بأنه «أكبر مالك عقاري»، لأن مهمته الدفاع عن مدن وقلاع وأسواق ومبانٍ أثرية في كل لبنان، ويحميها من التعديات.

«نصف شغل وزير الثقافة هو الدفاع عن هذه الممتلكات، والحفاظ عليها. عندي قضايا كثيرة أمام المحاكم، ومتابعات يومية مع الدرك». قضايا تتعلق بسرقات أثرية أو تعديات بالبناء على آثار، أو تشويهها. هذا الجزء من عمله يعده «ثميناً جداً» و«سيادياً» ويعطيه أهمية فائقة. «أوقفنا تعديات في أماكن كثيرة. ونعمل بجدٍّ على تطوير اتفاقات مع (اللوفر) وإيطاليا للمساعدة في البحث عن آثار جديدة».

الإنتاج الثقافي وشُحّ التمويل

الجزء الثاني من عمل الوزير -يخبرنا سلامة- له علاقة بالإنتاج الثقافي. هذا جانب يعاني من ضعف بسبب عدم وجود تمويل. «دورنا أن نسهّل، وأن نفتح أسواقاً جديدة أمام الكتاب وصنّاع الأفلام وغيرهم».

مقارنةً بزمن الوفرة الذي كان خلاله سلامة وزيراً للثقافة قبل 25 سنة، لم يعد من إمكانات؛ «مالية الدولة ستكون صعبة لثلاث أو خمس سنوات مقبلة. بالتالي لم يعد دور الوزارة كمستثمر، وإنما كمساعد ومشجع أكثر من أي شيء آخر».

تقع على عاتق الوزير عملية صياغة الثقافة العامة للبلد، وموضوع الذاكرة. الأسبوع الماضي كان الاهتمام منصبَّاً على الوقوف إلى جانب السيدة فيروز، والإسهام في تنظيم مأتم ابنها زياد الرحباني وتكريمه. في الأسبوع نفسه كانت «ليلة المتاحف»، حيث جاء أكثر من 30 ألف شخص. «فوجئت حين رأيت الآلاف المؤلَّفة تنزل إلى الشارع، لم أصدِّق عيني، خصوصاً أنه لا حافلات تكفي لنقل كل هؤلاء الذين لم نتصور مشاركتهم، ولم نستعدّ لها. شجَّعهم الانتقال المجاني ووجود أدلَّاء».

وزارة تربط الناس بتاريخهم

دور الوزارة بالنسبة إلى سلامة هو الحفاظ على التراث وربط الناس بتاريخهم؛ «لذلك حين حلّت ذكرى انفجار المرفأ يوم 4 أغسطس (آب)، وطلب أهالي الضحايا وضع صوامع المرفأ المدمَّرة على لائحة الجرد العام وإلغاء القرار السابق بهدمها تجاوب سلامة معهم:

«إذا كان عائلات الضحايا يعدرون الصوامع شاهداً صامتاً على الفجيعة التي ضربتهم، فلا يجوز حرمانهم منها على الأقل حتى صدور القرار الظني».

مهمة ثالثة يتحدث عنها ويأخذها على عاتق وزارته، هي الترويج للإبداع الثقافي اللبناني الذي يعاني من ضعف، وتشجيعه بشتى السبل.

حين نسأل سلامة: لماذا يعد نفسه «شحّاذ الحكومة»؟ يقول إنه في فترة توزيره السابقة أتى بمبالغ كبيرة. «أما الآن فوضع المالية، اضعف بكثير والشحاذة أصعب». مع ذلك تمكَّن من الحصول على هبة مليون دولار لرقمنة المكتبة الوطنية، وهبة أخرى لترميم قصر بيت الدين، وغيرها لتطوير التياترو الكبير.

«المشكلة هي في الحصار المالي المضروب على لبنان، رغم أنني لست في المجال السياسي لكنه يصيبني؛ كالطاقة والزراعة وأي مجال آخر. إمكانية الحصول على قروض وهبات أصعب بكثير من قبل».

مع ذلك، المشاريع كثيرة، في مدينة طرابلس مشروع كبير لإعادة بناء بيوت أثرية مهدَّمة. معرض رشيد كرامي المتصدع تجري معالجة بنيانه المتآكل بالتعاون مع الحكومة البرازيلية و«اليونسكو». يأمل سلامة «أن يتفكك هذا الحصار. وهناك أسباب لتفكيكه، لكنّ هذا لا يمنعني من المحاولة مع المنظمات الدولية»

تحولات عالمية

ثمة تحولات كبرى ينال لبنان نصيبه منها. لقد شحّت المساعدات الغربية الخارجية في العالم كله. «حولوا جزءاً من ميزانياتهم إلى حرب أوكرانيا. أغلقت الوكالة الأميركية، وانخفضت المساعدات البريطانية 42 في المائة، والفرنسية 37 في المائة، وهذا يؤثر على المنظمات الدولية. أميركا انسحبت من اليونسكو، وأخذت معها 22 في المائة من ميزانية المنظمة. أما لبنان فبعض الدول تضع شروطاً لمساعدته. وهذه عوائق خاصة، مع مالية صعبة ستستمر لسنوات».

«لذا الشحاذة ضرورية وليست سهلة، لكنني شخص (متشائم متحرك) بمعنى أنني أرى كل العناصر السلبية، ومع ذلك أتحرك، أعمل كأنها غير موجوده لأحصل على مساعدات».

الحيوية الثقافية في لبنان كبيرة، والنشاطات كثيفة، وتدعو إلى التساؤل، مَن يموِّل؟ وكيف؟ كأنه لا يوجد أي تراجع؟

هذا في رأي سلامة يعود إلى أن الإنتاج الثقافي في لبنان لا ينبع من قرار الدولة وإنما من نشاط المجتمع. انهارت الدولة، وبقيت الثقافة. لو كانت الدولة هي التي تدير المشهد لرأينا شيئاً مختلفاً. ويشرح سلامة، إنه لحُسن الحظ، منذ نشأت الدولة اللبنانية الحديثة سنة 1920 بقي الإبداع والإنتاج الثقافيين خارج إطار الدولة. لا تجربة عائلة الرحباني، ولا نجاحات دور النشر ولا السينما ولا المسرح، مرتبطة بالدولة. «عكس معظم الدول المحيطة بنا. كنا سباقين بأخذ هذا التوجه، الذي باتت تلحقنا به الدول الأخرى، أي تحرير الثقافة من ربقة الدولة».

الصناعات الثقافية... تفوُّق غير متوقَّع

هذا كان له تأثير إيجابي كبير على الصناعات الثقافية التي عوملت منذ البدء، كبقية الصناعات، وبقيت بعيدة عن سلطة الدولة. «منذ ثمانين سنة، رأينا أن المجتمع هو المسؤول عن الإيرادات المالية المرتبطة بالإنتاج الثقافي؛ أي يجب كمغنٍّ أن تبيع أغنيتك، وكسينمائي أن تبيع فيلمك، وككاتب أن تسوِّق كتابك، وتجلب جمهوراً كي تسدد تكاليفك. لهذا حين انهارت الدولة سنة 1975 بسبب الحرب الأهلية، بقيت الثقافة حيوية».

وزير الثقافة اللبناني وهو يعلن عن" يوم المتاحف"

الجديد الخطير

«حصل أمر جديد وخطير في وقت واحد خلال الفترة الأخيرة»، يقول سلامة. صارت هناك أسواق خارجية تستقطب المبدع اللبناني. لم تعد تكفيه السوق المحلية، لأنها ضيقة وصغيرة. أصبحت إمكانية الانتقال إلى مكان آخر تراود فكره. و«دول الخليج مثلاً ترحب وتشجع وتعطي تأشيرات فضية وذهبية للمبدعين»؛ لذا نحن أمام حالة جديدة، «كنا نصدّر العقول مثل الأطباء والمهندسين، وصرنا نصدّر المبدعين من كتاب ومغنّين. وهذا أمر خطير؛ أن يصبح لبنان مصدّراً للمثقفين والفنانين أنفسهم بدل تصدير نتاجهم الثقافي. هذا تطور ينبغي التنبه إليه».

الحل، في رأيه، في التعافي الاقتصادي. لهذا هو مهتم بصياغة القوانين المالية والاقتصادية التي تتقدم بها في الحكومة لأنه يعلم تماماً أنه من دون ذلك، فإن الجذب الخارجي للمبدعين سيكون طاغياً.

«هجرة المبدعين تخلق فجوة، وتضعنا أمام فراغ نحتاج إلى جيل كامل لنردمه. نحن بحاجة إلى أمن وتعافٍ وتشجيع سوق محلية ثقافية لا تصدّر المبدعين، ولكن تصدِّر الإبداع، والفرق أساسي بين الاثنين».

رغبةً منه في رسم رؤية ثقافية عامة، سيدعو وزير الثقافة مختلف القطاعات إلى الاجتماع والتشاور مطلع سبتمبر (أيلول). «نبدأ بالفنون التشكيلية؛ الرسم والنحت، وندعو الفنانين أصحاب الغاليريهات، والمبدعين الوسطاء، والنقاد، وبعد 15 يوماً ننتقل إلى السينما، ثم بعدها نجتمع بالعاملين في قطاع المسرح، ثم الكتب؛ نلتقي بالكتاب والناشرين والموزعين والمستوردين والموردين كلهم معاً، لنرى ما التوصيات التي نقدمها، ونصوغ سياسة ثقافية».

«قبل مطلع العام المقبل، أي بعد ثلاثة أشهر من الاجتماعات، خلال الخريف، تصبح لدينا رؤية واضحة للقطاع الثقافي، ستُعرض على مجلس الوزراء».

دراسةٌ نتائجها مفاجئة

طلب الوزير سلامة من وكالة التنمية الفرنسية دراسة تفصيلية حول «الصناعات الثقافية في لبنان» سوف تنجَز قبل عيد الميلاد. لكنَّ النتائج الأولى رغم الأزمة المالية التي نعيشها تشير إلى أن هذا القطاع بمساهمته في الناتج القومي والصادرات وعدد الناس الذين يعملون فيه، يتجاوز قطاع الزراعة وربما حتى قطاع الصناعة. التقديرات الأولية للدراسة تشير إلى أن حصة القطاع الثقافي تتجاوز 15 في المائة من صادرات لبنان. «حين قلت ذلك في مجلس النواب استغربوا كلامي. لكن لن أفاجأ لو كانت النتيجة 20 في المائة من مجمل الواردات». هو قطاع واعد جداً، لأسباب كثيرة، منها أكاديمي. هناك كليات ترميم، تُخرِّج مهارات عالية وخبرات في «الجامعة اللبنانية» في طرابلس، و«الجامعة اليسوعية» التي لديها مختبر ترميم عصري إلى اقصى الحدود، و«جامعة الكسليك» عندها قسم ترميم لوحات وكتب بتقنيات عالية جداً. «الناس لا يعرفون كم الاستثمار مفيد في هذه المجالات» الدول المجاورة لا تستفيد إلى الآن من هذه المهارات، لأنها بالكاد تلبي الطلب اللبناني. يُخبرنا سلامة أنه يُعيد ترميم أكثر من ألفَي لوحة لوزارة الثقافة، في الجامعة اليسوعية «أذهب أتفقدها باستمرار، كأطفالي، تحتاج إلى سنتين أو ثلاثاً. عندنا أيضاً كتب كثيرة بحاجة إلى ترميم. الأمر السعيد أننا في لبنان أصبحت لدينا تجهيزات متقدمة جداً وكفاءات».

البرامج الإلكترونية والأزياء موارد ثقافية

على غرار بريطانيا التي تدرس إسهام الصناعات الثقافية في اقتصادها وتضيف إليها مبلغ ملياري دولار، هو ما يدفعه دارسو اللغة الإنجليزية، بوصفه تصديراً ثقافياً، وكذلك مداخيل التصاميم المعمارية التي ينفّذونها خارج بلادهم... هذا أيضاً تصدير ثقافي. الدراسة اللبنانية تشمل كل الصناعات الثقافية المتعارف عليها، وضمنها التصميم والموضة، وتعليم اللغات الأجنبية، وبالطبع السينما، والكتاب، والبرامج الإلكترونية. «بات لبنان من كبار منتجي البرامج الإلكترونية. لدينا شركات ناشئة لبنانية تبيع منتجاتها بمئات آلاف الدولارات».

لهذا أراد سلامة دراسة جدية، ويعدنا بنتائج بحث تفاجئ الجميع: «لن أستغرب إذا جاءت الأرقام مذهلة، فهي تعبِّر عن حجم وعظمة إسهام الثقافة في اقتصاد البلاد».

الدولة حرَّرت الثقافة منها وتحررت

لم يؤمّم لبنان الثقافة، وتلك كانت منجاته. يروي سلامة: «حين تسلمت الوزارة المرة الأولى، كان ثمة من يطلب مني باستمرار أن أقيم مسرحاً قومياً. لماذا أسعى إلى مسرح قومي؟ أفضّل أن أساعد المسارح، أن افتح دروباً لفرق، هذا عملي، لا أن أقول أي مسرحية تُلعب اليوم، وما المسرحية التي لا نرغب فيها، ليس دوري أن أخنق المسرح». اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يريد سلامة مسرحاً قومياً، «إنما ليتنا نستطيع الحصول على قليل من التمويل لمساعدة الفنانين المسرحيين».

دور وزارة الثقافة الترويج، وتشجيع فتح الأسواق، ورسم رؤية ثقافية. فبعد أن شحَّت الأموال تركز طلب الفنانين من الوزارة على فتح أبواب القنصليات والسفر، وتسهيل دخول الكتاب اللبناني إلى أسواق فيها عراقيل. ثمة صعوبات في التصدير، وفي الحفاظ على الملكية الفكرية، وحمايتهم من التزوير.

كونسرفتوار وطني بمهمات وآفاق جديدة

آفاق جديدة سيفتحها الكونسرفتوار الوطني بعد إنجاز مبناه الجديد بتجهيزاته المتطورة التي أخذها الصينيون على عاتقهم. فقد اكتمل العمل بنسبة 80 في المئة ثم توقف بسبب الحرب الإسرائيلية الأخيرة، وسيعاد استكماله.

«سيكون صرحاً فنياً موسيقياً كبيراً، ليس فقط كمدرسة وإنما بتجهيزات عالية للتسجيل والصوت، بإمكانات مهمة جداً».

المهمات كثيرة والزخم كبير عند الناس. «لم أفاجأ؛ لأنني لم أبتعد ولم أنقطع. الجيل الجديد همّي أن أتعرف إليه وأعمل معه. الجيل القديم يعرفني وأعرفه. بعضهم أصابهم الهرم، وبعضهم عندهم إنتاج جميل، مثل نضال الأشقر، ورفعت طربية، وعبد الحليم كركلا الذي حلّق في البولشوي في موسكو، مؤخراً. لكن من واجبي الانفتاح على الجيل الجديد، لأن الرؤية موجَّهة إليهم، هم سيرثون الثقافة التي هي جزء من الـ(دي إن إيه) اللبناني. فصل لبنان عن الثقافة انتزاع لروحه».

يدرك سلامة أن «الثقافة لا تشبه التجارة، وإنما تشبه الزراعة؛ تعمل لمن سيأتي بعدك». أسَّس، وهو فخور بذلك، في المرة السابقة، عشرين مكتبة عامة في المناطق. «ثم قلدوهم وصارت لدينا 70 أو 80 مكتبة، بحاجة إلى شغل كثير، لتبقى المكتبات البلدية على مستوى. الوزارة بحاجة إلى مليوني دولار على الأقل. عملت دراسة، وآمل قبل أن أترك أن أكون قد باشرت بتحسين مستواها. لم يعد عدد الكتب هو المهم، وإنما إعطاء الزائر إمكانية الوصول إلى أي متحف، أو أي كتاب في أي مكتبة عامة في العالم. صارت المكتبة خدمات ثقافية أكثر منها مكتبة تقليدية. نحن بحاجة إلى كثير من التمويل، لهذا لن أتوقف عن الشحاذة».

يعتقد سلامة أن الناس فهموا دور الوزارة. في المرة الأولى، واجهتْه صعوبات وهو وزير؛ «كانوا يظنونني بنكاً، عرفوا الآن أن بمقدوري أن أساعدهم بما هو أهم بكثير من المال».


مقالات ذات صلة

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

ثقافة وفنون الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية.

هاشم صالح
ثقافة وفنون «لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».