اجتماع وزاري أوروبي طارئ قبل «قمة ترمب - بوتين»

حلفاء زيلينسكي يدفعون باتجاه مشاركته والضغط على الرئيس الأميركي للتشدد مع نظيره الروسي

الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
TT

اجتماع وزاري أوروبي طارئ قبل «قمة ترمب - بوتين»

الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والروسي خلال لقائهما بأوساكا على هامش «قمة العشرين» في يونيو 2019 (د.ب.أ)

تتواصل الاتصالات الدبلوماسية الأوروبية قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والروسي في مدينة أنشورانج؛ كبرى مدن ولاية ألاسكا، بحثاً عن موقف موحد قادر على التأثير على مجريات القمة؛ تحديداً على الرئيس دونالد ترمب بشأن ملف الحرب في أوكرانيا. وآخر ما استجد الاجتماعُ الطارئ الذي عقده وزراء خارجية الاتحاد الأوربي من بُعد، الاثنين، بناء على دعوة من كايا كالاس، مسؤولة الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد، علماً بأن أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، وقعت البيان المهم الذي صدر عن رؤساء الدول والحكومات الـ6 الأكبر انخراطاً إلى جانب أوكرانيا في حربها مع روسيا.

خطوط حُمر

ويعدّ البيان رسماً لـ«الخطوط الحمراء» التي ينبغي على الرئيس الأميركي ألا يتجاوزها في بحثه عن «صفقة» لوضع حد للحرب الدائرة بين موسكو وكييف منذ 41 شهراً. وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن قدرة الأوروبيين على التأثير على ترمب «محدودة»، آخذين عليه تخليه عن الشروط التي وضعها بنفسه، مثل وقف إطلاق النار من أجل بدء مفاوضات سلام بين الطرفين. وترى المصادر أيضاً أن الرئيس ترمب، الذي كان أمهل نظيره الروسي حتى يوم الجمعة الماضي لوضع حد للحرب قبل أن يفرض على روسيا وعلى مشتري نفطها عقوبات رئيسية و«ثانوية»، استدار بشكل حاد بموافقته على عقد قمة ثنائية معه، يوم الجمعة المقبل، بعيداً عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وعن القادة الأوروبيين بحيث عاد إلى «أحادية» الإمساك بالملف الأوكراني.

من هنا، فإن الهمَّ الأول للأوروبيين الضغطُ على واشنطن ليكون زيلينسكي جزءاً من المفاوضات، وليكون لهم دور من أجل الحفاظ على مصالحهم «الحيوية». وقال المستشار الألماني، فريدريك ميرتس، الأحد، إن ألمانيا لن تقبل بمناقشة أو اتخاذ قرارات بشأن القضايا الإقليمية من قبل روسيا والولايات المتحدة «من فوق رؤوس» الأوروبيين أو الأوكرانيين. وواشنطن لا ترى مانعاً من لقاء ترمب ــ زيلينسكي «بعد» قمة ترمب ــ بوتين. وبعد أن كان الأوروبيون يتوقعون مزيداً من الانخراط الأميركي إلى جانب أوكرانيا، حذرهم جي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، الأحد، من أن «الأميركيين سئموا من الاستمرار في إرسال أموالهم؛ أموال ضرائبهم، لدعم هذا الصراع {الأوكراني} تحديداً»، مضيفاً أنه وترمب «يعتقدان أن أميركا أنهت دعم تمويل الحرب، فنحن نريد التوصل لتسوية سلمية». وبرأيه، فإنه إذا رغب الأوروبيون في تمويل شراء الأسلحة الأميركية لكييف، فإن بلاده لن تجد مانعاً يحول دون ذلك. وعملياً، تكون واشنطن قد تركت عبء تمويل الحرب على الأوروبيين وحدهم، وهو ما يسعون إلى تجنبه.

الرئيس الأميركي خلال حديث منفرد مع المستشار الألماني بمناسبة «القمة الأطلسية» في لاهاي يوم 25 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

بدوره، أعلن متحدث باسم المستشار الألماني، الاثنين، أن الرئيس ترمب وقادة أبرز الدول الأوروبية وأوكرانيا، إضافة إلى «حلف شمال الأطلسي» و«الاتحاد الأوروبي»، سيشاركون الأربعاء في «اجتماع افتراضي» يتناول ملف أوكرانيا، قبل يومين من «قمة ألاسكا» بين الرئيسين الأميركي والروسي. وقال المتحدث، شتيفان كورنيليوس، في بيان، إن هذه «المباحثات» التي ستجرى بمبادرة من برلين، ستتناول «التحضير لمفاوضات سلام محتملة» والقضايا «المتصلة بأراضٍ تجري المطالبة بها، وبالضمانات الأمنية»، فضلاً عن «خطوات إضافية» يمكن اتخاذها «لممارسة ضغط على روسيا».

«ميونيخ» مجدداً

في الأيام الأخيرة، لم تتردد جهات أوروبية في المقارنة بين ما قد يحدث من توافقات «ثنائية» بين ترمب وبوتين، وبين «اتفاقيات ميونيخ» عام 1938، التي وُقعت بين ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية من جهة؛ وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، والتي شجعت هتلر وموسوليني على إطلاق الحرب العالمية الثانية في العام التالي للتوقيع. والمقصود بالمقارنة أن يوافق الرئيس الأميركي على مطالب بوتين الخاصة باقتطاع 20 في المائة من أراضي أوكرانيا، أي شبه جزية القرم والمقاطعات الأربع شرق وجنوب البلاد (دونيتسك، ولوغانسك، وزابوريجيا، وخيرسون) التي تحتلها القوات الروسية جزئياً. كذلك تشترط موسكو أن تتوقّف أوكرانيا عن تلقّي أسلحة غربية وتتخلّى عن طموحاتها للانضمام إلى «حلف شمال الأطلسي»، وتخفض عديد جيشها إلى النصف، وتتخلى عن مرابطة قوات أوروبية - «أطلسية» على أراضيها لتوفير «ضمانات أمنية» لكييف ومنع روسيا من استئناف حربها. وباختصار، ترى المصادر الأوروبية أن ترمب، بقبوله القمة من دون توافر شروط مسبقة، أسدى خدمة كبرى إلى بوتين بأن «فَكَّ مجاناً عزلته السياسية والدبلوماسية» وأعاد «تأهيله» على المسرح الدولي، وجعل روسيا صنواً للولايات المتحدة، وتناسى أن بوتين هو من أطلق الحرب وهاجم دولة جارة لبلاده في فبراير (شباط) من عام 2022، كما أنه قبل بالشروط التي وضعها الأخير؛ أي أن تكون القمة ثنائية من غير زيلينسكي أو أي رئيس أوروبي. وثمة من يذهب أبعد من ذلك؛ إذ يعدّ أن ترمب قد مكّن بوتين «عملياً» من أن يكون «وصياً» على أوروبا لجهة استبعادها عن اجتماعات لها ارتداداتها المباشرة على أمنها ومستقبلها. وقالت كالاس، الأحد، إن «أي اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا يجب أن يضم أوكرانيا والاتحاد الأوروبي؛ لأن الأمر يتعلق بأمن أوكرانيا وأوروبا بأسرها».

دعوة زيلينسكي

بناء على ما سبق، يتركز اهتمام الأوروبيين على الضغط على ترمب ليكون زيلينسكي جزءاً من «قمة ألاسكا». لكن، حتى اليوم، لا مؤشرات تدل على أن تحولاً كهذا يمكن أن يحدث ما دام بوتين معارضاً لقاءه الرئيس الأوكراني إلا وفق شروطه. وقال فانس إن «واحدة من أهم العقبات هي أن فلاديمير بوتين قال إنه لن يجلس إلى طاولة المفاوضات قط مع زيلينسكي. لكن الرئيس (ترمب) غيّر ذلك الآن». بيد أن شيئاً من هذا لم يصدر عن الكرملين. كذلك يتمسك الأوروبيون بشرط توفير ضمانات أمنية صلبة لكييف عن طريق نشر قوات أوروبية على الأراضي الأوكرانية في إطار أي اتفاق لإنهاء النزاع. غير أن هناك صعوبتين رئيسيتين؛ الأولى: رفض موسكو مرابطة قوات أوروبية على حدودها. والثانية: تمسك كييف وكثير من العواصم الأوروبية التي شَكّلت، بقيادة بريطانية - فرنسية، ما سمي «تحالف الراغبين» المستعدين لتوفير وحدات عسكرية لهذه المهمة، بالحصول على ضمانات أميركية لنشر هذه القوة. والحال أن واشنطن لم تقل مطلقاً إنها مستعدة لتوفير هذه الحماية مخافة أن تفضي إلى مواجهة مباشرة مع القوات الروسية.

مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في «الاتحاد الأوروبي» كايا كالاس خلال اجتماع وزاري في بروكسل يوم 14 يوليو 2025 (رويترز)

أوكرانيا الخاسرة

ورغم مجمل هذه التحفظات، فإن أوروبا لا تجرؤ على «الانقطاع» عن واشنطن رغم ما تترهصه من تنازلات ستطلب من زيلينسكي أن يقدمها. فـ«الاتحاد الأوروبي» يعي، كما قالت كالاس يوم الأحد، أن «لدى الولايات المتحدة القدرة على إجبار روسيا على التفاوض بجدية». وكان بإمكانها أن تضيف أنها «الوحيدة القادرة على ذلك». وشددت كالاس على أن «السلام المستدام يعني أيضاً أن العدوان لا يمكن أن يُكافأ»، مضيفة أن «الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً يجب أن تعود لأوكرانيا». لكن ترمب قال لصحافيين في البيت الأبيض، قبل يومين، متحدثاً عن هذه الأراضي: «نحن ندرس هذه المسألة، لكننا نسعى في الواقع إلى استعادة جزء من هذه الأراضي. إنها عملية تبادل. الأمر معقد... لكننا سنستعيد جزءاً من الأراضي، وسنتبادل جزءاً آخر. سيكون هناك تبادل للأراضي يعود بالنفع على الطرفين». ومضمون كلام ترمب لا يطمئن مطلقاً. فالمعروف أن القوات الأوكرانية لا تحتل أي شبر من الأراضي الروسية بعد إخراجها هذا العام من الأراضي التي احتلتها سابقاً في منطقة كورسك قريباً من الحدود المشتركة مع أوكرانيا. وبالتالي، فإن كييف لا تمتلك ما يمكنها المقايضة به. فضلاً عن ذلك، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، قوله لمسؤولين أوروبيين، الجمعة، إن المقترح الروسي ينقسم إلى جزأين؛ الأول: ينص على انسحاب من المناطق الأربع التي ضمتها روسيا في عام 2022، يتبعه تجميد القتال على الخطوط الراهنة. والثاني: التوافق على خطة سلام بين بوتين وترمب يجري التفاوض بعدها مع زيلينسكي.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن أوكرانيا ستكون الخاسر الأكبر من هذه القمة، علماً بأن زيلينسكي كان قد أكد، خلال الأيام القليلة الماضية، أن بلاده «لن تتخلى أبداً» عن جزء من أراضيها لروسيا، وأن قانوناً صدر عن البرلمان الأوكراني يمنع ذلك.



خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.


فرنسا تدرس حظر منصات التواصل على الأطفال دون 15

تجري في فرنسا حالياً مناقشة مشروعَي قانون أحدهما مدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون يهدفان إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عاماً (رويترز)
تجري في فرنسا حالياً مناقشة مشروعَي قانون أحدهما مدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون يهدفان إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عاماً (رويترز)
TT

فرنسا تدرس حظر منصات التواصل على الأطفال دون 15

تجري في فرنسا حالياً مناقشة مشروعَي قانون أحدهما مدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون يهدفان إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عاماً (رويترز)
تجري في فرنسا حالياً مناقشة مشروعَي قانون أحدهما مدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون يهدفان إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عاماً (رويترز)

أكدت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي، الثلاثاء، أن وسائل التواصل الاجتماعي تضرّ بصحة المراهقين النفسية ولا سيما الفتيات، في وقت تدرس باريس حظر هذه المنصات شديدة الانتشار على مَن هم دون الـ15.

وأُعلن عن نتائج مراجعة علمية أجراها خبراء بشأن هذا الموضوع بعد أن أصبحت أستراليا في الشهر الماضي أول دولة تحظر منصات التواصل الاجتماعي، بما فيها «إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب»، على الأطفال دون 16 عاماً، في حين تدرس دول أخرى اتخاذ القرار نفسه.

وأوضحت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي (ANSES)، في تقييمها الذي جاء ثمرة خمس سنوات من عمل لجنة تضمّ خبراء، أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس السبب الوحيد لتدهور الصحة النفسية للمراهقين، إلا أن آثاره السلبية «كثيرة» وموثقة جيداً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتجري في فرنسا حالياً مناقشة مشروعَي قانون، أحدهما مدعوم من الرئيس إيمانويل ماكرون، يهدفان إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 15 عاماً.

وأوصت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي بـ«معالجة المشكلة من مصدرها»؛ لضمان وصول الأطفال إلى الشبكات الاجتماعية «المصممة والمُهيأة لحماية صحتهم» فقط.

وأوضحت الوكالة أن ذلك يعني أنّ على المنصات تعديل خوارزميات التخصيص، وأساليب الإقناع، والإعدادات الافتراضية.

وقالت رئيسة لجنة الخبراء أوليفيا روث - ديلغادو في مؤتمر صحافي، إنّ «هذه الدراسة تقدّم حججاً علمية للنقاش الدائر حول الشبكات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، إذ تستند إلى ألف دراسة».

وذكرت الوكالة الفرنسية للأمن الصحي، أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تنتج «فقاعة صدى غير مسبوقة» تعزز الصور النمطية، وتشجع السلوكيات الخطرة، وتزيد من التنمر الإلكتروني.

وأشارت إلى أنّ المحتوى يعرض صورة غير واقعية للجمال من خلال صور معدّلة رقمياً، ما قد يؤدي إلى تدني احترام الذات لدى الفتيات، ويهيئ أرضية خصبة للإصابة بالاكتئاب أو اضطرابات الأكل.

ولفتت الوكالة إلى أنّ الفتيات اللواتي يستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من الفتيان، يتعرضن لضغوط اجتماعية أكبر مرتبطة بالصور النمطية المتعلقة بالجنس.

وهذا يعني أن الفتيات أكثر تأثراً بمخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، شأنهن شأن المثليين والمتحولين جنسياً، والأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية سابقة، بحسب الوكالة.

ودعت شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «ميتا»، الاثنين، أستراليا إلى إعادة النظر في حظرها لوسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاما، مشيرة إلى أنها عطّلت أكثر من 544 ألف حساب بموجب القانون الجديد.

وقالت «ميتا» إن أولياء الأمور والخبراء قلقون من أن يُؤدي الحظر إلى عزل الشباب عن المجتمعات الإلكترونية، ودفع بعضهم إلى تطبيقات أقل تنظيماً على الإنترنت.

وفي الوقت نفسه، تواجه منصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك موجة انتقادات عالمية لسماحها للمستخدمين باستخدام روبوت الدردشة المدعوم بالذكاء الاصطناعي «غروك» لإنشاء صور جنسية للنساء والأطفال من خلال طلبات باستخدام عبارات بسيطة.


بدء محاكمة مارين لوبن أمام الاستئناف... ومستقبلها في الميزان

مارين لوبن في استراحة تخللت جلسة المحاكمة في باريس (رويترز)
مارين لوبن في استراحة تخللت جلسة المحاكمة في باريس (رويترز)
TT

بدء محاكمة مارين لوبن أمام الاستئناف... ومستقبلها في الميزان

مارين لوبن في استراحة تخللت جلسة المحاكمة في باريس (رويترز)
مارين لوبن في استراحة تخللت جلسة المحاكمة في باريس (رويترز)

بدأت، اليوم (الثلاثاء)، في باريس محاكمة الاستئناف لمارين لوبن وحزبها (التجمع الوطني)، و11 متهماً آخرين، في مسار قضائي من شأنه بتّ أهلية زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي للترشح إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2027، ومستقبلها السياسي عموماً.

وحضرت لوبن مرتدية سترة زرقاء داكنة وقميصاً زهرياً برفقة اثنين من وكلاء الدفاع إلى الغرفة الأولى في قصر العدل في باريس عند الساعة 12:10 بتوقيت غرينيتش قبل نحو 20 دقيقة من بدء الجلسة.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، بدأ الصحافيون يحتشدون في مقرّ محكمة الاستئناف، وغصّت القاعة بالحضور في هذه الجلسة الأولى من المحاكمة، التي تستمرّ مبدئياً حتى 11 فبراير (شباط)، قبل صدور الحكم المتوقع هذا الصيف.

وكانت المرشحة التي خسرت السباق نحو قصر الإليزيه 3 مرات، أدينت باختلاس أموال عامة في مارس (آذار) الماضي، وحُكم عليها بالسجن 4 سنوات، منها سنتان رهن الإقامة الجبرية مع سوار إلكتروني، وغرامة 100 ألف يورو، والأهم من ذلك منعها من تولي أي منصب عام لمدة 5 سنوات، على أن يسري الحكم فوراً.

ويمنعها الإجراء الأخير من الترشح لأي منصب منتخب، بما يشمل رئاسة الجمهورية، أو إعادة انتخابها لعضوية البرلمان إذا حُلّت الجمعية الوطنية.

ولتمهيد الطريق أمام خوضها الانتخابات الرئاسية، تحتاج زعيمة نواب التجمع الوطني إلى الحصول على تبرئة أو تخفيف لعقوبة عدم الأهلية، وقد بدأ احتساب هذه العقوبة نظراً للتنفيذ المؤقت للحكم بانتظار صدور القرار عن محكمة الاستئناف هذا الصيف.

النائب الفرنسي السابق في البرلمان الأوروبي فرنان لوراشينيل وأحد المتهمين في القضية يصل إلى قاعة المحكمة في باريس (أ.ف.ب)

في محكمة البداية، أدينت لوبن بتهمة إقامة «منظومة» بين عامي 2004 و2016 لاختلاس أموال خصّصها البرلمان الأوروبي لأعضائه لدفع رواتب مساعديهم عن عملهم في بروكسل وستراسبورغ.

وبحسب الادعاء العام والبرلمان الأوروبي، وهو طرف مدني في القضية، كان هؤلاء المساعدون في الواقع يعملون حصرياً لصالح حزب «الجبهة الوطنية» (الذي أصبح اسمه حالياً «التجمع الوطني») أو قادته.

وحدّدت المحكمة الجنائية التعويضات بمبلغ 3.2 مليون يورو، بعد حسم 1.1 مليون يورو سبق أن سددها بعض المتهمين الـ25. ولم يستأنف الحكم سوى 12 من المدانين، بالإضافة إلى الحزب. وتخلّت يان لوبن، شقيقة مارين، عن حقّها في استئناف الحكم.

وقال المحامي باتريك ميزونوف، الذي يمثل البرلمان الأوروبي: «هي قاعدة ثابتة لطالما تمّ العمل بها، مفادها أن الأموال المخصصة للمساعدين البرلمانيين توجه للنواب، وليس للأحزاب. ولطالما سرت هذه القاعدة».

وقالت لوبن صباحاً قبل جلسة لمجموعتها البرلمانية: «آمل أن تستمع إليّ محكمة الاستئناف»، كاشفة أنها تتحلى «بالرجاء نوعاً ما».

جوردان بارديلا

وكرّرت مارين لوبن، الاثنين، على هامش لقاء لتهنئة الصحافيين بالعام الجديد، نظّمه رئيس حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا، الأمل في أن «أقنع القضاة ببراءتي». وقالت: «خط دفاعي الوحيد هو قول الحقيقة»، و«آمل أن يُسمَع صوتي بشكل أفضل».

لكن زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب التجمع الوطني قد تُركز هذه المرة بشكل أكبر على «عدم وجود نية مسبقة» لديها لارتكاب الأفعال المنسوبة إليها، بدلاً من إنكار كل التهم الموجهة إليها بشكل قاطع.

ولم تفقد لوبن الأمل في تبرئتها، إلا أن إدانتها لن تمنعها بالضرورة من الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2027.

لكن هذا مشروط بأمرين: ألا تتجاوز عقوبة عدم الأهلية المحتملة سنتين، وأن يتخلى القضاة عن أمر يلزمها بوضع سوار إلكتروني ويحول تالياً دون قدرتها على القيام بحملات انتخابية.

وأشارت لوبن إلى أن قرار محكمة الاستئناف وحده هو ما سيحدد مستقبلها، من دون انتظار استئناف محتمل أمام محكمة النقض، الملاذ الأخير ضد أي قرار قضائي وأعلى سلطة قضائية في فرنسا، وهي ستكون مستعدة للفصل في الأمر إذا طُلب منها ذلك قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) 2027.

بعد 9 أشهر من إدانتها، شهدت مارين لوبن تراجعاً في شعبيتها، وباتت فكرة استبدالها بجوردان بارديلا كمرشح رئاسي تكتسب زخماً متصاعداً.

في استطلاع رأي أجرته مؤسسة «فيريان» لصالح صحيفة «لوموند» الفرنسية، ومجلة «ليميسيكيل»، ونُشرت نتائجه الأحد، يعتقد 49 في المائة من الفرنسيين أن رئيس حزب التجمع الوطني هو الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات الرئاسية، مقارنة بـ16 في المائة لابنة جان ماري لوبن، الشخصية التاريخية لليمين المتطرف الفرنسي.

مارين لوبن تخرج لاستراحة تخللت جلسة المحاكمة (رويترز)

كذلك، يعتقد 30 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أن بارديلا سيكون «رئيساً أفضل للجمهورية» مقارنة بمارين لوبن، بينما يرى 22 في المائة عكس ذلك.

مع ذلك، حرصت مارين لوبن هذا الخريف على التأكيد مرة أخرى أنها «ستترشح لقصر الإليزيه مجدداً بكل تأكيد»، إذا «أتيحت لها فرصة الترشح». لكنها أقرّت بأنه في حال عدم ترشحها «يمكن لجوردان بارديلا أن يفوز بدلاً مني».