شبح المتغيرات الإقليمية يهيمن على مباحثات لاريجاني في بغداد

وقَّع مذكرة تفاهم لتنسيق التعاون الحدودي

السوداني يُجري مشاورات مع أمين عام المجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بغداد الاثنين (رئاسة الوزراء العراقية)
السوداني يُجري مشاورات مع أمين عام المجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بغداد الاثنين (رئاسة الوزراء العراقية)
TT

شبح المتغيرات الإقليمية يهيمن على مباحثات لاريجاني في بغداد

السوداني يُجري مشاورات مع أمين عام المجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بغداد الاثنين (رئاسة الوزراء العراقية)
السوداني يُجري مشاورات مع أمين عام المجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني في بغداد الاثنين (رئاسة الوزراء العراقية)

بدأ أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، جولة إقليمية تشمل العراق ولبنان، وسط تطورات متسارعة في المنطقة. واستهل جولته ببغداد، حيث أجرى مشاورات مع نظيره العراقي، قاسم الأعرجي، قبل أن يلتقي رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني. وشهدت الزيارة توقيع مذكرة تفاهم للتنسيق الأمني على الحدود المشتركة بين البلدين.

ونفى مصدر أمني عراقي توقيع أي اتفاقية أمنية مع إيران، وذلك رداً على تصريحات أدلى بها لاريجاني قبل ساعات من وصوله إلى بغداد.

وخلال لقائه لاريجاني، أكد السوداني «سعي العراق الحثيث إلى تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية، وتعزيز الشراكات المثمرة في مختلف المجالات، بما يصب في مصلحة الشعبين العراقي والإيراني».

وذكر بيان صادر عن رئاسة الوزراء العراقية أن السوداني جدد تأكيد «موقف العراق المبدئي والثابت الرافض للعدوان الصهيوني على إيران، ولكل ما من شأنه تصعيد الصراعات إقليمياً ودولياً»، مؤكداً دعم العراق للحوار الأميركي - الإيراني.

وأكد المصدر الأمني في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه الزيارة ليست مفاجئة، كما روّجت بعض وسائل الإعلام، بل جرى التخطيط لها مسبقاً».

وأضاف المصدر الأمني أنه «لا وجود لتوقيع أي اتفاقية أمنية مع إيران، وإنما الأمر يقتصر على مذكرة تفاهم فقط»، شبيهة بالعشرات من المذكرات التي سبق للعراق أن أبرمها مع دول مختلفة حول العالم.

وبينما كان في طريقه إلى بغداد، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن لاريجاني قوله إنه سيوقّع اتفاقية أمنية مع بغداد، مشيراً إلى أن الاتفاقية قد تم إعدادها.

وهذه أول زيارة رسمية يقوم بها لاريجاني إلى دولة في المنطقة، بعد عودته إلى منصب أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي. ومن المقرر أن يغادر لاحقاً إلى بيروت.

وقال لاريجاني: «سنُجري لقاءات مع الكثير من الأصدقاء الموجودين في العراق من تيارات مختلفة، وسنستمع إلى آرائهم وسنطرح عليهم الأفكار المتعلقة بالتعاون الثنائي».

الظروف الحساسة

بدوره، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن «الظروف حساسة وتستدعي تكثيف المشاورات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول المنطقة، بهدف واضح هو صون السلام والاستقرار والأمن في منطقة غرب آسيا. أما الهدف في كلٍّ من العراق ولبنان، فهو الحوار مع المسؤولين المعنيين في البلدين لتبادل الآراء حول آخر التطورات الإقليمية والمساهمة في الحفاظ على السلام والاستقرار وتعزيزهما في المنطقة».

في هذا الصدد أوضح المصدر الأمني العراقي أنها «زيارة طبيعية تتعلق بطبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن ارتباطها بزيارة الأربعين الحالية التي يوجد خلالها عشرات الآلاف من الإيرانيين في العراق، بالإضافة إلى مناقشة تقييم الوضع الأمني في الشرق الأوسط حالياً، وهو جوهر المباحثات التي أجراها لاريجاني مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي».

السوداني يشرف على توقيع الأعرجي ولاريجاني مذكرة تفاهم لتنسيق التعاون الحدودي بين العراق وإيران (رئاسة الوزراء العراقية)

في السياق ذاته، أفاد مصدر آخر لـ«الشرق الأوسط» بأن «لاريجاني سيتوجه مساء الاثنين إلى مدينة النجف لأداء الزيارة، وهناك احتمال كبير أن يلتقي المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني»، لكنه أشار إلى أنه لا يمكن الجزم بإتمام اللقاء، خصوصاً أن السيستاني كان قد اعتذر سابقاً عن لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته العراق في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

ورفض المصدر الأمني التعليق على ما إذا كانت زيارة لاريجاني تهدف إلى احتواء التصعيد بين رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وعدد من الفصائل المسلحة، على خلفية تبادل البيانات الأخيرة الذي أثار قلق قوى «الإطار التنسيقي»، التي فشلت، وفق مراقبين سياسيين، في رأب الصدع بين الحكومة والفصائل المسلحة. يأتي ذلك بالتزامن مع عجز البرلمان العراقي، الذي يهيمن عليه الشيعة، عن عقد جلسة مكتملة النصاب لتمرير قانون «الحشد الشعبي»، بسبب الضغوط الأميركية.

ويرى مراقبون سياسيون في بغداد أن لاريجاني سيخصص جزءاً من زيارته للقاء عدد من قادة الفصائل وقيادات «الإطار التنسيقي»، في محاولة لوقف التصعيد، خصوصاً في ظل حالة الضعف التي تعانيها القوى المسلحة قياساً بحجم الضغوط الأميركية، والتي قد تُترجَم إلى ضربات إسرائيلية خلال الفترة المقبلة.

رسائل معلنة وأخرى خفية

في هذا السياق، قال الدكتور إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي في العراق، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «أهمية زيارة لاريجاني لبغداد تكمن في توقيتها، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإيراني الذي يبدو أنه بدأ يستشعر إمكانية عودة الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي تحاول طهران تعزيز تحالفها مع القوى السياسية الحليفة لها في بغداد».

وأضاف الشمري أن «الزيارة تتزامن مع الضغوط الأميركية على بغداد وبيروت فيما يتعلق بنزع سلاح القوى المسلحة، وإنهاء النفوذ الأمني والعسكري الإيراني في كلٍّ من العراق ولبنان. كما تأتي بعد التصريحات الإيرانية التي تؤكد أن طهران لن توافق على ما تسعى الولايات المتحدة إلى تنفيذه، وهو ما يدفعها لدعم موقف الرافضين لنزع سلاح الفصائل المسلحة».

وأوضح الشمري أن «هذه الزيارة تجري في ظل خلافات حادة داخل المنظومة الشيعية، التي باتت معلنة لأول مرة، وهو أمر لا يصب في مصلحة إيران، مما يدفعها إلى محاولة تجميد هذه الخلافات على الأقل في المرحلة الحالية». ويرى أن «الزيارة مهمة بالنسبة إلى إيران، لكنها ليست كذلك للعراق، نظراً إلى الضغط الأميركي الهادف إلى إنهاء النفوذ الإيراني في البلاد».

صورة نشرتها مستشارية الأمن القومي العراقي من استقبال الأعرجي نظيره الإيراني علي لاريجاني

من جهته، قال الدكتور إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية في كلية النهرين، لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران تسعى لإعادة ترتيب أوراقها في بلدان محور الممانعة، وترغب من خلال ذلك في بعث رسائل مفادها أنها لا تزال تمتلك الأذرع والنفوذ السياسي القوي في هذه البلدان، خصوصاً في لبنان والعراق اللذين يواجهان الآن جدلية نزع السلاح».

وأضاف العنبر أن «إيران ربما تحاول إعادة ترتيب أوضاعها مرة أخرى عبر استخدام هذه الورقة وسيلة ضغط لفتح باب التفاوض»، مبيناً أن «الأمر قد لا يتجاوز محاولة تأكيد النفوذ السياسي الذي تريد طهران أن تقول إنها ما زالت تتمتع به. ولهذا تأتي زيارة المسؤول الإيراني، إلى جانب تصريحاتهم بشأن الحشد الشعبي، في سياق توجيه رسائل إلى الخارج مفادها أننا ما زلنا أقوياء ومؤثرين، ويجب أن يُحسب لإيران حساب في أي معادلة مقبلة».


مقالات ذات صلة

العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

خاص راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

أفيد في بغداد، الجمعة، بأن الحكومة وضعت خطة طوارئ متعددة المسارات تحسباً لاندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تشمل نشر وحدات عسكرية في مدن حدودية.

علي السراي (الرياض)
خاص رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني انسحب من حكومة الإقليم احتجاجاً على انعقاد برلمان كردستان بغياب نوابه (أ.ف.ب)

خاص اتصالات لمنع «انفصال الإدارتين» في كردستان العراق

تجري في إقليم كردستان اتصالات سياسية لاحتواء أزمة انسحاب الاتحاد الوطني الكردستاني من الحكومة احتجاجاً على انعقاد البرلمان من دون نوابه.

هشام المياني (أربيل)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

الزيدي يستهدف «شركات الوساطة» في عقود التصنيع الحربي

وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي هيئة التصنيع الحربي بالتعامل المباشر مع الشركات المصنّعة، ومنع التعامل مع الشركات الوسيطة في التعاقدات.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال زيارة الخميس لهيئة التصنيع الحربي ببغداد (إعلام حكومي)

الجيش العراقي يعزز انتشاره غرب البلاد

أعلنت وزارة الدفاع العراقية، الخميس، عن تعزيز الانتشار العسكري على الخط الدفاعي، غرب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

«فساد في عقود المطارات» يلاحق فصائل بالعراق

أُعلن في العراق، أمس (الأربعاء)، عن رصد «تلاعب في عقود المطارات»، يُشتبه بارتباطه بتحقيق مكاسب اقتصادية لصالح جهات مسلحة خارجة عن القانون.

حمزة مصطفى (بغداد)

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يقود اتصالات غير مباشرة مع إيران لاستئناف المفاوضات

جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)
جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد إجراء محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران خلال قمة «بحيرة لوسيرن» في سويسرا (أ.ف.ب)

شارك نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس شخصياً، خلال الأسبوعين الماضيين، في محادثات غير مباشرة مع إيران، بهدف التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات، بحسب ما كشف موقع «أكسيوس» نقلاً عن مصدرين مطلعين على هذه الاتصالات.

دور فانس يعكس مساعي واشنطن للخروج من الحرب

وبحسب «أكسيوس» يعكس انخراط فانس المكثف في هذه المحادثات توليه مسؤولية إخراج الولايات المتحدة من حرب حمّلها مسؤولية الخسارة الكبيرة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات هذا الأسبوع. كما يرفع مستوى الجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة إلى أعلى المستويات داخل الإدارة الأميركية.

وقال مسؤولون أميركيون ومصادر إقليمية للموقع إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستعد، في الوقت الراهن، لمنح الجهود الدبلوماسية فرصة للمضي قدماً، ويريد معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى أي نوع من الاتفاق.

اتصالات شبه يومية مع وسطاء قطريين وباكستانيين

وكشفت مصادر مطلعة مباشرة على المحادثات لـ«أكسيوس» أن فانس يجري اتصالات شبه يومية مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ووسطاء آخرين، لمناقشة المفاوضات مع إيران.

ويشارك في هذه الجهود أيضاً المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره.

وأضافت المصادر أن فانس والوسطاء القطريين والباكستانيين ناقشوا إمكانية عقد اجتماع فني على مستوى الخبراء بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام المقبلة، إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد حتى الآن.

فانس سبق أن عارض الحرب ودافع عن الحل الدبلوماسي

وكان فانس من أكثر الأصوات تشككاً في الحرب داخل الدائرة المقربة من ترمب قبل اندلاعها في نهاية فبراير (شباط)، إذ دعا بدلاً من ذلك إلى التوصل إلى حل دبلوماسي.

وقاد فانس الفريق الأميركي المفاوض في قمة أبريل (نيسان) بشأن إيران، والتي عُقدت في إسلام آباد، كما شارك شخصياً في المحادثات التي أفضت إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو (حزيران).

ثم ترأس الوفد الأميركي في جولة من المحادثات المباشرة مع إيران في سويسرا، وانتهت بتعهد إيراني بدعوة مفتشي الأمم المتحدة إلى زيارة منشآتها النووية.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني استأنف هجماته على السفن بعد ذلك بوقت قصير، ما أدى إلى انهيار مذكرة التفاهم.

رسالة من فانس إلى مسؤول إيراني لاستئناف المفاوضات

أما التطور الأبرز وفق «أكسيوس»، فكان قبل أسبوعين، إذ بعث فانس برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، واقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة.

وبحسب الموقع، قال مسؤولون إيرانيون إن رسالة فانس أسهمت في إيجاد زخم إيجابي باتجاه استئناف المفاوضات.

تقدم بطيء في الوساطة وإشارات إلى إمكان التوصل لاتفاق

وأشارت مصادر مشاركة في جهود الوساطة، وفق «أكسيوس»، إلى أن المحادثات أحرزت تقدماً، لكن بوتيرة بطيئة جداً.

وقال رئيس الوزراء القطري، مساء الجمعة: «عملنا خلال الأسبوعين الماضيين مع زملاء في الإدارة الأميركية لديهم نية حقيقية لإيجاد سبيل لاحتواء الوضع، وخفض التصعيد. وبفضلهم، وبفضل الأصوات الحكيمة في طهران، تمكّنا من منع خروج الوضع عن السيطرة».

وأضاف أن المحادثات مع إدارة ترمب استمرت بعد الانتخابات النصفية، وإن لم تكن بالوتيرة نفسها التي شهدتها الأيام التي سبقتها، «لأن لديهم قضايا أخرى».


«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
TT

«مصنع نسيج»... كيف أخفت إسرائيل والولايات المتحدة حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية؟

المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)
المنشآت النووية الإسرائيلية بالقرب من ديمونا كما عرضتها القناة العاشرة الإسرائيلية (أرشيفية - أسوشييتد برس)

كانت مجموعة من الدبلوماسيين الأميركيين تستقل مروحية إسرائيلية في أوائل عام 1960، عندما لفت انتباه أحدهم موقع بناء يمتد في صحراء النقب، على بعد نحو 20 ميلاً غرب البحر الميت.

وأشار المسؤول الأميركي إلى الموقع، وسأل مرافقه الإسرائيلي، عدي كوهين، من وزارة المالية، عن طبيعة المنشأة التي يجري تشييدها، فأجابه كوهين بأنها «مصنع للمنسوجات»، وفق ما قاله للأميركيين، ومن بينهم السفير الأميركي لدى إسرائيل آنذاك، أوجدن ريد.

لكن ما رآه الراكب كان منشأة ديمونا النووية، التي تُعرف اليوم بأنها مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط. ولم يمر سوى عدة أشهر قبل أن يطالب ريد بعقد اجتماع مع كوهين، بعدما تمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية من تحديد الطبيعة الحقيقية لموقع البناء.

وجاء في برقية دبلوماسية أميركية سرية، ضمن مجموعة من الوثائق التي رفعت عنها السرية وجمعها أرشيف الأمن القومي، وتتضمن تفاصيل رحلة المروحية: «تعامل كوهين في البداية مع الأمر باستخفاف، لكن الانطباع الذي تكوّن هو اعتقاده بأن المفاعل يمكن استخدامه في نهاية المطاف لأغراض تسليحية».

وبعد خمس سنوات اكتشف مسؤولون أميركيون معنيون بالملف النووي اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب بدرجة تصلح لصنع الأسلحة من منشأة في ولاية بنسلفانيا. ورأى بعض مسؤولي الاستخبارات الأميركية أن هذه الكمية حُوّلت لاستخدامها في البرنامج الإسرائيلي، وهو ما أشار إليه أيضاً فيلم وثائقي حديث، وفق ما أفادت شبكة «سي إن إن» الأميركية.

تعبير شائع على الأسلحة

وعلى مدى السنوات الستين التالية حافظت الولايات المتحدة وإسرائيل على موقف ملتبس، فلم تعترف أي منهما بتطوير الترسانة النووية الإسرائيلية. وأصبح رد كوهين العفوي على الدبلوماسيين الأميركيين، عندما وصف منشأة ديمونا بأنها «مصنع للمنسوجات»، تعبيراً شائعاً يستخدمه المسؤولون الإسرائيليون للتلميح إلى أسلحة البلاد النووية. حتى إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أشار إلى واقعة «مصنع المنسوجات» خلال اجتماع مع رئيس لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية في خطاب ألقاه في 14 يوليو (تموز).

وتحول الأمر بمرور الوقت إلى ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي الأميركي أفنير كوهين بأنه «أسوأ سر معروف في العالم». وتقوم السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً على التعتيم، أو الغموض، من خلال التلميح إلى امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، من دون تأكيد ذلك رسمياً.

وساعدت هذه السياسة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقف معلن يعارض تطوير دول إضافية أسلحة نووية، كما جنّبت إسرائيل التساؤلات بشأن كيفية حصولها على القنبلة، أو ما إذا كانت قد حصلت عليها بالفعل.

لكن هذا الوضع المستقر قد يكون في طريقه إلى التغير، مع تقدم البرامج النووية لدول أخرى في المنطقة. فالولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حرباً ضد إيران -جزئياً- لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن خبراء بارزين في منع الانتشار النووي يرون أن هذه الجهود قد تكون غير مجدية.

وقد يبدو أن الدعم الأميركي الذي ظل راسخاً لطموحات إسرائيل العسكرية بدأ يتآكل. ففي يوم الثلاثاء قال الرئيس دونالد ترمب إن الولايات المتحدة قد توقف نحو 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام، لأنها «لم تعد بحاجة إليها». كما دأب عدد من المشرعين الديمقراطيين ومجموعات الضغط خلال السنوات الأخيرة على المطالبة بإنهاء ما وصفوه بتظاهر الولايات المتحدة بعدم معرفة حقيقة الأسلحة النووية الإسرائيلية.

وقال النائب الديمقراطي خواكين كاسترو، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، إن الموقف الأميركي القائم على الغموض تجاه الترسانة الإسرائيلية أصبح سياسة متقادمة «تحولت إلى أمر متهور وخطير».

وأشار كاسترو، العضو في لجنتي الشؤون الخارجية والاستخبارات بمجلس النواب، إلى أن خوض الولايات المتحدة حرباً إلى جانب إسرائيل من دون معرفة «الخط الأحمر» الذي قد يدفعها إلى استخدام السلاح النووي، ومن دون توضيح خطط الطوارئ في حال استخدام تلك الأسلحة، أو استهداف المنشآت النووية بضربات عسكرية، كل ذلك ينطوي على مخاطر.

سر يعرفه الجميع

وإذا جرى التخلي عن سياسة الإنكار الضمني، فسيكون ذلك مدخلاً لإعادة النظر في جذور التكنولوجيا النووية الإسرائيلية، وسنوات من المناورات التي استهدفت منع ظهور أدلة قاطعة على وجود البرنامج التسليحي.

فالمفتشون الأميركيون لم يعثروا قط على المنشأة السرية تحت الأرض في ديمونا، التي استُخدمت لإنتاج البلوتونيوم الصالح لصنع القنابل. ووفقاً لفيلم وثائقي تلفزيوني باللغة العبرية عُرض عام 2024 بعنوان «الذرة وأنا»، وشمل مقابلات نُشرت بعد وفاة رئيس سابق لجهاز استخبارات إسرائيلي كان مكلفاً بدعم البرنامج التسليحي، كان مسؤولون إسرائيليون يعمدون إلى إغلاق مدخل المصعد المؤدي إلى المنشأة قبل وصول المفتشين.

وقد يؤدي الكشف عن هذه المعلومات أيضاً إلى مزيد من تقويض مصداقية الولايات المتحدة، في وقت تواصل فيه معارضة انضمام دول أخرى إلى النادي النووي. كما قد يفضي إلى فرض عقوبات اقتصادية، أو حظر مبيعات الأسلحة لمعاقبة الدول الساعية إلى امتلاك القنبلة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «السياسة المتبعة منذ فترة طويلة تقضي بعدم تعليق الوزارة علناً على التقارير المتعلقة بمنظومات أو أوضاع عسكرية محددة».

ولم يرد البيت الأبيض على طلب للتعليق، فيما أحالت السفارة الإسرائيلية في واشنطن استفسار «سي إن إن» إلى مكتب رئيس الوزراء، الذي لم يقدم رداً.

وقال ماثيو كرونيغ، الخبير الاستراتيجي في الشؤون النووية وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون: «إذا أعلنت إسرائيل أنها دولة نووية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على دول أخرى في المنطقة لتحذو حذوها. وسباق تسلح نووي منفلت في الشرق الأوسط ليس أمراً جيداً للسياسة الأميركية».

وخلال جلسة استماع علنية أمام الكونغرس في يونيو (حزيران)، واجه كاسترو وزير الخارجية ماركو روبيو بأسئلة بشأن هذه المسألة.

وقدم روبيو، الذي يُعد ثاني أميركي بعد هنري كيسنجر يتولى في الوقت نفسه منصبي كبير الدبلوماسيين ومستشار الأمن القومي، ربما أكثر التقييمات العلنية صراحة التي يقدمها مسؤول دبلوماسي أميركي بشأن هذه المسألة.

وقال روبيو: «أعتقد أن معظم دول العالم ترى أنهم يمتلكونها، لكننا لم... هم لم يعترفوا بذلك علناً. وباعتبار ذلك جزءاً من سياستنا الخارجية، فإننا لا نتحدث عن الأمر بهذه الطريقة أيضاً، لأسباب متعددة».

بناء سياسة الإنكار

قال خبراء لـ«سي إن إن» إن سياسة السرية نشأت بدافع ضرورات الحرب الباردة. فقد خشيت الولايات المتحدة وإسرائيل أن يؤدي الكشف عن البرنامج إلى إطلاق برامج نووية عسكرية عربية برعاية الاتحاد السوفياتي، كما خشيت إسرائيل التداعيات الدبلوماسية التي قد تترتب على إعلانها رسمياً دولة تمتلك أسلحة نووية.

وفي العام نفسه الذي اكتشفت فيه المنشأة في بنسلفانيا اختفاء اليورانيوم، زار هنري كيسنجر تل أبيب، وأطلع كبار مسؤولي البعثة الأميركية في السفارة على محادثاته مع الإسرائيليين.

وكان كيسنجر، الذي عمل آنذاك أستاذاً في قسم العلوم الحكومية بجامعة هارفارد، مستشاراً للسياسة الخارجية لدى عدد من الشخصيات الجمهورية البارزة. وبعد أقل من أربع سنوات، وتحديداً في عام 1969، تولى منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون.


الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
TT

الجيش الإيراني يؤكد أن قواته أصبحت «أقوى» مما كانت عليه في بداية الحرب

المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)
المتحدث باسم الجيش الإيراني أمير أكرمي نيا (أرشيفية - دانشجو)

أكد الجيش الإيراني أنه أصبح «أقوى» وأكثر استعداداً مما كان عليه عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران في فبراير (شباط)، وفق ما أفادت به وسائل إعلام محلية اليوم (السبت).

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية عن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، قوله إن القوات الإيرانية «في حالة تأهب قصوى، وهي أقوى مما كانت عليه في بداية الحرب، بفضل خبرتها في المواجهة المباشرة مع أميركا والكيان الصهيوني»، مضيفاً أنها «اكتسبت حافزاً والتزاماً وثقة أكبر بالنفس».