خبير أممي: «طالبان» حوّلت القضاءَ الأفغاني إلى سيفٍ مسلَّطٍ على رقاب النساء

وفقاً لتقريرٍ رسميٍ قدَّمه المقررُ الخاص للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان

مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
TT

خبير أممي: «طالبان» حوّلت القضاءَ الأفغاني إلى سيفٍ مسلَّطٍ على رقاب النساء

مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)

اتَّهم خبيرٌ أممي بارزٌ حركةَ «طالبان» بـ«تحويل النظام القضائي إلى أداةٍ لقمع النساء والفتيات»، في انتهاكاتٍ تصل إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية»، وفقاً لتقريرٍ رسميٍ قدَّمه «ريتشارد بينيت» - المقررُ الخاص للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في أفغانستان، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكشف ريتشارد بينيت، في تقرير صدر الأربعاء، أن حركة «طالبان» علّقت بعد استيلائها على الحكم في عام 2021، الدستور الصادر عام 2004 والقوانين التي كانت تحمي حقوق النساء والفتيات، بما في ذلك قانون تاريخي كان يجرّم 22 شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة، من بينها الاغتصاب وزواج القاصرات والزواج القسري.

فتيات أفغانيات يدرسن في مدرسة غير رسمية يسِرن عبر المدرسة في كابل - أفغانستان - الخميس 12 يونيو 2025 (أ.ب)

وكشف ريتشارد بينيت أن «طالبان» بعد سيطرتها عام 2021، ألغت دستور 2004 والقوانين التي كانت تحمي حقوق النساء، بما فيها قانونٌ تاريخي يُجرِّم 22 شكلاً من العنف ضد المرأة، كالاغتصاب وزواج القاصرات والإكراه على الزواج. كما طردت جميع القضاة - بمن فيهم 270 قاضية - واستبدلت بهم رجالاً بلا مؤهلات قانونية، يصدرون أحكاماً وفق فتاوى الحركة المتطرفة».

وأضاف أن «طالبان» فرضت سيطرة كاملة على أجهزة إنفاذ القانون والهيئات التحقيقية، وقامت بتطهير ممنهج للأفغان الذين عملوا لدى الحكومة السابقة.

فتيات أفغانيات يحضرن درساً للدراسات الدينية في مركز تسنيم نصرت للتعليم الديني في كابل - أفغانستان - الأربعاء 28 مايو 2025

واستند التقرير، الذي ركّز فيه بينيت على مسألة الوصول إلى العدالة وحماية النساء والفتيات، إلى مقابلات فردية ومجموعات نقاشية مع أكثر من 110 أفغان داخل البلاد وخارجها، أُجريت جميعها عن بُعد بسبب رفض «طالبان» منحه تأشيرة دخول إلى أفغانستان.

ومنذ سيطرة «طالبان» على البلاد، توالت التقارير الدولية التي تدين قمعها للنساء والفتيات، وقد قوبلت تلك السياسات بإدانة واسعة عالمياً.

يلتقط الطلاب صورة جماعية مع معلمهم خلال درس القرآن الكريم في مدرسة عبد الله بن مسعود الدينية على مشارف كابل - أفغانستان - 26 مايو 2025 (أ.ب)

فقد منعت «طالبان» تعليم النساء والفتيات بعد الصف السادس، وحرّمت على النساء العمل في معظم المجالات، ومنعتهن من دخول الأماكن العامة مثل الحدائق والصالات الرياضية وصالونات التجميل. كما سنت قوانين جديدة تمنع ظهور النساء دون حجاب خارج المنزل وتحظر أصواتهن في الفضاء العام. ولا تزال «طالبان» معزولة عن الغرب بسبب هذه القيود، ولم تعترف بها سوى روسيا فقط.

وقال بينيت إن «طالبان» لم ترد على نسخة مسبقة من تقريره، كما لم توفّر أي معلومات عن جهودها لضمان العدالة وحماية النساء والفتيات.

وتدّعي «طالبان» أنها تطبق الشريعة، لكن بينيت أشار إلى أن علماء دين مسلمين ومراقبين آخرين أكدوا أن تفسير «طالبان» للشريعة غير مسبوق في باقي الدول ذات الأغلبية المسلمة ولا يلتزم بالتعاليم الإسلامية، مؤكدين أن حماية الحقوق القانونية للمرأة أمر جوهري في الإسلام.

مواطنون أفغان مرحلون من إيران يسيرون نحو معسكر أقيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان - 22 يوليو 2025 (رويترز)

غير أن بينيت قال إن الواقع يشير إلى غياب شبه كامل لحقوق النساء، موضحاً: «اليوم، لا توجد قاضيات أو مدعيات عامات، ولا محاميات مسجلات رسمياً، ما يترك النساء والفتيات دون قنوات آمنة للإبلاغ عن الانتهاكات أو طلب الإنصاف».

وأشار إلى أن هذا الوضع، بالإضافة إلى غياب النساء في أجهزة الشرطة ومؤسسات الدولة الأخرى، يؤدي إلى التقليل الحاد في الإبلاغ عن حالات العنف والتمييز ضد النساء والفتيات.

كما أوضح أن الوصول إلى العدالة بالنسبة للفتيات تعرّض لضربة إضافية بسبب تفكيك مؤسسات قانونية أساسية كانت تحمي حقوق الأطفال، مثل محاكم الأحداث ومراكز إعادة التأهيل.

وأكّد أن اشتراط «طالبان» مرافقة المرأة لقريب ذكر لتقديم الشكاوى أو حضور الجلسات القضائية يشكّل عائقاً إضافياً، ويؤثر بشكل خاص على الأرامل، والنساء المعيلات لأسرهن، والمشرّدات وذوات الإعاقة.

وقال بينيت: «النساء اللاتي يلجأن إلى نظام المحاكم التابع لـ(طالبان) - سواء كنّ ضحايا يبحثن عن الإنصاف، أو في قضايا أسرية، أو للحصول على مستندات رسمية، أو بوصفهن متهمات - يواجهن بيئة عدائية».

وأضاف أن المحاكم غالباً ما ترفض شكاوى النساء، وتتحفّظ بشكل خاص في قبول القضايا المتعلقة بالطلاق، أو حضانة الأطفال، أو العنف القائم على النوع.

وفي مواجهة هذه العقبات، أشار بينيت إلى أن النساء يلجأن بشكل مزداد إلى آليات العدالة التقليدية وغير الرسمية، مثل الجيرغات والشورى - وهي مجالس مجتمعية من الشيوخ - أو وساطة رجال الدين، أو وجهاء المجتمع أو أفراد العائلة. لكن جميع هذه الجهات يسيطر عليها الرجال، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن حقوق النساء والفتيات.

وأشار إلى أن المنتديات الدولية تمثل الأمل الأكبر لتحقيق العدالة، لافتاً إلى طلب المحكمة الجنائية الدولية في 23 يناير (كانون الثاني)، إصدار أوامر اعتقال بحق اثنين من كبار قادة «طالبان» بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب الاضطهاد «على أساس الجنس».

كما دعا جميع الدول إلى دعم الجهود الرامية إلى إحالة أفغانستان أمام محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، لانتهاكها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)
الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
المشرق العربي مستوطنون إسرائيليون يراقبون في حين يقف جنود إسرائيليون حراساً خلال جولة أسبوعية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 31 يناير 2026 (رويترز)

الأمم المتحدة: الضفة الغربية شهدت أعلى نسبة تهجير الشهر الماضي

قالت الأمم المتحدة، الخميس، إن هجمات المستوطنين الإسرائيليين ومضايقاتهم في الضفة الغربية المحتلة تسببت في تهجير نحو 700 فلسطيني خلال شهر يناير.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الولايات المتحدة​ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

غوتيريش: انتهاء معاهدة «نيو ستارت» النووية بين واشنطن وموسكو «لحظة عصيبة»

حض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الأربعاء، الولايات المتحدة وروسيا على الإسراع في توقيع اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

يزور وفد من مجلس الشيوخ الأميركي، غرينلاند، الاثنين، بهدف «إعادة بناء الثقة» التي قوّضتها نيةُ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على الجزيرة.

وقالت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي في مؤتمر صحافي: «ببضع جمل وبضع كلمات، الثقة التي أرسيت منذ الحرب العالمية الثانية تآكلت وانهارت، وعلينا العمل على إعادة بنائها». وأضافت: «نحن هنا، أعضاء (في) الكونغرس، لتذكيركم بأن رئيسنا يمكنه أن يدلي ببعض التصريحات، لكن لنا دور نؤديه أيضاً، بوصفنا (أعضاء في) الكونغرس»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويضم الوفد، إضافة إلى موركوفسكي، السيناتور المستقل إنغوس كينغ والديمقراطيين غاري بيترز وماغي حسن. وقد زار خصوصاً القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك والتقى رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، على أن يجتمع أيضاً بوزيرة الخارجية فيفان موتزفيلد.

السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (في الوسط) تتحدث إلى الصحافة بجانب السيناتورة الديمقراطية ماغي حسن (يسار) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز خلال مؤتمر صحافي في نوك غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وأثار ترمب في يناير (كانون الثاني) غضب غرينلاند مع إعلان نيته السيطرة على هذه الجزيرة ذات الحكم الذاتي والخاضعة لسيادة الدنمارك، ولو تطلب ذلك استخدام القوة. لكنه عاد لاحقاً عن تهديده معلناً التوصل إلى «إطار» للتفاوض مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، بهدف منح واشنطن نفوذاً أوسع نطاقاً في الجزيرة. وعلى الأثر، شكلت مجموعة عمل تضم ممثلين لغرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة لبحث القضية.

من جانبه، صرّح السيناتور غاري بيترز الاثنين: «لدينا رئيس خان هذه الثقة، خانها في شكل كبير، وعلينا الآن أن نستعيدها». وأضاف: «نعتبركم أصدقاء. نريد أن تعتبرونا أيضاً أصدقاء لكم».

وتؤكد الدنمارك وغرينلاند أنهما تتشاركان ما يعبّر عنه دونالد ترمب من قلق على صعيد المسائل الأمنية، لكنهما تشددان على أن السيادة ووحدة الأراضي تشكلان «خطاً أحمر» في المحادثات الثلاثية.


ترمب يحاول تقييد الخيارات القانونية لعودة الموظفين المفصولين للعمل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يحاول تقييد الخيارات القانونية لعودة الموظفين المفصولين للعمل

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

أظهرت خطة حكومية صدرت، اليوم الاثنين، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تحاول أن ​تجعل من الصعب على الموظفين الاتحاديين المفصولين استعادة وظائفهم، وذلك عن طريق تقييد حقهم في الاستئناف على قرار الفصل أمام لجنة مستقلة.

ووفقاً لـ«رويترز»، أشارت الخطة إلى أن مكتب إدارة شؤون الموظفين، وهو إدارة الموارد البشرية التابعة للحكومة الاتحادية، ‌اقترحت إنهاء ‌حق الموظفين الاتحاديين المفصولين ‌في ⁠الاستئناف ​على ‌فصلهم أمام مجلس حماية نظم الجدارة المستقل. وبدلاً من ذلك، سيتعين عليهم الاستئناف أمام مكتب إدارة شؤون الموظفين التابع إدارياً لترمب.

ويتولى مجلس حماية نظم الجدارة الوساطة في النزاعات بين الموظفين الاتحاديين وجهة ⁠العمل. وشهد المجلس ارتفاعاً ملحوظاً في عدد القضايا الجديدة ‌بعد تولي ترمب منصبه ‍لولاية ثانية. ‍وأظهرت سجلات حكومية أن عدد قضايا المجلس ‍قفز 266 في المائة من أول أكتوبر (تشرين الأول) 2024 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2025، وذلك مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وفي ​حال تنفيذ الخطة، سيعزز ذلك جهود ترمب السابقة لتقليص حجم الحكومة الاتحادية.

وقال ⁠مدير مكتب إدارة شؤون الموظفين سكوت كوبر في أواخر العام الماضي إن إدارة ترمب أنهت وظائف 317 ألف موظف اتحادي في 2025. وأضاف كوبر لـ«رويترز» أن جزءاً صغيراً فقط ممن غادروا تعرضوا للفصل، بينما اختار الغالبية قبول عرض لترك الوظيفة أو المغادرة من تلقاء أنفسهم. ولم تتمكن «رويترز» من التحقق ‌من دقة تعليقات كوبر على نحو مستقل.


موسكو تتهم إدارة ترمب بـ«خنق» كوبا

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)
صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)
TT

موسكو تتهم إدارة ترمب بـ«خنق» كوبا

صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)
صورة جوية لمطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا (أ.ف.ب)

وسط حالة ترقب من مئات آلاف الكوبيين الأميركيين لاحتمال انهيار النظام في هافانا، تفاقمت أزمة الوقود بدرجة كبيرة في كوبا، حيث نضبت كميات الكيروسين الضرورية لحركة الطائرات، وسط اتهامات من الكرملين لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسعي إلى «خنق» الجزيرة الشيوعية.

وقطعت واشنطن فعلاً كل شحنات الوقود إلى كوبا من حليفتها الرئيسية فنزويلا في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما قبضت قوة عسكرية أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس، ونقلته إلى نيويورك لمحاكمته بتهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات.

وكانت حكومة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل قد أعلنت، الأسبوع الماضي، أنها منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة. لكنها أصرت على أن نظام الحزب الواحد غير قابل للتفاوض. وكشفت، الجمعة الماضي، عن إجراءات طارئة للتعامل مع الأزمة، شملت تقليص خطوط النقل العام، وتقليص أيام العمل إلى أيام الاثنين والأربعاء والخميس، وتحويل بعض المحاضرات الجامعية إلى التعليم عن بُعد.

وتعتزم الدولة أيضاً تسريع خططها للانتقال إلى استخدام الطاقة الشمسية بشكل أكبر. وقد شهدت شبكة الكهرباء الوطنية في كوبا 6 انهيارات كاملة خلال عام واحد، مع تدهور الأوضاع في الجزيرة.

وأرسلت المكسيك، الأحد، سفينتين تابعتين للبحرية محملتين بأكثر من 800 طن من المساعدات الإنسانية للجزيرة، بما في ذلك مواد غذائية ومنتجات النظافة الشخصية.

سفينة «إيه آر إم بابالوبان» التابعة للبحرية المكسيكية تحمل مساعدات إنسانية تشمل مواد غذائية وإمدادات أساسية أخرى متجهة إلى كوبا من فيراكروز بالمكسيك (رويترز)

وحذرت الحكومة الكوبية أيضاً شركات الطيران الدولية من عدم إمكانية التزود بالوقود في مطار خوسيه مارتي الدولي في هافانا لمدة شهر، بعدما هدد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية على أي دولة تزود كوبا بالنفط. وأعلنت إدارة الطيران الفيدرالية الكوبية، في بيان لها، الأحد، أن وقود الطائرات لن يكون متوفراً في المطار الرئيسي للبلاد ابتداءً من الثلاثاء وحتى 11 مارس (آذار) المقبل.

«الوضع حرج للغاية»

وأفادت رابطة منظمي الرحلات السياحية الروسية، في بيان، بأن شركة «إيروفلوت» الكبرى ألغت رحلتها التجارية إلى كوبا، الاثنين، وأرسلت طائرة فارغة بدلاً من ذلك لنقل السياح العالقين هناك، مضيفة أن رحلات «إيروفلوت» الروسية إلى كوبا معلقة حتى أواخر مارس المقبل. وقدرت أن هناك حالياً زهاء 4500 روسي يمضون عطلاتهم في الجزيرة.

بالإضافة إلى السياح الذين يمثلون مصدراً حيوياً للعملة الصعبة للحكومة الكوبية، غالباً ما يجلب المسافرون إمدادات ضرورية للغاية إلى الجزيرة التي تعاني ضائقة مالية. ويجري استيراد المواد الغذائية والأدوية والسلع الاستهلاكية عادة عبر «المهربين» الذين يحملون أمتعتهم لنقلها على متن رحلات تجارية.

ونقلت وكالة أنباء «إنترفاكس» الروسية عن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الاثنين، قوله إن «الوضع حرج للغاية في كوبا»، مضيفاً أن «الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد. ونحن نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة». غير أن بيسكوف لم يوضح ما إذا كانت روسيا سترسل أي شحنات وقود إلى كوبا.

وتسعى روسيا لإعادة بناء علاقاتها المتضررة مع الولايات المتحدة، في وقت يسعى فيه ترمب إلى التوسط في اتفاق لإنهاء حربها في أوكرانيا. لكن الكرملين أبدى بوضوح استياءه من معاملة واشنطن لكوبا.

وبالإضافة إلى الشركات الروسية، تتعامل مع كوبا عدة شركات طيران أميركية وكندية وأوروبية وأميركية لاتينية. وفي أوقات الأزمات الاقتصادية السابقة، بما في ذلك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينات من القرن الماضي، أعادت شركات الطيران تنظيم جداول رحلاتها للسماح بالتزود بالوقود في المكسيك أو جمهورية الدومينيكان.

في غضون ذلك، عدلت نيكاراغوا قوانين الهجرة لديها لمنع المواطنين الكوبيين من دخولها من دون تأشيرة.

وفرّ زهاء خُمس سكان كوبا منها خلال العقد الماضي وسط أزمة اقتصادية متفاقمة. وحالياً، يهدد نقص النفط بإغراق كوبا في ظلام دامس، حيث تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

المنفيون يترقبون

ووسط موجة الضغوط الترمبية الجديدة، يترقب المنفيون الكوبيون في الولايات المتحدة كيف ستتطور الأوضاع في بلادهم التي لا تبعد سوى 150 كيلومتراً عن ميامي في فلوريدا. ولطالما أمل كثيرون في العودة بعد سقوط النظام الذي يحكم البلاد منذ نحو 67 عاماً.

وأشار ترمب أخيراً إلى أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع كبار القادة الكوبيين، لكنه لم يُدلِ بمزيد من التفاصيل. وقال إن «كوبا دولة فاشلة. لطالما كانت كذلك، لكنها الآن لا تملك دعم فنزويلا. لذا نتحدث مع المسؤولين الكوبيين، أعلى المستويات في كوبا، لنرى ما سيحدث».

وكشف نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو لوكالة «إيفي» الإسبانية للأنباء أنه «جرى تبادل رسائل» مع إدارة ترمب، لكنه نفى وجود أي حوار. وقال: «إذا كان الناس يعتقدون بوجود انقسام داخل الحكومة الكوبية، وانقسام بين القوى السياسية في كوبا، واستعداد للاستسلام للضغوط والعدوان غير المبرر وغير الأخلاقي للولايات المتحدة، فهذا تفسير خاطئ».