خبير أممي: «طالبان» حوّلت القضاءَ الأفغاني إلى سيفٍ مسلَّطٍ على رقاب النساء

وفقاً لتقريرٍ رسميٍ قدَّمه المقررُ الخاص للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان

مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
TT

خبير أممي: «طالبان» حوّلت القضاءَ الأفغاني إلى سيفٍ مسلَّطٍ على رقاب النساء

مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)
مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: على «طالبان» إلغاء القيود على الأفغانيات (أ.ف.ب)

اتَّهم خبيرٌ أممي بارزٌ حركةَ «طالبان» بـ«تحويل النظام القضائي إلى أداةٍ لقمع النساء والفتيات»، في انتهاكاتٍ تصل إلى مستوى «جرائم ضد الإنسانية»، وفقاً لتقريرٍ رسميٍ قدَّمه «ريتشارد بينيت» - المقررُ الخاص للأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في أفغانستان، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكشف ريتشارد بينيت، في تقرير صدر الأربعاء، أن حركة «طالبان» علّقت بعد استيلائها على الحكم في عام 2021، الدستور الصادر عام 2004 والقوانين التي كانت تحمي حقوق النساء والفتيات، بما في ذلك قانون تاريخي كان يجرّم 22 شكلاً من أشكال العنف ضد المرأة، من بينها الاغتصاب وزواج القاصرات والزواج القسري.

فتيات أفغانيات يدرسن في مدرسة غير رسمية يسِرن عبر المدرسة في كابل - أفغانستان - الخميس 12 يونيو 2025 (أ.ب)

وكشف ريتشارد بينيت أن «طالبان» بعد سيطرتها عام 2021، ألغت دستور 2004 والقوانين التي كانت تحمي حقوق النساء، بما فيها قانونٌ تاريخي يُجرِّم 22 شكلاً من العنف ضد المرأة، كالاغتصاب وزواج القاصرات والإكراه على الزواج. كما طردت جميع القضاة - بمن فيهم 270 قاضية - واستبدلت بهم رجالاً بلا مؤهلات قانونية، يصدرون أحكاماً وفق فتاوى الحركة المتطرفة».

وأضاف أن «طالبان» فرضت سيطرة كاملة على أجهزة إنفاذ القانون والهيئات التحقيقية، وقامت بتطهير ممنهج للأفغان الذين عملوا لدى الحكومة السابقة.

فتيات أفغانيات يحضرن درساً للدراسات الدينية في مركز تسنيم نصرت للتعليم الديني في كابل - أفغانستان - الأربعاء 28 مايو 2025

واستند التقرير، الذي ركّز فيه بينيت على مسألة الوصول إلى العدالة وحماية النساء والفتيات، إلى مقابلات فردية ومجموعات نقاشية مع أكثر من 110 أفغان داخل البلاد وخارجها، أُجريت جميعها عن بُعد بسبب رفض «طالبان» منحه تأشيرة دخول إلى أفغانستان.

ومنذ سيطرة «طالبان» على البلاد، توالت التقارير الدولية التي تدين قمعها للنساء والفتيات، وقد قوبلت تلك السياسات بإدانة واسعة عالمياً.

يلتقط الطلاب صورة جماعية مع معلمهم خلال درس القرآن الكريم في مدرسة عبد الله بن مسعود الدينية على مشارف كابل - أفغانستان - 26 مايو 2025 (أ.ب)

فقد منعت «طالبان» تعليم النساء والفتيات بعد الصف السادس، وحرّمت على النساء العمل في معظم المجالات، ومنعتهن من دخول الأماكن العامة مثل الحدائق والصالات الرياضية وصالونات التجميل. كما سنت قوانين جديدة تمنع ظهور النساء دون حجاب خارج المنزل وتحظر أصواتهن في الفضاء العام. ولا تزال «طالبان» معزولة عن الغرب بسبب هذه القيود، ولم تعترف بها سوى روسيا فقط.

وقال بينيت إن «طالبان» لم ترد على نسخة مسبقة من تقريره، كما لم توفّر أي معلومات عن جهودها لضمان العدالة وحماية النساء والفتيات.

وتدّعي «طالبان» أنها تطبق الشريعة، لكن بينيت أشار إلى أن علماء دين مسلمين ومراقبين آخرين أكدوا أن تفسير «طالبان» للشريعة غير مسبوق في باقي الدول ذات الأغلبية المسلمة ولا يلتزم بالتعاليم الإسلامية، مؤكدين أن حماية الحقوق القانونية للمرأة أمر جوهري في الإسلام.

مواطنون أفغان مرحلون من إيران يسيرون نحو معسكر أقيم للمهاجرين العائدين بالقرب من معبر إسلام قلعة الحدودي في ولاية هرات بأفغانستان - 22 يوليو 2025 (رويترز)

غير أن بينيت قال إن الواقع يشير إلى غياب شبه كامل لحقوق النساء، موضحاً: «اليوم، لا توجد قاضيات أو مدعيات عامات، ولا محاميات مسجلات رسمياً، ما يترك النساء والفتيات دون قنوات آمنة للإبلاغ عن الانتهاكات أو طلب الإنصاف».

وأشار إلى أن هذا الوضع، بالإضافة إلى غياب النساء في أجهزة الشرطة ومؤسسات الدولة الأخرى، يؤدي إلى التقليل الحاد في الإبلاغ عن حالات العنف والتمييز ضد النساء والفتيات.

كما أوضح أن الوصول إلى العدالة بالنسبة للفتيات تعرّض لضربة إضافية بسبب تفكيك مؤسسات قانونية أساسية كانت تحمي حقوق الأطفال، مثل محاكم الأحداث ومراكز إعادة التأهيل.

وأكّد أن اشتراط «طالبان» مرافقة المرأة لقريب ذكر لتقديم الشكاوى أو حضور الجلسات القضائية يشكّل عائقاً إضافياً، ويؤثر بشكل خاص على الأرامل، والنساء المعيلات لأسرهن، والمشرّدات وذوات الإعاقة.

وقال بينيت: «النساء اللاتي يلجأن إلى نظام المحاكم التابع لـ(طالبان) - سواء كنّ ضحايا يبحثن عن الإنصاف، أو في قضايا أسرية، أو للحصول على مستندات رسمية، أو بوصفهن متهمات - يواجهن بيئة عدائية».

وأضاف أن المحاكم غالباً ما ترفض شكاوى النساء، وتتحفّظ بشكل خاص في قبول القضايا المتعلقة بالطلاق، أو حضانة الأطفال، أو العنف القائم على النوع.

وفي مواجهة هذه العقبات، أشار بينيت إلى أن النساء يلجأن بشكل مزداد إلى آليات العدالة التقليدية وغير الرسمية، مثل الجيرغات والشورى - وهي مجالس مجتمعية من الشيوخ - أو وساطة رجال الدين، أو وجهاء المجتمع أو أفراد العائلة. لكن جميع هذه الجهات يسيطر عليها الرجال، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن حقوق النساء والفتيات.

وأشار إلى أن المنتديات الدولية تمثل الأمل الأكبر لتحقيق العدالة، لافتاً إلى طلب المحكمة الجنائية الدولية في 23 يناير (كانون الثاني)، إصدار أوامر اعتقال بحق اثنين من كبار قادة «طالبان» بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بسبب الاضطهاد «على أساس الجنس».

كما دعا جميع الدول إلى دعم الجهود الرامية إلى إحالة أفغانستان أمام محكمة العدل الدولية، أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، لانتهاكها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.


مقالات ذات صلة

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

شمال افريقيا الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية مباحثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق تحديات كثيرة تنتظر الشباب في يومهم (الأمم المتحدة)

شباب العالم في 2026... أحلام واحدة رغم اختلاف البيئات والظروف

في وقت يستعد فيه العالم للاحتفال باليوم الدولي للشباب غداً (12 أغسطس)، تبدو تطلعات أكثر من 1.3 مليار شاب وشابة متشابهة، رغم اختلاف البيئات التي يعيشون فيها.

أحمد الفاضل
أوروبا جنود أتراك في الشطر الشمالي من قبرص (وزارة الدفاع التركية)

تركيا تتمسك بحل الدولتين في قبرص وتعدّ وجود قواتها «ضمانة للاستقرار»

عدّت تركيا وجود قواتها المسلحة في الشطر الشمالي من قبرص السببَ الوحيد للسلام والاستقرار في الجزيرة المقسمة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي عائلة لبنانية تستظل تحت الألواح الشمسية المتضررة لمنزلها المدمر في قرية زوطر الغربية جنوب البلاد يوم 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

«يونيفيل» تسجّل إطلاق الجيش الإسرائيلي 113 مقذوفاً على جنوب لبنان الأربعاء

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، في بيان الخميس، أنها سجّلت إطلاق الجيش الإسرائيلي 113 مقذوفاً الأربعاء على جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يوقفون مارة للتفتيش خلال عملية عسكرية بمخيم قلنديا بالضفة الغربية يوم الخميس (إ.ب.أ)

اعتقالات ومداهمات وهدم... إسرائيل تواصل عملياتها في قلنديا لليوم الثاني

الأمم المتحدة تقول إن إسرائيل تقوم بتهجير 17 فلسطينياً يومياً في المتوسط من بينهم 8 أطفال خلال سنة 2026 وهو ضعف المتوسط اليومي بالسنوات الثلاث السابقة

نظير مجلي (تل أبيب)

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.


تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
TT

تحقيق «ترمب وروسيا»... كيف تحوَّل إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؟

صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)
صورة مركبة تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي (رويترز)

لا تثبت المذكرات التي رفع البيت الأبيض السرية عنها أن دونالد ترمب كان «عميلاً روسياً»، لكنها تكشف عن أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) تعامل، في مايو (أيار) 2017، مع احتمال خضوع الرئيس لتأثير موسكو بوصفه خطراً يستحق تحقيقاً مستقلاً. والأهم، وفق قراءة جديدة نشرتها «نيويورك تايمز»، أن هذا المسار المتعلق بمكافحة التجسس تعثر بعد أيام من فتحه، عندما عُيّن روبرت مولر محققاً خاصاً بتفويض يركز على الجرائم، لا على مواطن الضعف الأمنية المحتملة. بذلك تعود القضية إلى الواجهة لا باعتبارها اتهاماً ثبت أو سقط، بل سؤالاً بالغ الحساسية لم يُفحص حتى نهايته.

شعار مكتب التحقيقات الفيدرالي (رويترز)

مساران في ملف واحد

فُتح التحقيق، الذي حمل الاسم الرمزي غير المألوف «أوكسفرد كوما»، في 16 مايو 2017، بعد أسبوع من إقالة مدير الـ«إف بي آي» جيمس كومي. وتظهر المذكرات التي نشرها البيت الأبيض أن المكتب أراد تحديد ما إذا كان ترمب «موجهاً أو خاضعاً للسيطرة» الروسية، أو نسق أنشطة مع موسكو على نحو يهدد الأمن القومي، وما إذا كان قد عرقل التحقيقات المرتبطة بالتدخل الروسي.

واستند القرار إلى مجموعة مؤشرات، بينها إقرار أجهزة الاستخبارات بأن روسيا تدخلت في انتخابات 2016 لمصلحة ترمب، وعروض المساعدة التي قدمها بعض الروس إلى أفراد في حملته، ومحاولات الرئيس إقناع كومي بإنهاء التحقيق في مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ثم التفسيرات المتبدلة لإقالة مدير المكتب. كما أشارت المذكرات إلى علاقات ترمب التجارية والعقارية القديمة بروسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق.

لكن وجود «أساس واقعي قابل للتحديد» لفتح التحقيق لا يعني ثبوت الاتهام. فهو معيار يسمح بفحص الخطر، وليس حكماً بأن الرئيس كان يعمل لمصلحة دولة أجنبية، عن علم أو من دونه.

الرئيس دونالد ترمب (رويترز)

الرئيس دونالد ترمب.. تفويض ضيّق أضاع السؤال

تكشف الوثائق أن الـ«إف بي آي» أنشأ فعلياً مسارين: تحقيقاً جنائياً في احتمال عرقلة العدالة أو وجود مؤامرة مع روسيا، وتحقيقاً لمكافحة التجسس غايته معرفة ما إذا كانت صلات ترمب أو مصالحه المالية تجعل منه هدفاً للتأثير أو الابتزاز الروسي.

وفي اليوم التالي لإبلاغ نائب وزير العدل رود روزنستاين بفتح التحقيق، عيّن الأخير مولر محققاً خاصاً. غير أن التفويض الممنوح إليه ركز على الجرائم المحتملة، ولم يطلب منه إجراء تحقيق مفتوح وطويل الأمد في المخاطر الأمنية الناجمة عن علاقات ترمب بروسيا. وانتقلت المسؤولية الإجرائية عن ملف مكافحة التجسس إلى عناصر الـ«إف بي آي» العاملين ضمن فريق مولر، لكن عملهم حُصر في الوقائع الواقعة ضمن الاختصاص الجنائي للمحقق الخاص.

وهنا تكمن الإضافة الأساسية في تقرير «نيويورك تايمز»: تعيين مولر، الذي اعتُبر يومها توسيعاً للتحقيق، أدى عملياً إلى إضعاف أحد أهم مساراته. فقد خلص تقريره إلى أن التحقيق لم يثبت وجود مؤامرة جنائية بين حملة ترمب والحكومة الروسية، ووثّق في المقابل تدخلاً روسياً واسعاً واتصالات متعددة مع محيط الحملة. كما امتنع مولر عن تقرير ما إذا كان ترمب ارتكب جريمة عرقلة العدالة، مؤكداً أن التقرير لا يبرئه منها.

أما أسئلة غسل الأموال عبر ممتلكات ترمب، أو قابليته للتأثير الروسي، فلم تكن موضع تحقيق شامل. وعندما أدلى مولر بشهادته أمام الكونغرس في يوليو (تموز) 2019، بدا أنه يترك احتمال استمرار تحقيق أمني قائماً، فيما تظهر المذكرات الآن أن الملف كان قد أُغلق في 9 أبريل (نيسان) من العام نفسه.

المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» جيمس كومي (إ.ب.أ)

كشف انتقائي ومعركة كومي

لا يمكن فصل التوقيت الحالي لرفع السرية عن هذه المذكرات عن المواجهة القضائية والسياسية المحتدمة بين إدارة ترمب ومؤسسات إنفاذ القانون السابقة. ويقدم البيت الأبيض الوثائق دليلاً على ما يصفه ترمب بـ«تسليح» مؤسسات الدولة ضده. وبحسب موقع «أكسيوس»، تولى «فريق الشفافية الحكومية» مراجعة المواد المصنفة ونشرها بأمر من الرئيس، بالتزامن مع تحقيق يقوده مدعون في فلوريدا بشأن تعامل مسؤولي الاستخبارات والـ«إف بي آي» مع ملف روسيا. فالوثائق تنزل في ميدان الصراع كذخيرة يستغلها حلفاء الرئيس لتعزيز روايتهم القائلة بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي استُخدم كـ«سلاح سياسي» لتشويه شرعية الرئاسة وتدبير حملات ملاحقة ضده.

كاش باتيل (أ.ف.ب)

في المقابل، يُنظر إلى الإفراج الانتقائي عن هذه المذكرات والذي يتزامن مع تحركات قضائية وملاحقات تلاحق مسؤولي الـ«إف بي آي» السابقين، وعلى رأسهم جيمس كومي، باعتباره استمراراً لتسليح أجهزة الدولة في تصفية الحسابات السياسية.

إن القيمة الأساسية لهذه المذكرات لا تكمن فقط في كشف ما جرى خلف الكواليس عام 2017، بل في تبيان كيف تحوّل سؤال استخباراتي معقد يتعلق بالأمن القومي إلى ورقة ضغط وتجاذب حزبي؛ ممّا يعمق أزمة الثقة الداخليّة بين البيت الأبيض ومؤسسات إنفاذ القانون، ويترك الأسئلة الرئيسية حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي والانحياز المؤسسي بلا إجابات حاسمة.


دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)
وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

دفاع دولي عن اللقاحات في مواجهة «المعيار الذهبي» لترمب

وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)
وزير الصحة روبرت كينيدي واقفاً خلف الرئيس دونالد ترمب قبيل التوقيع على القرار التنفيذي في المكتب البيضاوي يوم 10 أغسطس (أ.ف.ب)

دافعت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، عن الأسس العلمية المعتمدة لجداول تطعيم الأطفال، غداة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً غايته تقليل عدد اللقاحات إلى 11، وفصل بعضها عن البعض الآخر، بُغية تحقيق ما سماه «المعيار الذهبي» في ‌الولايات المتحدة.

ويُعد الحدّ من استخدام اللقاحات من أبرز أولويات وزير الصحة روبرت كينيدي، المعروف بترويجه سابقاً لادعاءات دحضتها الدراسات العلمية في شأن وجود صلة بين التطعيم ومرض التوحد.

ويدعو القرار إلى فصل اللقاح الثلاثي للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى ثلاث جرعات منفصلة لكل مرض، وإعطاء كل لقاحات الأطفال في مواعيد منفصلة كلما أمكن. كما يوجه وزارة الصحة إلى تحسين الأبحاث المتعلقة باللقاحات، التي خضعت بالفعل لدراسات مستفيضة، وتقديم خطة لتوفير لقاحات منفصلة للحصبة والنكاف والحصبة الألمانية للأطفال، نظراً لعدم توفر هذا الخيار حالياً في الولايات المتحدة.

يمثل هذا التركيز على اللقاحات تحولاً عن جهود إدارة ترمب الأخيرة التي ركزت على سياسات صحية أقل إثارة للجدل، تتعلق بالتغذية الصحية، ومفاوضات أسعار الأدوية، ومكافحة الاحتيال الطبي، وذلك قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وعبّر خبراء الصحة العامة عن مخاوفهم من أن تباعد الجرعات، كما يقترح ترمب، قد يؤدي إلى زيادة خطر إصابة الأطفال بأمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات قبل عودتهم لتلقي العلاج مرة أخرى.

المعيار العلمي

غير أن ترمب وصف الإعلان بأنه «انتصار كبير لحقوق الآباء، والحقوق الدينية والدستورية، وللعلم كمعيار ذهبي». واعتبر أن عدد اللقاحات أو توقيتها قد يلعب دوراً في ارتفاع معدلات التوحد، على رغم أن الإجماع العلمي خلص بشكل قاطع إلى عدم وجود صلة بينهما.

ويتضمن القرار التنفيذي الذي وقعه ترمب في البيت الأبيض تغييرات على جدول لقاحات الأطفال التي سبق أن حاولت وزارة الصحة التابعة له تطبيقها، لكن قاضياً فيدرالياً أوقفها. وأفاد مسؤول في البيت الأبيض بأن ترمب كان له الحق في تقديم توصيته الخاصة من خلال القرار التنفيذي، وأن الدعوى القضائية التي أوقفت جدول وزارة الصحة مسألة منفصلة.

وانتقد الرئيس الجمهوري للجنة الصحة في مجلس الشيوخ، السيناتور بيل كاسيدي، القرار التنفيذي بشدة في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن اللقاحات آمنة ولا تُسبّب التوحد. وكتب: «أنا طبيب. هذا القرار التنفيذي خاطئ. الرئيس لا يملك الخبرة اللازمة لإجراء هذه التغييرات». وكان ترمب أمر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بمراجعة كيفية تعامل الدول الأخرى مع توصيات التطعيم، والنظر في تعديل التوجيهات الأميركية وفقاً لذلك. واستجابت الوزارة بتقليص عدد اللقاحات التي توصي بها لكل طفل، وهي خطوة أوقفت لاحقاً في المحكمة.

وعادة ما تتطلب التغييرات في التوصيات الفيدرالية لتطعيم الأطفال موافقة مدير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها. ورداً على سؤال، لم يقدم مسؤول في البيت الأبيض سبباً لتأييد الرئيس ترمب لتقسيم لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى ثلاثة لقاحات منفردة، مضيفاً أن هذا رأي ترمب منذ زمنٍ طويل، وأن بعض الدول تقدم لقاحات فردية للحصبة في ظروف محددة.

استكمال التطعيمات

أظهرت دراسات أجريت على الرضع والأطفال الصغار في الولايات المتحدة أن استخدام اللقاحات المركبة للأطفال، بدلاً من اللقاحات الفردية، يزيد من احتمال استكمال كل التطعيمات الموصى بها بحلول سن الثانية.

يأتي هذا الإعلان في أعقاب إجراءات أخرى اتخذتها إدارة ترمب بشأن اللقاحات. وشرع وزير الصحة روبرت كينيدي، وهو ناشط مناهض للتطعيم قبل دخوله معترك السياسة، في إصلاح شامل لتوجيهات التحصين في وزارة الأمن الداخلي خلال السنة الأولى من ولاية ترمب. وهو أقال لجنة استشارية كاملة للقاحات مؤلفة من 17 عضواً، وعيّن بدلاء قدموا توصيات أكثر تقييداً بكثير، والتي أوقفها لاحقاً قاض فيدرالي. كما وجه شخصياً مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالتخلي عن موقفها القائل بأن اللقاحات لا تسبب التوحد، من دون تقديم أي دليل جديد يدعم هذا التغيير.

وعبر الأطباء عن مخاوفهم من أن تؤدي مزاعم ترمب في شأن اللقاحات إلى زيادة التردد في تلقيها.