في مساء الأحد بمدينة بازل السويسرية، تتأهب المديرة الفنية لمنتخب إنجلترا النسائي، سارينا ويغمان، لتحقيق إنجاز تاريخي جديد، عندما تقود «اللبؤات» نحو لقبهن الثالث على التوالي في بطولة أمم أوروبا للسيدات.
منذ لحظتها التاريخية في 2017، حين قادت منتخب هولندا إلى التتويج القاري على أرضه، وحتى فوزها مع إنجلترا بلقب «يورو 2022»، بات اسم ويغمان مرادفاً للنجاح في البطولات الكبرى. وفي المرتين، أعقب النجاح الأوروبي مسيرة مذهلة نحو نهائي كأس العالم: خسرت هولندا النهائي أمام الولايات المتحدة عام 2019، ثم خسرت إنجلترا النهائي أمام إسبانيا في 2023.
الرقم الذي تحمله في مسيرتها يكاد يكون خارقاً للمنطق: خمسة نهائيات من خمس مشاركات بوصفها مدربة للمنتخبات. لا نظير لهذا السجل في تاريخ كرة القدم، لا في عالم السيدات ولا الرجال. ومن اللافت أن المنتخبات التي درّبتها لم تبلغ أي نهائي في غيابها خلال تلك الفترة. في الواقع، كانت ويغمان سبباً مباشراً في إقصاء بعضها: هولندا أقصت إنجلترا في نصف نهائي 2017، ثم جاءت إنجلترا بقيادتها لتقصي هولندا من دور المجموعات في البطولة الحالية بنتيجة 4 - 0.
لكن الوصول إلى خمسة نهائيات متتالية ليس مجرد رقم قوي، بل إنجازه يصبح أكثر إدهاشاً إذا ما وضعنا في الاعتبار العثرات التي واجهها المنتخب الإنجليزي في النسخة الحالية: خسارة افتتاحية أمام فرنسا (2 - 1)، تأخر بهدفين أمام السويد قبل أن يعود بركلات الترجيح، ثم تأخر بهدف أمام إيطاليا حتى الدقيقة 90، قبل هدف تعادل قاتل، وهدف فوز في الدقيقة 118.
اختيارات ويغمان الفنية وتبديلاتها المتأخرة أثارت الانتقادات، حتى أن بعض الصحافيين كتبوا مسودات نقدية لاذعة عن إدارتها لمباريات السويد وإيطاليا قبل حذفها بعد الفوز. لكنها، وكما اعتادت، كانت موجودة في النهائي كالعادة. فلا أحد في العالم يضمن التقدم في البطولات مثل سارينا ويغمان.
في كرة القدم الرجالية، من النادر أن نجد مدرباً متخصصاً في البطولات الدولية بهذا الشكل، لأن الأضواء والمكافآت غالباً ما تذهب للمدربين في الأندية. أما في عالم السيدات، فما زالت كرة القدم الدولية تحظى بهيبة كبرى، ورواتب مغرية، ومكانة لا تُضاهى.
عملت ويغمان في جميع الأدوار الممكنة ضمن الجهاز الفني للمنتخبات: من كشافة مواهب، إلى مساعدة، فمدربة مؤقتة، واليوم هي أعظم مدربة بطولات عرفتها اللعبة. لم يكن مطلوباً منها إثبات نفسها في الأندية، بل صنعت أسطورتها في ميادين البطولات المجمّعة.
وما يجعل النجاح الدولي أكثر صعوبة هو طبيعته المتقطعة؛ أشهرٌ طويلة بلا تجمعات، ثم معسكر مكثف لستة أسابيع كل عامين. وهذا يفرض نوعاً خاصاً من الإدارة: تركيز كبير على الانسجام الجماعي، وعلى ما يُعرف بـ«روح المجموعة»، وليس فقط «قائمة اللاعبين».
حتى انسحاب لاعبتين بحجم ماري إيربس وملي برايت قبيل البطولة لم يخلخل التوازن. بل اعتُبر فرصة لحسم أي توترات مبكراً. «إنه عمل صعب جداً في قلب البطولة»، تقول كيرا والش، «لكن ويغمان تهتم حقاً بالجانب الإنساني للاعبات».
اللاعبات يتحدثن دوماً عن وضوح الأدوار: الأساسية، البديلة، أو حتى من قد لا تُشارك أبداً. ومن ترفض هذا النهج، فلتبتعد كما فعلت إيربس وبرايت.
حتى حين تدفع ويغمان بعدة مهاجمات في وقت متأخر لإنقاذ المباراة، يكون ذلك ضمن خطة واضحة المعالم. وفي ربع النهائي، عندما ضغطت السويد بشكل أربك المدافعة جيس كارتر، لجأت إلى حيلة نادرة: قلبت مركزي قلبي الدفاع، لتنتقل ويليامسون إلى الجهة اليسرى وكارتر إلى اليمنى، ما غيّر مجريات اللعب تماماً. حركة تكتيكية نادرة، لكنها عبقرية.
وفي نهائي مونديال 2023، حين كانت إنجلترا متأخرة أمام إسبانيا، استبدلت ويغمان المهاجمتين الرئيستين، أليسيا روسو ورايتشل دالي، ودفعَت بلاعبتين أكثر حيوية في الضغط. لم يكن ذلك ناجحاً، لكن القليل من المدربين لديهم شجاعة التفكير خارج الصندوق بهذا الشكل.
من المثير أن أعظم المدربين يتعرضون للانتقاد من زوايا متناقضة. بيب غوارديولا، مثلاً، يُلام على «التفكير الزائد»، و«عدم امتلاكه خطة بديلة». ويغمان أيضاً تلقت انتقادات للتخلي عن لاعبات متمرسات، وأخرى للإبقاء على نفس الوجوه. لكن القرار دائماً له مبرره: مثل إسقاط ستيف هوتون قبل يورو 2022، أو منح شارة القيادة للاعبة شابة مثل ويليامسون، رغم عدم وضوح مركزها النهائي حينها.
أو اختيار المهاجمة الشابة ميشيل أجييمانغ، التي لم تلعب سوى 3 مباريات في الدوري، لكنها سجلت هدفين حاسمين في البطولة.
المنتخب الذي فاز بيورو 2022 كان شديد الشباب مقارنة بمعايير المنتخبات البطلة، والجيل الحالي في سويسرا لم يتجاوز ذروته بعد. الوحيدة التي يُحتمل أن تكون بلغت أوجها هي الظهيرة لوسي برونز (33 عاماً)، لكنها تألقت هذا الموسم، وسجلت الهدف الحاسم في العودة ضد السويد. ويغمان لا تحب الحديث عن اللاعبات بشكل فردي، لكن دائماً تثني على روح برونز التنافسية.
في نهائي الأحد، إنجلترا ليست المرشحة. التشكيلة المثالية بين المنتخبين تميل بشدة للخصم، خاصة مع وجود 9 لاعبات من نادٍ واحد (برشلونة)، ما يمنحهن انسجاماً لا يُقدّر بثمن.
لكن إنجلترا تمتلك أفضل مدربة في العالم. وسواء رفعت الكأس في بازل أم لا، فإن خمسة نهائيات متتالية في بطولات كبرى هو إنجاز قد لا يتكرر أبداً.
