مع التحول الرقمي... كيف تستعد البنية التحتية لاحتضان ذكاء يتعلّم ويتصرّف؟

«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
TT

مع التحول الرقمي... كيف تستعد البنية التحتية لاحتضان ذكاء يتعلّم ويتصرّف؟

«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)
«فاست داتا»: يمكن دمج «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» مع الأنظمة القديمة دون الحاجة إلى هدم أو استبدال شامل (غيتي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصراً على النماذج الثابتة أو الاستجابات المبرمجة، بل يبرز نموذج جديد يعيد تعريف كيفية تفاعل الآلات مع البيانات والبيئات والبشر. يُعرف هذا التطور باسم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وهو يمثّل أنظمة ذكية لا تكتفي بالتحليل، بل تتصرف وتتعلم وتتأقلم مع مرور الوقت.

في المملكة العربية السعودية، حيث يُعد الذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في «رؤية 2030» والتحول الرقمي، فإن تبنّي «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة. لكن مع هذه الإمكانيات الجديدة، يظهر تحدٍ جوهري. هل الأنظمة الحالية التي صُممت لمعالجة البيانات المؤقتة كافية؟

عزيز حيدر المدير العام لدى شركة «فاست داتا» في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا (فاست داتا)

«وكلاء ذكاء» مستقلون

تعتمد النماذج التقليدية للذكاء الاصطناعي على التنبؤ أو التصنيف أو التوليد بناءً على مدخلات ثابتة. وهي نماذج لا تحتفظ بالذاكرة وتعتمد على آلية استجابة للطلب، وتعتمد على بنى تحتية مصممة للاستدلال لا للتفاعل. أما «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» فيقدم طبقة جديدة من الاستمرارية والاستقلالية. يقول المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا في شركة «فاست داتا» VAST Data، حيدر عزيز، خلال حديث خاص مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» لا يكتفي بالاستدلال، بل يتصرف. ويشرح أنه على عكس النماذج التقليدية التي ترد على الطلبات، فإن «الوكلاء» يحتفظون بالذاكرة، ويتعلمون بمرور الوقت ويعملون باستقلالية.

هذا التغير يُسقط فرضيات قديمة حول إمكانية فصل التخزين عن المعالجة أو التعامل مع البيانات على أنها مؤقتة. ويوضح عزيز أن هذه الفرضيات تنهار عندما يتعلّق الأمر بوكلاء يحتاجون إلى التذكر والتفكير والتصرف بشكل مستمر.

هل البنية التحتية الحالية صالحة؟

جوهر التحدي يكمن في مفهوم «الذاكرة والسياق». فـ«الوكلاء الأذكياء» يحتاجون إلى بيئات غنية بالسياق ودائمة الاتصال. أي تأخير بين وحدة المعالجة والتخزين وسير العمل يمكن أن يعرقل قدرتهم على اتخاذ القرار.

ويشير عزيز إلى أهمية عمل البنية التحتية بوصفها نظاماً موحداً وآمناً وسريع الاستجابة وغنياً بالسياق. ويقول: «لا يمكن تعديل الأنظمة القديمة أو السحابية المصممة للاستدلال السلبي لتلبي هذه المتطلبات».

وبالنسبة إلى المؤسسات السعودية التي تسعى إلى دمج الخدمات الذكية في مجالات؛ مثل: المدن الذكية، أو الخدمات اللوجيستية، أو الرعاية الرقمية، فإن البنية التحتية يجب أن تتحول من دعم «الذكاء» إلى «تمكين الفعل»، حسب وصفه.

يمثّل «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» نقلة نوعية من النماذج السلبية إلى أنظمة تتعلّم وتتصرّف بشكل مستقل (شاترستوك)

الذاكرة لم تعد ميزة... بل أساس

لم يعد بالإمكان التعامل مع الذاكرة بوصفها إضافة. إنها اليوم حجر الزاوية. فـ«الوكيل» الذي يعمل في بيئة حقيقية يجب أن يتذكر ويتعلّم ويستجيب في الوقت الفعلي. وهذا يتطلّب بنية تحتية تضع الذاكرة والبيانات في صلب تصميمها. وحسب عزيز، «الآن يتم التعامل مع الذاكرة والبيانات بصفتها مواطنين من الدرجة الأولى، وليست نتائج ثانوية».

وهذا ضروري بشكل خاص في مشاريع المدن الذكية في السعودية، حيث يجب أن يعمل «الوكلاء» في بيئات مختلطة، من الحساسات والأجهزة إلى مراكز البيانات، وكلها تحت مظلة ذاكرة موحدة ومتصلة بالسياق.

المعالجة اللحظية للعالم الحقيقي

«الذكاء الاصطناعي الوكيلي» لا يعمل في عزلة بل يتعامل مع العالم الحقيقي الغني بالبيانات غير المنظمة؛ مثل: النصوص، والفيديو، والصوت، ومستشعرات «إنترنت الأشياء». هذه ليست مجرد بيانات، بل هي البيئة التي يتحرك فيها الوكلاء. يرى عزيز أن «البيانات غير المنظمة ليست مجرد وقود لـ(الذكاء الاصطناعي الوكيلي)، بل هي البيئة التي يجب أن يدركها ويتفاعل معها».

وبالنسبة إلى القطاعات السعودية التي تعتمد على التحليل اللحظي، سواء في الأمن أو الأتمتة الصناعية أو التفاعل مع العملاء، فإن الحاجة باتت ملحّة إلى أنظمة تلغي التعقيد وتقدّم البيانات بالزمن الحقيقي، دون خطوات وسيطة أو تأخير.

من «طبقة» إلى «نظام حي»

إذا أردنا أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها «وكلاء مستقلين»، فإن البنية التحتية يجب أن تتطور من طبقات منفصلة إلى نظام حي ومترابط. وهو نظام يُوحِّد الحوسبة والتخزين والذاكرة والتنظيم بطريقة متناغمة.

يرى عزيز أن البنية التحتية المستقبلية ستتحرك نحو نماذج المنصات الذكية المستمرة، ويقول: «البيانات لن تُخزّن وتُعالج لاحقاً، بل ستُبث ويتم التفكير بها في الوقت الحقيقي... فكر فيها بوصفها نظاماً حياً، لا بصفتها مجموعة طبقات».

يُعد الأمن والحوكمة عنصرين أساسيين لا بد من تضمينهما منذ البداية عند تشغيل «وكلاء ذكاء مستقلين» (شاترستوك)

الحوكمة والمسؤولية مع الاستقلالية

مع الاستقلالية تأتي الحاجة إلى المساءلة. حين يتخذ «الوكلاء» قرارات في قطاعات؛ مثل: النقل أو الرعاية الصحية أو التمويل، تصبح الحوكمة أمراً جوهرياً. ويحذّر عزيز من أن «الأمن أمر أساسي، ويجب تضمين الحوكمة في مستوى البيانات والتنظيم منذ البداية... لا يمكنك إضافة الثقة لاحقاً». وبالنسبة إلى المملكة التي تستثمر في سيادة البيانات والثقة الرقمية، يُعدّ إنشاء بنية تحتية مبنية على أسس الامتثال والمراجعة والتصريح أولوية.

يتردد الكثير من المؤسسات في تبني هذا التحول خوفاً من فقدان استثماراتها في الأنظمة القديمة. لكن عزيز يطمئن: «لسنا بصدد مطالبة المؤسسات بهدم أنظمتها، بل يمكن الاحتفاظ بالتطبيقات وسير العمل ومصادر البيانات، وإضافة طبقة ذكية فوقها». هذا النهج التدريجي يُتيح للمؤسسات السعودية تطوير بنيتها التحتية دون تعطيل أعمالها اليومية، مع تحقيق قيمة مضافة فورية من قدرات «الذكاء الاصطناعي الوكيلي».

من التجريب إلى التفعيل

الكثير من المؤسسات لا تزال عالقة في مرحلة التجريب. والسبب غالباً هو غياب البنية التحتية الملائمة أو الخوف من القفز في المجهول. لكن عزيز يضع خريطة طريق واقعية، قائلاً: «ابدأ بحالة استخدام تمزج بين الإدراك واتخاذ القرار، مثل الدعم الفني المؤتمت أو التوجيه الذكي في سلاسل التوريد... ولا تنظر إلى البنية التحتية والذكاء الاصطناعي بوصفهما مسارَيْن منفصلَيْن».

«الذكاء الاصطناعي الوكيلي» ليس مشروعاً فردياً بل منظومة متكاملة من النماذج والأدوات ومنصات التشغيل التي يجب أن تتكامل معاً. ويصف عزيز المشهد الحالي: «إنه مثل أوركسترا... سيمفونية من الأدوات والطبقات التي يجب أن تعمل بانسجام».

والمملكة العربية السعودية، بتسارع نموها في الاقتصاد الرقمي، قادرة على لعب دور ريادي في هذا التحول من خلال دعم معايير مفتوحة وتكامل المنصات.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات.

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

قال وزير المالية الصيني، إن الاقتصادات الناشئة تواجه ثلاث تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية وتزايد أوجه القصور في الحوكمة العالمية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
تكنولوجيا شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

ينصح الخبراء بعدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأن على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
TT

خبراء ينصحون بإبعاد الأطفال عن الدمى الناطقة بالذكاء الاصطناعي

شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)
شخصية «باز لايت يير» (بيكساباي)

مع أفلام مغامرات «حكاية لعبة» الشيّقة، إلى حركات «تيد» الطفولية، أصبحت فكرة الدمى والدببة المحشوة، التي تدب فيها الحياة فكرةً سينمائيةً مبتذلة.

وبينما أتاحت التطورات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي إمكانية صنع ألعاب تبدو واعية، فإنها تبدو أقرب إلى شخصيات شريرة مثل المهرج في فيلم «بولترجايست» وشخصية «تشاكي» في فيلم «لعبة طفل» منها إلى شخصيتَي «وودي» و«باز لايت يير».

ووفقاً لمنظمة «كومن سينس ميديا»، الأميركية غير الحكومية المعنية بمراقبة السلع الإلكترونية الاستهلاكية، فإن الدمى وألعاب الأطفال التي تعمل بالذكاء الاصطناعي تقول كلاماً غير لائق للأطفال، وتنتهك خصوصية المنزل من خلال جمع بيانات واسعة النطاق.

يقول روبي تورني، رئيس قسم التقييمات الرقمية في «كومن سينس»: «أظهر تقييمنا للمخاطر أن دمى الذكاء الاصطناعي تشترك في مشكلات جوهرية تجعلها غير مناسبة للأطفال الصغار».

ويقول تورني: «أكثر من رُبع المنتجات تتضمَّن محتوى غير لائق، مثل الإشارة إلى إيذاء النفس، والمخدرات، والسلوكيات الخطرة»، مشيراً إلى أن هذه الأجهزة تستلزم «جمع بيانات مكثف»، وتعتمد على «نماذج اشتراك تستغل الروابط العاطفية».

ووفقاً لمنظمة «كومن سينس»، تستخدم بعض هذه الألعاب «آليات ترابط لخلق علاقات شبيهة بالصداقة»، محذِّرة من أن هذه الأجهزة في الوقت نفسه «تجمع بيانات واسعة النطاق في المساحات الخاصة بالأطفال»، بما في ذلك التسجيلات الصوتية، والنصوص المكتوبة، و«البيانات السلوكية».

وتؤكد «كومن سينس» ضرورة عدم وجود أي طفل دون سن الخامسة بالقرب من لعبة ذكاء اصطناعي، وأنَّ على الآباء توخي الحذر فيما يتعلق بالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً.

ويقول جيمس ستاير، مؤسِّس ورئيس منظمة «كومن سينس»: «ما زلنا نفتقر إلى ضمانات فعّالة لحماية الأطفال من الذكاء الاصطناعي»، مقارِناً بين غياب هذه الحماية و«الاختبارات الصارمة» للسلامة والملاءمة التي تخضع لها الألعاب الأخرى قبل الموافقة على طرحها للبيع.


بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.