جنوب الليطاني شبه خال من «حزب الله» وإسرائيل تلاحق «الجيوب الصغيرة»

230 قتيلاً منذ وقف النار... وخبراء يؤكدون أن «المنطقة الآمنة أمر واقع»

تصاعد دخان كثيف من مناطق قصفتها القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام الحدودية جنوب لبنان نهاية مارس الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
تصاعد دخان كثيف من مناطق قصفتها القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام الحدودية جنوب لبنان نهاية مارس الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

جنوب الليطاني شبه خال من «حزب الله» وإسرائيل تلاحق «الجيوب الصغيرة»

تصاعد دخان كثيف من مناطق قصفتها القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام الحدودية جنوب لبنان نهاية مارس الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
تصاعد دخان كثيف من مناطق قصفتها القوات الإسرائيلية في بلدة الخيام الحدودية جنوب لبنان نهاية مارس الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

تواصل التصعيد الميداني في جنوب لبنان، حيث بات واضحاً تراجع وجود «حزب الله» عند الحدود، فيما تكشف التحركات الميدانية الإسرائيلية عن مشهد أكثر تعقيداً وارتباطاً بمسارات أمنية متعددة.

وفيما يتركز عدد كبير من العمليات التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في الفترة الأخيرة في منطقة شمالي الليطاني، نقلت القناة الـ12 الإسرائيلية، الثلاثاء، عن ضابط قوله: «(حزب الله) بات ضعيفاً، ولم تعد لديه القدرات التي كان يمتلكها قبل هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، فهو لا يقترب من الحدود، وعندما يفعل نتحرك ضده فوراً... هناك فقط جيوب صغيرة يجب القضاء عليها».

لكن وخلال الساعات الماضية، توغلت قوة إسرائيلية بعد منتصف ليل الاثنين – الثلاثاء، قرب بلدة عيترون، مدعومة بثلاث آليات بينها جرافة عسكرية، وانطلقت من موقع مستحدث في جبل الباط، منفذة أعمال تجريف على طريق الزقاق - الجبل، ثم انسحبت باتجاه مفرق العريض، حيث استكملت عملياتها، بحسب ما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».

وفي مشهد لافت، رصدت دورية تابعة لقوات «اليونيفيل» في محيط المنطقة، ما دفع الآليات الإسرائيلية إلى إطفاء إنارتها، في إشارة واضحة إلى حساسية التحرك وتوقيته، بحسب «الوطنية».

تزامناً مع التوغل البري، قصفت المدفعية الإسرائيلية منطقة جبل السدانة جنوب بلدة شبعا، فيما هزّ تفجير مجهول أطراف بلدة عيتا الشعب. كما حلق الطيران المسيّر الإسرائيلي على علو منخفض فوق مناطق جنوبية عدّة.

قهوجي: «حزب الله» انسحب من الحدود... والمنطقة الآمنة أمر واقع

وفي محاولة لتفسير ما يحدث، يوضح الخبير في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التصعيد الإسرائيلي الأخير يرتبط بثلاثة أهداف استراتيجية: «العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة هدفت إلى إبعاد (حزب الله) عن الحدود المباشرة، وتدمير مراكزه الحيوية، وإنشاء منطقة آمنة».

ويوضّح قهوجي التحول الميداني قائلاً: «اللجنة المشرفة على تطبيق القرار 1701، والحكومة اللبنانية، والجيش اللبناني، أجمعوا على أن (الحزب) أخلَى ما يقارب 500 موقع له على الخط الحدودي، بما في ذلك مراكز ومخازن أسلحة، ما يعني أن (حزب الله) لم يعد موجوداً فعلياً في المنطقة المباشرة على الحدود».

لكن ماذا عن «المنطقة الآمنة» التي تنادي بها إسرائيل؟ يجيب قهوجي: «إسرائيل أنشأت منطقة آمنة شملت نحو 40 قرية يمنع سكانها من العودة حتى الساعة. وتعتبر أن هذه المنطقة خاضعة لمراقبة اللجنة المشرفة، ولا وجود فيها لأي انتشار عسكري من شأنه تهديد أمنها، ما يحقق لها نوعاً من الردع الوقائي».

سوريا في المعادلة... والضربات تتجاوز الحدود

العمليات الإسرائيلية لم تقتصر على الداخل اللبناني، بل امتدت إلى العمق السوري. يشرح قهوجي: «الضربات الجوية الإسرائيلية طالت مراكز حساسة لـ(حزب الله) في سوريا، خصوصاً منشآت لتصنيع الصواريخ البعيدة المدى في مصياف، والتي كانت تشكّل مصدراً أساسياً لتسليح الحزب. كما تم ضرب خطوط الإمداد الرئيسية بين إيران ولبنان، ما أضعف قدرة (الحزب) على التزود بصواريخ متطورة».

ويتابع: «(حزب الله) لا يزال يحتفظ ببعض ترسانته الثقيلة، لكنه أصبح معتمداً على قدرات تصنيع محلي تشمل صواريخ من طراز كاتيوشا وغراد. أما قدرته على تصنيع المسيّرات فمحدودة جداً مقارنة بما كانت عليه قبل سبتمبر (أيلول) 2024، ما يجعله في وضع عسكري مختلف كلياً عن السابق».

خسائر بشرية ممنهجة... وتآكل في القدرات

أما عن الأثر البشري، فيكشف قهوجي عن حجم الخسائر التي تكبّدها الحزب: «الاستهدافات الإسرائيلية اليومية لعناصر وقيادات (الحزب) بعد وقف إطلاق النار أدت إلى مقتل أكثر من 230 مقاتلاً حتى الآن. وهي حملة منهجية تهدف إلى تقييد حرية تحرك الحزب جنوب الليطاني، بل تمتد أحياناً إلى شماله عبر استهدافات دورية لمراكز ومخازن أسلحة».

وفي قراءة لأسلوب المعركة، يضيف: «التقييم الإسرائيلي المدعوم بتقارير اللجنة الخماسية يشير إلى أن ما تقوم به إسرائيل اليوم من عمليات استنزاف دقيقة، دون التورط في حرب شاملة، هو كافٍ لتحقيق أهدافها. والقيادة الإسرائيلية تعتبر أن (حزب الله) لم يعد يشكل تهديداً مباشراً على الحدود في ظل غياب الانتشار الميداني».

حمادة: بنية «حزب الله» في جنوب الليطاني دُمّرت والمسألة أبعد من الجانب العسكري

بدوره، قال الخبير العسكري العميد المتقاعد خالد حمادة لـ«الشرق الأوسط» إن «البنية التحتية لـ(حزب الله) في منطقة جنوب الليطاني دُمّرت بنسبة كبيرة جداً، ومن المرجح أن تكون الرواية الإسرائيلية في هذا السياق صحيحة إلى حد بعيد، خصوصاً بعد أشهر من القصف الكثيف الذي تعرضت له المنطقة، من طيران حربي ومسيرات وصواريخ إسرائيلية من مختلف الأنواع».

وأكد أن «القول بأن جنوب الليطاني بات خالياً من بنية عسكرية فاعلة لـ(الحزب) هو كلام دقيق، لكن ذلك لا يُلبي المطلوب من وقف إطلاق النار، ولا يلبي الشروط الأميركية المفروضة على الدولة اللبنانية». وشدد على أن «المطلوب أميركياً هو تحول (حزب الله) إلى حزب سياسي مدني، ما يعني إعلانه صراحة حل جناحه العسكري ووقف العمل بصفته ميليشيا مسلحة».

صورة للقصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

وأضاف حمادة: «حتى الآن، لا توجد مؤشرات على قبول (حزب الله) بالتحول إلى حزب سياسي، وهو ما يعقد المشهد ويفرض أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري الذي لم يعد هو العنصر الأهم. فعندما يتمسك الحزب بمؤسسة كـ(القرض الحسن) ويفتتح فروعاً جديدة لها، ويجاهر برفض التخلي عن سلاحه، فالمسألة لم تعد تتعلق بكمية السلاح بقدر ما تتعلق بالقرار السياسي بالإبقاء على هذا الجناح المسلح».


مقالات ذات صلة

لبنان: استهداف المدينة الصناعية في صيدا يفتح ملف التعويضات «المفقودة»

المشرق العربي سكان يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا عاصمة جنوب لبنان (إ.ب.أ)

لبنان: استهداف المدينة الصناعية في صيدا يفتح ملف التعويضات «المفقودة»

انضمت المنشأة الصناعية ومحيطها، التي تعرضت لاستهداف إسرائيلي في مدينة صيدا، الأسبوع الماضي، إلى لائحة واسعة من المؤسسات اللبنانية التي تضررت جراء الحرب.

حنان حمدان (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية يتوسط سفراء اللجنة الخماسية (رئاسة الحكومة)

الحكومة اللبنانية تتعهد بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة «حصرية السلاح»

أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الاثنين أن لبنان عازم على تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة التي أقرتها الحكومة العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)

الرئيس اللبناني: السير على نهج شمس الدين أفضل تكريم له

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن أفضل تكريم لذكرى الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين هو أن نسير على نهجه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص الشيخ محمد مهدي شمس الدين (أرشيف رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل)

خاص محمد مهدي شمس الدين: لا مصلحة للشيعة في إنشاء نظام مصالح خاص بهم وربطه بإيران

تنشر «الشرق الأوسط» حلقة ثالثة (أخيرة) من حوار مطول بين رئيس المجلس الإسلامي الشيعي في لبنان، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأفراد من بيئة «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي تصاعد الدخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

قصف إسرائيلي في جنوب لبنان وجريح باستهداف دراجة نارية

استهدفت مسيّرة إسرائيلية، مساء الأحد، سطح قرميد لمبنى «عين المياه التراثية» ببلدة العديسة جنوب لبنان، كما أصيب شخص في استهداف من مسيّرة إسرائيلية فجر اليوم.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

لبنان: استهداف المدينة الصناعية في صيدا يفتح ملف التعويضات «المفقودة»

سكان يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا عاصمة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
سكان يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا عاصمة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

لبنان: استهداف المدينة الصناعية في صيدا يفتح ملف التعويضات «المفقودة»

سكان يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا عاصمة جنوب لبنان (إ.ب.أ)
سكان يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا عاصمة جنوب لبنان (إ.ب.أ)

انضمت المنشآت الصناعية في مدينة صيدا؛ عاصمة جنوب لبنان، إلى لائحة واسعة من المؤسسات الصناعية والزراعية والتجارية التي تضررت جراء الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولم يُدفع أي تعويضات لها، رغم مرور 14 شهراً على اتفاق وقف إطلاق النار.

واستهدف الجيش الإسرائيلي فجر الثلاثاء 6 يناير (كانون الثاني) الحالي بصاروخين مبنى من 3 طوابق، وقد سويّ بالأرض، في المدينة الصناعية؛ محلة سينيق (صيدا)؛ ما أدى إلى جرح شخص واحد، ووقوع أضرار جسيمة في المنطقة، في حين يعاني الناس من واقع اقتصادي مأزوم في الجنوب جراء الحرب الإسرائيلية على لبنان.

ويقول رئيس «اتحاد بلديات صيدا - الزهراني»، المهندس مصطفى حجازي، تعليقاً على الغارة التي استهدفت المنطقة الصناعية: «لا شك في أن حجم الضرر كبير جداً، فهي ضربة قاسية لمصالح اقتصادية تعاني ما تعانيه راهناً من ظروف صعبة للغاية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تفقدت المكان والأضرار التي طالت المحال المجاورة أيضاً، وهي تتراوح بين المتوسطة والخفيفة»؛ إذ إن الأضرار لم تقتصر على المبنى المستهدف، وإنما طالت محال تجارية عدة مجاورة بسبب قُرب المسافات.

جانب من الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

وعن الإجراءات الراهنة يقول: «أُجري الكشف الفني على المباني المتضررة لتحديد حجم الأضرار بدقة، بانتظار تقرير (مجلس الجنوب) لتحديد حجم الضرر الكلي». ويتابع: «أجريت اتصالات مباشرة مع (مجلس الجنوب) و(الهيئة العليا للإغاثة) و(وحدة إدارة مخاطر الكوارث) لدى رئاسة مجلس الوزراء، وسنتابع معهم لإقرار صرف التعويضات في مجلس الوزراء بأقرب فرصة ممكنة»؛ لأن الناس باتت تعيش تحديات مضاعفة.

أضرار بالملايين

وتعود مسألة تعويضات المتضررين إلى الواجهة في كل مرة يستهدف فيها الجيش الإسرائيلي أماكن فيها مصالح ومؤسسات تجارية لسكان مدنيين، يعانون في الأصل ظروفاً اقتصادية صعبة للغاية؛ جراء الوضع الأمني المأزوم في البلاد.

ويقدر «البنك الدولي»، في تقرير حمل عنوان «التقييم السريع للأضرار والحاجات في لبنان»، الأضرار في القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية، بنحو 825 مليون دولار، فيما تحتاج إعادة إعمارها وتعافيها نحو 2.26 مليار دولار.

ووفق التقرير الصادر في مارس (آذار) الماضي، فقد بلغت الأضرار بالقطاع الزراعي 79 مليون دولار، بينما تقدر حاجات إعادة الإعمار والتعافي في القطاع بـ412 مليون دولار. أما في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة فبلغت الأضرار 612 مليون دولار، وتحتاج إعادة الإعمار والتعافي إلى 1.85 مليار دولار.

وتقول لـ«الشرق الأوسط» مصادر لبنانية معنية بالتقييم إن مالكي تلك المؤسسات لم يتلقوا أي دعم من الدولة اللبنانية، ولا من «حزب الله»، موضحة أن «الدفوعات التي قدمها (الحزب) اقتصرت على بدلات إيواء للعائلات التي فقدت منازلها بالكامل، وبدلات ترميم مساكن متضررة جراء الحرب، بينما لم تتلقَ المؤسسات الصناعية أو التجارية أو حتى المزارعون، أي دعم خاص».

خسارة جنى العمر

وعلى غرار أصحاب مؤسسات كثيرة تعرضت لأضرار خلال العامين الماضيين، يقول يحيى عزام، وهو صاحب مخرطة فنية تضررت نتيجة الغارة الأخيرة: «خسرت جنى عمري، كل ما عملت لأجله طوال 30 سنة ذهب في ثانية؛ هكذا وبكل بساطة دمرته إسرائيل».

لقطة عامة لمبانٍ مدمرة نتيجة غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة الصناعية في صيدا بجنوب لبنان الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

وبحزن شديد، يتحدث عزام لـ«الشرق الأوسط» عن مصدر رزقه الوحيد الذي خسره: «كنت أعمل لتأمين قوت يومنا ليس أكثر، ولا علاقة لنا بأي حزب سياسي، فلماذا استهدفتنا؟». ويتابع: «يعمل معي 4 أشخاص، لديهم عائلات وأطفال. خسرنا جميعاً مصدر رزقنا».

يُقدر عزام قيمة مصلحته بـ250 ألف دولار، ويسأل راهناً: «هل سيتم التعويض علينا، ومتى؟ للأسف لا نعلم ماذا سيحل بنا». ويختم: «نطالب بالتعويض علينا. نسمع تصريحات إيجابية تجاهنا وننتظر الفعل».

أضرار مجاورة أيضاً

على مقربة من المبنى المستهدف وعلى مسافة تقل عن 50 متراً، يقف علي عنتر متفقداً محاله التجارية. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لديّ 3 محال ميكانيكا مختصة في صيانة وتصليح السيارات، تضررت بفعل الاستهداف الذي أصاب المبنى في الجهة المقابلة». ويضيف: «اخترقت الشظايا وأصابت أجزاء في المؤسسة، حتى إن دخان النار دخل إليها».

يروي عنتر كيف كان من الأوائل الذين افتتحوا محالهم في هذه المدينة الصناعية، والتي يقال عنها إنها جديدة، رغم وجودها منذ سبعينات القرن الماضي، وذلك للتمييز بينها وبين المدينة الصناعية الأولى في صيدا، ويقول: «منذ عام 1979 وأنا هنا، أيّ منذ نحو 47 سنة». ويضيف: «قدّر (مجلس الجنوب) الأضرار التي أصابتني بـ9 آلاف دولار في الكشف الذي أجراه بعد الغارة، ونحن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور».

ويصف أصحاب المصالح الحركة التجارية بأنها سيئة للغاية، وحركة الزبائن بأنها ضئيلة؛ بسبب الظروف الأمنية في الجنوب، ويقول عنتر: «منذ بدء الحرب والناس التي كانت تقصدنا من مناطق لبنانية مختلفة باتت تخاف القدوم إلينا».

ويُعلق: «اليوم باتت تخاف أكثر من قبل. من غير المقبول تعريض كل المنطقة للاستهداف بسبب وجود أي نشاط حزبي».


طلاب غزة يستأنفون الدراسة داخل خيام قرب «الخط الأصفر»

طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)
طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)
TT

طلاب غزة يستأنفون الدراسة داخل خيام قرب «الخط الأصفر»

طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)
طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

رغم أنها تتلقى دروسها وهي تجلس على الأرض في البرد القارس داخل خيمة مكتظة من معلمة تقاطعها أصوات إطلاق نار وانفجارات متكررة من مناطق تسيطر عليها إسرائيل على بعد ​أقل من ألف متر، تشعر تولين الهندي بالسعادة لعودتها أخيراً للمدرسة بعد انقطاع لأكثر من عامين بسبب الحرب.

وتولين (سبع سنوات) واحدة من حوالي 400 طفل يتعلمون في «مدرسة الشمال التعليمية» المؤقتة التي أقيمت في خيام بلاستيكية زرقاء على أنقاض في بيت لاهيا في شمال قطاع غزة، وتقع على مرمى البصر من «الخط الأصفر» الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

وجلست أكثر من 12 فتاة على الأرض في صفين داخل خيمة صغيرة واحدة وهن يرتدين سترات منتفخة للتدفئة ويضعن ‌دفاترهن أمامهن على صناديق ‌خشبية تحل محل الطاولات، ويرددن بمرح ما ‌تقوله ⁠المعلمة ​وهي ترسم أشكالاً ‌على السبورة.

وقالت تولين: «صح إن إحنا مش نقعد على كراسي ولا شي، بس الحمد لله صرنا نقعد في المدرسة، وإلنا من زمان نقعد في الحرب وما فيش مدارس، نقعد هيك زهقانين، بدنا مدارس هيك نقرأ فيها ونكتب عشان نصير كبار وشاطرين».

وقالت والدتها ياسمين العجوري إنها تشعر بالقلق لحظة ذهاب تولين إلى المدرسة ولحين عودتها إلى المنزل.

وتقول ياسمين لابنتها وهي متجهة للمدرسة: «ديري بالك (احترسي)، إداري في حيطة، اسرعي في ⁠الطريق».

طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

الأمان بيد الله

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول)، لا تزال إسرائيل تحتل ‌أكثر من نصف قطاع غزة وتمنع المدنيين من الوصول إلى المناطق الأخرى. وسويت جميع المباني تقريباً في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل بالأرض، وطرد منها السكان.

ولا يترك ذلك للسكان الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة إلا حوالي ثلث مساحة قطاع غزة، ومعظمهم في خيام مؤقتة ومبانٍ متضررة، حيث تعود بعض مظاهر الحياة تحت سيطرة إدارة تقودها حركة «حماس».

ورغم توقف المعارك الكبرى وعمليات القصف المكثفة، فإن إسرائيل فتحت النار ​بشكل متكرر على الفلسطينيين الذين تتهمهم بالاقتراب من الخط الأصفر، قائلة إنها تهدف إلى القضاء على التهديدات التي تواجهها القوات. وقُتل أكثر من 440 ⁠فلسطينياً منذ دخول اتفاق أكتوبر حيز التنفيذ، بينما قتل مسلحون ثلاثة جنود إسرائيليين. ويقول الفلسطينيون إن القوات الإسرائيلية تقوم بتحريك بعض العلامات الخرسانية الصفراء غرباً، متجاوزة بذلك مناطق من المفترض أنها لا تسيطر عليها. وتنفي إسرائيل ذلك.

طلاب فلسطينيون نازحون يدرسون داخل خيمة بالقرب من «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة... 6 يناير 2026 (رويترز)

ويؤكد عاملون في مدرسة تولين أنهم يسمعون إطلاق نار يومياً.

وقالت يارا أبو غلوة المشرفة في مدرسة الشمال التعليمية: «يومياً بيصير طخ، ولولا ستر الله كان كل يوم إصابتين ثلاثة. علمنا الولاد إنه أول ما نسمع الطخ ونحسه... ناخد وضعية النوم. هذا طبعاً مش أمان والأمان بإيد الله... بس هذا الموجود عنا».

وقالت السلطات الصحية في قطاع غزة إن العملية العسكرية الإسرائيلية أسفرت عن مقتل أكثر من 71 ألفاً.

واندلعت الحرب جراء هجوم قادته «حماس» ‌على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. وتشير إحصاءات إسرائيلية إلى أن هذا الهجوم أسفر عن مقتل حوالي 1200 شخص.


إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين لاحقوا منفِّذي اغتيال ضابط من «حماس»

TT

إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين لاحقوا منفِّذي اغتيال ضابط من «حماس»

طلاب فلسطينيون نازحون يتجمعون خارج خيمة قرب «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 6 يناير الحالي (رويترز)
طلاب فلسطينيون نازحون يتجمعون خارج خيمة قرب «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل في بيت لاهيا شمال قطاع غزة يوم 6 يناير الحالي (رويترز)

صعَّدت عصابات مسلحة تعمل في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، عملياتها ضد حركة «حماس»، واغتالت -صباح الاثنين- المقدم محمود الأسطل، مدير جهاز المباحث في شرطة خان يونس جنوب غزة، بعدما أطلقوا النار عليه في منطقة المواصي الشمالية التي يقطن فيها مع عائلته، وفرُّوا بمركبتهم إلى مناطق جنوب المدينة؛ حيث تتمركز عناصر «عصابة حسام الأسطل».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر ميدانية من «حماس» أن طائرة مُسيَّرة إسرائيلية قتلت 3 من عناصر أمن «حماس» لدى ملاحقتهم منفِّذ عملية اغتيال محمود الأسطل، وذلك عند الخط الأصفر جنوبي خان يونس، بينما استولى عناصر تابعون لمجموعة «حسام الأسطل» على أسلحة أولئك العناصر.

وهذه هي المرة الثانية التي تنفِّذ فيها العصابات التي تنسق مع إسرائيل عملية اغتيال لعناصر في جهاز الشرطة التابع لـ«حماس»؛ إذ قتلت المقدم أحمد زمزم، الشهر الماضي، في وسط القطاع.

المقدم أحمد زمزم اغتيل برصاصات عدة أطلقها مسلحون على سيارته ديسمبر الماضي (المركز الفلسطيني للإعلام)

وشرحت مصادر أن الضابط الذي اغتيل يوم الاثنين كان يدير أجهزة الأمن في محافظة خان يونس، خلال فترات الحرب، وعاد لمهمته الأصلية لقيادة جهاز المباحث فقط، مشيرة إلى أنه كان يعمل فترات مسؤولاً عن أمن نواب المجلس التشريعي عن الحركة، كما أنه ينشط ميدانياً في «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة.

وبث قائد إحدى العصابات المسلحة -ويدعى حسام الأسطل- على صفحته في «فيسبوك»، مقطع فيديو يعلن فيه مسؤوليته عن عملية قتل الضابط في أمن «حماس»، والاستيلاء على أسلحة، متوعداً نشطاء الحركة وقياداتها بالعمل على اغتيالهم، وأن يلقوا المصير ذاته.

وقالت منصات تابعة لأجهزة أمن «حماس» وفصائل فلسطينية، إنها تلاحق المتورطين في الهجوم، مؤكدة أن العملية نُفِّذت من قِبَل عصابات مسلحة تخدم إسرائيل، وأن هذه العصابات تلقَّت تعليمات من المخابرات الإسرائيلية.

وكان عمل تلك العصابات المسلحة يركز على إطلاق النار من بُعد تجاه فلسطينيين، وكذلك تنظيم حملات لسرقة المواد التموينية وغيرها، ولكنها لاحقاً أصبحت تقوم بعمليات خاطفة أكثر تأثيراً على «حماس».

«حماس» مستعدة لتسليم حُكم غزة

وعلى صعيد آخر، أبلغت قيادة حركة «حماس» الوسطاء في مصر وقطر وتركيا، استعدادها التام لبدء تسليم حُكم قطاع غزة للجنة التكنوقراط الفلسطينية التي تم الاتفاق على جزئيات كثيرة بشأن تشكيلها في الآونة الأخيرة، في وقت ما زالت تشوب الاتفاق فيه بعض الإشكاليات بشأن تبعية اللجنة الكاملة للسلطة الفلسطينية التي تصر بدورها على أن تكون اللجنة تحت مسؤوليتها الكاملة.

وقالت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن قيادة الحركة أصدرت أوامرها الصريحة والكاملة للجهات الحكومية التابعة لها في قطاع غزة، بالاستعداد الكامل لتنفيذ هذه الخطوة، في ظل تسارع الحراك الدبلوماسي من قبل الوسطاء والولايات المتحدة، الهادف للانتقال للمرحلة الثانية.

وبيَّنت المصادر أن قيادة «حماس» والمسؤولين الحكوميين في غزة بدأوا التجهيز لتسليم فوري للحكم في القطاع للجنة التكنوقراط، مشيرة إلى أن «تولي هذه اللجنة مهامها متوقف على اشتراطات من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، تتعلق بأن الأولى تريدها ذات تبعية كاملة لحكومتها من دون أن تكون هناك مرجعيات أخرى لها أو حتى تتابع عملها، مثل الفصائل أو حتى الهيئة التنفيذية لمجلس السلام الذي سيعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين أن إسرائيل ترفض أي جسم فلسطيني يحكم القطاع».

وقدَّرت المصادر التي تنتمي لـ«حماس» أن «مشكلة اشتراطات السلطة سيعمل الوسطاء على حلها، في حين أن الولايات المتحدة قادرة على إجبار إسرائيل على قبول هذه اللجنة كأمر واقع»، مبينة أن «هناك لقاءً فلسطينياً شاملاً من المفترض أن تشارك فيه حركة (فتح)، بشأن التوافق على كل القضايا العالقة، فيما يتعلق بالمرحلة الثانية ومستقبل القضية الفلسطينية».

وتؤكد المصادر أنه تم الاتفاق بين «حماس» والفصائل الفلسطينية من جانب، والوسيط المصري من جانب آخر، بشأن عمل اللجنة وهيكليتها، في حين أن السلطة الفلسطينية ما زالت تتحفظ على كثير من نقاط عمل هذه اللجنة، وهو الأمر الذي بُحث مؤخراً بين المسؤولين المصريين ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، ما قد يمهد للتوصل إلى اتفاق أشمل بشأنها؛ خصوصاً في اجتماع الفصائل المرتقب.

وقال حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، إن حركته قدَّمت مواقف إيجابية متقدمة في إطار ترتيب الوضع الفلسطيني، داعياً قيادة السلطة الفلسطينية للاستجابة للَّحظة التاريخية، والتقدم تجاه حالة الإجماع الوطني. قائلاً: «لا يمكن لأي طرف فلسطيني الاستفادة من حالة الانتظار أو إعاقة الوحدة الوطنية، لذا تخطئ قيادة السلطة إن قدَّرت أنها يمكن أن تستفيد من الكارثة التي يمر بها أهلنا في قطاع غزة»، وفق قوله.

وشدد منذر الحايك، الناطق باسم حركة «فتح»، في بيان، على أن أي لجنة يجري بحث تشكيلها لإدارة شؤون قطاع غزة يجب أن تستمد شرعيتها من السلطة الفلسطينية، وأن يرأسها أحد أعضاء حكومتها، محذراً من أن «أي مسار مغاير لذلك سيكرِّس واقع الانقسام السياسي بين غزة والضفة».