أسماء معيكل: انحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية

رواياتها عبّرت عن المأساة السورية والقهر الذي يطال المرأة

أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
TT

أسماء معيكل: انحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية

أسماء المعيكل وروايتها تل الورد
أسماء المعيكل وروايتها تل الورد

تعرف الأكاديمية والناقدة والروائية السورية، الدكتورة أسماء معيكل بدراساتها النقدية، وخاصة اهتمامها بقضايا النسوية والدراسات السردية والثقافية، وهي حائزة على الدكتوراه من جامعة عين شمس، وعملت أستاذة نقد حديث وباحثة في النقد الأدبي والدراسات الثقافية والنسوية.

ومن مؤلفاتها في «النقد»: «الأصالة والتغريب في الرواية العربية - حيدر حيدر نموذجاً»، و«الأفق المفتوح، نظرية التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر»، و«في تلقي الإبداع والنقد»، و«سيرة العنقاء: من مركزية الذكورة المعاصرة إلى ما بعد مركزية الأنوثة».

وبالإضافة لروايتها الأولى: «خواطر امرأة لا تعرف العشق»، وروايتها الأخيرة «ليالي الخذلان»، قدمّت أسماء معيكل مشروعاً روائياً يتكون من ثلاث روايات عن المأساة السورية: «تلّ الورد»، و«عماتي الثلاث»، و«الجحش السوري».

هنا حوار معها:

> كتبتِ ثلاث روايات عن المأساة السورية: «تلّ الورد»، و«عماتي الثلاث» و«الجحش السوري»، كيف ترين دور الأدب والرواية خصوصاً في مثل هذه القضايا؟

- الأدب عموماً، والرواية على وجه الخصوص، ليسا ترفاً يتسلى به الكاتب، وليس خافياً على أحد مكانة الرواية في تعبيرها عن قضايا مجتمعاتها في مختلف أرجاء العالم، وما قمتُ به في رواياتي يتنزّل بين التمثيل السردي والتخييل السردي، في روايتيّ «تل الورد» و«عماتي الثلاث»، قمت بإعادة تمثيل سردي لما جرى في بلادي (سوريا) على امتداد حقبة زمنية طويلة، فـ«عماتي الثلاث» التي كتبتها ونُشرت بعد «تل الورد»، تسبقها زمنياً بأحداثها ووقائعها، حيث عُدتُ بعجلة الزمن إلى الوراء، إلى زمن «السفر برلك» في ظل الإمبراطورية العثمانية، وامتدت الرواية إلى العصر الحديث والحرب المدمرة في سوريا، وفي «تل الورد» عائلة المعراوي هي امتداد لعائلة الشيخ عبد الهادي في «عماتي الثلاث»، وفيها أعدت تمثيل ما جرى في بلادي منذ لحظة بدء المظاهرات السلمية، مروراً بتسليحها بعد القمع الوحشي الذي تعامل به النظام الديكتاتوري مع المظاهرات السلمية، وانتهاء بتحول سوريا إلى ساحة صراع بين قوى كبرى بعد التدخلات الخارجية فيها.

أمّا روايتي «الجحش السوري» فهي رواية ساخرة تعتمد على السخرية القائمة على المفارقة، على طريقة «دون كيخوته»، ولا تخلو من حس مأساوي يذكر بالملاحم الإغريقية القديمة، وقد اعتمدت فيها على التخييل السردي للتعبير عن حال بلادي في ظل الصراع المأساوي الذي عصف بها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وقد لجأت في تخييل أحداثها إلى لعبة سردية معروفة في روايات المسخ والتحولات، متخذة من تحول بطل الرواية إلى (جحش) ذريعةً سردية؛ للغوص في عمق ما يجري، والكشف عما آل إليه الحال بشفافية وموضوعية، عبر عين الجحش التي تشبه عين الكاميرا التي ترصد ما يجري بعيداً عن الأدلجة.

> هل يمكن للأديب أن يرى الحدث بمعزل عن ضوضاء الآيديولوجيات والاستقطاب السياسي؟ إلى من ينحاز الأديب في مثل هذه المواجهات؟

- من المفترض أن يتسلح الأديب بوعي عميق يجعله في منأى عن الوقوع في فخ الآيديولوجيات، والصراعات السياسية، وحالما يستجيب بطريقة ما إلى تلك المواجهات وينحاز إلى إحداها يصير بوقاً لها، العلاقة بين الثقافي والسياسي شائكة، فالسلطة السياسية من المفترض أن تكون في خدمة السلطة الثقافية، وفي حال حدوث العكس وتحول السلطة الثقافية إلى خادمة للسلطة السياسية، فسمة الثقافية تتلاشى، وتصير ناطقة باسم السلطة السياسية وترويج تطلعاتها وتسويغ أفعالها، وهنا يكون مقتل الأدب والأديب الذي ينبغي أن يتمتع بالحرية التي تمكّنه من الكشف عن الحقيقة، لا تلميع السلطة، وانحياز الأديب للسياسي يفقده شرط الحرية الذي هو شرط الإبداع، وقد وقع أدباء كثر في هذا المقتل فكانت أعمالهم أشبه بخطابات ومنشورات سياسية مؤدلجة، لا تغني ولا تسمن من جوع. إن ذلك لا يعني في حال من الأحوال أن يكون الأديب حيادياً جامداً لا رأي له فيما يجري من أحداث وصراعات في مجتمعه ومحيطه، بل ينبغي أن تكون له رؤية واضحة ينطلق منها في التعبير عن القضايا والظواهر التي يعالجها في أعماله، وهو منحاز بطبيعة الحال إلى تلك الرؤية، لكن انحيازه يكون للإنسان، والقيم الكبرى التي تلتقي حولها الإنسانية جمعاء، قيم الحق والخير والجمال، في مواجهة الظلم والشر والقبح.

> الروايات الثلاث كُتِبَتْ قبيل سقوط النظام، هل جاء التغيير كما حلم به الأدباء؟

- كتبت رواياتي الثلاث، سالفة الذكر، ونشرتها قبل سقوط النظام بمدة تتراوح بين خمس سنوات، حينها وعلى الرغم من انسداد الأفق، كانت هناك فسحة من الأمل بتغيير قد يحدث عاجلاً أو آجلاً، وظهر ذلك بشكل جليّ في روايتي «الجحش السوري». إن التغيير الذي حدث في سوريا وسقوط النظام، جاء في لحظة حلمية ما كان لأحد أن يتوقعها، أو يحلم بها على نحو ما حدث، ولا سيما في ظل إعادة تأهيل النظام البائد في السنتين الأخيرتين قبل سقوطه، وتصدّره المشهد بوصفه المنتصر على الإرهاب، وحينما فرَّ (...) في جنح الظلام على ذلك النحو الذي شهدناه، كان الحدث أكبر من أحلام الأدباء، وتوقعات المحلّلين السياسيين والعسكريين، كانت لحظة أذهلت العالم، لدرجة بقي الناس فيها لأكثر من شهر غير متيقنين مما حدث، ولديهم توجس من عودته، وأن يكون ما جرى مجرد حلم يستفيقون منه على كابوس نظام الأسد الجاثم على صدورهم منذ عقود.

الخوف من الخراب

> في «تل الورد» ختمتِ الرواية بفصلٍ حمل عنوان «حبطراش»، وهو مصطلح معروف في اللهجة الشامية، يرمز لمستوى عال من الخراب الذي لا يمكن إصلاحه... هل فعلاً ترين أن الخراب السوري لا يمكن إصلاحه؟

- لم يكن بإمكاني تقديم تفاؤل زائف في تلك الفترة، فقد شهدت تدمير بلادي بعد أن تحولت إلى ساحة صراع لقوى كبرى، وتصفية حسابات بين جماعات متقاتلة، عادت بعجلة الزمن إلى الوراء، وتكشّفت تلك المرحلة عن عنف لا مثيل له، ولذا فإن الخراب الذي ألحقته الحرب بسوريا كان هائلاً لدرجة يتعذّر فيها إصلاحه، وكما أسلفت في الإجابة السابقة، فإن التحدي ليس في إعادة إعمار البيوت ومدّ شبكات الكهرباء والمياه والطرق وغيرها من الخدمات، بل في إعادة بناء الإنسان الذي صار «حبطراشاً»، ومع ذلك لا أريد أن أكون متشائمة، وسأظل أحلم بإمكانية التغيير، فبعد سقوط النظام البائد لا شيء مستحيل، لكن يحتاج الأمر إلى سعي حثيث، وهمم عالية، وجهود كبيرة، وتكاتف أطياف الشعب كله لإعادة بناء سوريا الحرة، سوريا دولة المواطنة التي تكفل العيش الكريم وتحقّق العدالة الإنسانية لكل مواطنيها بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم الدينية، والمذهبية، والإثنية، والعرقية، والجندرية.

التحرر من الانفعالية

> كيف تجاوزتِ سرد المأساة الشخصية إلى سرد جماعي في «تلّ الورد»؟

- يتنزّل عمل الكاتب هنا تحديداً، أعني في تجاوز ما هو شخصي وتحويله إلى عمل يمسّ الجميع، وواقع الحال أن لكل إنسان حكايته ومأساته التي عاشها ويمكنه أن يحكيها، لكن ذلك لا يخلق منها رواية لها شروطها بوصفها عملاً فنياً، وليست نسخاً لحكايات يعيشها الإنسان.

الثقافة الذكورية أسهمت في خلق إناث حالمات وذكور نرجسيين

شهدتُ بدايات الأحداث في سوريا بنفسي في ربيع 2011، منذ أن بدأت المظاهرات السلمية، كنتُ وسط الأحداث، وأنا أتنقل يومياً بين مدينتي حلب وإدلب لأداء مهامي الأكاديمية والإدارية في جامعة حلب التي لها فرع في إدلب، فأرقب ما يجري، ودرجت على تسجيل بعض اليوميات، وحينما ابتعدت عن بلادي، صارت فكرة كتابة رواية تعيد تمثيل أحوال بلادي أكثر إلحاحاً، غير أنني لم أستطع الشروع في الكتابة، وأنا في حالة انفعال شديد، كنتُ أدرك بوعي الكاتب أنها ستحول دون رؤية واضحة وموضوعية لما يجري، فلذتُ بالصمت، لم أكن أرغب في كتابة رواية تسجيلية أو وثائقية عن الأحداث في بلادي. اللحظة التي شرعت فيها بالكتابة كانت حينما أصبحت قادرة على الفصل بين انفعالاتي بما يجري، وبين ما أريد الحديث عنه في روايتي، وهذا ما حال دون تحولها إلى سرد شخصي، فـ«تل الورد» ملحمة عبّرت عن المأساة السورية بمختلف مستوياتها، بل امتدت إلى خارج سوريا إلى بلدان عاشت تجارب مشابهة، ولعل أي قارئ يقرأ الرواية سيجد جانباً من مأساته فيها.

قهر المرأة

> ظهر اهتمامك بقضايا المرأة عبر شخصياتك النسوية في رواياتك السابقة، وفي روايتك الأخيرة «ليالي الخذلان» خصصتِها بمساحة أكبر، كشفتِ عن القهر الذي يطال المرأة، ونضالها ضد العنف العاطفي والنفسي والجسدي، كيف عالجت هذه الرواية تجربة القهر والاغتصاب والمقاومة عند المرأة؟

- عملت نقدياً في كتابي «سيرة العنقاء... من مركزية الذكورة إلى ما بعد مركزية الأنوثة» على تفكيك المركزية الاجتماعية المتمثلة في هيمنة الذكورة، والثقافة الذكورية التي أقصت المرأة وهمّشتها، وحلّلت معظم قضايا النسوية التي أعاد تمثيلها السرد النسوي، ووجدت أن هناك بعض القضايا التي أغفلها ذلك السرد، أو قاربها على نحو سطحي، لذا أردت الوقوف عند بعض تلك القضايا ضمن مشروع روائي، بدأته بروايتي الأولى «خواطر امرأة لا تعرف العشق»، ثم توقفت عنه؛ لانشغالي برواياتي عن سوريا وحال بلادي الذي فرض نفسه بقوة، وبعد تفرّغي من رواياتي عن سوريا، عدت إلى مشروعي برواية «ليالي الخذلان» التي انطلقت فيها من تأثير الثقافة الذكورية على المرأة والرجل، وكيف أسهمت تلك الثقافة في خلق إناث حالمات وذكور نرجسيين، وحينما يلتقي النرجسي بالحالمة، فلا بد من أن تتعرض المرأة لمختلف أنواع القهر؛ لأن النرجسي المتمركز حول ذاته عاجز عن الشعور بمتطلبات شريكه أو التعاطف معه، ما يؤدي إلى الخذلان الذي لم تنج منه امرأة أياً كان شأنها، وتقصّدت في روايتي أن يكون أبطالها من المثقفين.


مقالات ذات صلة

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

ثقافة وفنون إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها،

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته.

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود.

«الشرق الأوسط» (برلين)

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.