ماذا فقد قلب القاهرة بعد رحيل الوزارات؟

سكان المنطقة يشكون «الفوضى»

ميدان التحرير بعد تطويره (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ميدان التحرير بعد تطويره (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

ماذا فقد قلب القاهرة بعد رحيل الوزارات؟

ميدان التحرير بعد تطويره (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ميدان التحرير بعد تطويره (تصوير: عبد الفتاح فرج)

بينما كانت تشهد منطقة وسط القاهرة انضباطاً واهتماماً لافتاً خلال احتضانها كثيراً من الوزارات والمقار الحكومية المهمة، فإن حالها تغيرت بعد نقل الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة منذ نحو عامين، فما هذه التغيرات؟

يقسّم سكان المنطقة هذه التغيرات إلى إيجابية وأخرى سلبية، ويرون أن تقليل حدة الزحام، من الأمور الإيجابية التي انعكست على المنطقة، فقد كان يتردد على قلب القاهرة يومياً عدة آلاف يقصدون وزارات الصحة والسكان، والتعليم العالي، والتربية والتعليم، والإسكان، والداخلية، والعدل، بالإضافة إلى مجمع التحرير الشهير الذي كان يوصف بأنه «رمز البيروقراطية».

لكنهم في الوقت نفسه، يرون أن غياب الوزارات تسبب في تجرؤ كثيرين من الأشخاص خصوصاً الباعة وسائقي التوك توك على المنطقة، بعدما اعتقدوا أنها «فقدت هيبتها» برحيل الوزارات التي كانت تحظى بحماية شرطية على مدار الساعة وانضباط لافت.

ورصدت «الشرق الأوسط» حالة من عدم الانضباط المروري في شوارع وسط القاهرة، وعدم التزام سائقي التوك توك بالمسارات التي حددتها محافظة القاهرة. وبات الجانب الجنوبي من قلب القاهرة التاريخية، الذي كان يضم العدد الأكبر من الوزارات ومقر مجلس الوزراء ومجلس النواب، مثل غيره من الأحياء خصوصاً في المساء.

تغيرات متنوعة

ووفق سكان المنطقة، فإن أصحاب المقاهي باتوا يستبيحون الشوارع المحيطة بمبنى وزارة الداخلية الشهير الذي كان يجسد «قوة الردع والانضباط» الداخلي، حيث ينتظرون حلول الليل لرص مقاعدهم بجوار سور الوزارة بتقاطع شارع الشيخ ريحان مع شارع نوبار، وهو السور الذي لم يكن متاحاً الجلوس بجواره من قبل لدواعٍ أمنية.

ويرى الكاتب محمود التميمي، مؤسس مبادرة «القاهرة عنواني» التي تبحث في أصل الأماكن والبنايات، وتتتبع أصولها وتقلباتها، أن ما تمر به المنطقة من تغيرات يعد «أمراً طبيعياً»، حيث تتغير حالة الأماكن عندما يغادرها سكانها الأصليون، وهذا ما يمكن ملاحظته ونحن نتتبع تاريخ وسط القاهرة على مدى المائتي عام الأخيرة، وتحولاتها من منطقة يسكنها الأمراء والأميرات، إلى مقرات حكومية، ثم انتقال هذه الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة قبل عامين.

ويشير التميمي إلى أن «حالة التردي التي تشهدها منطقة وسط القاهرة بدأت منذ سنوات طويلة، وكانت موضوعاً لمؤتمرات كشفت عن أصل الداء، وهو الزحف الريفي لها، وتؤكد دراسات أن من سكنوا القاهرة من المدن الصغيرة والأرياف جاءوا بعاداتهم، وهو ما أثر على شكل الشوارع والمباني، وأضفى عليها هذا الشكل من الإهمال». على حد تعبيره.

قلب القاهرة شهد تغيرات بعد نقل الوزارات إلى العاصمة الجديدة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«وسط القاهرة الذي كان من أهم المناطق المضيئة ليلاً على مستوى الجمهورية، بات يعاني من الظلام، بسبب ضعف شبكة الإنارة»، وفق هاني متولي صاحب محل أحذية، الذي أكد أن مركبات التوك توك تسيء للمظهر الحضاري للمنطقة.

وتتخذ هذه المركبات من الشارع المجاور لضريح سعد زغلول ومحطة مترو الأنفاق موقعاً لانطلاقها إلى أنحاء المنطقة التي تضم كثيراً من الوزارات السابقة.

إهمال لافت

وبحسب وصف الأديب والباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور عمار علي حسن، وأحد سكان المنطقة، فإن «إهمال وسط القاهرة لا ينكره عاقل»، مضيفاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «القاهرة الخديوية كانت شوارعها تُغسل بالماء والصابون صباح كل يوم حتى أربعينات القرن العشرين، لدرجة أن الصحف الفرنسية كتبت وقتها (نريد أن تكون باريس نظيفة مثل القاهرة)».

ولا يعرف حسن إن كان إهمال منطقة وسط القاهرة المعروفة «بوسط البلد» جزءاً من إهمال بعض المسؤولين أم لعدم الانتباه لأهمية هذه المنطقة وتنسيقها الحضاري المتفرد، خصوصاً بعد زحف «التوك توك» إلى أغلب شوارعها.

وبعيداً عن الأسباب المحتملة للحالة التي وصلت إليها منطقة «وسط البلد»، فإن النتيجة النهائية الواضحة هي إصابة قلب القاهرة بعوارض مرض شديد يصيب المدن القديمة، وهو الإهمال، وفق الكاتب المصري.

«توك توك» يسير بقلب القاهرة التاريخية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

هذا «الإهمال» تشعر به أيضاً وسام محمد، ربة منزل أربعينية من سكان المنطقة، وتقول: «حالة الشوارع تبدلت، فقد كنت أشعر بالأمان فيها من قبل بكل الأوقات، حيث كانت تُضاء خلال ساعات الليل بأعمدة الإنارة، لكن الآن فقد اختفت المصابيح، وصارت إضاءة الطرقات بعد حلول الظلام معتمدة على المحلات التجارية والبقالة والمقاهي، وهي بالطبع تعمل وفق مواعيد، وحين تغلق أبوابها وتطفئ مصابيحها يعود الظلام ليكسو الشوارع حتى الصباح». وهذه الأوضاع الجديدة جعلت وسام محمد تخشى النزول لشراء شيء في ساعات الليل المتأخرة.

وتستهدف الحكومة المصرية تعظيم الاستفادة من منطقة «مربع الوزارات»، وسط القاهرة، واستغلال الأصول والمقارّ الحكومية التاريخية في المجال السياحي.

استغلال الوزارات

ومع انتقال مقارّ الوزارات والجهات الحكومية من وسط القاهرة، إلى «العاصمة الإدارية الجديدة» (شرق القاهرة)، أعلنت الحكومة المصرية إعادة استغلال مباني الوزارات، خصوصاً التاريخية، بالتعاون مع القطاع الخاص، حيث أعلن «صندوق مصر السيادي» تحويل مبنى «مجمع التحرير» إلى مبنى فندقي، مع الحفاظ على الطابع التاريخي له.

وخضع كثير من شوارع وميادين القاهرة التاريخية إلى أعمال تطوير منذ عدة سنوات، لكن مواطنين انتقدوا غياب الرقابة والمتابعة والصيانة على غرار شارع الشريفين الذي أنفق على تطويره ملايين الجنيهات لكنه يعاني من غياب المتابعة، وانطفاء الأنوار، وتكسير الأرضية، وانتشار الباعة.

ورغم ذلك يتزين ميدان التحرير الذي تتوسطه مسلة فرعونية و4 كباش فريدة بإضاءة مبانيه بشكل متناسق وحضاري وسط حماية شركة متخصصة.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.