هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

ملفات ثقافية في العدد الثالث من مجلة «الإيسيسكو»

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟
TT

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

هل كتب توفيق الحكيم ويوسف السباعي أدب «الفنتازيا»؟

يتناول العدد الثالث (يوليو / تموز) من مجلة «الإيسيسكو»، موضوعاً مهماً هو علاقة الأدب العربي بأدب «الميتافيرس» و«الفنتازيا»، التي أثير الجدل بشأنها في الفترة الأخيرة، ويجزم المقال بأن أدباء عرباً كباراً، أمثال توفيق الحكيم ويوسف السباعي، كتبوا مبكراً في هذا النوع من الأدب، وتركوا أعمالاً أدبية ومسرحياتٍ تغوص في «الميتافيرس»، حيث يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيَّلاً تماماً، كما يشير المقال.

ويحتفي العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو»، بافتتاح مكتب الإيسيسكو الإقليمي في مدينة باكو بأذربيجان، «ليشكل منارة معرفية وثقافية وعلمية وتربوية؛ يشع ضياؤها على كل منطقة آسيا الوسطى، وليشكّل حلقةَ وصل للثقافات واللغات والرؤى المشتركة التي تجمع بين دول العالم الإسلامي».

ويضم العدد الجديد حزمة واسعة من المقالات والتحقيقات الثقافية، كما يحتوي على عدد من المواد المتنوعة ذات القيمة العلمية والثقافية العالية، بينها (ملف العدد) حول السيرة الذاتية والأنواع المجاورة، ويضم مقالاً للدكتور محمد الداهي، الأستاذ بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس في الرباط بعنوان (وضع اليوميات في المُدوّنات العربيّة)، ومقالاً للدكتورة نجوى عمامي، الباحثة بمخبر السّرديّات والدّراسات البينيّة في كلية الآداب والفنون والإنسانيّات، كلية منوبة تونس بعنوان (اليوميّات الخاصّة واللّحظات المُخلّدة)، ومقال الأستاذ كمال عبد الرحمن، الباحث والكاتب العراقي بعنوان (قراءة جديدة في السيرة الذاتية)، ومقال الدكتورة جليلة الطريطر، أستاذة التعليم العالي بجامعة تونس والمترجِمة بمعهد تونس للترجمة مديرة مجلة الكراسات التونسية، بعنوان (المدرسة النِّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة الحديثة)، في حين استعرضت الكاتبة مديحة مدير، من المملكة العربية السعودية، كتاب (أمواج)؛ وهو كتاب السيرة الذاتية للدكتور الأديب عبد اللّٰه إبراهيم، صاحب موسوعة السرد العربي كنموذج لأدب السيرة.

وضمّ العدد حوارين؛ الأول مع الشاعر والفيلسوف الدكتور حسن طلب، مثّل توثيقاً لحقبة شعرية مهمة وشهادة حية على عدد من الأحداث والمرويات والمواقف التي شكلت جيلاً شعرياً كاملاً، والحوار الثاني مع المترجم والأكاديمي السعودي الدكتور سعد البازعي حول قضايا الثقافة والترجمة والشعر.

العرب وأدب «الميتافيرس»

وضِمن مقالات العدد مقالٌ بعنوان «الميتافيرس وتجليات الأدب» للدكتور محمود الضبع، أستاذ النقد الأدبي وعميد كلية الآداب بجامعة قناة السويس (مصر). يقول، في هذا المقال: «كان الأدب مصدراً مهمّاً من مصادر الإنتاج التكنولوجي من قبل أن يتبلور مفهوم التكنولوجيا نفسه، فقد استطاعت الأفكار الخيالية في الأدب، منذ قديم الزمان، أن تتحول إلى واقع فعلي بمرور الزمن، بدءاً من حُلم الإنسان بالطيران والانتقال اللحظي من مكان إلى مكان، ومروراً بالأدوات الافتراضية التي لم يكن لها وجود سوى في الآداب والفنون، وليس انتهاءً بتصور عوالم كاملة لا تنتمي إلى أرضنا التي نعرفها، وعالمنا الذي نعيش فيه، وإن كانت تُحاكيه، ولكن عبر خلق عالم افتراضي لا وجود له، وكان الاعتماد دائماً على إحداث انتقال زمني بعيد، سواء إلى المستقبل، أم إلى الماضي السحيق».

وفي حين يؤكد المقال أنه يمكن الوقوف في الآداب والفنون العالمية على كثير من الأعمال، التي اعتمدت جميعها على الانطلاق بالخيال نحو عوالم موازية، أو عوالم تخييلية افتراضية تكون للبشر فيها هيئات جديدة، وأدوار جديدة، وإمكانات حركة وانتقال أكثر سرعة وخفة مما هو متحقق في الواقع الفعلي، فإنه يؤكد كذلك أنه «يمكن الوقوف في الأدب العربي على كثير من الأعمال التي جرى تصنيفها تحت مسمى الفنتازيا، وإن كنا بمنظور اليوم يمكن أن نتناولها بمدخل العالم الافتراضي / عالم الميتافيرس؛ لأنها بالفعل ترسم عالماً افتراضياً متخيلاً تماماً».

ويُورد الكاتب نماذج لهذا النوع من الأدب، مستشهداً بتوفيق الحكيم في قصة «في سنة مليون» التي تُصور عالماً افتراضياً لا يعرف أهله الموت، وكذلك أعماله المسرحية، مثل «تقرير قمري»، و«رحلة إلى الغد»، اللتين يسافر فيهما الأبطال إلى الفضاء.

وكذلك يوسف السباعي في روايته «لست وحدك» التي تحكي عن رحلة إلى الفضاء يقوم بها ستة أشخاص في سفينة فضائية تستهدف استكشاف الكواكب الأخرى.

ورواية «السيد من حقل السبانخ» لصبري موسى، التي يصور فيها عالماً مستقبلياً يعيش فيه البشر في كرة بلورية في الفضاء (لأن الأرض فسدت للحياة تماماً)، ويخضع الجميع لهيمنة العلم وأجهزته وتطبيقاته، ويلتزمون خطوات محددة في كل تفاصيل حياتهم، تتكرر كل يوم بشكل آلي.

وفي نهاية المقال يتساءل الكاتب: «هل سيصنع الميتافيرس عالماً أفضل من عالمنا؟ الذي تزايدت مخاطره بين الحروب، والإرهاب، والتصحر، والاختلال المناخي، ونقص الموارد، ونضوب مصادر المياه، والتلوث، والنفايات التكنولوجية، واختلال الأمن، وتفكك الروابط الاجتماعية، وغيرها من معضلات تواجه البشرية... أم أنه سيُخضع الإنسان لهيمنة شركات الإنتاج، ويدفعه نحو المزيد من سيادة ثقافة الاستهلاك، والمزيد من العزلة عن الواقع، والمزيد من المشكلات الجديدة التي لا يمكن التكهن بأبعادها حتى الآن، والتي سيطرحها هذا العالم الخيالي؟».

علاقة الشعر بالفلسفة!

في الحوار مع الشاعر المصري الدكتور حسن طلب، المولود عام 1944 بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج، يؤكد أن «الشعر العربي، الآن، ليس في خير أحواله»؛ لأن «الحالة التي كانت تجمع بين الناقد والنص الشعري الجميل قد تفككت».

ويقول: «أصبح النقد في اتجاه، وما يجري في الواقع في اتجاه آخر. لقد فقَدَ النقد وظيفته، وأصبح القارئ العادي غير قادر على أن يميز الغث من السمين. فالذي كان يستطيع أن يرشد القارئ هو الناقد الجاد».

على مدى أكثر من خمسين عاماً، ظل الشاعر المصري الدكتور حسن طلب يضيء ديوان الشعر العربي بحفرياته في عوالم اللغة والفلسفة والرموز، في فضاء التجريب والحداثة. وتنوع نتاجه الإبداعي بين الشعر والدراسات الفلسفية، وعدد من الإصدارات الأخرى في قضايا الإبداع والمبدعين.

وردّاً على سؤال بشأن علاقة الشعر بالفلسفة، وما الذي يستفيده الشعر من الفلسفة، قال الدكتور طلب: «الفلسفة هي علم الوعي الذي لا يَقنع بالنظر إلى سطح الأشياء، فهو يغوص لكي يعرف حقيقتها، ويبحث عن أعمق ما فيها وأنضر، والشعر أيضاً يفعل ذلك ويستفيد من طابع العمق. ولذلك نجد فيلسوفا مثل (كولن) يُصدّر كتابه بجملة يقول فيها: أقرب العلوم إلى الحالة الشعرية هي أن تقرأ الفلسفة؛ لما فيها من عمق، أما العلوم الأخرى مثل الاجتماع وغيره فهي تعتمد على الإحصاء والاستبيان. لذلك فإن الفلسفة هي أقرب العلوم الإنسانية إلى الشعر. والشعر الخالي من الفلسفة يمكن أن تنساه بسرعة، أما الشعر الذي يأخذنا للأعماق فيفعل ما تفعله فينا الفلسفة، بلغته، بصوره، وبلاغته».

ويضيف: «طه حسين هو أول من نبّهنا إلى أبي العلاء المعري، وهو مَن أشرف على طباعة (سقط الزند) و(اللزوميات) وقدَّمهما لنا، كان يسميه أول وأكبر شاعر فيلسوف في تراثنا. وحين جاء عبد الرحمن عزّام، وترجم محمد إقبال الشاعر الباكستاني، وقدّم الكتاب لطه حسين ليكتب المقدمة، قال له طه حسين: هذا ثاني الشعراء المتفلسفين بعد المعري».

ثم يقول: «كان أوّل ما فعله المعري أنه لم يزُر أحداً على الإطلاق من الأمراء والخلفاء، إنما جلس يفكّر فيما حوله من أحوال البلاد وفي أحواله هو نفسه».

سعد البازعي وترجمة الشعر

في الحوار الثاني من هذا العدد، تحدَّث الناقد السعودي الدكتور سعد البازعي عن المشهد الثقافي والأدبي السعودي، وقراءته للتحولات فيه، قائلاً إنها «تحولات إيجابية في مجملها، غنية بتنوع العطاء وتجدد صوره، لكن المشهد ككل مليء بالغثّ والسمين، ومثل معظم المشاهد أيضاً يطغى الغثّ».

وأضاف: «أحدثت وزارة الثقافة أثراً عميقاً في ذلك المشهد باستحداث هيئات تُعنى بجوانب من الحياة الثقافية كانت مهمَّشة (المسرح والموسيقى مثلاً)، واستطاعت مبادرات كالشريك الأدبي أن تكون علامة فارقة في تاريخ الحياة الأدبية والفكرية، لكن أبعاد ذلك التأثير لن تتضح إلا بعد زمن. وتبقى الترجمة إنجازاً كبيراً لتلك التحولات فأعمال كثيرة تنجز على هذا المستوى من العربية وإليها».

وردّاً على سؤال: ما الذي نتركه وراءنا عندما ننقل نصاً شعرياً إلى لغة أخرى، قال البازعي: «لا شك الشعر بالنسبة لي كان ولا يزال وأظنه سيستمر شغفاً فوق أن يكون تخصصاً أكاديمياً. إننا نترك كثيراً من الشعر حين نترجمه، لكن لِم لا نسأل عما نضيف إلى الشعر أيضاً حين نترجمه، قليلون هم الذين يتساءلون عما تكسب القصيدة حين تترجم، ومن المؤكد أنها تكسب شيئاً جديداً بدخولها في أفق لغة أخرى؛ شريطة أن يكون المترجم متمكناً من اللغتين».

وأضاف: «لقد أضاف مترجمو رباعيات الخيام إلى ما يُنسب للخيام من الرباعيات، مثلما أضاف مترجمو هوميروس والمتنبي ودرويش إلى ما ترجموا لهم. نعم قد يكون الفاقد أكبر، وهو الأقرب، لكن لكي يكون السؤال منصفاً، يجب أن ننصف الترجمة والمترجمين فمن دونهم لم نكن لنعرف شعر العالم. نحتاج فقط لأن نتذكر أن ما نقرؤه في لغتنا ليس نسخة من النص المترجم مطابقة للأصل، مهما بلغت قدرات المترجم، وإنما هو نص مقارب له».

ويكمل البازعي: «ما ننقله من القصيدة هو بعضها أو الكثير منها مضافاً إليه ما تحمله اللغة الجديدة من إيحاءات يستحيل تكرارها؛ لاختلاف اللغات والثقافات والتجارب الإنسانية. أقصد أن القصيدة حين تترجَم فإنها تصير قصيدة جديدة؛ ليس بالكامل طبعاً وإنما بنسبة عالية».

المدرسة النّسويّة

وضِمن (ملف العدد) مقالٌ عن «المدرسة النّسويّة العالمة في عصر النّهضة العربيّة» للدكتورة جليلة الطريطر، الأستاذة بجامعة تونس. وفيه تقول: «انطلقت المعركة النّضاليّة النّسائيّة / النسويّة العربيّة على يد الأديبة المصريّة عائشة تيمور»، وتستعيد الشخصيات النسوية اللاتي تركن أثراً في الحياة الثقافية والسياسية، وتقول: «لقد أعادت قدريّة حسين في مؤلفها (شهيرات النساء في العالم الإسلاميّ) كتابة تاريخ شجرة الدرّ، مُبرزة من هذا المنظور النقدي أهليّتها السياسيّة وحكمتها في إدارة مقاليد حكمها».

وهي ترى أن «سؤال النّهضة كان منذ بدايات القرن التّاسع عشر سؤالاً تنويرياً شمل كلّ مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثّقافيّة، هذا السؤال كان نقدياً بامتياز؛ لأنّه قارن بين زمن مشرقيّ كان متكلّساً ومشدوداً إلى قِيم ماضويّة مهترئة، وزمن أوروبيّ حداثيّ كان يطرح تحدّيات قيميّة ومعرفيّة وتكنولوجيّة غير مسبوقة، إن لم نقُل جارفة! ولأنّ المرأة كانت في المنظومة الاجتماعيّة القروسطيّة العربيّة كائناً غير متمتّع بالتعليم يعيش بالتبعيّة، فهي لم تكن مؤهّلة لاكتساب التميز المعرفي، ومستبعَدة من المرئيّة الاجتماعيّة. لذلك ليس من المنتظر منها أن تكون فاعلة ثقافيّة في مثل ذلك المنعرج الحضاري الحاسم».

وتضيف: «لقد كان الرجل هو المعنيّ الأوّل (طبيعيّاً) واجتماعيّاً بتغيير العالم ورسم مسارات التّحوّل فيه، وكانت المرأة موضوعاً في هذه المسارات. ولم تكن هذه الوضعيّة عرضيّة أو حادثة، بل هي في واقع الأمر وضعيّة نوعيّة مشتركة إنسانيّاً؛ لأنّ المجتمعات الأبويّة مجتمعات مبنيّة جندريّاً، فالأدوار الاجتماعيّة المسندَة للرجل غير المسندَة للمرأة، فضلاً عن كونها تعكس تراتبيّة تفاضليّة ذكوريّة مؤسِّسة لبنية الهيمنة الذكوريّة - طبيعيّاً واجتماعيّاً- ومشرِّعة لها في آن».

السيرة الذاتية

وضِمن (ملف العدد) عن «السيرة الذاتية»، يقدم العدد مقالاً بعنوان «قراءة جديدة في السيرة الذاتية» لكمال عبد الرحمن (ناقد عراقي)، ومقالاً آخر بعنوان «أمواج عبد اللّه إبراهيم نموذج مائز لأدب السيرة الذاتية - قراءة انطباعيّة» لمديحة مدير. وفي هذا المقال نقرأ: «جاءت كتابة السيرة الذاتية عند عبد اللّٰه إبراهيم بصفتها أداة في صون الحياة (...) أرادها أن تكون (مدونة اعتراف، وليس تبريراً) يخرج بها من إطار السيرة المتعارف عليه، ويخترق أسوار ذاته راكباً موجةً تلو أخرى ليعترف بأنه مثلنا - نحن الذين نختبئ خلف أقنعة مهترئة كيلا نقول الحقيقة - شخصيتان متضادتان (أنا الفرد المتخفّي في أفكاري ورغباتي التي ما انفكّت عطشى دون ارتواء، وأنا الجماعي الذي منح كل شيء في حياته لأسرته، وفيما بعد لطلابه، وقرائه)».

الاستشراق

وتضمّن العدد مقالاً بعنوان «أثر الاستشراق في حفظ ونقل الثقافة والتراث العربي»، متناولاً، على نحو خاص، «جهود المستشرقين في المخطوطات والترجمة وكراسي اللغة» للكاتب الإماراتي فهد علي المعمري، وهو باحث في التراث والأدب العربي.

وفي هذا المقال يقول المعمري: «لقد لعب الاستشراق والمستشرقون دوراً في خريطة الثقافة والتراث والأدب العربي بشكل بارز، من خلال جمع واقتناء المخطوطات العربية بشتّى الوسائل المتاحة، ومن ثم تحقيق هذه المخطوطات، ثم التأليف في تاريخ وأدب العرب، من خلال إنشاء كراسي اللغة العربية في معظم الجامعات الأوروبية، ويشمل ذلك جميع اللغات السامية من خلال اللغات الهندية والفارسية والتركية والعربية، لكننا سنقف عند حدود الأدب العربي ولغته عند جماعة الاستشراق والمستشرقين».

يعرّف الكاتب مصطلح الاستشراق بأنه مصطلح يطلَق على دراسة الغرب للشرق، وبالأخص العالمان العربي والإسلامي، ويشمل كل ما كتبه الباحثون الأوربيون، ثم لاحقاً ما كتبه الأميركيون، عبر جوانب متعددة شملت اللغة والدين والتاريخ والطب والفلسفة والجغرافيا.

ويقول إن عصر الاستشراق بدأ في زمن العصور الوسطى، إلّا أنه بلغ ذروته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، خصوصاً مع توسع الاستعمار الأوربي في البلدان العربية والإسلامية.

أما المستشرقون «فهُم العلماء الغربيون من أوروبا وأميركا الذين اهتموا بدراسة الحضارات الشرقية، وخصوصاً الحضارة العربية والإسلامية، وتعلّموا لغاتها، وحققوا مخطوطاتها، وكتبوا عن تاريخها وثقافاتها، وكان البعض موضوعياً مُنصفاً، والأكثر كان مدلِّساً متحاملاً يغيّر الحقائق، ويزيّف الواقع ليصل إلى مآربه وغاياته».

ويقول: «تعددت دوافع المستشرقين عبر حركة الاستشراق المنظمة، (..) فقد عكفوا على البحث عن كنور العرب والمسلمين عبر ملايين المخطوطات التي أنجزها العرب لتشهد على عراقة الحضارة وسمو العلوم والمعارف التي دوّى صداها في مشارق الأرض ومغاربها».

وعن دور المستشرقين في جمع المخطوطات العربية واقتنائها، قال الكاتب: «قام المستشرقون، منذ القرن الثامن عشر الميلادي، بجمع آلاف المخطوطات العربية من المشرق والمغرب، ثم اقتناء المخطوطات أينما وجدوها في الأسواق وعند العامة والخاصة ومن المكتبات، وأينما وصلت أيديهم لها. ونُقلت، في تهجير منظّم إلى مكتبات أوروبا، مثل مكتبتيْ كمبردج وأكسفورد ببريطانيا، ومكتبة برلين بألمانيا، ومكتبة الفاتيكان بإيطاليا، ومكتبة ليدن بهولندا، والمكتبة الوطنية بباريس، وغيرها من مكتبات أوروبا، ويُعد المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي في طليعة مَن شجعوا جمع المخطوطات ونشرها، كما كان في طليعة المستشرقين كذلك الذين دعوا إلى إنشاء كرسي اللغة العربية في الجامعات الأوروبية».


مقالات ذات صلة

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

ثقافة وفنون إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها،

د. جاسم حسين الخالدي
ثقافة وفنون دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون في استحالة «حي بن يقظان»

في استحالة «حي بن يقظان»

قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الفلسفية العربية جرأةً في اختبار حدود العقل الإنساني وإمكاناته.

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون كتاب في اللسانيات بالكردية

كتاب في اللسانيات بالكردية

صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كتاب بعنوان «علم اللغة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية من تأليف الباحث في اللسانيات الدكتور برزو محمود.

«الشرق الأوسط» (برلين)

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية
TT

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

إيما ألونسو... بحث في الأنوثة كقوة إبداعية

كانت الألمانية إيفا هيسه (1936 ــ 1970) رائدة في استعمال فن النسيج تعبيراً عن التحول إلى الفنون المعاصرة على الرغم من أنها عُرفت نحاتة. حدث ذلك في ستينات القرن الماضي. لم تفكر هيسه في القماش إلا باعتباره مادة خاماً يمكن استعمالها في خلق مساحات وكتل تعبيرية. أما الإسبانية إيما ألونسو (1962) فهي لا تجد ما يمنعها من أن تضع فنها الصافي في خدمة النسيج بصيغته الاستهلاكية كأن تقيم حواراً بين لوحاتها وآخر ما ابتكرته مخيلة الخياطين من أشكال لفساتين النساء المترفة. ذلك ما يكشف عنه معرضها «بين الأقمشة» الذي يربط بين الفن والتصميم من خلال حوار بين الرسم والأزياء. يجمع هذا المشروع لوحات الفنانة إيما ألونسو وإبداعات علامة «إيكلا غاون» ضمن سياق معاصر في صالة لوتو ببرشلونة. لمَن يرى بشكل مباشر تبدو لوحات ألونسو كما لو أنها خلفيات للدمى التي ترتدي الأزياء الفاخرة لولا أن الرسامة كانت حريصة على صياغة عالم بصري مشاكس، لا يتعارض صفاؤه مع ما ينطوي عليه من أسئلة تتعلق بالرسم. لمَن يملك ذائقة بصرية فإن تلك الرسوم لا يمكن التعامل معها إلا من جهة خصوصيتها، بوصفها أعمالاً مستقلة ومتحررة من الوظيفة التي عُرضت من أجلها. لذلك فإن التأمل العميق في ذلك المعرض لا بد أن يقودنا إلى حقيقة مقاصده. إنه يقدم بحثاً في الأنوثة، باعتبارها قوة إبداعية مُغيّرة. «من منظور أوروبي منفتح على الحوار مع الثقافة الصينية، لا تُقدّم الأنوثة كقوة مُعارضة، بل كطاقة مُرتبطة بالإدراك والحساسية والجسد والعاطفة والمادة. تقوم هذه الرؤية على العلاقة والتوازن والتغيير» ذلك ما ينص عليه بيان القاعة.

في جدل الفنون المختلفة

من غير إطار خارجي تعلق إيما ألونسو لوحاتها في الهواء، كل لوحة هي قطعة قماش تهبط من السقف. طريقة عرض ليست مبتكرة ولكنها تنسجم مع فكرة، أن يؤدي العمل الفني وظيفة في سياق بصري استهلاكي، ليس الغرض منه التركيز على العمل الفني باعتباره منتجاً مقصوداً لذاته. فعلى الرغم من أن رسوم ألونسو مكتفية بذاتها، غموضها يُلزم المتلقي بالوقوف أمامها متأملاً بمتعة فإنها في هذا المعرض تحضر لكي تخلق فضاء لعرض أزياء مبتكر. هل هذا يعني أن ألونسو ارتضت لأعمالها أن تكون مجرد خلفيات لعرض تجاري لا يسلط الضوء على القيمة الجمالية التي تنطوي عليها تلك الأعمال؟

بخبرة فنية تقليدية يمكن أن نسيء الفهم لنصل إلى نتيجة من ذلك القبيل ولكن السيرة الشخصية للفنانة تشير إلى أنها كانت دائماً تميل إلى أن تضع أعمالها في اختبار، أساسه الجدل الذي ينشأ من تجاور تلك الأعمال مع أعمال فنية تأتي من مزاج فني مختلف بتقنياته وأفكاره. ذلك جدل يستند أصلاً إلى التجاور والاختراق والتداخل، بحيث تتلاشى الحدود بين الفنون التي تنتمي إلى عوالم تتباهى بخصوصياتها. قبل سنوات أقامت ألونسو معرضاً مشتركاً مع لورا بارينغو (1955) بعنوان «من الأبيض» ذلك المعرض كان الهدف منه استكشاف حدود النحت والرسم من خلال البحث عن عناصر العلاقة بين مادة الجص وكثافة اللون.

صُمّم معرض «من الأبيض» على هيئة حوار بصري، تتفاعل فيه الفنانتان مع الأشكال والأحجام والألوان لخلق لغة مشتركة بهدف تجاوز الحدود التقليدية للفن وخلق مساحة تلاقٍ بين الضوء والظلال والملامس. من خلال ذلك التفاعل كان الجمهور أمام سرد فني مشترك.

تأمل الموضة باعتبارها فناً

الآن تكرر إيما ألونسو التجربة لكن بمقاربة من نوع مختلف. ذلك لأنها تخرج من إطار الفن التشكيلي المباشر إلى الموضة من خلال المادة نفسها التي تصنع منها ألونسو لوحاتها وهي القماش. هل يشكل النسيج أساساً لهذا المعرض؟ في ذلك ما يُلهم بالنسبة للفنانة التي سبق لها أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم». الفكرة التي يقوم عليها الحوار بين رسوم ألونسو ونماذج الموضة المعروضة إلى جوارها مغرية ولكن ذلك لم يضر بجماليات التجربة الفنية للفنانة بل نفعها من خلال إضفاء نوع من الحركية القلقة عليها.

تتطور لوحات إيما ألونسو عبر طبقات متتالية من الألوان الشفافة مما يُضفي عمقاً بصرياً وأجواءً رقيقة عليها، حيث يلعب اللون دوراً محورياً. أعمالها تجريدية وتبدأ بلمسة شخصية مُحددة. تُبنى كل لوحة حول موضوع يُشكل أساساً مفاهيمياً. لهذا المعرض تم تحديد سبعة موضوعات عالمية مُرتبطة بالطبيعة والمادة والتجربة الإنسانية. وإذا ما كانت الفنانة قد أقامت معارض شخصية ومشتركة في كاتالونيا ومايوركا وهولندا وألمانيا والصين وكوريا كما أنها حصلت على إقامات فنية في فرنسا والمغرب والصين، فإن ذلك جعلها أكثر ثقة بالفن باعتباره لغة عابرة للحدود، ذلك لأنه «ربطني بعوالم أخرى، بأناس آخرين، بآفاق جديدة» كما تقول.

مقاومة التجريد المجاني

عملياً يمكن القول إن التجريد لم يكن في منجىً من أن يصبح مظلة لكثير من ذوي النزعة الفنية الانتهازية، فليس من المؤكد على الإطلاق أن العين الخبيرة ستتمكن من كشف التجاوزات الانتهازية. لقد تسلل ذوو المواهب الناقصة إلى الفن من خلال التجريد. في النهاية وبكل يسر كان من الصعب التغلب على المغالطة التي تحتمي بها الصور الرديئة. في التجريد الكثير من النفاق. بهذه الطريقة يفرض التجريد التصويري بعض الشروط الملتوية لضمان منفعة الجمهور. ذلك ما يشكل خطراً.

ذلك الواقع الزائف هو ما تقاومه إيما ألونسو بفنها الذي يستمد قوته من فهم عميق لحاجة الرسام إلى بناء لوحته مكتفياً بعناصرها الداخلية من غير اللجوء إلى الاستعانة بالعالم المادي لتمثيله على هيئة موضوعات مبسطة بهدف التودد إلى المتلقي. فن ألونسو تجريدي خالص. يكمن تأثير لغته الجديدة في ذلك المستوى الرفيع من الأداء التقني الشفاف الذي يكشف عن طبقات لونية متراكمة. هناك تناقض صريح يكشف عنه المعرض من خلال ذلك الجدل بين لغتين. لغة ألونسو التي تقع في مجال حيوي يصر على قواعده الثابتة في البحث عن الجمال ولغة الموضة التي تغير إيقاعاتها حسب مزاج السوق.

في سياق ذلك الجدل يمكن اعتبار تجربة ألونسو في هذا المعرض مجازفة كبيرة عنوانها التحدي والمغايرة. تدرك ألونسو جيداً أن ما تقوم به في هذا المعرض قد يعرض سمعتها الفنية لسوء الفهم، فهل تشي أعمالها باستعدادها لمواجهة ذلك السيناريو؟

الفن في حفلة مجاورة

ليس التجريد منعزلاً عن الحياة وليس غريباً عليها. تلك رسالة تسعى ألونسو إلى تسريبها إلى الحياة اليومية من خلال التماهي مع الموضة التي تمثل مزاج العصر في تقلب ذائقة ناسه بين الألبسة. في اللوحة ترى نفسك من الداخل أما من خلال الثياب فإنك تخفيها. تراها في مرآة. تلك معادلة تنطوي على حقيقة التعايش بين منظومتي حياة. حياة تنعم بخفائها مكتفية بمسراتها الغامضة وأخرى تسير وراء صورتها الخارجية التي تعرف كيف تتكيف مع العالم. ومثلما احتل التجريد مكانة مركزية في الفن المعاصر وبالأخص في الولايات المتحدة فإن الموضة نجحت في أن تحوز مجالاً حيوياً في مركز الحياة المباشرة.

«بين الأقمشة» عنوان مباشر لم يزعج ألونسو، ذلك لأنها استدرجته إلى مناطق غموضها. ليس سيئاً أن يقف عمل نحتي هو عبارة عن فستان عرس أمام واحدة من لوحاتها التجريدية. لا لأن ذلك سيساعد على جلب أكبر عدد من المشاهدين - وهو أمر محسوم - فحسب، بل أيضاً لأنها لا تنظر إلى الموضة بمزاج متعالٍ، مغرور. إيما ألونسو تتحرك في إطار ثقافي اجتماعي يضفي على فنها قدراً من الحياة المباشرة من خلال إشراكه في حفلة لا يتوقع الكثير من الفنانين أنهم مدعوون إليها.

سبق للفنانة أن أقامت معرضاً مشتركاً مع أحد علماء الموسيقى بعنوان «العناصر: الموسيقى والرسم»


«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين
TT

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

«خيانات صاخبة»... شهادة على مأساة جيل كامل من المثقفين العراقيين

تشغل الرواية العراقية المعاصرة موقعاً ريادياً ضمن ما يُعرف بـ(أدب الصدمة والاعتراف)؛ إذ لم يعد السرد الروائي يكتفي بنقل الأحداث أو تصويرها، بل أصبح وسيلة للكشف عن الآثار العميقة التي خلفتها الحروب والحصار، والقمع في حياة الإنسان العراقي، ولا سيما المثقف، وما تركته من جروح وتحولات في رؤيته لنفسه والعالم.

وفي رواية «خيانات صاخبة» للكاتب علي حسن الفواز، الصادرة عن مؤسسة «أبجد»، 2023، لا يكتفي السرد بتوثيق الأحداث، بل يكشف عما خلّفته التحولات العنيفة من آثار نفسية وروحية في الإنسان العراقي. والكتابة وسيلة لفهم هذا الخراب الداخلي وكشف زيف الخطاب الرسمي.السرد الخائن وتعدد الأصوات

تقوم رواية «خيانات صاخبة» على فكرة أن السرد لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله للكشف عن أبعاده الخفية. لذلك لا تبدو الخيانة في الرواية فعلاً أخلاقياً، بل وسيلة فنية لفهم الواقع وتمثيله. ويعلن السارد هذه الرؤية منذ البداية بقوله: «السرد يخون الواقع حتماً، يناقضه، يشاكه، يصطنع له نصاً خائناً» (ص 7).

كما تنتقل الرواية من السارد العليم في بدايتها إلى تعدد الأصوات في الفصول اللاحقة، حيث تمنح الشخصيات فرصة الحديث عن تجاربها وذكرياتها وآلامها، فتتحول من شخصيات يُحكى عنها إلى شخصيات تروي حكاياتها بنفسها.

وفي الملحق، يقترب السارد من القارئ، معترفاً بأن هذه الشخصيات ليست سوى أقنعة وزع عليها أجزاء من ذاكرته وتجربته، ليستعيد من خلالها ما تركته الحروب والهزائم والاغتراب من آثار عميقة. ولهذا يؤكد أن «السرد الخائن هو اللعبة التي تدفع السارد إلى الحفر في مخزن الذاكرة والمكتبة، بحثاً عن أشباح، أو أقنعة» (ص 15).

ومن هنا يصبح التخييل والحيلة الفنية وسيلتين للتعبير عن واقع معقد ومؤلم، وهو ما يوضِّحه السارد بقوله: «لا تتطلب براءة في الكتابة، بقدر ما تستدعي كثيراً من الحيل النسقية، أو حتى الكذب الذي يسوغ تمثيل تلك اليوميات المريبة» (ص 8).

السيولة والصلابة

تقوم الرواية على تقسيم الفضاء إلى عالمين متقابلين يعكسان الصراع بين الحرية والقمع؛ الأول الفضاء السائل، ويمثله شارع أبي نواس في بغداد؛ وهو مكان يهرب إليه الفارّون من الحرب ليجدوا مساحة أقل خضوعاً للسلطة: «وحين هربوا إلى (الشارع السكران) ليدونوا سردياتهم، وجدوا فيه الفضاء الوحيد الذي لا يخدعهم ولا يطالبهم بطقوس الطاعة، فظلوا يمارسون في لياليه الغرائبية خياناتهم الصاخبة» (ص 24)

في هذا المكان، تتحول مظاهر اللهو كــ(السكر والثرثرة) إلى مقاومة صامتة ضد الحرب والخطاب الرسمي. لكنه لا يبقى آمناً؛ إذ سرعان ما تمتد إليه يد الرقابة الحكومية: «بات الحديث عن الشارع وكأنه حديث عن جبهة أخرى، فالخوف أصاب الكثيرين بهلع غريب، بعد أن قامت الحكومة بإخضاع الشارع إلى رقابتها» (ص 81). ثم يشتد القمع بقرار سياسي يغير ملامح المكان ويحجب الحياة عنه: «غيبت الحكومة، وبقرار رئاسي، ضفة الشارع الطينية لتكون ضفة أمنية ومحروسة، ومغطاة بمتاريس تحجب عنه رائحة الماء» (ص 120).

والثاني: الفضاء الصلب، وتمثله السجون ومصحة الشماعية، وهما رمزان لأجهزة الدولة القمعية التي تراقب الفرد وتعيد تشكيله بالقوة، حيث يُختزل الإنسان الأعزل في تهمة جاهزة: «الفرد هو الخائن، هكذا وجدت نفسي أمام هذا الديناصور، فالجماعة لا تخون، ربما لسهولة توريط هذا الفرد بالخيانة» (ص 31). ولا يقتصر القمع هنا على الجسد، بل يمتد لمحاكمة الفكر والنوايا داخل أقبية التحقيق: «نحن نحاسبك اليوم على النوايا، فأنت تُضمر للوطن كراهية، وأن علمانيتك الفاضحة هي موقف سلبي من الإيمان الوطني» (ص 52). ويتحول هذا الفضاء المغلق إلى أداة لإسكات المختلف عبر صناعة تهمة «الخيانة» وتعميمها لتبرير الإعدام والتصفية: «السلطة تقول كلمة الخيانة بعمومية سطحية وفجة، وتجاهر بها... فكل أوهام وحكايات الحد والقتل والزندقة والإعدام... كانت بسبب الترويج الفاضح والمجاني للعنة الخيانة» (ص 30).

التفكيك النفسي والثقافي للأقنعة

تعيش شخصيات الرواية ضياعاً واغتراباً عميقَين يجعلانها قريبة من أجواء الفلسفة الوجودية، حيث يتحول صمتها إلى عذاب وخوف دائم من القمع: «ويتحول صمتهم إلى جحيم دانتوي بعيداً عن الفرح، وقريباً من اللعنة، واستغراقاً في النفي الداخلي» (ص 23).

وقد توزّع هذا الاغتراب على أربعة أقنعة تمثل حال المثقف:

* سيف المقداد: يحتمي بالتهكم والضحك الأسود لتغطية هشاشته الداخلية؛ فالسخرية عنده ليست ترفاً، بل وسيلة وحيدة للبقاء بعد انهيار الأحلام وتعاظم الخوف.

* غالي التلف: يهرب من قسوة الواقع إلى الحلم والانتظار، ويخلط بين الحقيقة والأسطورة ليخفف عبء الحاضر: «أصرّ (غالي) على دعوته لمشاطرة الجالسين هذا الليل الدسم بالسكرة والباجة، ليعرف أن الزمن الضائع هنا، وليس هناك في باريس، فالجميع هنا ضائعون تماماً» (ص 106).

* سطوع البارد: يعيش أزمة ضعف وانكسار داخلي، ويبحث عن أمان مؤقت في علاقات عابرة (المرأة الباشا) مثلاً، لكنه يكتشف أنها امتداد آخر لتبعية السلطة.

* خالد الخالد (قمع العقل): يمثل التصفية الكاملة للمثقف؛ حيث حوّلت السلطة فكره واختلافه إلى مرض وجنون داخل المصحة النفسية، لتوجه القمع نحو العقل ذاته ومحوه كلياً.

الحرب... والجسد

تنظر الرواية إلى الحرب بوصفها سبب الخراب الأساسي، وترفض الخطاب الذي يقدّسها. فالهروب منها ليس جبناً، بل رفضاً لها. كما تسخر من الواقع السياسي الذي يقوم على الإغراء والطاعة عبر المصالح المادية التي تُستعمل لتدجين الناس.

وفي ظل القمع والخوف، يظهر الجسد بوصفه مساحة للهرب والتعويض، خاصة في فضاء (المرأة الباشا)، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة مؤقتة لمواجهة الرعب والضعف. وتكشف الرواية عن جانب خطير من القمع، حيث تُستعمل المصحات النفسية أداة لإخضاع المعارضين ومحو ذاكرتهم عبر العلاج القسري والصدمات: «وأن إخضاعهم للتعقيم، ولتخريب ذاكرتهم أهداف تأتي من جهات عليا... وبما يجعل ذاكرتهم قابلة للتآكل والمحو» (الرواية: 100 - 101).

وأخيراً، تظهر الرواية كيف يتسرب (وحش) السلطة إلى حيوات الأبطال ليُجبرهم على الانكسار بطرق مختلفة: سيف انكسر قانونياً بتوقيع «تعهدٍ» جعله يراقب نفسه ويخاف ظله، وسطوع انكسر عاطفياً باحتماءٍ زائف في علاقةٍ سلبت استقلاله، وخالد انكسر جسدياً وعقلياً بصدماتٍ ومحوٍ للذاكرة في المصحة، بينما غالي انكسر زمنياً بهروبه من الواقع إلى الخمر والعيش في أوهام الحلم والانتظار.

بذلك، تقدم رواية «خيانات صاخبة» شهادة حيّة على مأساة جيل كامل من المثقفين الذين تآكلت أحلامهم؛ فهي تجسيد حقيقي لكيفية اشتغال الخوف الذي يقتل الإنسان ببطء ويسلبه هويته وكرامته، يرويها كاتبٌ عاصر هذه المرحلة وعاش تفاصيل رعبها بوعيه ونقده.

* ناقد عراقي


دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية
TT

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

دراسة نقدية في شعر ليلى الأخيلية

تقدم الباحثة د. مي خالد بكليزي، في كتابها «ديوان ليلى الأخيلية: دراسة نقدية أسلوبية» قراءة في شعر «واحدة من الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تحول التجربة الإنسانية بكل صراعاتها وآلامها وأحلامها إلى شعر متجذر»، وهي ليلى الأخيلية.

ولا يكتفي الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) «بتتبع سيرة ليلى الأخيلية أو جمع أخبارها، بل يتجه إلى تحليل تجربتها الشعرية من خلال منهج نقدي حديث، هو الأسلوبية التكوينية، في محاولة للكشف عن العلاقة بين اللغة الشعرية وشخصية الشاعرة وبيئتها وتجربتها الإنسانية بعامة» كما كتب الناشر.

يتضمن الكتاب مقدمة ومدخلاً وتمهيداً وأربعة فصول رئيسية، تناول أولها «الإطار اللغوي للأسلوب»، ودور الكلمات والأفعال والتراكيب في تشكيل المعنى الشعري، بينما بحث الفصل الثاني في «الأسلوب الفني» عند الشاعرة، مثل الانزياح والمفارقة والثنائيات الضدية والصورة الشعرية، بما فيها التشبيه والاستعارة والكناية، أما الفصل الثالث فتناول «الإيقاع الشعري التطبيقي» سواء الخارجي أو الداخلي، من البحور والقوافي إلى التكرار والجناس والتوازي، في حين خصص الفصل الرابع «قراءات نصية وفق منظور الأسلوب والأسلوبية» لتحليل تجربتين شعريتين لليلى؛ إحداهما في رثاء توبة، والأخرى في مدح الحجاج.

تكمن أهمية هذا الكتاب في اختيار شخصية شعرية لها أهمية كبيرة؛ فليلى الأخيلية لم تكن شاعرة تقليدية في زمنها، بل كانت امرأة ذات حضور اجتماعي وفكري، عرفت بقوة شخصيتها وفصاحتها، وعاصرت صدر الإسلام والعصر الأموي، وارتبط اسمها بقصة حبها الشهيرة مع الشاعر توبة بن الحمير، وهي القصة التي شكلت جانباً لا يُستهان به من تجربتها الشعرية.

وترى المؤلفة د. مي في كتابها أن شعر «ليلى كان فضاءً تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع قضايا المجتمع والقبيلة والسلطة والمرأة، وقد استطاعت الشاعرة أن تجعل من تجربتها الخاصة مادة شعرية واسعة، تكشف عن شخصية امرأة تواجه ظروف عصرها بصوت واضح وحضور قوي».

وتشير الباحثة إلى أن جرأة ليلى الأخيلية تمثلت في إعلان حبها لتوبة دون خوف أو تردد، وهو أمر لم يكن مألوفاً في السياق الاجتماعي آنذاك؛ إذ كان صوت الرجل العاشق غالباً هو المسيطر في قصص الحب، بينما جاءت ليلى الأخيلية لتمنح التجربة العاطفية صوتاً أنثوياً صريحاً ومباشراً أيضاً.

وتكشف بكليزي أن الشاعرة ليلى الأخيلية حازت على تقدير كبار الأدباء والنقاد قديماً، إذ أشاد بها عدد من الشعراء والعلماء، ورأى بعضهم أنها تجاوزت عدداً من الشعراء الفحول في جودة القول وقوة التعبير، ونبعت هذه المكانة من شعرها ومن حضور شخصيتها، إذ عرفت مجالس الخلفاء والأمراء، وكانت قادرة على الحوار والمواجهة بثقة، كما يظهر في مواقفها مع معاوية وعبد الملك والحجاج.

وفي جانب اللغة، تؤكد المؤلفة أن لغة ليلى الأخيلية امتلكت قدرة عالية على تحويل التجربة الشخصية إلى بناء فني متكامل، فقد وظفت البيئة من حولها في شعرها، واستحضرت المكان والطبيعة والرموز المرتبطة بحياة البادية، كما استخدمت الإيقاع بما يخدم الحالة النفسية للنص، لتثبت عبر كل ذلك حضورها الأدبي والفني وامتلاكها أدوات البلاغة العربية والقدرة على توظيفها في شعرها، إلى جانب أنها لم تترك باباً من أبواب الإبداع إلا وطرقته، سواء في الصورة الشعرية أو الموسيقى أو في بناء المعنى.