أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

من يُعلّم الآلة أن تكون إنسانية؟

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية
TT

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرآة قمة جنيف... وريادة سعودية

في ممرات قصر الأمم بجنيف؛ حيث يلتقي العلم بالدبلوماسية، يتردّد سؤال واحد بين أروقة «قمة الذكاء الاصطناعي لأجل الخير» لعام 2025: هل يمكن أن تتعلم الآلة كيف تكون عادلة، ورحيمة، وإنسانية؟

حدود الأخلاقية والمسؤولية

هنا، لا تَحتدم النقاشات حول قدرات الذكاء الاصطناعي الخارقة، بل حول حدوده الأخلاقية ومسؤوليته تجاه الإنسان. في عصر باتت فيه الخوارزميات تحسم مصير وظائف، وتعطي توصيات طبية، وتُقيّم طلبات لجوء، لم يعد كافياً أن نسأل: «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟»، بل بات الأهم أن نسأل: «ما الذي ينبغي عليه ألا يفعله؟».

ومع ازدياد الاعتماد العالمي على الأنظمة الذكية، تتقدم إلى الواجهة قضايا مثل التحيز الخفي، والشفافية، والمساءلة، والعدالة الرقمية. مَن يُدرّب الخوارزميات؟ وفق أي قيم؟ ومن يضمن ألا تتحول الآلات الذكية إلى أدوات للتمييز بدلاً من المساواة؟

إطار سعودي لحوكمة الذكاء الاصطناعي

في هذا السياق، تتقدّم المملكة العربية السعودية برؤية رائدة، كونها أول دولة في الشرق الأوسط تضع إطاراً وطنياً شاملاً لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يستند إلى مبادئ الأخلاق والعدالة والشفافية. وقد حرصت المملكة -من خلال الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)- على أن يكون الذكاء الاصطناعي جزءاً من مشروع وطني يخدم الإنسان ويحفظ القيم.

ولا تكتفي رؤية المملكة بتبني التقنية، بل تسعى إلى قيادتها بمنظور إنساني يعكس طموحها في أن تكون مركزاً عالمياً متقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول.

قمة جنيف لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وتأتي قمة جنيف -التي تُنظَّم هذا العام تحت رعاية الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي لأجل التنمية- لتضع هذا الملف على رأس أولوياتها. فقد اختارت القمة شعاراً محورياً هو: «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، في دعوة صريحة نحو وضع ميثاق عالمي يضمن استخداماً عادلاً، وآمناً، وشفافاً للتقنيات الذكية، وبما يُعزز العدالة الاجتماعية، ويحمي الحقوق الرقمية للبشر حول العالم.

حين تُخطئ الخوارزمية... مَن يتحمّل العواقب؟

الخوارزميات التي نُطلق عليها صفة «الذكاء» ليست سوى مرايا رقمية تعكس طبيعة البيانات التي دُرّبت عليها. وإذا كانت هذه البيانات مشوّهة أو منحازة، انعكس الانحياز بدوره في قرارات الآلة. هنا لا يعود الخطأ تقنياً فحسب، بل أخلاقياً وهيكلياً.

في تقرير مهم نُشر في عام 2024 في مجلة «Nature Machine Intelligence»، حذّر الخبراء من أن العديد من الأنظمة الذكية -بما في ذلك أدوات التوظيف الرقمية والتقييمات البنكية الآلية- قد تُكرّس أشكالاً غير مرئية من التمييز ضد النساء والأقليات، بسبب ما وصفه بـ«التحيّز البنيوي في البيانات».

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نتقن كتابة الشيفرات، بل ينبغي أن نسأل: مَن يُحاسب حين تتسبب الخوارزمية في ظلم إنسان؟ ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوكمة أخلاقية صارمة، تُلزم المطورين والمؤسسات بالمسؤولية الكاملة عن نتائج أدواتهم، لا الاكتفاء بجودة التصميم أو دقة الأداء.

السعودية أولاً... مرجعية عربية في أخلاقيات الذكاء

في قلب النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، تبرز المملكة العربية السعودية بصفتها صوتاً ريادياً في المنطقة، كونها أول دولة في الشرق الأوسط تضع سياسة وطنية شاملة لحوكمة الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) هذه السياسة في عام 2022، واضعةً الأسس الأخلاقية لاستخدام التقنيات الذكية بما يخدم الإنسان أولاً.

وتنصّ الوثيقة الرسمية المنشورة على موقع «سدايا» على أربعة محاور رئيسية:

* الشفافية والعدالة واحترام حقوق الإنسان.

* مساءلة المطورين والمستخدمين عن نتائج استخدام الذكاء الاصطناعي.

* وضع معايير صارمة لحماية البيانات الشخصية.

* تعزيز الثقة المجتمعية في التقنيات الذكية.

وقد حظيت هذه المبادرة باهتمام دولي متزايد، خصوصاً بعد أن استضافت الرياض القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في نسختيها لعامي 2022 و2023، بحضور وفود من أكثر من 90 دولة، وبشراكات فاعلة مع جهات مرجعية، مثل منظمة اليونيسكو، والمنتدى الاقتصادي العالمي، ومبادرة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول الذكاء الاصطناعي المسؤول.

إنّ ما تقدمه المملكة اليوم ليس مجرد نموذج محلي للحَوْكمة، بل مرجعية عربية طموحة تُعيد تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان من منظور أخلاقي وإنساني متجذّر في الثقافة الإسلامية وقيم العدالة العالمية.

تسليط الضوء على الأخلاقيات

في كلمته الافتتاحية لقمة جنيف 2025، دعا الأمين العام للاتحاد الدولي للاتصالات، دورين بوغدان-مارتن، إلى «وضع إطار قانوني عالمي لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يحترم الكرامة الإنسانية»، محذّراً من «فجوة أخلاقية» تسبق الفجوة الرقمية بين الدول.

وتُشارك السعودية حالياً في صياغة هذا الإطار عبر عضويتها في المجلس الاستشاري الدولي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي أُنشئ ضمن تحالف عالمي ترعاه الأمم المتحدة، ويُشارك فيه خبراء من أكثر من 30 دولة.

نحو دستور رقمي عالمي: أبرز محاضرات القمة

من بين أبرز محاضرات قمة جنيف هذا العام، كانت الكلمة الافتتاحية للدكتورة بيغي هيكس، مديرة شؤون الانخراط في مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، التي أكَّدت أن «الذكاء الاصطناعي ليس محايداً بطبيعته، بل يعكس خياراتنا نحن البشر». ودعت إلى وضع «دستور أخلاقي رقمي» عالمي يُنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يحمي الكرامة الإنسانية، ويراعي الفروقات الثقافية بين الشعوب. وقد لاقت كلمتها تفاعلاً واسعاً، خصوصاً مع مشاركة ممثلين عن أكثر من 100 دولة ومنظمات دولية مثل «اليونيسكو»، ومنظمة الصحة العالمية، والمنتدى الاقتصادي العالمي في نقاش مفتوح لصياغة إطار عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

الخصوصية... في مهب الريح

في عصر تتحوّل فيه البيانات الشخصية إلى سلعة رقمية، تُدق أجراس الإنذار بشأن انتهاك الخصوصية، لا سيما حين تُسخّر تقنيات الذكاء الاصطناعي في المراقبة واسعة النطاق دون ضوابط قانونية.

وفي مواجهة هذا التحدي، تتحرك الدول الواعية لوضع أطر قانونية تحمي مواطنيها، وهنا تبرز المملكة العربية السعودية مثالاً على هذا الاتجاه؛ إذ أقرت مؤخراً اللائحة العامة لحماية البيانات الشخصية، الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، لتكون بمثابة مظلة تشريعية تضمن تنظيم جمع ومعالجة وتخزين البيانات وفق معايير شفافة ومُلزِمة، بما يُعزز الثقة الرقمية، ويحفظ كرامة الأفراد في الفضاء الإلكتروني.

هل للذكاء الاصطناعي ضمير؟

في عمق المختبرات والمراكز البحثية، لا ينحصر طموح العلماء في تطوير ذكاء يحاكي قدرات الإنسان، بل يمتد نحو ما يُعرف اليوم بـ«الذكاء الأخلاقي الآلي» (Machine Moral Reasoning)، محاولة لتعليم الآلة: كيف تفرّق بين الصواب والخطأ.

من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) إلى جامعة ستانفورد، وصولاً إلى جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية، تُجرى أبحاث متقدمة لدمج مفاهيم «الفلسفة الأخلاقية والمنطق الرياضي» داخل بنية الخوارزميات، بحيث تُصبح قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر عدلاً وإنصافاً، خصوصاً في مجالات حساسة مثل الرعاية الصحية، والعدالة الجنائية، والتوظيف.

لكن، ورغم هذا التقدم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للآلة أن تمتلك «ضميراً رقمياً»؟ هل تستطيع التمييز بين الإنصاف والإجحاف... بين النية الطيبة والخداع؟

ما زال الجواب مُعلّقاً في المستقبل، لكنه بالتأكيد يبدأ من قرارات الحاضر، ومن التزام البشر بوضع القيم في قلب التكنولوجيا، لا على هامشها.


مقالات ذات صلة

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

العالم موقع الذكاء الاصطناعي «غروك» على هاتف محمول وحاسوب محمول (إ.ب.أ)

ماسك ينفي علمه بتوليد «غروك» صوراً إباحية لأطفال

قال إيلون ماسك، اليوم الأربعاء، إنه غير مطّلع على أي «صور عارية لقاصرين» تم توليدها بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي «غروك» التابعة لشركة «إكس».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

لا يكتفي التحليل بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد قفز الذكاء الاصطناعي من المركز العاشر إلى المركز الثاني بعد الجرائم الإلكترونية خلال العام الحالي بحسب المقياس السنوي للشركات (رويترز)

الذكاء الاصطناعي ثاني أكبر تهديد للشركات في العالم

ذكرت شركة التأمين الألمانية العملاقة «آليانز»، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكبر التهديدات التي تواجهها الشركات في العالم.

«الشرق الأوسط» (برلين)

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.