ملفات الدفاع تهيمن على زيارة ماكرون إلى بريطانيا

باريس ولندن تسعيان لتعزيز تعاونهما... وبرلين تريد الإفادة من المظلة النووية الأوروبية

الرئيس الفرنسي يحيي أنصاره من تجمع «الشباب مع ماكرون» بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة في الخامس من يوليو  (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يحيي أنصاره من تجمع «الشباب مع ماكرون» بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة في الخامس من يوليو (أ.ف.ب)
TT

ملفات الدفاع تهيمن على زيارة ماكرون إلى بريطانيا

الرئيس الفرنسي يحيي أنصاره من تجمع «الشباب مع ماكرون» بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة في الخامس من يوليو  (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي يحيي أنصاره من تجمع «الشباب مع ماكرون» بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحركة في الخامس من يوليو (أ.ف.ب)

للمرة الأولى منذ 17 عاماً يقوم رئيس فرنسي بزيارة دولة إلى بريطانيا. وآخر مرة حظي فيها رئيس فرنسي بدعوة من هذه المرتبة التي تعد الأعلى في البروتوكولات المعمول بها هو الرئيس نيكولا ساركوزي، لكن «المناخ» الذي تجري فيه زيارة إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت، تلبية لدعوة رسمية من الملك تشارلز والملكة كاميليا، مختلفة تماماً عن ظروف الزيارة السابقة. فالحرب في أوكرانيا تجاوزت الأعوام الثلاثة وحرب غزة متواصلة والبرنامج النووي الإيراني يعد الشغل الشاغل بالنسبة للغربيين وسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الغامضة تجاه أوروبا والحلف الأطلسي والمخاوف المتزايدة بشأن «إهماله» القارة القديمة رغم القمة الأطلسية الناجحة التي استضافتها لاهاي مؤخراً، كل ذلك يضع فرنسا وبريطانيا في الواجهة باعتبارهما، من جهة، العضوين الأوروبيين دائمي العضوية في مجلس الأمن ومن جهة ثانية كونهما الطرفين الأوروبيين الوحيدين اللذين يمتلكان السلاح النووي. لذا، فإن مسؤوليتهما كبيرة إزاء الملفات الساخنة المشار إليها.

التعاون الدفاعي

تقليدياً، تعد زيارات الدولة «تكريمية» وغرضها إبراز التقارب بين دولتين. لكن زيارة ماكرون تجمع التكريم إلى العمل الجاد على الملفات الملحة. والأول من بين المواضيع المدرجة على جدول أعمال القمة الفرنسية ــ البريطانية، وفق المصادر الرئاسية الفرنسية، تعزيز العلاقات بين لندن وباريس التي تحسّنت كثيراً منذ وصول كير ستارمر إلى «10 داونينغ ستريت». وكانت الأجواء ملبدة بين العاصمتين في السنوات التي تلت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2020. كذلك نشبت الخلافات بين الطرفين بشأن الصيد في المياه البريطانية، خصوصاً بسبب تواصل تدفق الهجرات غير الشرعية على الشواطئ البريطانية انطلاقاً من الشواطئ القريبة من مدينة كاليه الفرنسية التي لا تبعد بحراً عن مدينة دوفر، جنوب بريطانيا، سوى خمسين كيلومتراً.

والشعور الطاغي في فرنسا بأن ستامر يسعى لتعزيز علاقات بلاده بالاتحاد الأوروبي، خصوصاً في الميدان الدفاعي ولكن من غير أن يعني ذلك الانضمام إليه مجدداً. ومن المعروف أن لندن وباريس عقدتا مجموعة من الاتفاقيات الدفاعية التي تشكل «معاهدة لانكستر هاوس» منطلقها وتتناول من جهة، التعاون في مجالي الدفاع والأمن ومن جهة ثانية التعاون في مجال الأسلحة النووية. ويضم الأول تطويراً مشتركاً للأسلحة، خصوصاً الصاروخية منها والتعاون في الفضاء السيبراني، فضلاً عن التدريبات العسكرية المشتركة والاستخدام المتبادل للبنى العسكرية والمراكز التجريبية. أمّا فيما خص النووي، فإن البلدين يتعاونان في مجال الأمن النووي وتقاسم الخبرات والمهارات ويقوم بين وزارتي الدفاع البريطانية والفرنسية «حوار استراتيجي» دوري.

وخلال قمة باريس التي التأمت برئاسة ماكرون وريشي سوناك، رئيس الوزراء وقتها، اتفق الطرفان على تعزيز هذا الحوار. ويسعى الجانبان إلى تعميق التعاون بينهما فيما خص الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري والدفاع الجوي ومحاربة التهديدات الهجينة. وقالت مصادر الإليزيه إن ماكرون وستارمر سيبحثان تعزيز العلاقات الدفاعية بين البلدين رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا وأنه سيتم «تكييف (الاتفاقيات) مع هذا الواقع الاستراتيجي المتغيّر بشكل جوهري».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يتحدث بمناسبة حضوره المؤتمر المصرفي السنوي لبنك فولكسبانكن وبنك رايفايزنبنكن في برلين يوم الثالث من يوليو (د.ب.أ)

المظلة النووية الأوروبية

ثمة مادة إضافية طرأت على باريس ولندن، في الفترة الأخيرة، عنوانها «المظلة النووية الأوروبية» التي يتم التركيز عليها لسببين: الأول، تواصل الحرب الروسية على أوكرانيا والمخاوف الأوروبية من أن تكون القارة القديمة مقدمة لهجمات روسية ضد القارة القديمة في السنوات المقبلة، والثاني، انعدام اليقين لدى الأوروبيين لجهة دوام الاستفادة من المظلة النووية الأميركية.

ومع وصول فريدريش ميرتس إلى المستشارية في برلين، أخذ الموضوع يُطرح بإلحاح بعد أن أعلن الأخير استعداده للنظر في مد الحماية النووية الفرنسية إلى ألمانيا، ما دفع ماكرون للتذكير بـ«البعد الأوروبي» للقوة النووية الفرنسية وتأكيد انفتاحه على إطلاق الحوار مع ألمانيا بهذا الشأن.

وفي الأول من يوليو (تموز)، دعا ينس سباهن، رئيس المجموعة البرلمانية للحزب الديمقراطي المسيحي في البوندستاغ الألماني، إلى إنشاء مظلة نووية أوروبية مستقلة تكون بإدارة ألمانية. وقال الأخير في حديث لصحيفة «ويلت أن سونتاغ» ما حرفيته: «يتعيّن علينا أن نناقش مظلة نووية أوروبية مستقلة، وهذا لن ينجح إلا إذا كانت القيادة ألمانية»، داعياً إلى مشاركة ألمانية في الترسانة النووية الفرنسية والبريطانية لا بل إلى أن تطور برلين قدراتها النووية المستقلة. والحال أن أمراً كهذا يثير الريبة لدى العديد من الأوروبيين بسبب ذكريات الحرب العالمية الثانية، ما دعا ميرتس إلى التركيز، من جانبه، على ضرورة المحافظة على المظلة النووية الأميركية للسنوات المقبلة وأنه ليست هناك مبادرة «ملموسة» لقيام مظلة نووية أوروبية.

أوكرانيا مجدداً

ليس سراً أن هناك نوعاً من التسابق بين باريس ولندن وبرلين لتزعم الجبهة الأوروبية المساندة لأوكرانيا. وتستضيف لندن، بحسب المصادر الرئاسية الفرنسية، قمة تضم، إلى جانب ماكرون وستارمر، المستشار الألماني ميرتس ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ولم يقدم الإليزيه تفسيراً لغياب رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك عن الاجتماع علماً بأنه نجح في أن يحتل موقعاً متقدماً بين القادة الأوروبيين باعتبار أن بولندا تشكل القاعدة الخلفية لأوكرانيا وأنها كانت حاضرة في جميع الاجتماعات التي عقدت تحت اسم «تحالف الراغبين» أي الدول الأوروبية (وغير الأوروبية) العازمة على المشاركة فيما يسمى «قوة الطمأنة» التي يقترح القادة المشار إليهم قيامها بتوفير الضمانات الأمنية لكييف بعد أن يتم التوصل إلى اتفاق سلام بينها وبين موسكو. ولهذا الغرض، التأمت بالتناوب عدة اجتماعات في باريس ولندن. إلا أن لا شيء ملموساً حتى اليوم خصوصاً أن غالبية الراغبين في المشاركة يطالبون بضمانات أميركية للتحرك في حال تعرض القوة المرتقبة لتهديدات روسية. وسبق للمسؤولين الروس أن أكدوا مراراً رفضهم لقوات غربية منتشرة في أوكرانيا.

ووفق ما تقدم، ستكون إقامة ماكرون في لندن حافلة بروتوكولياً ولكن أيضاً سياسياً. وفي السياق الأخير، سيلقي الرئيس الفرنسي، الثلاثاء، خطاباً أمام البرلمان البريطاني بحضور أعضاء مجلس العموم واللوردات وينتظر أن يركز فيه على أهمية العلاقات القائمة بين البلدين والحاجة لتعزيز الصداقة بين حليفين تاريخيين. وماكرون رابع رئيس فرنسي، منذ قيام الجمهورية الخامسة، الذي يقوم بزيارة دولة إلى بريطانيا بعد الجنرال شارل ديغول وفرنسوا ميتران ونيكولا ساركوزي.



رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»، مشيرة إلى أن الاجتماع الذي جرى أمس في واشنطن بشأن الجزيرة «لم يكن سهلاً».

وأكدت فريدريكسن أن بلادها ستواصل التصدي للمساعي الأميركية لضم غرينلاند، وذلك فيما يبدو بعد فشل الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبرغ.

وقالت رئيسة وزراء الدنمارك: «لا يزال هناك خلاف جوهري لأن الطموح الأميركي للسيطرة على غرينلاند لا يزال قائماً. هذا أمر خطير، ولذلك سنواصل جهودنا لمنع تحقيق هذا السيناريو».

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

وتظهر تصريحات فريدريكسن تصاعد حدة التوتر بشأن غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي تابعة لمملكة الدنمارك، بعد أن أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً أن الولايات المتحدة بحاجة للسيطرة عليها لأغراض الأمن القومي.

وعلى صعيد آخر، تم الإعلان عن تنظيم مظاهرات في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وفي نوك، كبرى مدن غرينلاند، إضافة إلى 3 مدن دنماركية أخرى، لإرسال إشارة إلى الإدارة الأميركية، تفيد بأنه لا يمكن ضم غرينلاند أو شراؤها.

وفي بروكسل، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن غرينلاند يمكنها الاعتماد على الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الاتحاد يناقش الاستثمارات مع حكومة الجزيرة.

وأكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيواصل العمل مع الولايات المتحدة بشأن أمن القطب الشمالي، في ما يبدو أنه ردّ على مخاوف ترمب من تهديدات روسيا والصين لأمن المنطقة.

كان ترمب قد صرح أمس بأن «أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند غير مقبول».

وأضاف ترمب، في تصريحات صحافية، أنه «إذا لم نحصل على غرينلاند فستحصل عليها روسيا والصين، وهذا لن يحدث».

وتابع أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) «يجب أن يمهد لنا الطريق للحصول على غرينلاند»، معتبراً أن الحلف سيصبح أكثر قوة وفاعلية بوجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة.


الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
TT

الأوروبيون ينشرون قوة عسكرية «رمزية» في غرينلاند لمواجهة أطماع واشنطن

ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)
ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب)

أحبط فشل الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى في البيت الأبيض، الأربعاء، الذي ضمّ ممثّلين عن الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند آمال كوبنهاغن ونوك «عاصمة غرينلاند» والعواصم الأوروبية في التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تدفعه إلى التراجع عن هدفه المعلن بالاستحواذ على الجزيرة القطبية.

وكان جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وماركو روبيو وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، بالغي الوضوح، وفق الصحافة الأميركية لجهة عزم ترمب على السيطرة على الجزيرة؛ لسبيين رئيسيين: الأول، منعها من الوقوع تحت سيطرة روسيا والصين بسبب ضعف الدفاعات الدنماركية، والثاني حاجة الولايات المتحدة إليها لأمنها القومي. وتوافق الأطراف الثلاثة على تشكيل «مجموعة عمل» لمواصلة المناقشات.

«الاستيلاء» على غرينلاند

ما حصل لم يُرضِ بتاتاً رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي وزّعت بياناً مكتوباً، الخميس، كشفت فيه عن «خلاف جوهري» مع واشنطن، باعتبار أن «الطموح الأميركي بالاستيلاء على غرينلاند ما زال قائماً بلا تغيير». وأضافت في بيانها ما حرفيته: «هذه بالطبع مسألة خطرة، ونحن نواصل جهودنا للحؤول دون أن يصبح هذا السيناريو واقعاً».

من جهته، جدّد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، في منشور على «فيسبوك»، الخميس، تأكيده أن الجزيرة «لا تريد أن تُحكم أو تُمتلك من قبل الولايات المتحدة، وأنها ستبقى جزءاً من الدنمارك ومن الحلف الأطلسي».

وقال: «الآن ليس وقت النقاشات الداخلية. الآن هو وقت الوحدة والهدوء وتحمّل المسؤولية. أتابع الوضع عن كثب، وأنا إلى جانبكم من أجل رعاية غرينلاند». وبذلك، قطع نيلسن الطريق على محاولات اللعب الأميركية على حبل الخلافات الكامنة بين كوبنهاغن ونوك، مُفضّلاً إبراز جبهة موحدة في مواجهة الأطماع الأميركية.

ليس سراً أن المسؤولة الدنماركية تسعى منذ شهور لتعبئة شركاء بلادها في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي للوقوف إلى جانبها، ومحاولة ثني ترمب عن خططه. لكن التصريحات المتواترة للرئيس الأميركي، وما شدد عليه فانس وروبيو، أغلقت نوافذ الحوار وتخطت كافة الحجج الأوروبية - الأطلسية التي كانت كلها تسعى لإقناع ساكن البيت الأبيض بانتفاء الحاجة للسيطرة التامة على الجزيرة.

والحُجّة الأولى تأكيد انتفاء التهديد الروسي - الصيني المباشر، بالنظر أن أنشطة موسكو وبكين البحرية لم تتزايد في الأشهر الأخيرة، ولا شيء يشي برغبتهما بوضع اليد عليها. والحُجّة الثانية أن لواشنطن أمرين أساسيين؛ الأول، وجود قاعدة عسكرية - فضائية قريبة من العاصمة نوك. والثاني، تمكن الولايات المتحدة من تعزيز حضورها العسكري في غرينلاند استناداً إلى اتفاقية ما زالت صالحة أبرمت بينها وبين كوبنهاغن في عام 1954، أي في أثناء الحرب الباردة.

كذلك يصر الأوروبيون - الأطلسيون على جاهزيتهم لمساعدة الدنمارك عسكرياً؛ إنْ لحماية غرينلاند أو لضمان أمن القطب الشمالي.

لم يكن لهذه الحجج التي فصّلها وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن في اجتماع البيت الأبيض أي أثر على المقاربة الأميركية، إلى درجة أنه أعلن، في المؤتمر الصحافي الذي عقد مباشرة عقب الاجتماع في مقر سفارة بلاده في واشنطن، أنه «لم يتمكن من تغيير الموقف الأميركي. ومن الواضح أن الرئيس ترمب لديه رغبة في غزو غرينلاند. وقد أوضحنا بشكل جيد جداً، أن هذا ليس في مصلحة المملكة».

كذلك، وصف الوزير الدنماركي الخلاف مع واشنطن بأنه «جوهري»، وأن «لا مبرر» لاستيلاء أميركا على الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي في إطار السيادة الدنماركية. أما بالنسبة للخطط الروسية - الصينية، فقد سارعت موسكو إلى اعتبار أن حديث حلف شمال الأطلسي عن كون موسكو وبكين تُعدّان لتهديد غرينلاند بأنه «أسطورة» الهدف منها «إثارة الهيستيريا». وحذّرت روسيا من مخاطر تصعيد المواجهة في المنطقة. ولا توجد حالياً سوى أدلة محدودة على إبحار أعداد كبيرة من السفن الصينية والروسية قرب سواحل غرينلاند.

حضور رمزي

إزاء ما سبق، وبسبب عبثية المساعي «العقلانية» لدفع واشنطن لتغيير مقاربتها، فقد كان على كوبنهاغن والعواصم الأوروبية أن تفتش عن بديل. ولكن المشكلة تكمن في أن الأوروبيين حريصون على التحرك بحذر في هذه المرحلة الخطرة وتجنب إغاظة ترمب لحاجتهم الماسة إليه في حرب أوكرانيا والتطورات في إيران.

من هنا، سعوا للتحرك بعيداً عن الاستفزازات العبثية. وشددت رئيسة الحكومة الدنماركية على «وجود توافق في إطار حلف شمال الأطلسي على أن تعزيز الوجود في الدائرة القطبية الشمالية هو أمر أساسي بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأميركي الشمالي».

ماكرون يخاطب جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (رويترز)

وقرنت ميته فريدريكسن القول بالفعل عن طريق تعزيز حضور بلادها العسكري بحرياً وبرياً وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي الوقت نفسه، لم يتردّد الأوروبيون في مدّ يد العون إليها، والاستجابة لطلبها، والقيام من جانبهم وبناء على طلبها بإرسال مجموعات عسكرية «رمزية وقليلة العدد في مرحلة أولى» من أجل إبراز التضامن مع الدنمارك والتهيئة لمناورات عسكرية واسعة لاحقاً.

وحتى اليوم، قامت السويد وألمانيا والنرويج وفرنسا وهولندا بإرسال وحدات رمزية وصلت إلى العاصمة نوك، فيما وُصف بأنه «مهمة استطلاع» تحضيرية للمشاركة في مناورات «الصمود في القطب الشمالي». وجاءت مشاركة ألمانيا، وإن كانت رمزية، بالغة الأهمية بالنظر للعلاقات الخاصة التي تربطها بالولايات المتحدة التي ما زالت لديها قوات ترابط على أراضيها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كما أنها تنشر في إحدى قواعدها صواريخ مزودة برؤوس نووية.

فائدة الانتشار العسكري

ليس سراً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يريد أن يتزعم الفريق الداعي لقيام «الاستقلالية الأوروبية الاستراتيجية»، وأنه كان الأشدّ تنديداً بالمطامع الأميركية. وفي الخطاب الذي ألقاه، بعد ظهر الخميس، أمام القادة العسكريين في قاعدة «إيستر» الجوية القريبة من مدينة مرسيليا جنوب البلاد، أكّد ماكرون أن طليعة القوة الفرنسية المكونة من 15 رجلاً سوف تعزز بإرسال «وسائل جوية وبحرية وبرية في الأيام المقبلة، إلا أنه امتنع عن تقديم تفاصيل عن ذلك.

وفسّر مشاركة بلاده في هذه القوة بأنه «يتعين على فرنسا أن تكون إلى جانب دولة ذات سيادة من أجل مساعدتها على حماية أراضيها». وأضاف ماكرون أن على فرنسا والأوروبيين أن «يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، ومن دون أي مساومة».

هل سيكون للانتشار العسكري المتواضع تأثير على المقاربة الأميركية؟ من الواضح أن الأوروبيين لا يريدون أبداً مواجهة الأميركيين عسكرياً، فالأمر محسوم سلفاً.

وقال مصدر عسكري في باريس إن الغرض إحراج الجانب الأميركي للتبعات السياسية المترتبة على عملية مواجهة عسكرية بين دول تنتمي كلها للحلف الأطلسي، ولما لذلك من نتائج كارثية على صورة الحلف وعلى الولايات المتحدة بشكل رئيسي. ومن جانب آخر، فإن تعزيز الوجود الأوروبي - الأطلسي يراد أن ينظر له على أنه «استجابة» لما يطلبه ترمب من حماية غرينلاند، وهي الحماية التي يطالب بها الأخير.


بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.