تآكل مكاسب التهدئة اليمنية في عامها الرابع جراء تصعيد الحوثيين

من قصف مواني النفط إلى الانخراط في الصراع الإقليمي

الحكومة اليمنية تتهم الجماعة الحوثية بتعطيل مسار السلام خدمة لأجندة إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الجماعة الحوثية بتعطيل مسار السلام خدمة لأجندة إيران (أ.ف.ب)
TT

تآكل مكاسب التهدئة اليمنية في عامها الرابع جراء تصعيد الحوثيين

الحكومة اليمنية تتهم الجماعة الحوثية بتعطيل مسار السلام خدمة لأجندة إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الجماعة الحوثية بتعطيل مسار السلام خدمة لأجندة إيران (أ.ف.ب)

تآكلت المكاسب التي تحققت لليمنيين مع سريان التهدئة التي رعتها الأمم المتحدة مطلع أبريل (نيسان) 2022، مع دخولها العام الرابع، حيث تبرز على السطح خروق الحوثيين، وهروبهم من التزاماتهم، وتجريد هذه التهدئة من أدوات العبور إلى طريق السلام بعد عشرة أعوام على الحرب التي فجّرها انقلاب الجماعة على التوافق الوطني.

وإذا كان متوقعاً حدوث خروق لاتفاق وقف إطلاق النار مثل أي صراع داخلي في العالم بعد سنوات من المواجهات، وبسبب عدم وجود مراقبين دوليين، إلا أن الحوثيين لم يدعوا العام الأول لهذه الهدنة يمر دون توجيه ضربة مؤلمة لمسار التسوية وتطلعات السلام.

وتمثلت هذه الضربة في قيامهم في أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته باستهداف مواني تصدير النفط في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، وتهديد الناقلات إذا ما اقتربت من تلك المواني، وهو ما أدى إلى وقف التصدير، وحرمان الخزينة العامة من أهم مصدر للعملة الصعبة، وقد عجزت الوساطة الأممية عن ثني الجماعة عن موقفها حتى اليوم.

الحوثيون وجهوا ضربة مؤلمة للتهدئة باستهداف مواني تصدير النفط (إعلام محلي)

وبينما كانت المستويات السياسية والشعبية تنتظر الضغوط الأممية لوقف استهداف مواني تصدير النفط حتى تتمكن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها تجاه السكان في مناطق سيطرتها التي تشكل نحو 80 في المائة من مساحة اليمن، أقدم الحوثيون على خطوة تصعيدية أخرى تمثلت في تقييد الحسابات البنكية لشركة «الخطوط الجوية اليمنية» في مناطق سيطرتهم، وأعقبوا ذلك بمصادرة أربع من طائرات الشركة كانت قد استكملت نقل الحجاج إلى مطار صنعاء.

ولم تكتف الجماعة بهذه الخطوة، ورفض إعادة الطائرات المختطفة التي تشكل نصف أسطول الشركة التي تعمل وحيدة في هذا البلد نتيجة الحرب، وتوقف جميع خطوط الطيران، بل ذهبت نحو فصل الشركة عن إدارتها المركزية في عدن، وإدارة تلك الطائرات لصالح الجماعة، وتنصيب أحد قادتها قائماً بأعمال رئيس مجلس إدارة الشركة، والاستمرار في تشغيل هذه الطائرات لمدة تقارب العام قبل أن تُدمر في غارات إسرائيلية.

هروب نحو العنف

عندما أسفرت الجهود الإقليمية التي قادتها السعودية وعمان عن وضع مسودة لخريطة طريق للسلام في اليمن، تشمل الجوانب الاقتصادية والإنسانية، وتمتد إلى الجوانب السياسية، والحل النهائي، وتبنتها الأمم المتحدة، عمل الحوثيون مرة أخرى على الهروب من التزاماتهم من خلال إقحام هذا البلد، الذي أنهكته الحرب وجعلت نصف سكانه يعيشون على المساعدات، في صراع إقليمي من خلال استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر بحجة مناصرة غزة.

ونتيجة رفض المجتمع الدولي المضي في تنفيذ خريطة طريق السلام المقترحة لأن ذلك سيبدو كأنه مكافأة للحوثيين على استهداف الملاحة الدولية، غاصت الجماعة أكثر في ذاك الصراع، واستهدفت سفناً تجارية، وناقلات نفط، وأطلقت صواريخ ومسيرات نحو القطع الحربية الأميركية، ونحو الأراضي الإسرائيلية، وعندما قام البلدان بالرد على تلك الاستهدافات كانت مقدرات الشعب اليمني هي الضحية.

الجماعة الحوثية احتجزت 4 من طائرات «اليمنية» قبل أن تُدمر بضربات إسرائيلية (إعلام محلي)

ومع تصاعد الهجمات والرد عليها، رفض الحوثيون طلب الحكومة نقل الطائرات المدنية التي كانت بحوزتهم إلى أي دولة مجاورة بعد أن تلقت تحذيراً من أن إسرائيل سوف تستهدف مطار صنعاء.

وقد أدى هذا الرفض إلى تدمير الطائرات الأربع، وفقدان سكان مناطق سيطرة الحوثيين أهم مكسب تحقق لهم منذ بداية الحرب، والمتمثل في الرحلات التجارية المباشرة من هناك إلى العاصمة الأردنية، بدلاً من الذهاب إلى مناطق سيطرة الحكومة، وقطع مسافة تزيد على 12 ساعة، وقد سهّل ذلك على المرضى والطلاب والمغتربين السفر إلى الخارج قبل أن يفقدوا هذه الميزة مؤخراً.

تدمير المكاسب

امتدت مساعي الحوثيين لتدمير كافة المكاسب التي تشكلت مع التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار إلى البحر، فبعد إزالة الحكومة والتحالف الداعم لها كافة القيود التي كانت تُفرض على السفن للتأكد من عدم تهريب الأسلحة إلى مناطق سيطرتهم، تدفقت السلع التجارية بشكل كبير إلى مواني الحديدة.

لكنه ونتيجة تكثيف الجماعة استهداف السفن التجارية وإطلاق الصواريخ والمسيرات على القطع الحربية الأميركية ونحو إسرائيل، نفذت الدولتان غارات منفصلة أدت إلى تدمير أجزاء من المواني الثلاثة (الحديدة - الصليف - رأس عيسى) والبنى التحتية فيها، وهو ما حد من قدرتها على استقبال البضائع وتفريغها، ما جعل المنظمات الإغاثية تستورد المساعدات عبر الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة.

هجمات الحوثيين تسببت في غرق سفينتين وتضرر أخريات (إعلام محلي)

وفي حين شكّل الاتفاق الذي أبرمته الولايات المتحدة والحوثيون بشأن وقف هجماتهم على السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن بارقة أمل جديدة بإمكانية إحياء مسار التسوية، مع الأخذ في الاعتبار التطورات التي شهدتها البلاد والمنطقة خلال العام الماضي، واصل الحوثيون الانخراط في الصراع الإقليمي.

وجاء هذا الانخراط تارة بحجة مساندة إيران التي تلقت ضربات جوية إسرائيلية وأميركية، وأخرى تحت شعار مساندة قطاع غزة، وهو ما أثار مخاوف السكان من استئناف تل أبيب وواشنطن ضرباتهما الجوية لتقضي على ما تبقى من بنى تحتية، أو منشآت اقتصادية، كما حدث مع محطات توليد الطاقة، ومصنعي الأسمنت في الحديدة وعمران، وهي المخاوف التي لم تكذبها إسرائيل من خلال موجة جديدة على المواني الثلاثة.

ومع مؤشرات قرب التوقيع على اتفاق جديد لإنهاء الحرب في غزة، جاء الهجوم الذي استهدف، الأحد، ناقلة تحمل علم ليبيريا في جنوب غربي ميناء الحديدة، ليفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد من شأنها أن تقضي على ما تبقى من مكاسب لهذه التهدئة، وتفتح الباب أمام خيارات لا يستطيع أحد التنبؤ بها، وخاصة أن الحكومة اليمنية اتهمت الحوثيين بالوقوف وراء العملية، وجددت التأكيد على أن تأمين الملاحة لا يتحقق إلا بانتزاع المواني من سيطرتهم.

 

 


مقالات ذات صلة

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

العالم العربي أسعار الغذاء انخفضت بنسبة 20 % في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تقرير أممي: غارات إسرائيل عمّقت فجوة الواردات في اليمن

أكد تقرير أممي حديث أن الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت منشآت ومواني خاضعة لسيطرة الحوثيين أسهمت بصورة مباشرة في تقليص قدرتها التشغيلية

محمد ناصر (عدن)
الخليج الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

كيف تتوزع خريطة التوازنات في الحكومة اليمنية؟

تشكيل حكومة يمنية جديدة، برئاسة شائع الزنداني، تضم 35 وزيراً، في محاولة لتحقيق توازنات سياسية وجغرافية، وسط أزمات اقتصادية وخدمية واختبار لاستعادة ثقة الشارع.

«الشرق الأوسط» (عدن)
المشرق العربي تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تستقبل مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، شهر رمضان المبارك هذا العام في أجواء مختلفة كلياً عمّا اعتاده سكانها في ظل تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات وتطبيع الأوضاع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة لإعادة الدراسة في جامعة أرخبيل سقطرى (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

مبادرة سعودية تعيد الدراسة في جامعة سقطرى

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة نوعية لتعزيز استقرار التعليم في جزيرة سقطرى، في إطار الجهود التنموية المستمرة التي تقدمها السعودية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.


مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
TT

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

وقالت وزارة الداخلية المصرية في بيان مقتضب، الأحد، إنه «لا صحة لما تم تداوله بأحد المواقع الإخبارية بمواقع التواصل الاجتماعي، بشأن صدور ضوابط جديدة لدخول السوريين للأراضي المصرية»، دون إعطاء مزيد من التفاصيل حول ما يتردد عن ملاحقة مخالفي شروط الإقامة بالبلاد.

وخلال الأيام الماضية، جرى تداول أخبار ومقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن أجهزة الأمن المصرية تنفِّذ حملات مطاردة للسوريين الموجودين بمصر، وتضبطهم وترحلهم، فضلاً عن منع دخول السوريين للبلاد. وتسببت تلك الأنباء في حالة من الجدل الواسع.

إلا أن رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر»، تيسير النجار، قال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد أن أصدرت السلطات المصرية تنبيهات عدة للسوريين الموجودين بمصر بضرورة تقنين أوضاعهم، بدأت الشرطة في تنفيذ حملات تدقيق ضد غير الملتزمين. وهذا حق سيادي مصري باتخاذ اللازم ضد مخالفي القوانين؛ سواء أكانوا سوريين أم غيرهم، وترحيلهم من البلاد، بينما يتمتع الملتزمون بحقوقهم كاملة».

وأضاف النجار: «السلطات المصرية أيضاً أعطت تسهيلات تتمثل في إعفاء راغبي المغادرة من غرامات مخالفة الإقامة، وسافر فعلاً عدد ضخم من السوريين وعادوا إلى سوريا، وهناك آخرون يفكرون في السفر، ولكن بعضهم تهدمت منازلهم في سوريا خلال الحرب، ويعملون على إعادة بنائها»، موضحاً: «نبذل جهوداً مع السلطات المصرية للسماح لهم بالبقاء لحين ترتيب أوضاعهم في سوريا، ووقتها سيغادرون».

وقال رئيس الجالية السورية بمصر سابقاً، راسم الأتاسي، لـ«الشرق الأوسط»: إن «حملة تدقيق بدأتها السلطات المصرية منذ أول العام الجاري»، ووقتها غادر إلى سوريا، وحالياً يتلقى اتصالات كثيرة من سوريين في مصر يطالبون بالتدخل لدى السلطات، للسماح لهم بالبقاء حتى ترتيب أوضاعهم.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

وقدَّر رئيس «الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر»، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين في مصر بنحو 1.5 مليون شخص، يعملون ويستثمرون في مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شركة سورية مسجلة لدى الاتحاد، باستثمارات تقترب من مليار دولار، وفق تصريحاته خلال «الملتقى الاقتصادي السوري- المصري»، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعام 2024، وضعت السلطات المصرية اشتراطات لدخول السوريين القادمين من دول أخرى إلى أراضيها، تتضمن الحصول على موافقة أمنية مسبقة، إلى جانب تأشيرة الدخول، وغيرها من الاشتراطات، مثل ضرورة الحصول على الموافقة على فتح مطاعم أو شركات سورية في مصر.

من جانبه، قال مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، محمد الأحمد: «نتابع ببالغ الاهتمام أوضاع المواطنين السوريين في مصر، ومنذ مطلع العام، أجرينا لقاءات مكثفة مع الجانب المصري لتنسيق الجهود وتذليل العقبات التي تواجه أهلنا هناك».

وأضاف عبر حسابه الرسمي على موقع «إكس»: «وجَّهنا سفارتنا في القاهرة إلى تقديم أقصى المساعدة القنصلية والقانونية الممكنة. كما تقدَّمنا للجانب المصري بمقترحات فنية متكاملة، تهدف إلى تسهيل إجراءات الإقامة على السوريين المقيمين في مصر. حقوق السوريين وحماية مصالحهم في الاغتراب ستبقى دائماً على رأس أولويات عملنا الدبلوماسي».