الصين تحُثّ أوروبا على تجنّب «المواجهة»... وتؤكّد دورها في «موازنة» واشنطن

بكين اتّهمت وزير الدفاع الأميركي بـ«التحريض» على النزاع

قدّم وانغ يي الصين على أنها قوة موازنة للولايات المتحدة خلال جولته الأوروبية هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
قدّم وانغ يي الصين على أنها قوة موازنة للولايات المتحدة خلال جولته الأوروبية هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
TT

الصين تحُثّ أوروبا على تجنّب «المواجهة»... وتؤكّد دورها في «موازنة» واشنطن

قدّم وانغ يي الصين على أنها قوة موازنة للولايات المتحدة خلال جولته الأوروبية هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
قدّم وانغ يي الصين على أنها قوة موازنة للولايات المتحدة خلال جولته الأوروبية هذا الأسبوع (إ.ب.أ)

حذّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي، نظيرته الأوروبية من مخاطر نشوب «مواجهة»، حسب بيان صدر عن وزارته الخميس، فيما تسعى بكين إلى تقديم نفسها قوةً موازنةً مستقرةً في مواجهة واشنطن.

وقال وانغ يي، خلال اجتماع في بروكسل مع مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، الأربعاء، إن الصين والاتحاد الأوروبي «لا ينبغي اعتبارهما خصمين بسبب خلافاتهما، ولا ينبغي أن يسعيا إلى المواجهة بسبب خلافاتهما».

جاءت تصريحات وانغ ردّاً على كالاس التي أعلنت أن على بكين أن تتوقف عن تهديد الأمن الأوروبي، مشيرةً إلى «هجمات سيبرانية وتدخلات في عمليات ديمقراطية وممارسات تجارية غير عادلة». لكن وانغ اعتبر أن أوروبا «تواجه الكثير من التحديات»، ولم يكن أي منها «سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل» بسبب الصين.

«تقويض» أمن أوروبا

وقالت كالاس قبيل اجتماعها مع وانغ يي، إن «الصين ليست خصماً لنا، لكن فيما يتعلق بالأمن فإن علاقتنا تشهد توتراً متزايداً». وأضافت أن «الشركات الصينية تُوفّر طوق نجاة لموسكو للمحافظة على مجهودها الحربي ضد أوكرانيا. تُنفّذ بكين هجمات إلكترونية، وتتدخل في ديمقراطياتنا، وتتاجر بشكل غير منصف. تضر هذه الأفعال بأمن أوروبا والوظائف».

كايا كالاس لدى استقبالها وانغ يي في بروكسل يوم 2 يوليو (إ.ب.أ)

ولا يقتصر الخلاف الصيني - الأوروبي على الجانب التجاري، بل يتجاوزه إلى الشقّين السياسي والأمني. ويُندّد الاتحاد المُكوّن من 27 دولة بتدفق التكنولوجيا الحيوية إلى الجيش الروسي عبر الصين. وقالت كالاس إن «تمكين (الروس من خوض) الحرب في أوروبا مع السعي لتوثيق العلاقات مع أوروبا هو تناقض يتعيّن على بكين التعامل معه». وأضافت أنه «في عالم مُتقلّب، يتعيّن على بكين استغلال قوتها المتزايدة للمحافظة على (تطبيق) القانون الدولي».

وحظر الاتحاد الأوروبي التجارة مع مجموعة من الشركات الصينية التي يتّهمها بدعم الجهد الحربي لموسكو، لكن مسؤولي التكتل يُقرّون بأنهم فشلوا في إقناع بكين بالتخلي عمّا تعدّها «شراكة استراتيجية حيوية» مع موسكو.

قوة «موازنة»

في المقابل، يسعى وانغ خلال جولته الأوروبية إلى تصوير بكين على أنها ثقل موازن للولايات المتحدة، التي تُهدّد بفرض رسوم جمركية مُشدّدة على الواردات من الاتحاد الأوروبي. وقال إنه «لا ينبغي اعتبار المسار الذي اتخذته الولايات المتحدة صورة للصين. فالصين ليست الولايات المتحدة».

وزير الخارجية الصيني يتحدّث خلال مداولات مع نظيرته الأوروبية في بروكسل يوم 2 يوليو (أ.ب)

وفي وقت أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب هزّة في أوساط كبرى شركاء بلاده التجاريين عبر إطلاقه العنان لحرب رسوم جمركية، فتح الاتحاد الأوروبي الباب لتحسين العلاقات مع الصين. لكن بدلاً من ذلك، تعمّق السجال التجاري بين بروكسل وبكين على خلفية ممارسات صينية يعدّها التكتل غير مُنصفة.

وذكر بيان للخارجية الصينية أن الجانبين ناقشا أيضاً قضايا دولية مثل أوكرانيا، والنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، والبرنامج النووي الإيراني. وقال وانغ إن بكين وبروكسل يجب أن تُظهرا «احتراماً» متبادلاً، مضيفاً أنه يتحتّم على أوروبا أن تُشجّع سياسة «أكثر نشاطاً وواقعية» تجاه الصين.

كما التقى وزير الخارجية الصيني، الأربعاء، رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ووزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو. وقال لفون دير لاين إن الصين والاتحاد الأوروبي يجب أن «يدعما النهج التعددي والتبادل الحر... وأن يعملا معاً لمعالجة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ».

وبعد بروكسل، يتوجّه وانغ يي إلى ألمانيا ثم إلى فرنسا، حيث سيلتقي وزير الخارجية والشؤون الأوروبية جان نويل بارو، الذي زار الصين في مارس (آذار). وتأتي هذه الزيارات قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي والصين في بكين، التي ستجمع الزعيم الصيني شي جينبينغ، وعدداً من كبار المسؤولين الأوروبيين.

انتقاد حادّ لواشنطن

وبينما كان وزير الخارجية الصيني يعزز علاقات بلاده في أوروبا، تعمّق حجم الخلاف بين واشنطن وبكين. واتّهم مسؤول صيني كبير، الخميس، وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بـ«التحريض على المواجهة والنزاع» بعد أن حثّ حلفاء الولايات المتحدة على تعزيز جيوشهم لمواجهة بكين.

وأعلنت الصين والولايات المتحدة، الشهر الماضي، التوصّل إلى تفاهم بشأن اتفاقية تجارية، مما شكّل هدنة في حرب الرسوم الجمركية بينهما. لكن لا تزال تدور خلافات بين البلدين حول قضايا متعددة، تتراوح بين التكنولوجيا والأمن والجغرافيا السياسية، بما في ذلك الحربان في أوكرانيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى مطالبات بكين الإقليمية في آسيا.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدثاً في منتدى شانغريلا للأمن والحوار في سنغافورة يوم 31 مايو (أ.ف.ب)

كان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد حذّر من أن الصين تستعد لاستخدام القوة العسكرية لتغيير ميزان القوى في آسيا، وحثّ حلفاء الولايات المتحدة على تحقيق «السلام من خلال القوة».

ورأى ليو جيانتشاو، رئيس الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، الخميس أن تصريحات هيغسيث تنطوي على «تفكير يقوم على الهيمنة». وقال ليو، في منتدى السلام العالمي في بكين، إن «ما يريده (هيغسيث) حقاً هو القوة، وليس الحوار». وأضاف أن «ما يُحرّض عليه هو المواجهة والنزاع، وليس السلام والوئام».

رئيس مجلس أوروبا أنطونيو كوستا لدى استقباله وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بروكسل يوم 2 يوليو (إ.ب.أ)

ويقوم خلاف منذ فترة طويلة بين الصين والولايات المتحدة بشأن مطالب بكين التوسعية في بحر الصين الجنوبي ذي الأهمية الاستراتيجية، ورفضها استبعاد استخدام القوة للسيطرة على تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي والتي تؤكد بكين السيادة عليها. وقال ليو إن «الحكومة الصينية أكّدت بوضوح تام أنها لن تتراجع أبداً عن هذه القضايا». وأضاف أن «الشعب الصيني سيبذل قصارى جهده لتحقيق التوحيد السلمي للوطن الأم، لكننا لن نسمح أبداً باستقلال تايوان». وشدّد على أنه «يجب على الولايات المتحدة احترام سيادة الصين في هذه المسألة».

حاملة الطائرات «شاندونغ»

وصلت حاملة الطائرات الصينية «شاندونغ»، البالغ طولها 305 أمتار، إلى هونغ كونغ، الخميس، بُعيد مشاركتها في مناورات قتالية في غرب المحيط الهادئ. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية إبحار حاملة الطائرات «شاندونغ» والقطع البحرية المرافقة لها، وفي مقدّمها المدمرة «تشانجيانغ» والفرقاطة «يونتشنغ»، في ساعة مبكرة من صباح الخميس، قبالة الساحل الجنوبي لجزيرة هونغ كونغ.

حاملة الطائرات «شاندونغ» رَسَت في هونغ كونغ يوم 3 يوليو (إ.ب.أ)

وأعلنت بكين أنّ «شاندونغ» ستبقى مع المجموعة البحرية الضاربة التابعة لها في هونغ كونغ لمدة خمسة أيام، مشيرةً إلى أنّ «زيارات وأنشطة تبادل ثقافي» ستحصل للمناسبة.

واحتفلت هونغ كونغ بالذكرى الـ28 لعودتها إلى الصين، الثلاثاء، وهو يوم عطلة رسمية. ودخلت «شاندونغ» الخدمة في 2019، وهي أول حاملة طائرات تُبنى في الصين. وتمتلك بكين حاملتي طائرات عاملتين، هما «لياونينغ» التي اشترتها من أوكرانيا عام 2000 و«شاندونغ». وهناك حاملة طائرات ثالثة تدعى «فوجيان» أُنجز بناؤها، لكنها ما زالت قيد الاختبار.

وأعلنت الصين، الاثنين، أنّ مجموعتيها البحريتين الضاربتين «أكملتا مؤخراً بنجاح» مناورات قتالية في غرب المحيط الهادئ.

من جهتها، أعلنت طوكيو أنّ طائرات مقاتلة صينية أقلعت من حاملة الطائرات شاندونغ واقتربت لمسافة 45 متراً من طائرة دورية عسكرية يابانية، في اتّهام نفته بكين. وفي أبريل (نيسان)، شاركت «شاندونغ» في مناورات عسكرية في مضيق تايوان، بما في ذلك محاكاة فرض «حصار» على الجزيرة.

وفي وقت لاحق من شهر أبريل نفسه، رصدت البحرية الفلبينية الحاملة «شاندونغ» على بُعدٍ يزيد قليلاً على ميلين بحريين من بابويان، الجزيرة الواقعة في أقصى شمال البلاد. ونفدت تذاكر زيارة السفن في هونغ كونغ في غضون دقائق على منصة التواصل الاجتماعي الصينية «وي تشات». و«شاندونغ» هي ثاني حاملة طائرات صينية تزور هونغ كونغ بعد «لياونينغ»، التي زارت المركز المالي العالمي في 2017.


مقالات ذات صلة

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

العالم وزير الخارجية الصيني وانغ يي (رويترز)

بكين تعبر عن دعمها للصومال بعد تأجيل زيارة لوزير الخارجية الصيني

ذكر بيان صدر ​عن «الخارجية الصينية» أن الوزير وانغ يي عبر خلال اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي الأحد، عن ‌دعم بكين ‌للصومال ‌في ⁠الحفاظ ​على سيادته ‌ووحدة أراضيه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تحليل إخباري ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند وربما لاحقاً كندا وغيرها جدية وملحّة.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية تظهر أعلام جنوب أفريقيا والصين على متن سفينة في قاعدة «سيمونز تاون» البحرية قبيل مناورات بحرية مشتركة لدول مجموعة «بريكس بلس» التي تضم الصين وروسيا وإيران في المياه الإقليمية لجنوب أفريقيا هذا الأسبوع - كيب تاون (رويترز)

الصين وروسيا وإيران تبدأ مناورات بحرية في مياه جنوب أفريقيا

بدأت الصين وروسيا وإيران أسبوعاً من المناورات البحرية المشتركة في مياه ​جنوب أفريقيا اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ )
آسيا خلال لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في بكين اليوم (أ.ب)

الرئيس الصيني يدعو نظيره الكوري الجنوبي إلى اتِّخاذ «الخيارات الصحيحة» في عالم مضطرب

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ الذي اجتمع معه في بكين، الاثنين، لدعم الصين في اتِّخاذ «الخيارات الاستراتيجية الصحيحة».

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم صورة نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «تروث سوشيال» تُظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد القبض عليه play-circle

الصين تطالب الولايات المتحدة بالإفراج فوراً عن مادورو

قالت وزارة الخارجية الصينية، الأحد، إن ‌على ‌أميركا ⁠الإفراج فوراً ​عن ‌الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، والعمل على حلّ الأزمة ⁠في ‌فنزويلا عبر ‍الحوار.

«الشرق الأوسط» (بكين)

محادثات أطلسية «بنّاءة» بشأن غرينلاند

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
TT

محادثات أطلسية «بنّاءة» بشأن غرينلاند

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)

«سواء أعجبكم ذلك أم لم يعجبكم، سنفعل شيئاً بشأن غرينلاند». بهذه العبارة جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب سعيه للسيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، مؤكداً للصحافيين، مساء الجمعة، أن الولايات المتحدة يجب أن تتحرك لمنع الصين وروسيا من السيطرة على الجزيرة، وأن امتلاكها بات ضرورة.

وبينما سارع الأوروبيون لتأكيد دعمهم للدنمارك وغرينلاند في وجه التهديدات الأميركية، يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) محادثات مستمرّة حول مستقبل الجزيرة. ووصف القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكيفيتش، مناقشات الدول الأعضاء في «الناتو» بـ«البناءة»، مشدداً على الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي.

أهمية استراتيجية

ورداً على سؤال عن رغبة إدارة دونالد ترمب في الاستيلاء على الجزيرة القطبية المتمتعة بحكم ذاتي والواقعة ضمن نطاق الحلف، قال غرينكيفيتش إنه داخل مجلس شمال الأطلسي «تتواصل المناقشات في بروكسل، وبحسب ما سمعت، فهي حوارات بناءة»، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية». وأضاف الجنرال الأميركي خلال مشاركته في مؤتمر مخصص لمسألة الدفاع في السويد: «هذا هو الأهم: أعضاء في الحلف تعاونوا لسنوات طويلة يتحدثون معاً، ويعملون على إيجاد حلول لهذه القضايا الشائكة».

مناورات عسكرية أوروبية مشتركة في كانغيرلوسواك بغرينلاند في 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

ورفض غرينكيفيتش التعليق على الأبعاد السياسية للمحادثات الأخيرة بشأن غرينلاند، ولفت إلى أنه رغم عدم وجود «تهديد مباشر» للحلف، فإن القطب الشمالي بات أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. وقال إنه «كُلّما تراجع الجليد، واتسع نطاق الوصول إلى هناك، رأينا بالتأكيد روسيا والصين تعملان معاً»، مضيفاً أن «الأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي تزداد باستمرار». وتابع: «رأينا سفناً صينية تقوم بدوريات مع روسيا، ليس فقط على طول الساحل الشمالي لروسيا، بل أيضاً شمال ألاسكا، قرب كندا، وفي أماكن أخرى (...) وهذا ليس لأغراض سلمية، فهم لا يدرسون الفقمات والدببة القطبية». وكان غرينكيفيتش قد قال، الجمعة، إن حلف شمال الأطلسي بعيد من أن يكون في أزمة، وإنه مستعد للدفاع عن دوله الأعضاء. وسبق أن حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي هجوم أميركي على أحد أعضاء الحلف سيعني «نهاية كل شيء»، بما في ذلك نظام الأمن القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

«الاستيلاء» على الجزيرة

أكّد ترمب للصحافيين نية إدارته الاستيلاء على غرينلاند، «إما بالطريقة السهلة وإما بالطريقة الصعبة، سواء رغبوا في ذلك أم لا. لأنه إذا لم نفعل، فستسيطر روسيا أو الصين على غرينلاند، ولن نسمح بأن تكون روسيا أو الصين جارتنا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن خلال قمّة لـ«الناتو» في لاهاي يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وفي رده على سؤال بشأن وجود قاعدة «ثول» العسكرية الأميركية، والاتفاق الدفاعي القائم بين الولايات المتحدة والدنمارك منذ عام 1951 - والذي يتيح لواشنطن حرية نشر القوات وتحديث الأنظمة وبناء البنية التحتية والتحرك في غرينلاند دون قيود - أوضح ترمب أن ذلك «غير كافٍ». وأضاف: «عندما نمتلكها سندافع عنها. لا يمكنك الدفاع بعقود إيجار بالطريقة نفسها. علينا أن نمتلكها». وأكد رغبته في إبرام صفقة مع الدنمارك، قائلاً: «إما أن نفعل ذلك بالطريقة السهلة، وإما بالطريقة الصعبة، وعلى حلف (الناتو) أن يفهم ذلك».

مخاوف وتصعيد

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي مخاوف واسعة، خصوصاً أن ترمب لم يستبعد اللجوء إلى العمل العسكري أو الإكراه الاقتصادي، رغم التحذيرات الصادرة من مشرّعين في الكونغرس الأميركي، واستياء رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، فضلاً عن قلق دول حلف شمال الأطلسي من انقسامات داخل الحلف، لا سيما أن الولايات المتحدة والدنمارك حليفتان في «الناتو»، وتربطهما اتفاقية دفاع مشترك.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه بمسؤولين تنفيذيين من قطاع النفط والغاز في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض مساء الجمعة في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

وندّد رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون، الأحد، بـ«الخطاب التهديدي» للإدارة الأميركية تجاه غرينلاند والدنمارك، الحليف «المخلص جداً» للولايات المتحدة.

وقال كريسترسون خلال مؤتمر مخصص للدفاع السويدي إن «على الولايات المتحدة أن تشكر الدنمارك، التي كانت عبر السنوات حليفاً مخلصاً جداً». وأضاف أن «السويد، ودول الشمال، ودول البلطيق، وعدة دول أوروبية كبيرة تقف معاً إلى جانب أصدقائنا الدنماركيين»، مندداً بـ«الخطاب التهديدي للإدارة الأميركية تجاه الدنمارك وغرينلاند». وشدد على أن أي استيلاء أميركي محتمل على غرينلاند «يشكل (...) انتهاكاً للقانون الدولي، وقد يشجّع دولاً أخرى على التصرف بالطريقة نفسها تماماً»، محذراً من أن ذلك «مسار خطير». وكان وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو قد حضّ الولايات المتحدة، السبت، على «وقف الابتزاز» لضمان سيطرة مباشرة على أراضي غرينلاند.

ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» نفي اثنين من كبار دبلوماسيي دول الشمال ​الأوروبي صحة ما قاله الرئيس الأميركي عن وجود سفن روسية وصينية بالقرب من غرينلاند. وقال الدبلوماسيان اللذان اطلعا على إفادات أجهزة مخابرات دول حلف شمال الأطلسي، إنه لم ‌يجر رصد أي ‌علامات على ⁠وجود ​سفن ‌أو غواصات روسية أو صينية في محيط غرينلاند في السنوات القليلة الماضية، وفق الصحيفة.

«تعاملوا بجدية»

زادت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حدة المخاوف الأوروبية، إذ دعا حلفاءه عبر الأطلسي إلى التعامل بجدية مع تحذيرات ترمب، مؤكداً أن الرئيس «مستعد للذهاب إلى أقصى حد ممكن» لضمان المصالح الأميركية. وقال فانس إنه «من الواضح» أن الدنمارك لم تقم بعملها على أكمل وجه في تأمين غرينلاند.

وكرر فانس طرح ترمب بأن غرينلاند حاسمة للأمن القومي الأميركي والعالمي؛ لأن «البنية التحتية الكاملة للدفاع الصاروخي تعتمد جزئياً على غرينلاند». وأضاف أن كون الدنمارك حليفاً عسكرياً وفياً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية و«الحرب على الإرهاب» لا يعني بالضرورة أنها تؤدي ما يكفي اليوم لتأمين الجزيرة، قائلاً: «مجرد قيامك بشيء ذكي قبل 25 عاماً لا يعني أنك لا تستطيع فعل شيء غبي الآن»، مضيفاً أن ترمب «يقول بوضوح شديد: أنتم لا تقومون بعمل جيد فيما يتعلق بغرينلاند».

خيارات واشنطن

يأتي هذا التصعيد في سياق نقاشات داخل الإدارة الأميركية حول خيارات الاستحواذ على غرينلاند، بما في ذلك تقديم دفعات نقدية كبيرة لسكانها أو استخدام القوة العسكرية؛ ما يثير مخاوف من تحول الجزيرة إلى ساحة صراع جيوسياسي. ويذهب بعض المراقبين إلى أن العدّ التنازلي للتحركات الأميركية قد بدأ بالفعل، وأن العمليات العسكرية الأميركية في فنزويلا فتحت شهية ترمب لمزيد من التدخلات الخارجية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث من القاعدة العسكرية الأميركية في بيتوفيك بغرينلاند يوم 28 مارس 2025 (أ.ف.ب)

وتدرس الإدارة الأميركية خيارات متعددة للاستحواذ على غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة والاستراتيجية في القطب الشمالي، تشمل الشراء والتفاوض والحل العسكري، إضافة إلى التواصل المباشر مع مسؤولي غرينلاند لإغرائهم بمزايا اقتصادية. ويأتي ذلك بالتزامن مع اجتماعات مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع مسؤولين دنماركيين ومسؤولين من غرينلاند هذا الأسبوع.

ونقلت وكالة «رويترز» عن 4 مسؤولين أميركيين أن الإدارة تدرس خططاً لدفع مبالغ مالية كبيرة لسكان غرينلاند، البالغ عددهم نحو 57 ألف نسمة، لإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة. وأشار المسؤولون إلى أن المبالغ المقترحة تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دولار للفرد؛ ما يعني أن التكلفة الإجمالية قد لا تتجاوز 6 مليارات دولار، غير أن هذه الفكرة أثارت مخاوف من تقديمها كصفقة تجارية بحتة، فضلاً عن عَدِّها مهينة لسكان الجزيرة الذين كثيراً ما طالبوا بالاستقلال وإنهاء تبعيتهم الاقتصادية للدنمارك.


ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعاد الرئيس دونالد ترمب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.

وأعاد ترمب نشر رسالة من منصة «تروث سوشال» للمستخدم كليف سميث، نُشرت في 8 يناير (كانون الثاني) جاء فيها أن «ماركو روبيو سيصبح رئيساً لكوبا»، مصحوبة برمز تعبيري (إيموجي) ضاحك. وعلّق ترامب على المنشور قائلاً: «يبدو هذا جيداً بالنسبة إليّ!».

والمستخدم غير معروف على نطاق واسع، ويقول في نبذته التعريفية إنه «محافظ من كاليفورنيا»، علماً بأن لديه أقل من 500 متابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتأتي إعادة نشر ترمب للتعليق بعد أسبوع من عملية للقوات الأميركية في كاراكاس ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلته إلى الولايات المتحدة.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوّح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.


ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يمنح إدارته صلاحيات غير مسبوقة لمعاقبة شركات تصنيع الأسلحة التي تفشل في تسليم المعدات العسكرية بالسرعة المطلوبة.

يأتي القرار في سياق سعي ترمب لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الأميركية والمجمع الصناعي العسكري، وفي ظلّ تصاعد التنافس العسكري العالمي، وما يمكن وصفه بسباق تسلح جديد مع قوى كبرى منافسة.

الأمر التنفيذي يستهدف ما وصفته الإدارة بـ«الشركات المتعثرة» في قطاع الدفاع، عبر حزمة إجراءات عقابية تشمل حظر عمليات إعادة شراء الأسهم، وتوزيع الأرباح على المساهمين، إذا لم تكن هذه الشركات قد استثمرت بما يكفي في توسيع طاقتها الإنتاجية أو تحديث منشآتها. كما يمنح القرار وزير الحرب بيت هيغسيث صلاحيات استثنائية لمراجعة حزم التعويضات الممنوحة لكبار التنفيذيين في شركات الدفاع، التي «تُفضّل مكافأة المساهمين على حساب الاستثمار والإنتاج».

ويُلزم الأمر التنفيذي وزير الحرب بإعداد قائمة خلال 30 يوماً بأسماء الشركات المخالفة، على أن تواجه هذه الشركات عواقب حقيقية، تشمل وضع سقوف لرواتب المديرين التنفيذيين، وحرمانها من دعم الإدارة الأميركية في صفقات بيع الأسلحة إلى الخارج. كما ينُصّ القرار على تضمين العقود العسكرية المستقبلية بنوداً تربط مكافآت المديرين التنفيذيين بحجم الإنتاج والالتزام بمواعيد التسليم.

الإحباط من التأخير والتكلفة

يعكس هذا التحرّك إحباطاً متراكماً في واشنطن من طريقة تصنيع وبيع الأسلحة؛ حيث تعاني برامج تسليح كبرى تأخيرات تمتد إلى سنوات وتجاوزات كبيرة في التكلفة.

وعبّر الرئيس ترمب صراحة عن هذا الاستياء خلال حديثه إلى مشرّعين جمهوريين الأسبوع الماضي، قائلاً: «لدينا أفضل الأسلحة في العالم، لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً جداً للحصول عليها، بما في ذلك بالنسبة لحلفائنا». وأضاف في إشارة إلى صفقات مع دول صديقة: «عندما يريد الحلفاء شراء أسلحة، عليهم الانتظار 4 سنوات لطائرة، و5 سنوات لمروحية... لن نسمح باستمرار ذلك».

هذا الخطاب يعكس رؤية ترمب التي ترى أن بطء الإنتاج والتسليم لا يضُرّ فقط بالجيش الأميركي، بل يُقوّض أيضاً النفوذ الأميركي لدى الحلفاء الذين قد يتّجهون إلى مورّدين آخرين إذا طال الانتظار.

ويرغب ترمب في توسيع صلاحياته في هذا المجال لعدّة أسباب، أولاً، ينسجم القرار مع نهجه المعروف في استخدام السلطة التنفيذية لفرض تغييرات سريعة، حتى على حساب الأعراف التقليدية أو دور الكونغرس. ثانياً، يمنح هذا التوجه البيت الأبيض نفوذاً مباشراً على قرارات الشركات الكبرى التي تعتمد في جزء كبير من إيراداتها على العقود الحكومية.

كما أن القرار يعكس توجهاً اقتصادياً ينتقد ما تعدّه الإدارة إفراطاً في إعادة شراء الأسهم، ورفع أجور التنفيذيين على حساب الاستثمار طويل الأمد.

وكانت دراسة أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» لوزارة الدفاع عام 2023، قد أظهرت أن شركات الدفاع الأميركية الكبرى أنفقت بين عامي 2010 و2019 أموالاً أكبر على إعادة الأموال للمساهمين مقارنةً بعقود سابقة، في حين تراجع الإنفاق على البحث والتطوير وبناء المصانع.

السياسة الخارجية وسباق التسلّح

على صعيد السياسة الخارجية، يحمل القرار تداعيات واضحة، فربط دعم الإدارة الأميركية لصفقات السلاح الدولية بأداء الشركات قد يعجّل تسليم الأسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في مناطق تشهد توتراً متزايداً، مثل أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ. هذا بدوره يُعزّز قدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في مواجهة روسيا والصين، في ظلّ سباق تسلح متصاعد يتميز بالسرعة والتكنولوجيا المتقدمة. لكن الخطوة لا تخلو من أخطار.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن خبراء تحذيرهم من أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سلوك الشركات، بل في عدم استقرار الطلب الحكومي نفسه، الأمر الذي يُولّد مستويات عالية من عدم اليقين. ويقترحون أن يكون الحل في عقود مُتعدّدة السنوات، مثل الاتفاق الذي أبرمته شركة «لوكهيد مارتن» لزيادة إنتاج صواريخ «باتريوت»، وليس في «إدارة دقيقة لرواتب التنفيذيين».

وأثار الأمر التنفيذي أيضاً جدلاً قانونياً، إذ إن قرارات الرواتب وإعادة شراء الأسهم تقع تقليدياً ضمن صلاحيات مجالس إدارات الشركات.

السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن انتقدت لجوء ترمب إلى التحرك الأحادي، داعية إلى تشريع واضح عبر الكونغرس، وقالت إن «الشعب الأميركي يستحق صناعة دفاع تضع الأمن القومي فوق أرباح (وول ستريت) ورواتب المديرين التنفيذيين»، حسب الصحيفة.

ويكشف قرار ترمب عن محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة بين الدولة الأميركية وشركات السلاح، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات وسباق تسلح متجدد. وبينما قد يُحقق القرار تسريعاً في الإنتاج والتسليم، يبقى السؤال مفتوحاً حول تكلفته القانونية والسياسية، وتأثيره طويل الأمد على صناعة الدفاع الأميركية ودورها في النظام الدولي.