دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
TT

دمعة تعاطف وابتسامة أمل... مهرجان عمّان السينمائي يحتفي بالحياة رغم الموت المحلّق

من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)
من افتتاح الدورة السادسة لمهرجان عمّان السينمائي الدولي (الشرق الأوسط)

لا تستطيع السينما أن تغيّر الواقع، لكنها قادرة على جعله أقلّ توحّشاً وأكثر لُطفاً. سنةً تلو أخرى، يحرص «مهرجان عمّان السينمائي الدولي» على فتح طاقة حلمٍ صغيرة وسط منطقة تشتعل سماؤها بالصواريخ وسائر أدوات القتل.

في دورته السادسة، التي افتُتحت في «مركز الحسين الثقافي» في العاصمة الأردنية، رفع المهرجان شعار «عالم خارج النص». ففي كوكبٍ خرج عن طَوره، لا بُدّ أن تُخلق مساحة تُروى من خلالها حكايات الناس العاديين الذين يدفعون ثمن هذا الجنون.

يرفع المهرجان شعار «عالم خارج النص» من وحي الأحداث في المنطقة والعالم (الشرق الأوسط) كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

للسنة الثانية على التوالي، وتقديراً لمعاناة أهل غزة، تراجعت مظاهر البهجة في حفل الافتتاح مقتصرةً على عرضٍ راقص مميّز من التراث الشركسي لـ«نادي الجيل الجديد» لاقى تفاعلاً كبيراً من الحضور. يقدّم المهرجان نفسه على أنه متجذّر في أرضه، يضيء على قصصها، لكنه لا يمانع في المقابل أن يفرد جناحَيه لملاقاة التجارب السينمائية العالمية التي تتكلّم لغة الإنسانية.

انطلاقاً من تلك القناعة، تحدّثت الأميرة ريم علي في كلمتها الافتتاحية عن ضرورة «كسر الصمت وبعث التعاطف في عالمٍ يزداد قسوة». حيّت مؤسسة المهرجان ورئيسته صنّاع الأفلام الذين يقدّمون قصصاً إنسانية لعالمٍ خرجَ عن النص والإحساس.

افتتاح المهرجان بعرض راقص من التراث الشركسي (إدارة المهرجان)

قبل أسبوعَين، ارتجّ الأردن والجوار على وقع المواجهة الإسرائيلية - الإيرانية، إلا أنّ المهرجان استمرّ رغم القلق. «قررنا أن نقيم هذه الدورة لأننا نرفض الموت ثقافياً حتى لو كانت أدوات الموت والدمار تحلّق فوق رؤوسنا»، أضافت الأميرة ريم علي في كلمتها. المهرجان مؤشّر حياة في منطقةٍ تبدو غارقةً في رمادها: «القصص لا تمنع الإبادة، لكنها تعيد الاسم والوجه لِمَن قُتلوا. الكوميديا الرومانسية والفيلم التشويقي لا يشتّتان نضالنا، بل يقولان إن هناك حياة بعد النضال».

يشارك في هذه الدورة أكثر من 60 فيلماً من العالم العربي والعالم، يتنافس معظمها على جوائز «السوسنة السوداء» في حين يبقى قسمٌ منها خارج المنافسة، ومن بينها مجموعة من الأفلام الآيرلندية في تحية خاصة لهذه السينما. تتنقّل العروض بين قاعات عمّان وتتيح فرصةً لأهالي المحافظات كي يشاهدوا الأفلام بدَورهم، حيث تزورهم السينما في بلداتهم وقراهم البعيدة عن العاصمة.

كلمة الافتتاح مع مؤسسة المهرجان ورئيسته الأميرة ريم علي (الشرق الأوسط)

«نضج المهرجان ونضجَ معه وعي الناس وجهوزيّتهم لمشاهدة نصوص مغايرة عمّا اعتادوا في الأفلام التجارية»، هذه إحدى الثمار التي جناها الحدث السينمائي الأردني وفق مديرة البرمجة فيه المخرجة الفلسطينية عريب زعيتر التي تحدّثت لـ«الشرق الأوسط». ولأن المهرجان يحمل جرح غزة، فهو يقدّم 6 وثائقيات من قلب القطاع المهشّم. «هي أفلام صُنعت بالكامل في غزة لتقول للعالم: نحن لسنا أرقاماً ولن تنزعوا إنسانيتنا عنا»، وفق تعبير ريم علي.

المخرج الفلسطيني رشيد مشهرواي، المشرف على مشروع «من المسافة صفر» والمتواصل للسنة الثانية على التوالي أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الأفلام التي عُرضت السنة الماضية في إطار المهرجان جالت العالم وأثّرت جداً بمشاهديها؛ لذلك كان لا بدّ من تكرار التجربة. «من المسافة صفر وأقرب» هو عصارة نضال مخرجين موجودين حالياً في غزة تحت القصف ووسط الجوع والدمار.

تتنقّل فعاليات وعروض المهرجان بين العاصمة عمّان وسائر المحافظات الأردنية (إدارة المهرجان)

للسينما الأردنية مساحتها كذلك وعلى جدول العروض 11 فيلماً أردنياً، تتنوّع ما بين أعمال روائية ووثائقية وقصيرة «في دليل على النموّ المتصاعد في صناعة السينما لدينا»، على حدّ قول رئيسة المهرجان.

ومن بين النجوم الصاعدين لهذه السينما المحلّية، المخرج أمجد الرشيد الذي شارك العام الماضي من خلال فيلمه «انشالله ولد» وانضمّ هذه السنة عضواً في لجنة تحكيم الأفلام القصيرة. «مهمّة صعبة ومثيرة للحماسة أن ألعب دوراً في اختيار أفضل فيلم قصير»، يقول رشيد لـ«الشرق الأوسط». وهو يرى في المهرجان «نقطة ضوء وسط البشاعة ندافع عنها جميعاً كي لا تموت إنسانيتنا وسط ما يحدث».

تنوّع ضيوف الافتتاح ما بين مخرجين عرب وعالميين على رأسهم ضيف الشرف المخرج الآيرلندي جيم شيريدان، إضافةً إلى ممثلين ونقّاد ومجموعة كبيرة من صنّاع السينما. وبحضور رئيس الهيئة الملكية الأردنية للأفلام الأمير علي بن الحسين، جرى تقديم أعضاء لجان التحكيم التي ستُفتي بأفضل الأفلام عن فئات الروائي الطويل، والوثائقي، والفيلم القصير، والأفلام الأجنبية.

أعضاء اللجان التحكيمية برفقة الأميرة ريم علي (إدارة المهرجان)

تحلّ الممثلة اللبنانية ديامان أبو عبّود ضيفةً للمرة الأولى على المهرجان ولجانه التحكيمية، وهي شاركت «الشرق الأوسط» فرحتها بالعودة إلى عمّان بعد سنوات طويلة. ولفتت إلى أنّ أكثر ما يلمسها في الأفلام عموماً هي «القصص التي تشبه نفسها والأرض الطالعة منها. فقط من خلال الصدق يصل الفيلم إلى قلوب الناس».

أما الممثل والمخرج والكاتب اللبناني جورج خبّاز، فضيفٌ دائم على مهرجان عمّان السينمائي وعضو في لجانه التحكيمية. يرى في هذا الحدث دليلاً على أنّ «إرادة الحياة في منطقتنا فوق كل اعتبار». أما أكثر ما يجذبه في المهرجان فهي الألفة السائدة فيه التي تُشعر كل ضيف وكأنه من أهل البيت، إضافةً إلى أنه يُصيب دائماً في اختيار الضيوف والأفلام.

المخرج والممثل اللبناني جورج خباز عضو اللجنة التحكيمية في المهرجان (إدارة المهرجان)

يتكلّم المهرجان لغة مجتمعه العربي ولا يهمل طموحات الفئات الشابة. لذلك فهو يحتفي، وكما في كل دورة، بالإنجازات الأولى لصنّاع الأفلام، ويقيم فعاليات «أيام عمّان لصنّاع الأفلام»، والتي تشمل حلقات نقاش وندوات وورش عمل، إضافةً إلى تشكيلها منصةً لتقديم المشاريع السينمائية والحصول على دعم لتنفيذها وتحويلها من أفكارٍ إلى أفلام.

يفرد المهرجان مساحة واسعة للمواهب السينمائية العربية الشابة (إدارة المهرجان)

بعد التصفيق للجان التحكيم وضيوف الشرف والعروض الراقصة، آن موعد الصمت الدامع الذي فرضه فيلم الافتتاح. «ما بعد» فيلمٌ قصير للمخرجة الفلسطينية مها حاج لم يقع الاختيار عليه عبثاً.

ربما تترك بدايته انطباعاً بأننا أخيراً أمام مشهدٍ جميل من قلب فلسطين، حيث الطبيعة الخلّابة وقصة زوجَين متقدمَين في السن ينتظران عودة أولادهما الخمسة إلى البيت، ويلوّنان الصمت بالحديث عن كلٍ منهم. غير أنّ المقلب الآخر للحكاية أعمق وأقسى.

وكأنّ «لبنى» (عرين عمري) و«سليمان» (محمد بكري) اختصرا بملامحهما وقصتهما مأساة غزة كاملةً، رغم أن أحداث الفيلم تدور قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع. لكنّ الإجرام يعيد نفسه؛ ولذلك اقتضى تصويب الصورة والخروج عن النصوص المفروضة من خلال أفلام كتلك التي يقدّمها مهرجان عمّان السينمائي لجمهوره.


مقالات ذات صلة

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

يوميات الشرق صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

شهد الفيلم عرضه العالمي الأول في مهرجان «فينيسيا»، وفاز بجائزة «نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في دورته التاسعة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» (الشرق الأوسط)

«بوابة الأفلام المحلية»... كيف تُقرأ اقتصاديات السينما السعودية؟

توفر المنصة حاسبة تقدّر عدد التذاكر والإيرادات اللازمة لاسترداد تكاليف الفيلم، بناءً على ميزانية الإنتاج والتسويق ومتوسط سعر التذكرة وعمولة الموزع.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق جمع الفيلم بين ممثلين عرب وصينيين (الشركة المنتجة)

المخرج الصيني ون موييه: «مطعم التنين» أنشودة للسلام وسط طبول الحرب

قال المخرج الصيني ون موييه إن ما جذبه إلى حكاية فيلمه «مرحباً بكم في مطعم التنين» هو وجود حياة تحاول الاستمرار داخل الحرب.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق صبري تراهن على ترسيخ مكانتها بطلةً سينمائيةً (حسابها على «فيسبوك»)

هل قدمت ياسمين صبري «أوراق اعتمادها» في أول بطولة سينمائية مطلقة؟

تخوض الفنانة المصرية ياسمين صبري أولى بطولاتها السينمائية المطلقة من خلال فيلم «نصيب».

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق «كل رجال الرئيس» (وورنر برذرز)

50 عاماً على «كل رجال الرئيس»

50 سنة مرّت على الفيلم الذي يبدو، حين مشاهدته اليوم، شاهداً على حرص هوليوود وقتها على إنتاج أعمال سياسية مرتبطة مباشرة بأحداث واقعية.

محمد رُضا (لندن)

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
TT

مغامر بريطاني يختتم رحلة مشي حول العالم استمرّت 28 عاماً

المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)
المغامر البريطاني كارل بوشبي يعانق والدته أنجيلا لدى وصوله إلى منزلها في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة حول العالم استمرت 28 عاماً (أ.ب)

وصل المغامر البريطاني كارل بوشبي سيراً على الأقدام إلى منزل والدته في مدينة هال، شمال شرقي إنجلترا، يوم الاثنين، مختتماً رحلة ملحمية حول العالم كان قد بدأها في أميركا الجنوبية قبل 28 عاماً، وتحديداً في عام 1998، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

كان بوشبي في التاسعة والعشرين من عمره حين انطلق في رحلته، وهو اليوم في السابعة والخمسين.

اجتاز بوشبي مساحات من الجليد المتحرك عبر مضيق بيرينغ، وسبح عبر بحر قزوين والقناة الإنجليزية (بحر المانش). لكن الجزء الأكبر من رحلته كان برياً؛ إذ قادته قدماه عبر أدغال خطرة، وغابات مطيرة، وصحارٍ، ومناطق تندرا متجمدة، في ظل ظروف مناخية متنوعة للغاية.

حشد من المهنئين يحيط بالمغامر البريطاني كارل بوشبي خلال توجهه إلى منزل والدته في هال بإنجلترا الاثنين بعد رحلة امتدت نحو 50 ألف كيلومتر (أ.ف.ب)

فيما يلي نظرة إلى مغامرة بوشبي بالأرقام:

75 مليون خطوة

لو كانت أجهزة تتبّع اللياقة البدنية موجودة عندما بدأ بوشبي رحلته، فمن المرجّح أنها لم تكن لتتمكّن من مواكبة العدد التراكمي لخطواته.

50 ألف كيلومتر

تعادل المسافة الإجمالية التي قطعها، والبالغة نحو 50 ألف كيلومتر، خوض 10 آلاف سباق جري على الطرق، طول كل منها خمسة كيلومترات.

10229 يوماً

قدّر بوشبي في البداية أنه يستطيع قطع المسافة خلال خمس سنوات.

قال إنه لاحقاً «كان يظن أنها ستستغرق 12 عاماً أو أكثر... لكننا لم نتخيّل قط، حتى في أبعد تصوّراتنا، أنها ستستغرق (الرحلة) 28 عاماً».

وهذا يعادل 10229 يوماً.

كارل بوشبي يتحدث خلال استقبال رسمي في ساحة الملكة فيكتوريا بمدينة هال البريطانية عقب عودته الاثنين من رحلة بدأت في تشيلي قبل 28 عاماً (د.ب.أ)

31 يوماً

عندما سدّت النزاعات الجيوسياسية طريقه عبر روسيا وإيران، قرّر بوشبي عبور بحر قزوين سباحة، وهو أكبر مسطح مائي داخلي في العالم.

وخلال العبور الذي استغرق 31 يوماً، استخدم أسلوباً يطلق عليه اسم «فلوتيمينغ»، يجمع بين الطفو والسباحة. وكان يرتدي سترة طفو وبدلة غوص، ويدفع نفسه إلى الخلف بتحريك ذراعيه في الماء.

30 دولة

انطلق من تشيلي وأنهى رحلته في المملكة المتحدة، ودخل أو مرّ عبر 30 دولة قبل عودته إلى منزله.

10 أعوام

لم يستغرق عبور أي دولة وقتاً أطول مما استغرقه اجتياز روسيا، حيث امتدّت رحلته لنحو عقد.

فقد احتجز وواجه الترحيل بتهمة الدخول بصورة غير قانونية بعد عبوره مضيق بيرينغ عام 2006، ولم يسمح الطقس القاسي بالسفر إلا لبضعة أشهر كل عام، فيما أجبرته التأخيرات البيروقراطية مراراً على مغادرة البلاد.

وبعدما رفضت روسيا منحه تأشيرة عام 2012، أمضى عاماً يمشي مسافة 3500 ميل، أي نحو 5600 كيلومتر، من لوس أنجليس إلى السفارة الروسية في واشنطن احتجاجاً على القرار. وقد زوّدته السفارة بعد ذلك بالأوراق اللازمة.

المغامر البريطاني كارل بوشبي يتحدث إلى مؤيديه خلال إتمام المرحلة الأخيرة من رحلة المشي التي استمرت 28 عاماً في هال ببريطانيا يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أربع قارات

قادت الرحلة بوشبي عبر أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية وآسيا وأوروبا؛ أي أربع قارات من أصل قارات العالم السبع.

قصتا حب

وقع في الحب مرتين، وانكسر قلبه في المرتين. فقد جمعته علاقتان طويلتان بامرأة من كولومبيا وأخرى من اليابان، لكن أياً منهما لم تصمد أمام الضغوط التي فرضتها رحلته.

أحذية «كثيرة»

يقدّر بوشبي أنه أبلى 10 أزواج من الأحذية في الأميركتين قبل أن يتوقف عن العدّ. وكان ذلك قبل 20 عاماً.


«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
TT

«مراكش السينمائي» يراهن على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى

أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)
أحمد حلمي وهند صبري في مشهد من فيلم «أضعف خلقه» (إدارة المهرجان)

يراهن «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المغرب، في دورته الـ23، على حكايات الصمود في مواجهة الحرب والمنفى، عبر اختيارات تتتبَّع أثر الأزمات الكبرى في تفاصيل الحياة اليومية، ويتوزع هذا الاهتمام بين أفلام تقترب من السكان العالقين تحت الحصار، وأخرى تلاحق أحلام اللاجئين وعلاقات الأسر التي فرقتها الهجرة.

ويجمع المهرجان، المقرر إقامته من 20 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، 76 فيلماً من 39 بلداً، بينها 10 أفلام تُعرض للمرة الأولى عالمياً، بينما استفاد 12 فيلماً من دعم «ورشات الأطلس»، برنامجه المخصص للصناعة السينمائية وتطوير المواهب، وفق بيان أصدره المهرجان الاثنين.

وتتوزع الاختيارات على المسابقة الرسمية والعروض الاحتفالية وأقسام «آفاق» و«القارة الحادية عشرة» و«بانوراما السينما المغربية» و«الجمهور الناشئ والأسرة»، إضافة إلى أفلام التكريمات.

ويبرز الحضور المصري مع اختيار فيلم «أضعف خلقه» للمخرج المصري عمر هلال، للعرض للمرة الأولى عالمياً ضمن العروض الاحتفالية. ويجمع الفيلم أحمد حلمي وهند صبري للمرة الأولى على الشاشة الكبيرة، إلى جانب محمود حافظ وكريم قاسم ومحمد رضوان وليلى عز العرب، في مغامرة تمزج الكوميديا السوداء بالتشويق، بإنتاج مشترك بين بريطانيا ومصر والسعودية.

ويمتد الحضور المصري إلى المسابقة الرسمية عبر فيلم «في ظلال القاهرة»، لراني وسالم مصالحة، الذي يشهد أيضاً عرضه العالمي الأول. وتدور أحداث الفيلم في قلب المجتمع القبطي المصري، ضمن عمل تشويقي حميمي يشارك في بطولته حسن مالك، وتارا عماد، وكامل الباشا، وحمزة العيلي، وجهاد حسام الدين، وكريم أدريانو.

ويضم قسم «آفاق» فيلم التشويق النفسي «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، فيما تشارك المخرجة المصرية الهولندية أشجان الهمص بفيلم «البرانية» في قسم «القارة الحادية عشرة». ويحتضن القسم الأخير أيضاً الوثائقي «إدوارد سعيد: بين عالمين» للمخرجة الدنماركية الأميركية مايكن بيرد.

وتضم المسابقة الرسمية 14 فيلماً طويلاً تمثل الأعمال الأولى أو الثانية لمخرجيها، وتتنافس على النجمة الذهبية أمام لجنة تحكيم ترأسها الممثلة الفرنسية ماريون كوتيار. وتكشف موضوعاتها عن انشغال جيل جديد من السينمائيين بعالم تتراجع فيه مساحات الأمان، وتترك فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في العلاقات والاختيارات الشخصية.

يعرض فيلم «وقائع زمن الحصار» ضمن الفعاليات (الشركة المنتجة)

ويقدم المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب فيلم «وقائع زمن الحصار»، مقترباً من تفاصيل الحياة اليومية للسكان العالقين وسط الحرب.

ويمتد أثر العنف إلى الذاكرة ومحاولات الترميم في «بنيمانا»، للمخرجة الرواندية ماري كليمونتين دوسابيجامبو، الذي يتناول جبر الضرر بعد الإبادة الجماعية للتوتسي في رواندا.

وتحضر الهجرة من زوايا متعددة، تبدأ من مأساة العبور وتصل إلى الحياة التي تتشكل بعده. ففي «فتى الكونغو» للمخرج الكونغولي رافيكي فاريالا، يتطلع لاجئ شاب في جمهورية أفريقيا الوسطى إلى أن يصبح موسيقياً. ويمنح الحلم الفني الشخصية أفقاً خاصاً، ويفسح المجال أمام طموحها وقدرتها على تخيل المستقبل، بما يوسع تناول تجربة اللجوء لتشمل الرغبات التي تستمر رغم قسوة الظروف.

وفي «بيت الريح» للمخرج الكاميروني أوغوست برنار كويمو يانغو، ينتقل الاهتمام إلى أم تحاول الحفاظ على صلتها بأبنائها الذين رحلوا إلى أوروبا. وتتيح الحكاية الاقتراب من أثر الهجرة في الذين بقوا.

وتتقاطع الهجرة مع ظروف العمل في «توت الأرض» للمخرجة المغربية ليلى المراكشي، الذي يتناول حياة العاملات الموسميات في إسبانيا، ويُعرض ضمن العروض الاحتفالية. ويتسع حضور النساء مع فيلم «ورود مراكش» الذي تجمع فيه المخرجة الإيطالية جينيفرا إلكان بين فاني أردان ونسرين الراضي، في حكاية عن التضامن بين النساء صُوّرت في المغرب. بينما تقدم المخرجة اليمنية الاسكوتلندية سارة إسحاق، في «المحطة»، رؤية نسوية لعالم متخيل قاتم في اليمن.

ويجد الانهيار الاقتصادي موقعه في المسابقة عبر «غضب» للمخرج اللبناني رامي قديح، الذي ينطلق من عملية سطو على بنك في قلب الأزمة اللبنانية.

ويرى الناقد السعودي أحمد العياد أن اختيارات النسخة الجديدة من المهرجان تعكس اهتماماً بقيمة الأفلام وخصوصية تجاربها، والقدرة على استقطاب أعمال مهمة من دول وثقافات مختلفة، بما يمنح البرنامج تنوعاً ثرياً في الموضوعات وأساليب التعبير. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجمع بين التجارب الأولى والأعمال الجديدة لمخرجين بارزين يخلق مساحة للتفاعل بين أجيال سينمائية متعددة، ويتيح للجمهور اكتشاف أصوات تمتلك رؤيتها الخاصة، وتقدم زوايا مختلفة لفهم التحولات التي يعيشها العالم».

ويلفت العياد إلى أن حضور حكايات الحرب والمنفى والهجرة يتكامل مع اهتمام البرنامج بالتفاصيل الإنسانية لهذه التجارب، من خلال شخصيات تحاول الحفاظ على أحلامها وعلاقاتها وقدرتها على الاستمرار، معتبراً أن قيمة هذا التوجه تتصل بتعدد المعالجات الفنية، ومنح كل تجربة فرصة للتعبير عن بيئتها وخصوصيتها.

Your Premium trial has ended


علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
TT

علي أصغري: «قليل من النور» يبحث سر التعلق بالحياة

صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)
صُوّرت بعض مشاهد الفيلم في تركيا بسبب ظروف الحرب (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإيراني علي أصغري إنه وجد فكرة فيلمه «قليل من النور» (A Bit of Light) في مشاهد الحياة اليومية التي تستمر تحت القصف، حين يواصل الناس أعمالهم ورعاية أسرهم رغم الخوف والإرهاق، عادّاً أن هذا التجاور بين الحياة والموت دفعه إلى البحث عما يجعل الإنسان يتمسّك بوجوده.

وأضاف أصغري، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن الفكرة بدأت خلال الحرب مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025، حين تأثر بمشاهدة أشخاص يواصلون حياتهم في بلد يتعرّض للهجمات. وكان السؤال الذي يشغله هو ما الذي يربط هؤلاء بالحياة وسط ظروف تُثقلهم بالخوف، وكيف يمكن للسينما الاقتراب من قدرتهم على الاستمرار من خلال تجربة إنسان واحد.

وتبلورت الشخصية الرئيسية بعد أحاديث أجراها مع أشخاص من خلفيات اجتماعية مختلفة، بينهم طبيب تعامل مع مصابي أحداث يناير (كانون الثاني) في إيران. وقال إن الحديث معه منحه مدخلاً إلى الحكاية؛ فقد كانت لديه فكرة عن الحياة بجوار المأساة، لكنه احتاج إلى شخصية تتجسد فيها، فوجدها في طبيب يفكر في إنهاء حياته، فيما يظل معنياً بحياة الآخرين.

ويتتبع الفيلم رحلة الطبيب «آرش»، الذي يتعرض للاعتقال وتُغلق عيادته بسبب علاجه مصابين في الاحتجاجات، فيفقد ثقته بالمستقبل ويقرر إنهاء حياته. ويقضي يوماً في زيارة والدته وأشقائه استعداداً لغيابه، لكن لقاءاته معهم تعيد فتح ما ظن أنه حسمه، وتضعه أمام روابط ومسؤوليات يصعب الانفصال عنها بمجرد اتخاذ قرار.

وشهد «قليل من النور» عرضه العالمي الأول ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان «فينيسيا»، قبل أن يفوز بـ«نجمة الجونة البرونزية للأفلام الروائية الطويلة» في الدورة التاسعة من المهرجان المصري الذي اختتمت فعالياته أخيراً.

وأوضح أصغري أن «اختيار الطبيب ارتبط بكون الأطباء شهوداً مباشرين على ما جرى، في وقت جعل فيه انقطاع الإنترنت معرفة الأحداث أكثر صعوبة بالنسبة إلى الآخرين. فقد استقبلوا المصابين وشاهدوا القتلى، وتعاملوا مع آثار العنف عن قرب، وهو ما حمّلهم أعباء نفسية إلى جانب مسؤولياتهم المهنية. وأردت من خلال الشخصية تقديم تحية إليهم ورصد ما عانوه خلال تلك الفترة».

وتوقف عند المفارقة التي تحكم علاقة بطله بمهنته، فهو مسؤول عن إنقاذ الآخرين، لكنه يفقد الرغبة في مواصلة حياته، موضحاً أن «هذه المفارقة كانت مهمة في بناء الشخصية». وأكد أن قرارها لا يصدر عن سبب منفرد، وإنما عن تداخل ضغوط اجتماعية مع ما شهدته من أحداث وما تعرضت له من اعتقال وقمع، حتى تفقد قدرتها على تصور مستقبل يمكن احتماله.

المخرج الإيراني علي أصغري (الشركة المنتجة)

وبدأ اختيار أفراد العائلة بالممثل ميثاق زارع، الذي يعرفه أصغري ويقدّر تجربته المسرحية والسينمائية، قبل أن يضطر إلى تغيير بعض اختياراته بعد اندلاع الحرب وتعذّر انتقال عدد من الممثلين إلى تركيا، والاستعانة بآخرين للأدوار المساعدة.

وكشف أصغري عن أن الفريق بدأ التصوير قبل اندلاع الحرب بأيام، وكان يتوقع حدوث تصعيد، لكنه لم يكن يعرف متى سيقع. ومع بدء الهجمات، أصبح استمرار التصوير متعذراً لأسباب أمنية، فتوقف العمل، ثم نُقل تصوير المشاهد الداخلية إلى تركيا، في حين صُوّرت المشاهد الخارجية في إيران.

وعن انعكاس تجربته مع القيود المفروضة على صناعة الأفلام في شخصية الطبيب، قال أصغري إن العمل يتناول القيود، لكنه يعكس أيضاً حاجته الشخصية إلى استعادة الصلة بتفاصيل حياته اليومية، بعدما جعله الانشغال بأخبار الحروب والمآسي يغفل لحظات جميلة قريبة منه، مثل علاقته بأسرته ووالدته ومساعدة الآخرين.

وعن استجابة الجمهور، أبدى أصغري تأثره بالرسائل التي تلقاها من مصريين بعد عرض الفيلم في «الجونة»، مرجعاً تفاعلهم مع الحكاية إلى مساحات ثقافية مشتركة، خصوصاً ما يتعلق بمكانة الأسرة والأم، رغم اختلاف الظروف التي يعيشونها عن واقع شخصيات الفيلم.

أما خطوته المقبلة فقال إنه لا يعرف بعد طبيعة المشروع الذي سيعمل عليه أو مكان تصويره، لأن الظروف في إيران تتغير يومياً، وتجعل التخطيط للأشهر المقبلة أمراً صعباً. وأكد أن استمرار التهديد بالحرب يزيد هذا الغموض، ولذلك يحاول إنجاز أفلامه حين يشعر بأنه مستعد لها.