«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

وثائقي يعيد إحياء حقبة موسيقية ذهبية عبر ذكريات الأهل والأصدقاء

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
TT

«ثالث الرحابنة»... رحلة موسيقية لا تُنسى في ذاكرة إلياس الرحباني

إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)
إلياس الرحباني في بداياته (إم سي للتوزيع)

«لا يُمَلّ» قد يكون العنوان الذي يختصر وثائقي «ثالث الرحابنة» من إخراج فيروز سرحال، فهو يحاكي ذاكرتنا الموسيقية ويخاطب حنيناً إلى حقبة فنية ذهبية... فيعود بنا لمراحل من حياة الموسيقار الراحل إلياس الرحباني، وفي الوقت عينه يحرّك ذكريات أجيال عاصرته، فتُدرك كم من الفرح زرعه في أعماقها دون أن تشعر بذلك. ويتمنى مشاهِده لو أن وقت عرض الفيلم يطول أكثر، كي يبقى مُستجمّاً في تلك الحقبة؛ حقبة لمسها إلياس الرحباني بعصاه السحرية، فحوَّل مرارة بعض أيامها القاسية إلى حلاوة «سكّر زيادة»، ونثر عليها من عبقريته الموسيقية ما جعلها بصمة تاريخية لا تُنسى.

صور للراحل إلياس الرحباني في فيلم «ثالث الرحابنة»... (إم سي للتوزيع)

لبّى أهل الإعلام دعوة شركة «إم سي» للتوزيع لحضور الوثائقي «ثالث الرحابنة» في سينما «متروبوليس» في بيروت. وأُعلِن في نهاية العرض أن غسان الرحباني، نجل الموسيقار الراحل، سيحضر افتتاح عرضه الرسمي في 17 يوليو (تموز) الحالي بالصالة عينها.

ويبدأ الفيلم بلقطة طريفة بصوت وصورة إلياس الرحباني، يروي فيها واحدة من قصصه الخفيفة الظل، إذ كان يتمتّع بروح فكاهة لا تُضاهى، فيحوّل مواقف قاسية تعرَّض لها إلى نكتة مضحكة. ومنذ اللحظة الأولى، يأخذ الفيلم مشاهِده إلى زمن لبنان العزّ وشخصياته الفذّة؛ فكما المذيع الراحل رياض شرارة، كذلك يظهر الشاعر الراحل سعيد عقل، والأمين العام الأسبق لوزارة الخارجية الراحل فؤاد الترك. ومن هناك تبدأ سبحة الذكريات، فتستوقفك كحلم يتراءى أمام عينيك وأنت في حالة يقظة جميلة.

ومع مواكبة لموسيقى إلياس الرحباني التي تطبع الفيلم منذ بدايته، تشعر كأنك تتنشّق جرعة أكسجين تحتاج إليها.

إلياس الرحباني عشق الموسيقى وأبدع نحو 6 آلاف لحن (إم سي للتوزيع)

ومن ثمّ يأخذ الفيلم منحى التعريف بموقع إلياس الرحباني في عائلته، من خلال ابنه غسان. إلياس هو الأخ الأصغر للأخوين عاصي ومنصور، ومن عائلة تتألف منهما ومن سلوى وناديا، ليأتي بعدهما إلياس وإلهام. وتطلّ الأخيرة مع صورة فوتوغرافية تشير فيها إلى أفراد العائلة مجتمعين. ولأن الوالد حنا توفي عندما كان إلياس في الخامسة من عمره، فإنه يغيب عن الصورة. كان عاصي ومنصور يهتمان به مكان والده الراحل... «كنت أرافقهما إلى (نادي أنطلياس) حيث يقدّمان اسكتشات وموسيقى، وكنت أعتلي المسرح وأقدّم أغاني مونولوج، واضعاً وسادة في بطني كي أقدّم لوحة كوميدية». هكذا يتذكر الراحل إلياس بداياته في الفيلم.

ونتعرّف بعد ذلك إلى ولادة موهبته في العزف على البيانو، وهو في العاشرة من عمره... وإصابته بألم حاد في الإبهام منعه من العزف لمدة طويلة، كانت هي ما حضّه على التوجه نحو التلحين.

شقيقته إلهام تُطل في الفيلم (إم سي للتوزيع)

يُطلّ أقرب الأصدقاء للموسيقار الراحل في الوثائقي، يروون ذكرياتهم معه، ومن بينهم جهاد درويش، ومنجد صبري الشريف، ومحمود زيباوي.

ومن أغنية «ما أحلاها» للفنان الراحل نصري شمس الدين، تنقل المخرجة فيروز سرحال المشاهد إلى قصة حب إلياس مع زوجته نينا. تعرَّف إليها من خلال عمِّها الفنان الراحل جوزيف ناصيف، فأُعجب بها، ورأى فيها نصفه الآخر.

استخدمت سرحال نزهة في سيارة صفراء مكشوفة تقودها فتاة جميلة، وإلى جانبها شاب يافع، في مشهد رمزي يشير إلى قصة حب إلياس ونينا التي كلّلت حياتهما معاً حتى اللحظة الأخيرة. فنينا كانت ملهمته الأولى والأخيرة، تجتمع في شخصيتها جميع نساء العالم. شكَّلت في حياته عموداً فقرياً، وهو ما يؤكده الشاعر هنري زغيب في واحدة من إطلالاته بالفيلم. يقول فيها: «عاشت معه حالة حب. لم يكن زوجها فقط، بل حبيبها. فرَحُ إلياس ومبرّر حياته كانا نينا».

السيارة الصفراء وحياة إلياس وزوجته نينا في مشوار (إم سي للتوزيع)

طيلة الوثائقي، نتابع مسار السيارة وسط مناظر طبيعية من لبنان، وفي طلعات ونزلات على طرقات مستوية وأخرى متعرّجة، فهما لم يفترقا في الأيام الصعبة، ولا في الأوقات الحلوة. ومع أغنيات وألحان إلياس الرحباني، يطول المشوار، لتغيب السيارة عن الشاشة لبرهات قليلة، وذلك عندما تنقل المخرجة كاميرتها إلى تفاصيل من حياة إلياس الرحباني، وتختار مجموعة أغنيات تصف مراحل هذا الحب: «لما شفتها»، و«ناطر»، و«لو».

وفي قسم آخر من الوثائقي، نتعرَّف إلى بدايات الراحل في إذاعة لبنان، حيث يروي صديقه محمود زيباوي ومدير الإذاعة السابق نبيل غصن، ويؤكدان أن نِتاج إلياس الرحباني الفني انطلق من إذاعة لبنان. ويُشير الصديق زيباوي إلى أن هذا الإنتاج الغزير لا يمكن لأحد أن يحدِّده، لكنه يفوق 6 آلاف لحن وأغنية.

ومن ضيوف الفيلم أيضاً، ابنه جاد والفنانة فاديا طنب... تحدَّثا عن مدى تأثّره بالأغنية الأجنبية، وكيف حوّل هذا العشق لاحقاً إلى وجهة فنية تمزج بين الآلات الشرقية والغربية، فابتكر مدرسة فنية خاصة به.

ويصف هنري زغيب إلياس الرحباني بأنه مؤسس موجة فنية جديدة، كانت الموسيقى الغربية عنوانها، حتى إن شقيقه عاصي كان يردِّد على مسمعه أنها لن تصل إلى الجمهور العربي.

تحدّى الراحل إلياس الرحباني نفسه ومحيطه، واستطاع أن يُحلِّق بموسيقاه حول العالم، وحصد جوائز في مهرجانات موسيقية دولية. فاز بالرهان وأدهش الجميع بسرعة انتشار ألحانه.

ومن الأغنيات الغربية التي حقّقت نجاحات كبيرة: «Leila jolie fille (ليلى الفتاة الجميلة)»، و«Tami (تامي)»، و«J’ai voulu te quitter (رغبتُ في فِراقك)»، وغيرها من الأغنيات.

وبلغ ذروة نجاحاته مع الراحل مانويل في أغنية «Quand la guerre est finie (حين تنتهي الحرب)». ومن بعدها، أكمل مشواره في العالمية مع الراحل سامي كلارك، فحلّقا معاً في سماء العالمية بمهرجانات فنية في ألمانيا والنمسا وبلغاريا... وغيرها من الدول الأجنبية.

كما يُسلّط الفيلم الضوء على الدور الذي لعبته الراحلة صباح في انتشار أغنيات إلياس الـ«فرنكو أراب»، فغنّت له «هالي دبكة»، ثم «شفتو بالقناطر»، و«حاج تشدّلي ع إيدي». وكذلك حقّق مزيداً من النجاح مع الراحل وديع الصافي، ومن بعده مع هدى حداد ومجموعة من الفنانين، من بينهم نصري شمس الدين، وجورجيت صايغ، وباسكال صقر، وماجدة الرومي، وملحم بركات... وغيرهم.

تُركّز فيروز سرحال في الفيلم على إبراز عبقرية إلياس الرحباني في توليد الألحان، وكيف استطاع أن يبتكر عالماً خاصاً به، منفصلاً تماماً عن عالم أخويه منصور وعاصي. وشهادة فاديا طنب تروي كيف كانت هذه الولادات الموسيقية تخرج منه تلقائياً من دون تخطيط مسبق.

مع زوجته نينا... وذكرياتهما تتخلَّل الفيلم (إم سي للتوزيع)

مشاعر الحنين لأيام إلياس الرحباني وزمنه لا تُفارق مشاهِده طيلة الدقائق الثمانين التي تؤلّف مدة عرضه. وما إن يتماهى مع ذكرى، حتى ينتقل إلى أخرى عبر أغنية ما: «بيني وبينك يا هالليل»، و«أوضة منسية»، و«يا سارق مكاتيبي»... وغيرها. موسيقى أفلام «دمي ودموعي»، و«أجمل أيام حياتي»، و«حبيبتي»، وكذلك موسيقى مسلسل «ألو حياتي»، و«ديالا»... وغيرها. حتى أغنيات أيام الحرب، وتلك الخاصة بالأحزاب السياسية... لحّن إلياس الرحباني أشهرها. وكذلك ألحان الإعلانات التجارية الكثيرة، ومن بينها «شو بطاريتك»، و«باريلّا معكرونة»، وصولاً إلى مسرحيات فيروز «ميس الريم»، و«لولو»، و«قصيدة حب»... التي تشهد كلها على توهُّج مسيرة إلياس الرحباني الفنية.

ويختم الفيلم بكلمات للشاعر هنري زغيب وأخرى لمحمود زيباوي، يقول فيها الأخير: «ما يمكن أن يفتخر به إلياس الرحباني هو أنه لم يعِش في جلباب أخويه، فبدأ وأكمل طريقه الفني وحده».

وتُسدل ستارة الفيلم على أغراض إلياس الخاصة، من كتب وجلسات ومطارح كان يحبّها، صوّرتها المخرجة في كادرات دافئة وإيقاع كاميرا يعبق بالشوق.


مقالات ذات صلة

38 ألف موزة بالخطأ... متجر في «أوركني» يُوزّع الفائض مجاناً

يوميات الشرق خطأ صغير يفتح باباً كبيراً للعطاء (غيتي)

38 ألف موزة بالخطأ... متجر في «أوركني» يُوزّع الفائض مجاناً

شَرَعَ أحد المتاجر الكبرى في جزر «أوركني» باسكوتلندا في توزيع كميات هائلة من الموز مجاناً، بعد طلبية بطريق الخطأ بلغت نحو 38 ألف ثمرة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق افتتاح معرض بيبلوس في معهد العالم العربي بباريس (وسائل التواصل)

غسان سلامة: كثافة الآثار اللبنانية ترفع مستوى التحدي خلال الحرب

التراث اللبناني اليوم يقف في مواجهة تهديد وجودي، مع تصاعد الحرب واتساع نطاق المخاطر التي تطال ذاكرة الإنسانية

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق رقصة شعبية جنوبية بالدفوف (ورث)

الفنون الأدائية... دبلوم جديد يعرِّف الحركة بوصفها هوية

يتعامل البرنامج مع الجسد بوصفه وعاءً للذاكرة لا أداة فقط.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق أُعلن عن «المنتدى» في مؤتمر صحافي (المنتدى)

منتدى «ويل بيينغ»... العودة إلى الجمال الطبيعي

تخلّل مؤتمرَ الإعلان عن منتدى «ويل بيينغ» عرضُ شريط تعريفي يسلِّط الضوء على أهدافه، إلى جانب كلمة مسجَّلة من وزير الإعلام بول مرقص...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تعرض شاشة هاتف ذكي عدة تطبيقات للذكاء الاصطناعي (د.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي ينقذ كلبة من الموت بالسرطان

لجأ أسترالي إلى الذكاء الاصطناعي لتصميم علاج تجريبي لكلبته التي تعاني من سرطان في مرحلته النهائية وإنقاذها من موت محتّم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.