كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

الجامعات الأميركية تُكافح لفهم آثار التحوّلات التكنولوجية وبرنامج «رؤية مشتركة لأساسيات تعليمية»

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تتمتع جامعة «كارنيغي ميلون» بسمعة طيبة بوصفها واحدة من أفضل الجامعات في علوم الكمبيوتر في البلاد، إذ يواصل خريجوها العمل في شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات الناشئة ومختبرات الأبحاث حول العالم.

نقاشات جامعية صيفية

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل نجاحاتها السابقة، تُخطط هيئة التدريس في القسم لعقد جلسة نقاش هذا الصيف لإعادة النظر فيما ينبغي أن تُدرّسه الجامعة للتكيف مع التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقال توماس كورتينا، الأستاذ والعميد المشارك لبرامج البكالوريوس في الجامعة، إن هذه التكنولوجيا «أحدثت تغييراً جذرياً في تعليم علوم الكمبيوتر».

تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي

تواجه علوم الكمبيوتر، أكثر من أي مجال دراسي آخر، تحدياً من الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتشهد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تدعم روبوتات الدردشة مثل «تشات جي بي تي ChatGPT»، التي يمكنها كتابة المقالات والإجابة عن الأسئلة بطلاقة شبيهة بطلاقة الإنسان، انتشاراً واسعاً في الأوساط الأكاديمية. لكن الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة أسرع وأكثر قوة في مجال علوم الكمبيوتر، التي تُركز على كتابة الرموز البرمجية، أي لغة الكمبيوتر.

توليد الرموز الكمبيوترية

قدمت شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات الناشئة أدوات مساعدة بذكاء اصطناعي قادرة على توليد الرموز البرمجية، وتزداد كفاءةً بسرعة. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، توقع مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، أن تُضاهي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أداء مهندس برمجيات متوسط ​​المستوى في وقت ما من هذا العام.

برامج علوم الكمبيوتر

تسعى برامج علوم الكمبيوتر في الجامعات في جميع أنحاء البلاد جاهدةً الآن لفهم آثار التحول التكنولوجي، وتكافح لتحديد ما يجب الاستمرار في تدريسه في عصر الذكاء الاصطناعي. وتتراوح الأفكار بين تقليل التركيز على إتقان لغات البرمجة، والتركيز على دورات هجينة مصمَّمة لدمج الحوسبة في كل مهنة، حيث يتأمل المدرسون في شكل وظائف التكنولوجيا في المستقبل في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

قالت جانيت وينغ، أستاذة علوم الكمبيوتر ونائبة الرئيس التنفيذي للأبحاث في جامعة كولومبيا: «نشهد الآن ذروة موجة الذكاء الاصطناعي».

عروض نادرة لوظائف خريجي علوم الكمبيوتر

وما يزيد من الشعور بالإلحاح سوق العمل في مجال التكنولوجيا التي ازدادت تشدداً في السنوات الأخيرة. يجد خريجو علوم الكمبيوتر أن عروض العمل، التي كانت وفيرة في السابق، غالباً ما تكون نادرة. تعتمد شركات التكنولوجيا بالفعل بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي في بعض جوانب البرمجة، مما يلغي بعض الوظائف على مستوى المبتدئين.

ويعتقد بعض المدرسين الآن أن هذا التخصص يمكن أن يتوسع ليصبح أشبه بشهادة في الآداب الحرة، مع تركيز أكبر على التفكير النقدي ومهارات التواصل.

برنامج رؤية مشتركة لأساسيات تعليم الذكاء الاصطناعي

تمول المؤسسة الوطنية للعلوم برنامجاً، Level Up AI، لجمع الدارسين والباحثين في الجامعات والكليات للتحرك نحو رؤية مشتركة لأساسيات تعليم الذكاء الاصطناعي. ويُنظّم المشروع، الذي يمتدّ لـ18 شهراً، والذي تُديره جمعية أبحاث الحوسبة، وهي منظمة بحثية وتعليمية غير ربحية، بالشراكة مع جامعة ولاية نيو مكسيكو، مؤتمراتٍ وجلسات نقاشٍ مستديرة، ويُنتج «أوراقاً بيضاء» (خطط) لمشاركة الموارد وأفضل الممارسات.

وصرحت ماري لو ماهر، عالمة حاسوب ومديرة جمعية أبحاث الحوسبة، قائلةً: «لقد أُنشئت هذه المبادرة المدعومة من مؤسسة العلوم الوطنية بسبب شعورنا بالإلحاح لحاجتنا إلى المزيد من طلاب علوم الكمبيوتر -والمزيد من الأشخاص- الذين يعرفون عن الذكاء الاصطناعي في القوى العاملة».

وأضافت د.ماري أن مستقبل تعليم علوم الكمبيوتر من المرجح أن يُركّز بشكل أقل على البرمجة وأكثر على التفكير الكمبيوتري ومحو أمية الذكاء الاصطناعي.

* التفكير الكمبيوتري يتضمن تقسيم المشكلات إلى مهام أصغر، وتطوير حلول، خطوةً بخطوة، واستخدام البيانات للوصول إلى استنتاجات قائمة على الأدلة.

* أما محو أمية الذكاء الاصطناعي، فهو فهم -بمستوياتٍ متفاوتة من الفهم للطلاب في مختلف المستويات- لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وكيفية استخدامه بمسؤولية، وكيف يؤثر على المجتمع.

التدريب على تصميم البرمجيات باستخدام الأدوات الذكية

وبينما يستعد أعضاء هيئة التدريس لاجتماعهم، قال الدكتور كورتينا من جهته، إن وجهة نظره هي أن المقررات الدراسية يجب أن تتضمن تعليماً في أساسيات الحوسبة التقليدية ومبادئ الذكاء الاصطناعي، متبوعة بخبرة عملية واسعة في تصميم البرمجيات باستخدام الأدوات الجديدة.

وقال: «نعتقد أن هذا هو المقصد. لكن هل نحتاج إلى تغيير أعمق في المنهج الدراسي؟» حالياً، يختار أساتذة علوم الكمبيوتر بشكل فردي ما إذا كانوا سيسمحون للطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي. ففي العام الماضي، أيَّدت جامعة «كارنيغي ميلون» استخدام الذكاء الاصطناعي في المقررات التمهيدية.

في البداية، قال الدكتور كورتينا إن العديد من الطلاب عدُّوا الذكاء الاصطناعي «حلاً سحرياً» لإكمال واجباتهم المدرسية بسرعة، التي تتضمن كتابة البرامج. وأضاف: «لكنهم لم يفهموا نصف محتوى كتابة الرموز»، مما دفع الكثيرين إلى إدراك قيمة معرفة كيفية كتابة الرموز وتصحيح أخطاء الأدوات بأنفسهم... وهكذا «يعيد الطلاب ضبط أنفسهم».

موقف طلاب علوم الكمبيوتر

هذا صحيح بالنسبة للعديد من طلاب علوم الكمبيوتر الذين يتبنون أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، مع بعض التحفظات. فهم يقولون إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لبناء نماذج أولية للبرامج، وللتحقق من الأخطاء في الرموز البرمجية، ومعلماً رقمياً للإجابة عن الأسئلة. لكنهم يترددون في الاعتماد عليه كثيراً، خوفاً من أن يُضعف مهاراتهم الكمبيوترية.

يقول كثير من الطلاب إنهم يرسلون ما بين 100 و200 طلب للتدريب الصيفي والوظائف الأولى.

واليكم مثال كونور دريك، الذي سيُصبح طالباً في السنة الأخيرة خريف العام المقبل في جامعة نورث كارولاينا في شارلوت، ويرى نفسه محظوظاً؛ إذ حصل على مقابلة بعد تقديمه 30 طلباً فقط. عُرضت عليه وظيفة متدرب في الأمن السيبراني هذا الصيف في شركة «ديوك إنرجي»، وهي شركة مرافق كبيرة، في شارلوت.

وقال دريك، البالغ من العمر 22 عاماً: «كانت شهادة علوم الكمبيوتر بمثابة تذكرة ذهبية لأرض الوظائف الموعودة». لم يعد الأمر كذلك.

تتمثل استراتيجية دريك الشخصية للدفاع عن الذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق مهاراته. فبالإضافة إلى تخصصه في علوم الكمبيوتر، درس العلوم السياسية تخصصاً فرعياً في دراسات الأمن والاستخبارات، وهو مجال يُمكن تطبيق خبرته فيه في مجال الأمن السيبراني.

تراجُع التوظيف

اضطر دريك، كغيره من طلاب علوم الكمبيوتر، إلى التكيف مع سوق عمل تكنولوجية متزايدة الصعوبة. ويشير خبراء العمل إلى وجود عدة عوامل مؤثرة. فقد قلصت شركات التكنولوجيا الكبرى، على وجه الخصوص، توظيفها خلال السنوات القليلة الماضية، وهو تراجع حاد عن سنوات الطفرة التي شهدتها فترة الجائحة. والاستثناء الوحيد هو التوظيف المكثف لعدد صغير نسبياً من أبرز خبراء الذكاء الاصطناعي، والذين تُعرض عليهم رواتب مجزية.

وقد ظلّ التوظيف الإجمالي للعاملين في المهن التكنولوجية مستقراً حتى وقت قريب، حيث انخفض بنسبة 6 في المائة منذ فبراير (شباط)، وفقاً لإحصاءات حكومية. أرسل أصحاب العمل إشارةً أكثر وضوحاً بتراجع ملحوظ في قوائم الوظائف التقنية. ففي السنوات الثلاث الماضية، انخفض عدد الشركات التي تبحث عن موظفين بخبرة سنتين أو أقل بنسبة 65 في المائة، وفقاً لتحليل أجرته شركة «CompTIA»، وهي منظمة أبحاث وتعليم تكنولوجية. وانخفض عدد الوظائف المتاحة للعاملين في مجال التكنولوجيا من جميع مستويات الخبرة بنسبة 58 في المائة.

سوق البرمجيات بالذكاء الاصطناعي ستزدهر

في حين أن مستقبل تعليم علوم الكمبيوتر قد يكون غامضاً، فإن سوق البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مهيأة للنمو، كما يقول الخبراء. فالذكاء الاصطناعي أداة إنتاجية، وكل موجة جديدة من الحوسبة -الكمبيوتر الشخصي، والإنترنت، والهواتف الذكية- تزيد الطلب على البرمجيات والمبرمجين. يقولون إن النتيجة هذه المرة قد تكون طفرة في ديمقراطية التكنولوجيا، حيث يستخدم العاملون في مجالات متنوعة، من الطب إلى التسويق، أدوات شبيهة ببرامج الدردشة الآلية لإنشاء برامجهم الخاصة، المصمَّمة خصيصاً لقطاعاتهم، والمدعومة بمجموعات بيانات خاصة بكل قطاع.

يقول أليكس آيكن، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد: «قد يتراجع نمو وظائف هندسة البرمجيات، لكن العدد الإجمالي للعاملين في مجال البرمجة سيزداد».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

واشنطن تخشى سرقة الصين نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية

الولايات المتحدة​ الرؤساء التنفيذيون لشركات «إنفيديا» و«تيسلا» و«أنثروبيك» و«أتريدس مانجمنت» خلال حفل إطلاق موقع حكومي أميركي جديد مدعوم بالذكاء الاصطناعي في واشنطن يوم 29 سبتمبر (رويترز)

واشنطن تخشى سرقة الصين نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية

حذّر مشرع أميركي من سرقة الصين لنماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، فيما تزايدت محاولات الاختراق لأنظمة تابعة لشركات وحكومات، ومنها أخيراً موقع حكومي كندي.

علي بردى (واشنطن)
الاقتصاد لاغارد تعرض التصاميم المختارة لأوراق اليورو النقدية المستقبلية في مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

لاغارد تدعو أوروبا لبناء قدراتها في الذكاء الاصطناعي

دعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد أوروبا إلى تطوير قدراتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
خاص لا تقتصر السيادة في الذكاء الاصطناعي على وجود البيانات والخوادم بل تشمل السيطرة على النماذج والوكلاء والعمليات والقدرات التشغيلية (شاترستوك)

خاص السعودية تنتقل من بناء القدرة الحاسوبية إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

ترى «ماغنا AI» أن المرحلة المقبلة في السعودية تتمثل في تحويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى قدرة تشغيلية سيادية واسعة النطاق.

نسيم رمضان (لندن)
علوم هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

الشركات المنتجة له تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بيروت أيام العزّ بالذكاء الاصطناعي (إيلي أبو خليل)

اللبناني إيلي أبو خليل «يتحدَّى» الذكاء الاصطناعي بالفكر الإنساني

يبحث إيلي أبو خليل دائماً عن الموضوع الرائج على وسائل التواصل الاجتماعي...

فيفيان حداد (بيروت)

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟
TT

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

هل يخرج الذكاء الاصطناعي حقاً عن السيطرة؟

توالت التحذيرات أخيراً وبشكل مكثف بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، إذ أشار رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت» إلى أن هذه التقنية قد تتحول إلى «نوع سيليكوني» جديد ينافس البشر، بينما قال موظف سابق في شركة «أنثروبيك» إن هناك احتمالاً كبيراً بأن نهلك جميعاً على يد هذه التقنية. كما يرى جيفري هينتون، الملقب بـ«الأب الروحي للذكاء الاصطناعي»، أننا قد نفقد السيطرة عليه تماماً في غضون عام واحد، كما كتب ماثيو سباركس(*). فهل يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً حقيقياً بهذا القدر؟

تمرد الذكاء الاصطناعي... له دوافع بشرية

تحذر ميري أيتكين، التي عملت سابقاً في معهد «آلان تورينغ» وتشغل حالياً منصب شريك مؤسس في منظمة «Our AI Collective» غير الربحية، من قبول التنبؤات لمجرد مكانة أو سمعة من يطلقونها. وتدعو بدلاً من ذلك إلى النظر في الحقائق، التي لا تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تحرر من السيطرة البشرية أو أنه على وشك القيام بذلك.

تقول أيتكين: «إنها رواية يتم ترويجها مراراً وتكراراً، ونحن نشهد موجات من الهلع الجماعي». وتضيف أنه إذا كان هناك شيء ما قد خرج عن المسار الصحيح أو تمرد، فهو ليس نماذج الذكاء الاصطناعي، بل البشر الذين يطورونها. فعندما تقوم نماذج الذكاء الاصطناعي باختراق موقع حكومي أو أجهزة كمبيوتر تابعة لشركة أخرى، فإن ذلك يحدث لعدم وضع تدابير السلامة المناسبة أثناء الاختبارات، وهي اختبارات صُممت أصلاً لتقييم قدرة تلك النماذج على اختراق أجهزة الكمبيوتر. إننا ببساطة نشهد إخفاق الشركات في وضع ضمانات كافية.

نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي

كما تشير أيتكين إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تقوم بتحسين نفسها بشكل تكراري ذاتي - وهو ما قد يشير إلى اقترابنا من «نقطة التفرد»، (singularity) حيث ينزلق الذكاء الاصطناعي في حلقة تحسين ذاتي تتسارع وتؤدي سريعاً إلى خلق «ذكاء اصطناعي عام» (AGI) - وتقول: «عندما تُطرح أفكار الذكاء الفائق هذه، فإنها تستند إلى سردية مثيرة وجذابة، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعمها. ولو كان هناك شيء بهذه القوة، لكنا قد رأينا مؤشرات عليه».

ومن جانبه، يقول أندرو روغويسكي، من جامعة ساري في المملكة المتحدة، إنه في الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على مستوى المخاطر التي يشكلها الذكاء الاصطناعي، رغم التقدم الذي أحرزته هذه التقنية. لكن الضجة الإعلامية تثار بين الحين والآخر بسبب حادثة ما أو عبارة رنانة وجذابة.

الطبيعة البشرية

ويقول روغويسكي: «من السهل جداً اختلاق هذا النوع من القصص المخيفة، فهي تلامس وتراً حساساً في النفس البشرية». وهو يعتقد أننا صنعنا - من خلال النماذج اللغوية الكبيرة - كياناً يبدو شبيهاً بنا لدرجة أنه يعكس صورتنا وكأننا ننظر في مرآة، إذ نُسقِط عليه كل السلوكيات والمخاوف البشرية، ولذا فإننا نشعر بالرعب منه.

الشركات تتصنّع مظاهر المسؤولية لخوفها من تشريعات تحدّ من عملها

إذا كان كل ذلك صحيحاً، فلماذا يطالب كثير من قادة شركات التكنولوجيا بإبطاء وتيرة أبحاث الذكاء الاصطناعي؟

ترى أيتكين أن هذا الحديث وسيلة لثني المشرعين عن سن قوانين قد تعيق عمل شركات الذكاء الاصطناعي؛ فمن خلال إظهار أنفسهم بمظهر المسؤولية، يقللون من الحاجة إلى تدخل حكومي. وتقول: «قصص الذكاء الاصطناعي الفائق هذه تخدم مصالح الشركات في الواقع، لأنها تثير الضجة والحماس، وتزيد حجم الاستثمارات».

مصالح الشركات... تجارية بحتة

والنتيجة هي أن هذه الشركات تجد نفسها تسير على حبل مشدود بين مسارين: فهي تطمئننا بأنها تتصرف بمسؤولية وأخلاقية عبر الدعوة إلى إبطاء وتيرة العمل (وهو أمر مستبعد الحدوث)، وفي الوقت نفسه تروج لأفكار الخيال العلمي حول الذكاء الاصطناعي الفائق لأن ذلك يصب في مصلحة أعمالها.

من جهته يعتقد روغويسكي أن هناك عاملاً آخر قد يزيد الأمور تعقيداً؛ فالاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات الذكاء الاصطناعي غير مستدامة، لذا فإن الإبطاء الرسمي للوتيرة قد يمنحها فرصة لتهدئة الأمور دون أن تخسر أمام منافسيها، بل وربما يعزز تفوقها.

قد تدرك الشركات أن زيادة حجم النماذج وتوسيع نطاقها ليسا أمراً ضرورياً لمهام العمل اليومية - مثل كتابة رسائل البريد الإلكتروني - ولذا فهي قد ترحب بفرصة تخفيف الوتيرة، وخفض التكاليف، وزيادة الإيرادات.

التخطيط للمخاطر المحتملة

ومع ذلك، وفي خضم كل هذا تبرز مخاوف مشروعة بشأن المستقبل وسط كل هذا؛ إذ يشير روغويسكي إلى وجود خطر حقيقي - وإن كان محدوداً - مرتبط بالذكاء الاصطناعي، وهو خطر يستوجب التعامل معه بجدية. وسواء ظهر النموذج المتطور بما يكفي لتشكيل هذا الخطر قريباً أو بعد سنوات، فإن الأمر يستحق التخطيط له مسبقاً.

ويشكك روغويسكي في أن أياً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية يمتلك ذكاءً حقيقياً، لكنه يشير إلى أنه عند ظهور مثل هذا الذكاء، لا ينبغي توقع أن يبدو أو يتصرف مثلنا، إذ «ستكون هناك أنماط من التفكير والسلوك غريبة للغاية». ولذا، فإن محاولة رصد هذا النوع من الذكاء تزداد صعوبة، كما تزداد صعوبة التنبؤ بدوافعه المحتملة. ولهذا السبب، يعتقد أنه ينبغي لنا البدء بالفعل مناقشة الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الذكاء الاصطناعي.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
TT

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي
«إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

يحذر علماء المناخ من أن ما يقرب من 450 ألف شخص حول العالم قد يفقدون حياتهم بحلول شهر فبراير (شباط) المقبل نتيجة لارتفاع درجات الحرارة الناجم عن ظاهرة «إل نينيو» التي تسجل مستويات قياسية. وتستند هذه التقديرات إلى أعداد الوفيات التي نتجت سابقاً عن درجات الحرارة المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، كما كتب مايكل لو بيغ في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

وتقول إميلي غروفر - كوبيك، من مجموعة «روديم»، (Rhodium Group)، وهي مؤسسة بحثية مستقلة: «نأمل أن تكون هذه المعلومات مفيدة للتوجه إلى تنفيذ إجراءات عملية، وأن تُتخذ قرارات لتوجيه الموارد مسبقاً». وقد تشمل هذه الإجراءات تكليف كوادر صحية بتفقد أحوال الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وضمان توافر كميات كافية من المياه للسكان، وتوفير مراوح، أو أجهزة تكييف الهواء.

وفيات نصف الكرة الجنوبي... أولاً

ستتركز معظم الوفيات خلال الأشهر القليلة المقبلة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، نظراً لأن الحرارة الإضافية ستتزامن مع فصلي الربيع والصيف هناك. ومع ذلك، من المتوقع أن تستمر ظاهرة «إل نينيو» حتى حلول الربيع في نصف الكرة الأرضية الشمالي، ما يعني حدوث موجة أخرى من الوفيات في تلك المنطقة بعد شهر فبراير.

ثم.. تضرر الهند والباكستان

وتضيف غروفر - كوبيك: «سنشهد انتقال أعداد الوفيات المرتفعة بشكل غير معتاد نحو الشمال. وللأسف، أتوقع تماماً أن تتزايد هذه الأعداد». وتشير إلى أن الهند وباكستان قد تكونان من أكثر الدول تضرراً.

وتستند التقديرات التي وضعتها غروفر - كوبيك وفريقها -التي تشير إلى احتمال وفاة 450 ألف شخص، ونُشرت في تقرير صادر عن «مختبر تأثيرات المناخ» (Climate Impact Lab) بجامعة شيكاغو- إلى العلاقة المرصودة بين درجات الحرارة والوفيات الأعلى من المتوقع.

وتتخذ هذه العلاقة شكل منحنى يشبه حرف (U) باللغة الإنجليزية؛ حيث تزداد معدلات الوفيات في حالات البرد الشديد، أو الحرارة الشديدة، إلا أن الشكل الدقيق للمنحنى يختلف من مكان لآخر بناءً على عوامل عدة، مثل مدى تكيف السكان، والبنية التحتية مع درجات الحرارة المتطرفة، أو القدرة المالية على توفير وسائل التبريد، مثل مكيفات الهواء.

وقد قسمت دراسة أُجريت عام 2022 العالم إلى 24 ألف منطقة، وقدرت طبيعة هذه العلاقة لكل منطقة على حدة، وذلك بالاعتماد إما على بيانات تاريخية تعود لعقود مضت، أو من خلال الاستقراء، والمقارنة مع مناطق مشابهة.

توقعات الأشهر الستة المقبلة

ودمجت غروفر - كوبيك وزملاؤها هذا النهج مع التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) لتقدير عدد الوفيات الإضافية -التي تفوق المعدلات المعتادة- الناجمة عن الحرارة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو».

وتشير النتائج إلى أنه خلال فترة التوقعات الممتدة لستة أشهر -من سبتمبر (أيلول) وحتى فبراير- ستُسجَّل 240 ألف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة. وعند إضافة الوفيات التي يُقدَّر أنها حدثت بالفعل منذ بدء ظاهرة «إل نينيو» الحالية في يونيو (حزيران)، يرتفع إجمالي العدد إلى 450 ألف حالة وفاة.

مناطق الوفيات الأكثر حدوثاً

ويُقدِّر الفريق أن أفريقيا ستكون الأكثر تضرراً، إذ يُتوقع تسجيل أكثر من 30 ألف حالة وفاة إضافية في نيجيريا وحدها خلال الأشهر القليلة المقبلة. كما قد تشهد الفترة نفسها تسجيل 19 ألف حالة وفاة إضافية في إندونيسيا، و16 ألفاً في الهند، و13 ألفاً في البرازيل.

الخطر الأكبر على الأطفال والشيوخ

ويُقسِّم التقرير السكان إلى ثلاث فئات عمرية: الأطفال في سن الرابعة، أو أقل، وكبار السن (65 عاماً فما فوق)، وبقية الفئات العمرية. وتقول غروفر - كوبيك: «هناك تأثيرات تطال الفئات العمرية الثلاث جميعها، إلا أن الفئة الأكثر عرضة للخطر هي فئة كبار السن، تليها فئة الرضع».

ونظراً لأن ظاهرة «إل نينيو» تؤثر أيضاً على حرائق الغابات، والفيضانات، وغيرها من الظواهر، فقد تكون حصيلة الوفيات الإجمالية أعلى من ذلك. ويقول كريستوفر كالاهان، من جامعة إنديانا في بلومنغتون: «أجد هذه النتائج منطقية؛ فظاهرة «إل نينيو» ستجلب درجات حرارة مرتفعة للغاية إلى أجزاء واسعة من العالم، والعلاقة بين الحرارة ومعدلات الوفيات علاقة ثابتة، وموثوقة عالمياً».

وكان كالاهان قد استخدم أخيراً نهجاً مشابهاً لتقدير أن موجة الحر التي ضربت أوروبا في شهر يونيو الماضي أودت بحياة 20 ألف شخص. وحتى الآن تم الإبلاغ عن 35 ألف حالة وفاة إضافية في أوروبا تُعزى إلى الحرارة خلال فترة أطول من فصل الصيف. ويشير كالاهان إلى أن تقدير الوفيات الإضافية البالغ 240 ألف حالة بين شهري سبتمبر وفبراير يعتمد على دقة التوقعات.

تقديرات متوسطة

وتوضح غروفر - كوبيك أن توقعات المركز الأوروبي (ECMWF) تقع في منتصف نطاق التوقعات الأخرى، ما يجعلها تمثل تقديراً متوسطاً لما قد يحدث. يشير كالاهان أيضاً إلى أن التقرير يقتصر على الوفيات المرتبطة بالحرارة؛ إذ يقول: «تؤثر ظاهرة (إل نينيو) على حرائق الغابات في إندونيسيا، والأمراض المعدية في أميركا الجنوبية، والفيضانات في غرب الولايات المتحدة، وغيرها من الظواهر؛ ولذا فإن إجمالي عدد الوفيات قد يكون أعلى من ذلك».

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية

وتعلق راكيل نونيس، من جامعة وارويك في المملكة المتحدة: «إن الرسالة الأهم لا تكمن في الرقم المطلق بحد ذاته، بل فيما يمكن القيام به للحد من الأضرار التي يمكن تجنبها». وتضيف: «من الأفضل النظر إلى هذا التقرير باعتباره دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيف الموجهة، لا سيما بالنسبة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، والهشة».


«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير
TT

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

«تكلفة قيادية خفية» وراء السماح للذكاء الاصطناعي بمعظم عمليات التفكير

كان الهدف من الذكاء الاصطناعي توفير الوقت، فلماذا نجد اليوم أنفسنا غارقين فيما يُعرف اليوم بـ«نفايات العمل»؟

«قنابل النفايات» من الذكاء الاصطناعي

أطلق توبياس لوتكي، الرئيس التنفيذي لشركة «شوبيفاي» Shopify، تسمية خاصة على رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات ورموز البرمجة وغيرها من المحتويات التي يولدها الذكاء الاصطناعي من دون تدقيق بشري، وهي: «قنابل النفايات slop grenades. ورغم أن لوتكي كان من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، فإنه أشار في بودكاست The Knowledge Project، إلى أن هذه التقنية باتت تخلق المزيد من الأعباء والمهمات، كما كتب جيري كولونا(*).

من الحدس والتقدير الذاتي... إلى إبهار الآلة

ولقد لوحظ حدوث هذا الأمر في الجانب القيادي أيضاً؛ إذ بدأ يتسبب في حالة «إرهاق اتخاذ القرار» وحالة من التردد. فالقرارات التي كانت تُتخذ سابقاً بناءً على الحدس أو التقدير السليم، أصبحت الآن تمر عبر عمليات الذكاء الاصطناعي لدرجة تسبب الإنهاك. وما ينتج عن ذلك غالباً هو مزيج متشابك من الأرقام والأفكار التي تبدو مبهرة على الورق، لكن يصعب على البشر استيعابها وفهمها.

توظيف غير مدروس

يُطلق باحثون من جامعة ستانفورد ومنصة «BetterUp» على هذا النتاج اسم «نفايات العمل» workslop. ويمكن لهذا النوع من المحتوى أن يجعلك تشعر بأنك «محتال» (متظاهر بالكفاءة)، ويسبب لك إرهاقاً في اتخاذ القرار، ويثير مجموعة من المشاعر السلبية، وكل ذلك ينبع من الاستخدام غير المدروس للذكاء الاصطناعي.

كيف تنتشر هذه «النفايات»؟

عندما يتلقى الزميل «قنبلة» من هذا النوع، فإنه قد يجد نفسه عاجزاً عن التصرف (فهو كمن يجلس فوق قنبلة حقيقية)، وغالباً ما يخشى الاعتراف بأنه لا يفهم المحتوى. وبدلاً من ذلك، قد يمررها إلى شخص آخر، لينتهي المطاف بذلك الشخص في حالة مماثلة من الحيرة والارتباك... وبهذا تنتشر هذه المخرجات غير المجدية.

إرباك القيادة

ومع ذلك، هناك جانب آخر يتعلق بـ«نفايات الذكاء الاصطناعي» داخل المؤسسة قد تواجهه بصفتك قائداً. فالسماح للذكاء الاصطناعي بأن يحل محلك في مقعد القيادة - عبر حل المشكلات واتخاذ القرارات - قد يجعلك تشعر بأنك عالق في مأزق؛ وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد عدد هائل من الحلول المحتملة.

إن مواجهة مشكلة واحدة من زوايا ووجهات نظر متعددة قد تكون أمراً منهكاً، كما أنها قد تدفعك للتشكيك في رؤيتك الخاصة للموقف.

كيف تتجنب إرهاق الذكاء الاصطناعي؟

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد أفكاراً ربما لم تخطر ببالك، كما يمكنه المساعدة في تنقيح المستندات أو تقديم رؤى حول مشكلات معقدة. لكن لا تجعل الذكاء الاصطناعي نقطة البداية. بدلاً من ذلك، ابدأ بتدوين الحقائق التي تعرفها وكيفية تعاملك مع الموقف بناءً على معرفتك وخبرتك الشخصية. تأمّل الحقائق التي تدرك صحتها، ثم دع حدسك يوجهك.

ومن هذه النقطة، يمكنك الاستعانة بالذكاء الاصطناعي -عند الحاجة- للحصول على أفكار إضافية تدعم حلك الخاص، ولكن احرص على ألا تحيد عن مبادئك الأساسية.

من المرجح أن تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل المشكلات وتوليد أفكار ربما لم تخطر ببالك من قبل، لكن لا ينبغي أن تترك له مهمة التفكير بالنيابة عنك بالكامل.

توجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير بطريقتك

إن البدء بأفكارك الخاصة وتوجيه الذكاء الاصطناعي للتفكير في موضوع ما بنفس طريقتك يمكن أن يشكّل شراكة رائعة؛ فالأمر ينجح عندما تبدأ أنت بطرح الأسئلة وتوجيه المسار. أما المشكلة فتنشأ حين تطلب من الذكاء الاصطناعي معالجة مسألة لم تكن قد أدركتَ -بشكل واعٍ- أنها تمثل مشكلة من الأساس. لذا فعليك استخدام الذكاء الاصطناعي لصقل حكمك وتقديرك للأمور، لا لاستبدالهما.

عندما تنتج محتوىً رديئاً

إن الوقوع في الأخطاء وإنتاج محتوىً رديء أمر وارد؛ فقد ترسل لفريقك شيئاً ولّده الذكاء الاصطناعي دون تمحيص كافٍ، أو ربما تكون قد بدأت بتحليلٍ أعدّه الذكاء الاصطناعي بدلاً من الاعتماد على أفكارك الخاصة، لتجد نفسك عالقاً في حيرة وشك حول مدى فهمك للقيادة.

العودة إلى الجوهر

لكن يمكنك دائماً العودة إلى الجوهر، اذ يمكنك دائماً العودة إلى القيادة التي تضع العنصر البشري في المقام الأول. اعترف بالخطأ، وتراجع خطوة إلى الوراء، وحدد ما كانت ستكون عليه فكرتك أو حلك الأصلي، ثم انطلق من تلك النقطة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً في مجال القيادة، شريطة ألا يكون هو صاحب القرار النهائي بينما أنت غافل عما يجري.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».