كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

الجامعات الأميركية تُكافح لفهم آثار التحوّلات التكنولوجية وبرنامج «رؤية مشتركة لأساسيات تعليمية»

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

كيف ستُدرّس علوم الكمبيوتر في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

تتمتع جامعة «كارنيغي ميلون» بسمعة طيبة بوصفها واحدة من أفضل الجامعات في علوم الكمبيوتر في البلاد، إذ يواصل خريجوها العمل في شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات الناشئة ومختبرات الأبحاث حول العالم.

نقاشات جامعية صيفية

ومع ذلك، وعلى الرغم من كل نجاحاتها السابقة، تُخطط هيئة التدريس في القسم لعقد جلسة نقاش هذا الصيف لإعادة النظر فيما ينبغي أن تُدرّسه الجامعة للتكيف مع التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقال توماس كورتينا، الأستاذ والعميد المشارك لبرامج البكالوريوس في الجامعة، إن هذه التكنولوجيا «أحدثت تغييراً جذرياً في تعليم علوم الكمبيوتر».

تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي

تواجه علوم الكمبيوتر، أكثر من أي مجال دراسي آخر، تحدياً من الذكاء الاصطناعي التوليدي.

وتشهد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تدعم روبوتات الدردشة مثل «تشات جي بي تي ChatGPT»، التي يمكنها كتابة المقالات والإجابة عن الأسئلة بطلاقة شبيهة بطلاقة الإنسان، انتشاراً واسعاً في الأوساط الأكاديمية. لكن الذكاء الاصطناعي يتقدم بوتيرة أسرع وأكثر قوة في مجال علوم الكمبيوتر، التي تُركز على كتابة الرموز البرمجية، أي لغة الكمبيوتر.

توليد الرموز الكمبيوترية

قدمت شركات التكنولوجيا الكبرى والشركات الناشئة أدوات مساعدة بذكاء اصطناعي قادرة على توليد الرموز البرمجية، وتزداد كفاءةً بسرعة. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، توقع مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، أن تُضاهي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أداء مهندس برمجيات متوسط ​​المستوى في وقت ما من هذا العام.

برامج علوم الكمبيوتر

تسعى برامج علوم الكمبيوتر في الجامعات في جميع أنحاء البلاد جاهدةً الآن لفهم آثار التحول التكنولوجي، وتكافح لتحديد ما يجب الاستمرار في تدريسه في عصر الذكاء الاصطناعي. وتتراوح الأفكار بين تقليل التركيز على إتقان لغات البرمجة، والتركيز على دورات هجينة مصمَّمة لدمج الحوسبة في كل مهنة، حيث يتأمل المدرسون في شكل وظائف التكنولوجيا في المستقبل في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

قالت جانيت وينغ، أستاذة علوم الكمبيوتر ونائبة الرئيس التنفيذي للأبحاث في جامعة كولومبيا: «نشهد الآن ذروة موجة الذكاء الاصطناعي».

عروض نادرة لوظائف خريجي علوم الكمبيوتر

وما يزيد من الشعور بالإلحاح سوق العمل في مجال التكنولوجيا التي ازدادت تشدداً في السنوات الأخيرة. يجد خريجو علوم الكمبيوتر أن عروض العمل، التي كانت وفيرة في السابق، غالباً ما تكون نادرة. تعتمد شركات التكنولوجيا بالفعل بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي في بعض جوانب البرمجة، مما يلغي بعض الوظائف على مستوى المبتدئين.

ويعتقد بعض المدرسين الآن أن هذا التخصص يمكن أن يتوسع ليصبح أشبه بشهادة في الآداب الحرة، مع تركيز أكبر على التفكير النقدي ومهارات التواصل.

برنامج رؤية مشتركة لأساسيات تعليم الذكاء الاصطناعي

تمول المؤسسة الوطنية للعلوم برنامجاً، Level Up AI، لجمع الدارسين والباحثين في الجامعات والكليات للتحرك نحو رؤية مشتركة لأساسيات تعليم الذكاء الاصطناعي. ويُنظّم المشروع، الذي يمتدّ لـ18 شهراً، والذي تُديره جمعية أبحاث الحوسبة، وهي منظمة بحثية وتعليمية غير ربحية، بالشراكة مع جامعة ولاية نيو مكسيكو، مؤتمراتٍ وجلسات نقاشٍ مستديرة، ويُنتج «أوراقاً بيضاء» (خطط) لمشاركة الموارد وأفضل الممارسات.

وصرحت ماري لو ماهر، عالمة حاسوب ومديرة جمعية أبحاث الحوسبة، قائلةً: «لقد أُنشئت هذه المبادرة المدعومة من مؤسسة العلوم الوطنية بسبب شعورنا بالإلحاح لحاجتنا إلى المزيد من طلاب علوم الكمبيوتر -والمزيد من الأشخاص- الذين يعرفون عن الذكاء الاصطناعي في القوى العاملة».

وأضافت د.ماري أن مستقبل تعليم علوم الكمبيوتر من المرجح أن يُركّز بشكل أقل على البرمجة وأكثر على التفكير الكمبيوتري ومحو أمية الذكاء الاصطناعي.

* التفكير الكمبيوتري يتضمن تقسيم المشكلات إلى مهام أصغر، وتطوير حلول، خطوةً بخطوة، واستخدام البيانات للوصول إلى استنتاجات قائمة على الأدلة.

* أما محو أمية الذكاء الاصطناعي، فهو فهم -بمستوياتٍ متفاوتة من الفهم للطلاب في مختلف المستويات- لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وكيفية استخدامه بمسؤولية، وكيف يؤثر على المجتمع.

التدريب على تصميم البرمجيات باستخدام الأدوات الذكية

وبينما يستعد أعضاء هيئة التدريس لاجتماعهم، قال الدكتور كورتينا من جهته، إن وجهة نظره هي أن المقررات الدراسية يجب أن تتضمن تعليماً في أساسيات الحوسبة التقليدية ومبادئ الذكاء الاصطناعي، متبوعة بخبرة عملية واسعة في تصميم البرمجيات باستخدام الأدوات الجديدة.

وقال: «نعتقد أن هذا هو المقصد. لكن هل نحتاج إلى تغيير أعمق في المنهج الدراسي؟» حالياً، يختار أساتذة علوم الكمبيوتر بشكل فردي ما إذا كانوا سيسمحون للطلاب باستخدام الذكاء الاصطناعي. ففي العام الماضي، أيَّدت جامعة «كارنيغي ميلون» استخدام الذكاء الاصطناعي في المقررات التمهيدية.

في البداية، قال الدكتور كورتينا إن العديد من الطلاب عدُّوا الذكاء الاصطناعي «حلاً سحرياً» لإكمال واجباتهم المدرسية بسرعة، التي تتضمن كتابة البرامج. وأضاف: «لكنهم لم يفهموا نصف محتوى كتابة الرموز»، مما دفع الكثيرين إلى إدراك قيمة معرفة كيفية كتابة الرموز وتصحيح أخطاء الأدوات بأنفسهم... وهكذا «يعيد الطلاب ضبط أنفسهم».

موقف طلاب علوم الكمبيوتر

هذا صحيح بالنسبة للعديد من طلاب علوم الكمبيوتر الذين يتبنون أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة، مع بعض التحفظات. فهم يقولون إنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لبناء نماذج أولية للبرامج، وللتحقق من الأخطاء في الرموز البرمجية، ومعلماً رقمياً للإجابة عن الأسئلة. لكنهم يترددون في الاعتماد عليه كثيراً، خوفاً من أن يُضعف مهاراتهم الكمبيوترية.

يقول كثير من الطلاب إنهم يرسلون ما بين 100 و200 طلب للتدريب الصيفي والوظائف الأولى.

واليكم مثال كونور دريك، الذي سيُصبح طالباً في السنة الأخيرة خريف العام المقبل في جامعة نورث كارولاينا في شارلوت، ويرى نفسه محظوظاً؛ إذ حصل على مقابلة بعد تقديمه 30 طلباً فقط. عُرضت عليه وظيفة متدرب في الأمن السيبراني هذا الصيف في شركة «ديوك إنرجي»، وهي شركة مرافق كبيرة، في شارلوت.

وقال دريك، البالغ من العمر 22 عاماً: «كانت شهادة علوم الكمبيوتر بمثابة تذكرة ذهبية لأرض الوظائف الموعودة». لم يعد الأمر كذلك.

تتمثل استراتيجية دريك الشخصية للدفاع عن الذكاء الاصطناعي في توسيع نطاق مهاراته. فبالإضافة إلى تخصصه في علوم الكمبيوتر، درس العلوم السياسية تخصصاً فرعياً في دراسات الأمن والاستخبارات، وهو مجال يُمكن تطبيق خبرته فيه في مجال الأمن السيبراني.

تراجُع التوظيف

اضطر دريك، كغيره من طلاب علوم الكمبيوتر، إلى التكيف مع سوق عمل تكنولوجية متزايدة الصعوبة. ويشير خبراء العمل إلى وجود عدة عوامل مؤثرة. فقد قلصت شركات التكنولوجيا الكبرى، على وجه الخصوص، توظيفها خلال السنوات القليلة الماضية، وهو تراجع حاد عن سنوات الطفرة التي شهدتها فترة الجائحة. والاستثناء الوحيد هو التوظيف المكثف لعدد صغير نسبياً من أبرز خبراء الذكاء الاصطناعي، والذين تُعرض عليهم رواتب مجزية.

وقد ظلّ التوظيف الإجمالي للعاملين في المهن التكنولوجية مستقراً حتى وقت قريب، حيث انخفض بنسبة 6 في المائة منذ فبراير (شباط)، وفقاً لإحصاءات حكومية. أرسل أصحاب العمل إشارةً أكثر وضوحاً بتراجع ملحوظ في قوائم الوظائف التقنية. ففي السنوات الثلاث الماضية، انخفض عدد الشركات التي تبحث عن موظفين بخبرة سنتين أو أقل بنسبة 65 في المائة، وفقاً لتحليل أجرته شركة «CompTIA»، وهي منظمة أبحاث وتعليم تكنولوجية. وانخفض عدد الوظائف المتاحة للعاملين في مجال التكنولوجيا من جميع مستويات الخبرة بنسبة 58 في المائة.

سوق البرمجيات بالذكاء الاصطناعي ستزدهر

في حين أن مستقبل تعليم علوم الكمبيوتر قد يكون غامضاً، فإن سوق البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مهيأة للنمو، كما يقول الخبراء. فالذكاء الاصطناعي أداة إنتاجية، وكل موجة جديدة من الحوسبة -الكمبيوتر الشخصي، والإنترنت، والهواتف الذكية- تزيد الطلب على البرمجيات والمبرمجين. يقولون إن النتيجة هذه المرة قد تكون طفرة في ديمقراطية التكنولوجيا، حيث يستخدم العاملون في مجالات متنوعة، من الطب إلى التسويق، أدوات شبيهة ببرامج الدردشة الآلية لإنشاء برامجهم الخاصة، المصمَّمة خصيصاً لقطاعاتهم، والمدعومة بمجموعات بيانات خاصة بكل قطاع.

يقول أليكس آيكن، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد: «قد يتراجع نمو وظائف هندسة البرمجيات، لكن العدد الإجمالي للعاملين في مجال البرمجة سيزداد».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

تكنولوجيا يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يهدد ملايين الوظائف التقليدية (رويترز)

كيف يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي على البطالة والتوظيف في 2026؟

مع التسارع غير المسبوق في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد التساؤلات حول تأثير هذه الثورة التكنولوجية على سوق العمل العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

لا يكتفي التحليل بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد قفز الذكاء الاصطناعي من المركز العاشر إلى المركز الثاني بعد الجرائم الإلكترونية خلال العام الحالي بحسب المقياس السنوي للشركات (رويترز)

الذكاء الاصطناعي ثاني أكبر تهديد للشركات في العالم

ذكرت شركة التأمين الألمانية العملاقة «آليانز»، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكبر التهديدات التي تواجهها الشركات في العالم.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (أ.ب)

وسط الانتقادات بسبب الصور الجنسية... أميركا تعلن دمج «غروك» في شبكات البنتاغون

أعلن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أن الجيش سيبدأ دمج أداة الذكاء الاصطناعي «غروك»، التابعة لإيلون ماسك، في شبكات البنتاغون، خلال وقت لاحق من هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» «الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار «إنفيديا» على شريحة ذكية من إنتاج الشركة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)

الصين تمنع دخول رقائق «إنفيديا» وسط تساؤلات واسعة

أفادت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» بأن السلطات الجمركية الصينية أبلغت مسؤوليها هذا الأسبوع أن رقائق «إتش 200» من شركة «إنفيديا» ممنوعة من دخول الصين.

«الشرق الأوسط» (بكين)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».