عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

الكاتبة والمسؤولة ترى أن الثقافة الكويتية لم تتراجع

عائشة المحمود
عائشة المحمود
TT

عائشة المحمود: التحدي الأكبر هو الخروج من «البوتقة الآمنة»

عائشة المحمود
عائشة المحمود

تجمع الكاتبة الكويتية عائشة المحمود بين الحقل الإبداعي؛ فهي روائية وقاصة لديها كثير من الأعمال الأدبية، وبين عملها مسؤولةً عن تطوير القطاع الثقافي في الكويت؛ كونها الأمينة العامة المساعدة لقطاع الثقافة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

صدر لها في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر». وفي القصة القصيرة: «آخر إنذار»، و«عابرون»، كما صدرت لها روايتان، هما: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022). هنا حوار معها:

> تحدثتم في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب مؤخراً عن تفعيل «الاستراتيجية الثقافية» في الكويت... ما هي ملامح هذه الاستراتيجية؟

- من الملامح الأساسية لاستراتيجية المجلس الوطني (للثقافة والفنون والآداب في الكويت)، ترسيخ الهوية الثقافية الجامعة للكافة، ففي مجتمع يزدحم بالهويات الثقافية المتنوعة والمتداخلة لا بد أن تتولى المؤسسات الثقافية مهمة دمج هذه الثقافات مع بعضها بعضاً لإنتاج هوية ثقافية جامعة لكل أطياف المجتمع، وتكون مهمة المؤسسة الثقافية العناية بهذه الهوية الجامعة كما تحرص على حضورها؛ كونها المظلة الثقافية التي يتفيأ في ظلها الجميع على اعتبار أنه جزء من هذه الثقافة كما أنه ينتمي إليها، وبالتالي فإن دور المجلس ووفق الاستراتيجية المعدة سلفاً هو تعزيز هذا الشعور لدى الجميع مع الحرص على قبول التنوع الثقافي في المجتمع دون إلغاء للآخر.

> من خلال دورك في إدارة المشهد الثقافي، كيف يمكن ترسيخ دور الثقافة في الكويت وإعادة حضورها السابق؟

- دعني أختلف معك قليلاً. فلا تزال الثقافة الكويتية حاضرة في المستويات كافة وبكل مكوناتها الإبداعية التي لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، فأنا أرفض فكرة أن الثقافة الكويتية تراجعت، فمن الإنصاف أن نعي أن هناك ازدحاماً وصخباً في المشهد الثقافي الحالي، حيث نشأت مؤسسات ثقافية حكومية أو أهلية، كما ساهمت وسائل التواصل الرقمية الحديثة بهذا الانفتاح والتنوع في المشهد الثقافي، حيث صرنا نشاهد مبادرات للأفراد في المساهمة في المشهد الثقافي، إلا أن الرهان عندنا نحن في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ينصبّ على المادة الثقافية المقدمة للجمهور، حيث كنا ولا نزال نبحث عن القيمة الحقيقية التي تنفع الإنسان ونقدمها له امتثالاُ لقوله تعالى «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ».

> كثيرون من الكويت وخارجها يتحسرون على الزمن الثقافي والفني الجميل في الكويت، هل تشاركونهم الرأي؟

- أعود للتأكيد؛ الكويت لم تتراجع عن مكانتها الثقافية، والحسرة لا أظنها بمحلها، فالمتابع المنصف لمخرجات الساحة الثقافية الكويتية سيجد أن المشهد الثقافي بكل أنواعه لا يزال حاضراً، وذلك يمكن قياسه من خلال الحركة النشطة للطباعة كما أن هناك زيادةً في عدد دور النشر وزيادة في الإصدارات، كما يمكن قياس نشاط المشهد الثقافي من خلال معارض الكتب والأنشطة الثقافية المصاحبة لها، ولا يمكن أن نغفل عن الحركة الفنية بشقيها في التلفاز أو على المسرح، حيث إنها لا تزال متعافية ونشطة، وأظن أن مردّ ذلك الشعور بالتراجع يرجع لحالة الزحام في المشهد الثقافي العربي وحتى العالمي؛ الأمر الذي فرض وجود منافسة على صدارة المشهد الثقافي، زحام فرضته معطيات العالم المعاصر وانفتاح قنوات التواصل والاتصال وآليات الوصول للجمهور، وهو أمر صحي ومطلوب.

> تحدثتِ عن المبادرات الثقافية لتحقيق أهداف «الخطة العربية للتنمية المستدامة 2030»، وذكرتِ أن من بينها «حماية التراث الثقافي الكويتي من الاندثار»، والاستمرار في إصدار سلسلة «عالم المعرفة» و«إبداعات عالمية» و«الثقافة العالمية» و«مجلة العربي»، بصفتها منصاتٍ لنشر التراث والمعرفة... هل يعني أن هذه المطبوعات ستعود للإصدار (ورقياً) ومن دون تقليص لعدد النسخ؟

- تُعدّ الإصدارات الثقافية الممثلة بالسلاسل الخمس التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بجوار الأيقونة الثقافية الأبرز؛ «مجلة العربي»، من المشاريع الثقافية الراسخة التي لم تتراجع أو تتوقف منذ خمسين عاماً وأكثر، والتزام دولة الكويت بهذا المشروع الثقافي الكبير لا يزال قائماً ومتواصلاً بمفرداته كافة، والإصدارات لا تزال مستمرة في الإطلالة على قرائها بشكلها الورقي، إلا أنّ التوقف الذي حصل هو توقف طارئ؛ وذلك لظروف إدارية بحتة، علماً بأن جميع الإصدارات لا تزال تصدر بصيغتها الإلكترونية وستعاود منظومة الإصدارات مسيرتها المعتادة، أما بشأن تخفيض الإعداد الورقية فهي ترجع لكوننا نسعى لرقمنة الإصدارات بما يتماشى مع متطلبات الحياة الراهنة وبما يتسق مع الإصدارات العالمية المماثلة.

التجربة الثقافية

> كيف أثّرت تجربتك الأدبية على رؤيتك للعمل الثقافي المؤسسي؟

- أنا أنتمي للحالة الثقافية وللكتابة على وجه الخصوص، تلك اللذة الأثيرية الطاغية التي تتلبسني كحالة من الانبجاس الأبدي، ولا يمكنني أن أنكر أنها حتماً تؤثر بشكل ما على عملي المؤسسي، إلا أنه تأثير ذو وجه جمالي مكثف، فبحكم اهتمامي أستطيع الاطلاع على المشهد الثقافي بكل أبعاده، فهذا السؤال في وجهه السافر ينكأ جرحاً كامناً في النفس، أو لعله ليس كامناً بالقدر الكافي، بل على العكس من ذلك هو واضح وخادش أكثر مما ينبغي، فأن تكون مشتغلاً بالأدب وجزء من تلك العملية التي تستولد نصاً إبداعياً ما من رحم الفرح أو الغرابة أو الألم في الغالب، وفي الوقت ذاته أن تكون ضالعاً أساسياً في عملية رسم الخريطة الثقافية إلى حد بعيد، لهو أمر شاق؛ فمحاولة التفريق بين كونك كاتباً تنتمي إلى الفعل الثقافي وتتبناه وبين أنك محدد لمسارات تلك العملية شيء شاق للغاية.

ولعل أصعب ما في الأمر هو محاولة التقاط تلك الشعرة الضئيلة الفاصلة بين زيح وآخر، شعرة واهنة ورقيقة إلى حد يصعب عليك أحياناً رؤيتها إلا أنك مجبر على أن تراعيها، أن تجتهد لموازنة كفة الانحيازات لكي لا تميل معاييرك نحو مقاربة عالمك الخاص التي لا بد أن تكون في كثير من المواقع مستحقة ولازمة، لكنك وللضرورات الأخلاقية كثيراً ما تنأى بنفسك عن دائرة الضوء والبريق لصالح الآخرين أيما كانت رتبة إبداعهم؛ وذلك التزاماً منك بناصية الحياد، وفي الأمر معاناة كبرى.

> لكن، ألا يسهم اشتغال المثقف بإدارة المشهد الثقافي في تطويره وتعزيزه؟

- ابن الحالة الثقافية هو الأقدر على تفكيكها وتشخيص أمراضها ومعالجتها، وعلى فهم طواياها والاستدلال على دروبها المقفرة أو المزدحمة؛ لذا أرى في الأمر تلازماً منصفاً لصالح المشهد الثقافي بكل أبعاده.

> هل هناك فجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب؟ هل أصبحت شبكات التواصل منافساً لمؤسسات الثقافة؟

- الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره، ربما يرجع لتقليدية الوسائط الثقافية التي تنتهجها المؤسسات؛ الأمر الذي استدركته المؤسسات الثقافية مؤخراً فسعت لتطوير الرؤية الثقافية والحرص على منحها بعداً معاصراً، لتصبح أداة رئيسية في إدارة المشهد الثقافي وفي تطويع مفرداته العصية.

> لديك عدد من الأعمال الروائية، كما أن لديك سجلاً أدبياً متميزاً في القصة القصيرة وأدب الرحلات، أين تجدين نفسكِ بين هذه الفنون الأدبية؟

- يصعب أن أضع نفسي في حالة أدبية معينة، فأنا منتمية إلى الحالة الإبداعية بكل أطيافها بل منغمسة في أعماقها، ربما أجد نفسي أكثر إشراقاً على صعيد الكتابة الروائية لما تحمله من فضاء إبداعي متسع، لكنني للحقيقة أنا أقتفي أثر البريق، وأتحسس مواضع الدهشة وأيما حملتني غيمة الإبداع أمطر فتنبت قصة قصيرة، ومرة تزهر رواية، وفي بعض الأحيان تنمو شجرة أدب رحلات، وربما في بُعد رخيم مرئي تتلقفني يدّ الشعر من علو فأكتب قصيدة... فمن يدري؟

الفجوة بين المؤسسات الثقافية والشباب تحدٍ حقيقي لا يمكن إنكاره

> في الروايتين الصادرتين لك: «وطن مزورْ: يوميات البن والحناء» (2018)، و«عباءة غنيمة» (2022)، ثمة هاجس ملح يربط بينهما، وهو سؤال الهوية، في الرواية الأولى البحث عن هوية الوطن (المكان)، والأخرى البحث عن هوية الزمان... كيف يرصد الروائي قلق الهوية، وكيف يسعى لمعالجته؟

- كل واحد منا يبحث في داخله عن إجابة لسؤال ما؛ لذا كان سؤال الهوية مكاناً أم زماناً هاجساً يجتاح رأسي، يرغمني على الانسياق وراءه، والروائي يعمل بشكل الأساسي على تسليط الضوء الكاشف على عوار النفس ونزوعها البشرية القاتمة، ولا يُطلب منه أن يمتلك إجابات جازمة عن تساؤلات الهوية أو سواها، عليه فقط أن يلقي بحجر التساؤل، أما دوائر الإجابة فهي مسؤولية القارئ.

التحدي الحقيقي لأي كاتب هو أن يخرج من بوتقته الآمنة، أن يخترق عوالم وعواصم وأقاليم جديدة في الوقت الذي يبقي يده على لجام السرد في منطقة يحفظ أبعاد خرائطها جيداً؛ لأن الخروج نحو فُسَحٍ مكانية أكثر اتساعاً يكون مغوياً في أحيان كثيرة؛ ما يوقع الكاتب في شرك الخديعة الواهية للكتابة، وهذا ما أتحاشاه دائماً؛ لذا فهي مخاطرة على طرافتها وخفتها إلا أنها في بُعد من أبعادها شاقة وشائكة.

في أعمالي القادمة أظن أن سؤال الهوية سيبقى حاضراً كأحجية تعصى على الإجابة، لكنني بدلاً من الانطلاق نحو الخارج المستشرس، أسعى إلى الحفر في الداخل الإنساني، في النبش عن الأحاسيس التي تخامرني وتتفجر ينابيع سائلة من الأسئلة التي لا إجابات لها.

> كتبتِ في أدب الرحلات: «في حضرة السيد فوجي سان: مشاهدات سائحة في اليابان» و«هوامش على خارطة السفر»... كيف ترين هذا النوع من الفنّ الذي يوشك على الانقراض في الثقافة العربية؟

- هو فنٌّ يوشك على الانقراض ربما في معناه التقليدي ككتابة حول الرحلات، لكنني واقعياً أرى أنه لم ينقرض إنما تغيرت أدواته؛ ففي السابق كانت الكلمة الأقدر على إيصال العالم إلى القارئ، حل محلها الصورة والمشهد والكاميرا، صار التدوين مرئياً حياً وحيوياً لا جامداً، إلا أنني ما زلت أنحاز للكلمة؛ لأنها تحفز المخيلة تجعل من القارئ جزءاً أصيلاً من الحالة لا راصداً بعيداً لها.

> كيف تنظرين إلى تجربة المرأة الكويتية في الحياة الثقافية؟- تجربة المرأة الكويتية على الصعيد الثقافي ليست جديدة، حضور المرأة المثقفة بصفتها عنصراً في الحالة الإبداعية كان ولا يزال حاضراً ومؤثراً، ربما ما اتسع هو طيف المشاركة في العمل المؤسسي للمرأة صار الحضور أكثر تأثيراً، ربما لأن جيلاً جديداً من النساء المبدعات صار جزءاً أصيلاً من تلك المؤسسات؛ ما منح ذلك الحضور أثراً فارقاً.


مقالات ذات صلة

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)
ثقافة وفنون «أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

تصف ماري رامسدن الرسم بأنه «التفكير باليد». ذلك تعريف ينأى بالرسم بعيداً عن خيال اليد الذي هو التعبير الأنسب الذي يلخص خبرة يد الرسام الخفية

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي
TT

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي، إذ يستند إلى الحياة الداخلية، ويتوغل في أقاصي النفس البشرية، كما يتماهى مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي الذات الفردية بذات الأرض وذات الجماعة، وحيث سحر الذاكرة التي يرى فيها الدويهي «شمس الروح». وكان الشاعر أنسي الحاج قال عن الدويهي: «إنه يُقرأ كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبمناسبة مشاركة الدويهي في «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب»، خروجاً عن تنسّكه المعتاد في الكتابة والحياة، دار الحوار التالي...

> لا أخفي عنك سروري بصدور «الشتاء الكبير»، خصوصاً بعد سنوات عدة من الصمت والعزلة، منذ صدور روايتك «آخر الأراضي » عام 2017، ثم إعادة نشر «كتب الحالة» في العام التالي، الذي يحتل مكانة خاصة في مكتبتي، فلماذا هذه الرواية الآن؟ - هذه الرواية عهد بيني وبين نفسي. تعلم أن جميع أعمالي الأدبية مستمدة من «يوميات الحياة الداخلية» التي دأبت على تدوينها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم. من بين هذه المخطوطات المحفوظة لديّ، ثمة مدونات عن روايتين كنت أعمل عليهما في الصبا الأول، لم أنجزهما في حينه. وها أنا بعد أكثر من نصف قرن أعود إليهما، فأكملهما من حيث توقفت آنذاك، وقد دمجتهما في رواية واحدة بعنوان «الشتاء الكبير».

> لماذا عنوان «الشتاء الكبير»؟

- كان عنوان الفصل الأخير الذي توقفت عنده في حينه، وقد اعتمدته عنواناً للرواية. و«الشتاء الكبير» هو الشتاء الرهيب، المفعم بعذابات الروح التي أتحدث عنها، في تلك المراهقة المتألمة، المتوهجة، المسكونة بالهواجس وبنزعة المطلق. هي عذابات عيش الحياة قبل عيشها. وقد صدف أن آلام الصبا الأول الذاتية قد تمّت في مجتمع كان يعيش مرحلة من الاضطراب العميق أيضاً، مع أني أرى تماماً أن الاضطراب الذاتي لم يكن ناتجاً قط عن الاضطراب المجتمعي، وكان سيحدث في ذلك المكان أو سواه.

> لكن المكان، أي موريا القديمة، التي تقع فيها تلك الأحداث المأساوية، هي شديدة الأهمية بالنسبة للراوي. يذكر في مستهل «الشتاء الكبير» كم يعجب من الذين يسافرون، كيف يستطيعون الانتقال من مكان إلى آخر، وكيف يمكنهم العيش في بلدان وأنحاء لا علاقة لها بحيواتهم الماضية، أما هو فلا يستطيع العيش إلا في هذا المكان الواحد، هذا الحي القديم الذي هو فيه، ولا يستطيع مبارحته إلى أي مكان قريب أو بعيد في هذه الدنيا، ولا يمكنه تصور حياته خارجه، أليس كذلك؟ - لا شك في ذلك. كان ثمة تعلّق شديد بذلك المكان. لكن عذابات الصبا الأول، أي أزمة الراوي الشخصية، كان لا بد أن تحدث في أي مكان، لأنها ناتجة عن طبيعة ذاته العميقة، وليس عن المكان الذي هو فيه. مع ذلك يتوقف الراوي عند تعلقه الشديد بموريا القديمة، ويحاول إدراك أسبابه. يتساءل إذا كان ارتباطه بذلك الحي القديم عائداً إلى طبيعة الحي شبه الدائرية، شبه المغلقة، أم لفصول العنف وطقوس الموت التي رافقته فيه منذ وصوله إليه طفلاً، أم بسبب ولهه الرهيب بهند، مع أنها لم تكن تقيم في موريا القديمة. لكن توالت في هذا الحي فصول ولهه الداخلي بها، القائمة ليس على حضورها، بل على غيابها النهائي.

> كذلك يربط الراوي عميقاً بين دعوته الأدبية وموريا القديمة...

- أجل، كمسرح لهذه الدعوة. يذهب بعيداً جداً في هذا الربط، إذ يقول: «لا حاجة لي لمعرفة ما جرى في مسارات التاريخ، أو ما يحدث الآن في أرجاء العالم الشاسع، كي أعبّر عن المغامرة البشرية وعن المصير البشري. يكفيني أن أعيش فصول الحياة والموت في موريا القديمة، ويكفيني عيش ولهي بهند، حت ألج كل شيء وأشهد لكل شيء منذ بدء الزمان. حي موريا القديم هو مسرحي الكوني».

لكن هنا أيضاً، وعلى الرغم من هذا الربط العميق بالمكان، تبقى الدعوة الأدبية قائمة كلياً في ذاتها، بمعزل عن المكان. كان يمكن أن تعبّر عن نفسها في أي مكان يقوده صباه الأول إليه. فعالم الراوي الأدبي قائم، ليس في المكان، بل في ذاته الأعمق، ويبقى في جوهره هو نفسه، بمعزل عن تغيّر الأماكن وطبيعتها وظروفها.

يذكر الراوي أنه، على الرغم من وجوده في موريا القديمة وصلته الوثيقة بأهلها، فهو مقيم في «مكان ناء عنهم، بعيد عن عالمهم». ويوضح ذلك أكثر بقوله: «أعجب كيف يرى الناظر إليّ وراء سحنتي الهادئة وظلي الناحل، هذا المدى الشاسع الذي أنا فيه. وأنا لم أختره ولم أسع إليه، ولا علاقة له برغبتي أو إرادتي كأنه مكان إقامتي منذ ما قبل ولادتي بزمن طويل».

> أودّ التوقف قليلاً عند دعوة الكتابة التي ترتدي كثيراً من الأهمية في هذه الرواية. كيف تحدد هذه الدعوة؟

- يحددها الراوي في «الشتاء الكبير» تحديداً وافياً، فهو يذكر أن لا غاية معرفية أو فكرية أو فلسفية أو توجيهية لما يكتبه، بل غاية جمالية بحتة، وأن ما يكتبه هو شهادة، إذ يقول: «فما أنا إلا شاهد، أشهد لما أنا فيه، وحين أكتب لا أكتب لأحد، ولا أتخيل أحداً أمامي، ولا أهتمّ بمن سيقرأ أو لا يقرأ ما أخطّه، فصدق شهادتي وجماليتها هما غايتي الوحيدة». ويضيف: «هو هاجس الكتابة المطلقة التي أتوق إليها، وهاجس الكتاب المطلق الذي أسعى إليه. فالكتابة هي خلق عالم جديد، فريد، شعري الجوهر، يكون على صورة الكاتب ومثاله، وليس من أدب كبير إن لم يكن شعرياً»، أي جمالي الجوهر.

> ومن أين يأتي هذا الأدب الكبير؟

- من مصدر أوحد، من نهر الأعماق. نهر الحياة الداخلية الذي لا يتوقف، بما يحمله من لحظات مضيئة، متوهجة. وهو ليس تعبيراً عن الذات الفردية فقط، بل أيضاً من حيث يدري الكاتب أو لا يدري، عن وجدان الشعب، وعن روح الأرض. والحياة الداخلية ليست فسحة ضيقة، محاصرة، كما يظنّ البعض، بل هي الكون لرمته، وحين تنطفئ ينطفئ الكون.

وبشأن الأدب الكبير أيضاً، يذكر الراوي أنه «لا حاجة للبحث عنه هنا وهناك، لأنه يكون موجوداً بأكمله، وجوداً مسبقاً، في ذات الكاتب. ويكفي لتجسيده شعور عميق يقود إليه، كأنه دليله، والبقية تأتي كفعل تأليفي ولغوي، لا أكثر».

> ثمة تساؤلات تفرض ذاتها حول هذا العمل: كيف يمكن إكمال رواية بعد أكثر من نصف قرن على بدئها؟ وكيف يبقى عالم الكاتب هو نفسه؟ وكيف تبقى لغته هي نفسها؟

- يحق للمرء التساؤل والاستغراب، لكنه أمر جد طبيعي بالنسبة لي. أنا اكتملت لغتي منذ ذلك الزمن، زمن الصبا، ولم تعد تتغير. كذلك هواجسي ورؤيتي للأشياء، وجوهر حياتي الداخلية. كل مساري الأدبي يشهد على ذلك. ويوضح الراوي في مستهل «الشتاء الكبير» ما يلي: «كنت أشرت مراراً إلى غرابة علاقتي بالزمن، كيف كأنه يمرّ لديّ ولا يمر. كأنه يجتاز الخارج ولا يلج إلى الداخل. كيف أن المسافات الفاصلة بين الماضي والحاضر مصابة بقصر نظر مريع، وأن كل شيء حي ومحفوظ بكامله في فسحة الذات، لم تضع ذرة واحدة منه».

وبشأن العالم الداخلي الذي بقي في جوهره هو نفسه على مرّ الزمن، يذكر الراوي: «كل ما عرفته بعد ذلك، على مر السنين، من مشاهد وأمكنة وأنفس وحيوات لا تحصى، في جغرافية حياتي الفسيحة على ضفتي العالمين... لم يضف كثيراً إلى ما كان يختلج في حنايا ذلك الفتى اليافع الصامت».

وعن اللغة والرؤية، يضيف الراوي: «كما أود الإشارة إلى أني لم أغيّر شيئاً في لغته التي بقيت هي عينها على الدوام. هي لغة نفسي، فأنى لي تغييرها؟ ولا استطعت الغوص أبعد منه في غياهب ذاتي، ولا أعمق منه في ولوج ما يُرى وما لا يرى من عوالم».

> ترتبط عذابات الصبا الأول المبرّحة في «الشتاء الكبير» بوله الراوي بهند. لكن الراوي لم يقترب من هذه الصبية أبداً، بل كان يراها من بعيد واقفة على تلك الشرفة. وهو لا يعرف عنها شيئاً، ولا يدري إذا كانت شعرت بشيء تجاهه، وقد أولاها اسم هند، لأنه لا يعرف اسمها. فما طبيعة هذا الوله الغريب الذي كانت له النتائج النفسية المهولة؟

- ثمة علاقة وثيقة مباشرة بين الوله بهند «صبية الشرفة» وعذابات الصبا الأول التي دامت 3 سنوات مفعمة بآلام الروح، وتتوقف الرواية عندها. يذكر الراوي بهذا الشأن: «أسميه (الشتاء الكبير) وهو (الشتاء الرهيب) حقاً، حين أضحت (صبية الشرفة) الهاجس الداخلي، السري، الطاغي، المضني، الذي لا يبارح ذاتي في أي وقت. وكم تساءلت إذا كان من كائن بشري آخر عرف الاضطراب الذي أعيش، علّه يحمل لي بعض العزاء وبعض الإضاءة لما أنا فيه. أحاول الاقتراب بالكتابة من الحالة التي تمتلكني، آملاً أن تسعفني كتابتها على تحملها والخروج ذات يوم منها، وأنا في كل مرة أحاول ذلك، أجد ما أكتبه بالغ النقصان».

أما عن الوله بهند، فهو الحب الأول، وهو حب عذري. لكنه أبعد وأغرب من ذلك. ففي حالة الحب العذري، لا يكون من تواصل جسدي طبعاً، لكن تكون هناك، على الأقل، معرفة متبادلة ما. أما في حالة الوله بهند، فهو وله بالغياب المطلق. فبعد أن ولجت الصبية أعماق النفس، وأضحت هاجسها الأكبر، يخبر الراوي أنها «اختفت فجأة بعد نحو عام ونصف عام مع عائلتها التي غادرت ذات يوم إلى جهة أجهلها». ومنذ ذلك الحين أضحى الوله بها ولهاً بالغياب النهائي الذي لا خاتمة له.

> هذا في جانب اضطراب الصبا الأول وعذابات الوله ودعوة الكتابة. لكن كيف ترى الاضطراب المجتمعي العميق الذي رافق تلك المرحلة، وما حمله من عنف وموت؟ في بعض القراءات النقدية التي اطلعت عليها، للرواية، كان التركيز على تاريخية أحداث العنف التي عرفها مجتمع طفولتك وصباك الأول في حينه. ما رأيك في ذلك؟

- لا شك أن ما حملته الرواية من اضطراب مجتمعي ومن أحداث عنف، لا يأتي من العدم. فهو منبثق من واقع مأساوي عشناه في تلك المرحلة، لكن العنف في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ولا يتوقف إطلاقاً عندها. وإذا ركّز بعض النقد على ذلك، فلأنه يسهل عليه التحرك في المجال التاريخي ومساراته المعروفة، بما تحمله من لفت نظر وإثارة. لكن العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» هو في مكان جد بعيد عن تاريخية الأحداث، فأنا لا أحب الأدب التاريخي ولا ألجأ إليه، وقد تحدثت عن ذلك مراراً من قبل.

> لكن إذا كان العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» يتجاوز تاريخية الأحداث ويقيم خارجها وفي منأى عنها، فأين يكون؟

- يتخطى العنف الجماعي في «الشتاء الكبير» سردياته ليمثل في أبعاده الوجودية، الواعية واللاواعية، المجردة من الأحداث الواقعة، وينزح نحو أسراره النفسية والشعورية القصيّة. فهو يحضر مجرداً من ماديته، تائقاً إلى ما ورائيته. فالراوي يذكر بهذا الشأن: «هو في ذاكرتي موت بلا دم، وليس في ذاكرتي مكان للدم المراق. وحين كان يقترب الدم أحياناً من صورة موتهم في مخيلتي، كنت أرفض بقوة تتخطاني وتتجاوز وعيي وإرادتي. لذلك كلمة (دم) شبه غائبة عن قاموسي، لا أحب استعمالها قط، وأستغرب كثيراً الذين يفرطون في ذكرها، فهم ينتمون إلى عالم جد ناءٍ عن ذاتي».

والعنف في الرواية يكمن في محاولة الإجابة المسهبة عن تساؤلات لا إجابة عنها، مثل: «كيف يمكن للوالد أو الوالدة العيش بعد موت ولدهما؟»، والغوص في أغوارها ومجاهلها. ومثل تقصّي حالة الاشتباك الجماعية بين موريا الشرقية وموريا الغربية ومحاولة ولوج أسرارها ومعانيها في غياهب الوعي واللاوعي الفرديين والجماعيين، عبر الانتقال من مادية العنف إلى احتفاليته، وإلى ما يشبه ميتافيزيقيته.


«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات
TT

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً؛ القسم الأول بعنوان «باب كبير: الحياة»، والثاني «باب أوسط: أنا»، والقسم الأخير عنوانه «باب صغير: قلبي»، وهذه الصيغة في العنونة تمنح الديوان ترابطه البنيوي، فتبدو أقسامه بمثابة دوائر، أو بنى متراوحة الحجم، وكل بنية كبيرة تحتوي داخلها على بنية أصغر، والذات الشاعرة تنتقل من الدائرة الكبرى إلى الصغرى، متأملة الحياة ثم ذاتها ثم قلبها، بهذا الترتيب الذي ينتقل من الاتساع إلى الضيق، ومن العام إلى الخاص، فالأبواب الثلاثة يفضي أحدها إلى الآخر، من الباب الأكبر إلى الأصغر، وهذه الذات تبدو ككاميرا رائية وفاحصة، أو عين تحدق بأقصى اتساع، كلما عبرت باباً يسلمها إلى باب أضيق، لتتبصر الوجود حولها أولاً، ثم تتحول إلى الدوائر الأضيق، متأملة الأفكار والمشاعر القارّة في داخلها، محاولة النفاذ إلى عمق المتاهة الوجودية التي تدور في دوائرها.

الديوان صادر في القاهرة، عن دار «بتانة» للنشر، ويركز في قسمه الأول على تفاصيل العالم ومرتكزاته، وتحمل كل قصيدة عنواناً مباشرة لواحدة من هذه التفاصيل، سواء كانت مادية؛ مثل: «الضوء، الصوت، الشمس، البحر، التراب»، أو معنوية ومفاهيمية مجردة؛ مثل «الأمل، الصمت، الحلم». وفي كلتا الحالتين تعيد القصائد تعريف هذا العنوان، عبر إعادة تقديمه برؤية الذات الشاعرة، وتلقيها له، وفهمها لجوهر وجوده، إنها تكتب عن أثر هذه التفاصيل في نفسها، وتأويلها له، وتعيد صياغته وتقديمه شعرياً، وتفيد في هذا التشكيل الشعري من تقنيات الفن التشكيلي، بحيث تصير القصيدة أقرب إلى لوحة تشكيلية، تعبر عن روح الموضوع الشعري، كما نرى مثلاً في قصيدة «الضوء»، حيث تبدأها بملمح تشكيلي واضح، قائلة:

«بأصابعه يلم ستائر العتمة

يفتح شبابيك الكون

يتمطى

يتثاءب

فيخرج النهار من فمه كالمارد»

ولا تتوقف النزعة التشكيلية عند تصوير التفاصيل المادية للحياة، بل تتردد أصداؤها في كل قصائد هذا القسم تقريباً، وتواصل حضورها في النصوص المعنية بالتمثيل الشعري للمفاهيم المجردة، كما يتجسد هذا النزوع التشكيلي في قصيدة «الصمت»؛ إذ تحضر الألوان، والكتلة والفراغ، والخلفية، والسكون والحركة، وتعيد تعريف الصمت عبر رسمه بشكل لا يخلو من سريالية، لكنها سريالية مفعمة بالدلالات. تقول:

«الصمت

يفتح أوراقه على الطاولة

بيضاء لم يمسسها سوء

يومئ برأسه

فينهمر فوق رؤوس الكلمات

مطر غزير

يغرق الحكاية»

وإذا كانت الطبيعة، من شمس وصوت وضوء وبحر، حاضرة بقوة في القسم الأول، باب الحياة، الذي توجه فيه الذات الشاعرة نظرها إلى مفردات العالم، خارجها، فإنها حين تحدق في الداخل، وتدخل من الباب الأوسط، باب الأنا، لا تنقطع صلتها بالطبيعة، بل تبدو هي نفسها معادلاً لها، وتهيمن في هذا القسم التشبيهات بين الذات ومفردات الطبيعة، من نباتات وحيوانات، فلا تخلو قصيدة فيه من حضور جوهري لمفردات طبيعية، بحيث تبدو الذات الأنثوية مرادفاً للطبيعة، وتتعدد تجليات هذا الحضور، مثل «أراهن على نفسي وأركض/ كحصان متمرس في السباقات»، و«بين النجوم/ تركت عينيّ/ شهابُ مسرع طرف عينا/ وأطفأ بريق الأخرى»، و«بعيني طائر/ أحدق بشجرة الكينا/ المطر بلل شعرها مثلي»، وغيرها كثير من النماذج التي تنطوي على مشابهات ما بين الذات وعناصر الطبيعة، بل كثيراً ما يحدث تبادل بينهما، فالذات تمنح عينيها أحياناً لعالم النجوم، وأحياناً أخرى تستعير عيني طائر، وثمة تعالق عبر أدوات التشبيه، مثل تشبيه نفسها بالحصان أو بشجرة «الكينا». غير أن هذا الحضور للطبيعة ليس دائماً حانياً وحميماً، فقد تحضر أحياناً بوجهها القاسي الغاضب، مثل حضور الشهاب الذي يدمر النجوم والعينين المخبأتين، أو حضور المطر الذي يغرق رأس الشجرة وشبيهتها.

هذا النزوع نحو التعالق بالطبيعة، يمنح الديوان وقصائده أبعاداً بيئية، ويجعله متصلاً بما يسمى في النظرية الأدبية المعاصرة بتيار «النسوية البيئية»، ويتأكد هذا الاتصال عبر حضور نقيض البيئة، أي بأوجه الحضارة المصنوعة من جهة، وما يحدث في العالم من نزاعات وحروب من جهة أخرى؛ إذ يأتي هذا النقد للواقع المعاصر عبر تمثيلات المدينة والشوارع والبنايات المصنوعة، بوصفها نقيضاً للبيئة البكر التي تفقد توازنها الطبيعي، تقول في قصيدة «تفاصيل»: «سماء منخفضة/ وشمس قريبة/ بشر برؤوس محنية/ يقولون نعم/ ويبتسمون./ فوق جسد المدينة/ تنتصب الأبنية أشواكاً/ وتتمدد الشوارع جروحاً في أرجائها».

هذا التمثيلات للطبيعة التي فقدت أبعادها المعتادة، هي نتاج طبيعي للمدن التي تقتل البيئة. وتبدو استعارات الأشواك والجروح للأبنية والشوارع، دالة على ابتذال الحضارة، وتلويث الطبيعة، وبينهما يتم تدمير الإنسان، الذي فقد حضوره الفاعل والفطري، وفقدت الرؤوس استقامتها وانتصابها، وصار الناس مبرمجين على الطاعة في ضيق المدن وشوارعها. كما تحضر في القصيدة نفسها صور أخرى لافتة من النقد السياسي لأوضاع العالم الراهن، «أعبئ الضوء في جيبي/ وأنثره في الليالي المعتمة/ السماء خالية من النجوم/ كلها فوق أكتاف الجنرالات»، فثمة حضور استعاري لسطوة الجنرالات وتكاثرهم وحروبهم، حتى إنهم أفرغوا السماء من نجومها، ومن طبيعيتها، لتصبح أكتافهم متخمة بها. فهذه الجملة مسكونة بكثير من الدلالات التي تشير إلى ما يشهده العالم من سطوة الجنرالات، وانتشار الحروب، التي لا تنتهك فقط الإنسان، بل البيئة والطبيعة بشكل رئيس.

في القسم الثالث، الباب الأصغر، يبدو القلب ملاذاً ومهرباً، فهو موطن الحب، حتى لو كان حباً متخيلاً، لرجل غير موجود، ومجرد توهمات أو «خيال»، حسب عنوان إحدى القصائد. لكن القلب هنا يعيد إنتاج الشوق والحنين، وكل المعاني والقيم المفتقدة، ومن ثم يبدو مكاناً ملائماً لإعادة الانطلاق منه، فالقلب يعيد صناعة الحب، والحب قادر على إعادة تشكيل الذات، وبدورها يمكنها إعادة تشكيل الحياة (الباب الأكبر، والدائرة الأكبر)، إنها حركة ارتدادية إيجابية في الاتجاه المعاكس، لإعادة ترميم العالم، لذا ليس غريباً أن تنهي الشاعرة هذا القسم الأخير بقصيدة عنوانها «انتظار»، نرى فيها حالة تأهب لكي يتطاير الحب من جديد، ويرفرف بجناحيه على العالم، معيداً له براءته الأولى.

«كالغبار فوق العتبة المهجورة

يجثو الحب بهدوء

أمام بيتي

ينتظر خطواتك

ليتطاير».


ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام
TT

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

ماري رامسدن... على سطح اللوحة يحل السلام

تصف ماري رامسدن الرسم بأنه «التفكير باليد». ذلك تعريف ينأى بالرسم بعيداً عن خيال اليد الذي هو التعبير الأنسب الذي يلخص خبرة يد الرسام الخفية التي هي الصيغة المثالية لما تسلل إلى اليد من ركام تاريخ الممارسة الفنية. تعرف اليد طريقها على سطح اللوحة من غير أن تستعين بالعين. ذلك ما يجسد خيالها. أما «التفكير باليد» فإنه محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل، فبدلاً من استخدام الرسم لتمثيل العالم، تعاملت رامسدن مع فعل الرسم وسيلة يتدبر من خلالها العقل ذاته.

مهدت الفنانة لمعرضها الشخصي السابع «شعور ما يحدث» الذي تحتضنه قاعة بيلار كورياس (بالقرب من أوكسفورد سيركوس) حتى منصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمراسلات متلاحقة عبر البريد الإلكتروني بينها وبين برايان سويم الذي يُدرّس علم الكونيات التطوري في معهد كاليفورنيا للدراسات التكاملية في سان فرانسيسكو.

في ذلك الحوار سلطا الضوء على تساؤلات جوهرية حول طبيعة الوعي، وهي تساؤلات تشكل ركيزة أساسية في الممارسة الفنية لرامسدن. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن عنوان المعرض مستوحى من كتاب لعالم الأعصاب أنطونيو داماسيو يستكشف فيه الكاتب كيف ينشأ الوعي من التفاعل المستمر بين الجسد والعقل مما يحوّل الإحساس إلى شعور بالذات. فهل يتسع التجريد لمحاولة استكشاف الوعي فعلاً؟

لا تروي رامسدن في لوحاتها شيئاً من سيرتها الذاتية، بل تسعى لترجمة حالات الانتباه المتجذرة في الجسد عبر الحدس والاستجابة. وفي وقت باتت فيه الصور تُولَّد بشكل متزايد بمعزل عن التجربة البشرية وهي واحدة من سمات عصرنا، تُبرز ممارسة رامسدن الفعل المادي للصناعة الفنية؛ إذ تظل عملية الإبداع والقرارات الجوهرية المتخذة ظاهرة للعيان، مما يتيح نافذةً لتأمل ما يظل فريداً وإنسانياً في فن الرسم. ذلك من وجهة نظري ما يمكن أن يعكر صفو المشاهدة.

الانتماء إلى عالم الأشياء

على الرغم من أن مرسم رامسدن يقع في منطقة ريفية بشمال يوركشاير، تحيط به الوديان والأنهار والأراضي المفتوحة غير أن ذلك لم ينعكس بطريقة إيجابية على أسلوبها التجريدي. لا توحي أعمالها بأي إحالة إلى المشهد الطبيعي على الرغم من أن هناك إشارات من بعض النقاد المنحازين إلى تجربتها تقود إلى فكرة قد لا تكون مؤكدة؛ ذلك لأن أولئك النقاد يؤكدون أن استكشاف الوعي يساعد في فهم الطبيعة المتكررة لذاكرة الأشكال التي تنطبع في العقل ثم تعاود الظهور على سطح اللوحة. أما ماري رامسدن فهي من جهتها لا تعول كثيراً على تلك الآراء. ما تعنى به الفنانة هو ذلك الحوار المستمر والمرن الذي تقيمه مع سطح اللوحة المستقل، مستكشفةً ماديته وتاريخه وعلاقاته المعقدة بين التشخيص والتجريد ومواقع الانضباط والتمرد فيه.

وانطلاقاً من رؤى بصرية، تجمع بين ما هو راسخ الجذور وما هو معاصر للغاية (بما في ذلك الرؤى التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة)، وتتسم طريقتها في وضع طبقات من العلامات والأصباغ وما تحمله من رواسب دفينة للزمان والمكان بطابع «أركيولوجي» (أثري) يوحي بعمليات الكشف والتنقيب. وبفضل تلاعبها الجريء بالملمس والسطح والحجم تفرض لوحات رامسدن حضورها المادي الملموس وتأبى أن تُختزل في مجرد «صورة»، بل إنها مثلنا تنتمي إلى عالم الأشياء المادية. ذلك العالم المفعم بالكثافة والعمق.

تصنع الفنانة المولودة في يوركشاير عام 1984 عالما مجاوراً للواقع، وهي في الوقت نفسه تخطط لضم ذلك العالم باعتباره خزانة أشياء أنتجتها مخيلة انفتحت على حقيقة أن في إمكان الرسم أن يستغني عن العودة إلى الطبيعة، ويكتفي بعناصر تكوينه إلى العالم المجاور. تلك فكرة ليست جديدة. سبقها إليها كاندنسكي ودي كوننغ وسي تومبلي. تدرك ماري رامسدن أنها تعمل في منطقة كان كبار التجريديين قد عملوا فيها وهو ما دفعها إلى اختراع مصطلح «التجريد الإيمائي» لتضيفه إلى سلسلة المصطلحات التي ارتبطت تاريخياً بالتجريد كالتجريد الهندسي والتجريدي التعبيري.

لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة

كان هناك حديث عن تعبيرية عفوية. وهو حديث مثّل المعرض السابق للفنانة الذي حمل عنوان «مسار الرغبة»، وأقيم عام 2024 في القاعة نفسها من خلاله محطةً فارقة في ترسيخ مكانتها رسامة ذات شخصية متميزة؛ إذ كشف عن أسلوبٍ بدا للوهلة الأولى وكأنه يضعها ضمن تقاليد «التجريد الإيمائي»، وهو أسلوب في الرسم تُشكّل فيه عملية وضع الطلاء سواء عبر التنقيط أو السكب أو الرش الحركي أو من خلال ضربات الفرشاة الكاسحة الموضوعَ الرئيس للعمل الفني.

الفرق بين فنان وآخر ممن يمارسون ذلك الأسلوب التجريدي يكمن في طريقة بناء اللوحة، وهو ما يمنح الفنانة أو الفنان طابعاً متفرداً. فبمجرد فهم آلية إنجازها، يتضح جلياً أن رامسدن تقدم نهجاً يختلف تماماً عما يطرحه فنانون آخرون يشتغلون على هذا النمط الفني.

«شعور ما يحدث» عبارة تحث المتلقي على المشاركة التفاعلية. هذه لوحات تتجاوز اللغة الجاهزة فهي تحضر بطريقة مرتجلة تمثلها لحظة التفكير عن طريق اليد أو ما تسميه الرسامة «التفكير عبر الإحساس». ذلك يعني أن ما يسبق فعل الرسم يوازي ما يقع بعده حين المشاهدة. لا يحتاج الأمر إلى بيان نظري أو ما يُسمى بالمقاربة النقدية من أجل استيعاب ما قد تفعله هذه اللوحات. لا يكفي التأمل المحايد والبارد لفهم جوهر الرؤية الفنية. ما تبثه أعمال رامسدن في روح المتلقي إنما يكمن في ذلك التوتر الذي عاشته وهي تسعى إلى الانسكاب على سطح أبيض بقوة انفعال ارتجالي. وهو ما يذكر بتجربة الأميركي جاكسون بولوك (1912 - 1956) على الرغم من اختلاف النتائج البصرية.

تجربة النظر إلى رسوم رامسدن كما عشتها هي نوع من النزهة الممتعة والمسلية والصعبة في الوقت نفسه بين تجارب فنانين سبقوها إلى خلق لغة بصرية لا تستند أشكالها إلى مشاهد واقعية يمكن العودة إليها بيسر. الغموض هو سر الشعور بما يحدث.

البحث عن لغة بصرية

ما بين «نرى لكي نرسم» و«نرسم لكي نرى» مسافة كبيرة. رامدسون ترسم لكي ترى ما رسمته. يهمها في الأساس أن تكون رسامة أكثر من أن تكون شاهدة. لا تنتمي لوحاتها إلى عالم بصري لا تثق به. يمكن النظر إلى رؤيتها الفنية في إطار التعايش بين أساليب الرسم المختلفة الذي يندرج ضمن سياق «ما بعد المفاهيمية»؛ ففي حقبة السبعينات أرست الحركة المفاهيمية مبدأ أن الوصول إلى العمل الفني يمكن أن يتم من خلال الفكرة أو من خلال مظهره البصري المتحرر من أي التزام مسبق.

لكن المدهش في هذا المعرض أن الفنانة على الرغم من أنها استرسلت نظرياً في الحديث عن حواراتها الفلسفية حول الوعي والتفاعل بين الجسد والعقل والشعور بالذات، فإنها أنجزت أعمالاً يُمكن أن تُرى بطريقة جمالية مستقلة. يمكن للمرء حين يرى أعمالها أن يقول: «هذه فنانة تتعامل مع عناصر الرسم من الداخل بشعور عال من المسؤولية التي تصدر عن خبرة عالية بالأشكال التي لا يمكن رؤيتها إلا عن طريق الرسم فهي أشكال لا نراها في الواقع».

في كل ما تقوم به رامسدن أنها تبحث عن لغتها البصرية. تزعم أن يدها كانت تفكر، غير أن تلك اليد كانت تعمل مفتونة بالمواد التي تستعملها من أجل الوصول إلى شكل يكون مريحاً على المستوى البصري. وهو ما يعني أننا عدنا إلى القاعدة الذهبية القديمة «الجمال هو ما يُريح بصرياً».

من جهتها، ترفض الفنانة أي قراءة للعمل تتجاوز الشكل ذاته؛ إذ يبدو فنها بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يجمع ببراعة ودقة بين مساحات لونية ناعمة وأشكال ضخمة تمتزج بسلاسة مع لمسات فرشاة تعبيرية وحادة ومباغتة. ومع ذلك وخلف السطح الأملس والحواف الحادة التي تُصنع بضربات فرشاة عريضة وتُعزز باستخدام القماش والورق، يمكن للمشاهد أن يلمس شعوراً بالحركة وطاقةً جامحةً تكمن بين طبقات الطلاء.

تحوّل الفنانة لوحتها التي يضربها الطلاء بقوة في أثناء التعامل مع السطح إلى ساحة معركة لقوى متضادة، قوى تضيف وتحذف، تُظهر وتُخفي، تهب وتأخذ، حيث تدير هذه العناصر وتتحكم فيها من الأعلى حتى تصل إلى حالة من التوازن، ينتهي معها الصراع.

«التفكير باليد» محاكاة لعلاقة غير متوقعة بين الرسم والعقل