غاليليو وتأويل النصوص الدينية

حينما يضطر العالم إلى الخوض في اللاهوت

غاليليو وتأويل النصوص الدينية
TT

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

يعرف الناس كثيرا عن غاليليو (1564 / 1642)، وبمجرد أن يذكر اسمه يظهر كثير من المعطيات على السطح، مثل دفاعه عن كوبيرنيكوس ومن ثم فكرة دوران الأرض، وكذلك ضربه لفكرة نقاء السماء القديمة، إذ إن مشاهدته للسماء سنة 161، بواسطة التلسكوب الذي طوره بنفسه، جعلنا نرى قمرا ليس بالجمال المعتاد، فهو مجرد وديان وتراب وتضاريس لا علاقة لها بالصفاء المزعوم قديما، إلى درجة السخرية من الشعراء الذين كانوا يشبهون الجمال بالقمر، بينما حقيقة الأمر أنه جد بشع، ولا يصلح أبدا لأن نجعل منه رمزا للجمال. أما الشمس فهي مليئة بالبقع السوداء، إضافة إلى أن خريطة النجوم التي حددها الإنسان القديم بالعين المجردة، واضعا لها جداول إحصائية، وصانعا منها بروجا كمعالم للرؤية، معتبرا نفسه أنه قد ضبطها ضبطا، لم تكن إلا زعما كاذبا.

فمنظار غاليليو سيكشف عن وجود نجوم جديدة، وهو أمر جارح آنذاك، لأن السماء بدت لا نهائية عكس الاعتقاد القديم، الذي كان ينظر إلى العالم باعتباره محدودا ومغلقا ومحاطا بالقبة السماوية. وهنا لا يجب أن ننسى أن جيوردانو برونو أعدم سنة 1600 حرقا، نظرا لترويجه فكرة لا محدودية العالم. وها هو غاليليو يقدم الأدلة الدامغة على صدق قوله. ويمكن أيضا أن نستحضر من أعماله الغزيرة اكتشافه لقوانين سقوط الأجسام، ناهيك بأن الكل قد سمع عن محاكمته ذائعة الصيت، من طرف ديوان التفتيش الكنسي. لكن القضية التي لا يتم التنبيه إليها كثيرا، والتي سنتناولها في مقالنا هذا، هو الجانب اللاهوتي في أعمال غاليليو. فالرجل وتحت ضغط الهجوم الضاري على جرأته في قلب الحقائق الفلكية، التي كانت سائدة ومعتمدة آنذاك، والمتوافقة والكتابات المقدسة، اضطر إلى الخوض في النصوص الدينية دفاعا عن نفسه من جهة، ومحاولة منه إيجاد التوافق المفقود بين التفسير القديم للنصوص والمعطيات العلمية الناشئة. فكيف ذلك؟ وما تأويلات غاليليو؟
القصة وكما هو معروف بدأت في سنة 1543، وهي السنة التي توصل فيها عالم الفلك البولوني، نيكولاس كوبيرنيكوس الكاثوليكي، وهو على فراش الموت، بنسخة من كتابه الذي تردد في نشره لمدة تناهز الثلاثين عاما. إنه كتاب «في دوران الأجرام السماوية»، الذي سيخرج إلى الوجود، بتمهيد كتبه صديقه أوسياندر، الذي سيعمل من خلاله على التخفيف من وطأة الكتاب الذي يدافع عن دوران الأرض ومركزية الشمس، وهو المنافي للكتابات المقدسة، عن طريق إبراز أن الفلك لا يبحث في الأسباب الحقيقية للطبيعة، فهذا من اختصاص الفيزياء، بل هو علم يهتم فقط بتاريخ حركة الأجرام السماوية. لهذا فهو يصنع الفرضيات الهندسية الأكثر ملاءمة، من أجل التنبؤ الجيد لمكان الأجرام في السماء. لهذا ليس المهم أن تكون هذه الفرضية أو تلك صحيحة، أي فرضية مركزية الأرض أو فرضية مركزية الشمس، بل المهم هو أن تمنح حسابات دقيقة. إذن مع هذا التصدير للكتاب الذي يناشد بأن لا نطلب من الفلك أي شيء حقيقي، ما عدا الحسابات الدقيقة، سينتشر الكتاب عند الكاثوليك، بهدوء ودون ضجة، لأنه لا يجسد الواقع، إنه مجرد رياضيات تضبط لنا التقويم ومواقع الأجرام، ومن ثم لا خوف علينا منها.
لكن الأمر لم يكن عند الحركة البروتستانتية، وهي الحركة النصية والحرفية، كما عند الكاثوليك، حيث ستهاجم هذه الحركة كوبيرنيكوس هجوما شرسا، من طرف زعيمها مارتن لوثر، بصرخة مشهورة وهي: «هذا الأحمق يريد قلب كل الفن الفلكي». فلوثر سيدين كوبيرنيكوس، بل سيسخر منه لأنه ببساطة ينزع الثقة عن الحس المشترك، أي أنه ضد الحواس لصالح بهلوانياته العقلية، ناهيك بأن هناك كثيرا من النصوص المقدسة تؤكد ثبات الأرض وحركة السماء، ومن ثم يعد كوبيرنيكوس مارقا يريد القول بعكس المقدس.
في هذا السياق بالضبط، سيأتي الحديث عن غاليليو. فهو سيؤمن بالكوبيرنيكية حتى النخاع، وسيعلن ذلك لبعض أصدقائه في 1597، لكنه سينتظر 10 سنوات أخرى كي يصدح بما لديه، فقد كان ينتظر الأدلة المقنعة، وهذا ما تأتى له عندما طور التلسكوب، ووجهه نحو السماء مكتشفا الحجج الملموسة (مثلا سيكتشف أقمارا تدور حول المشتري، وهو ما يعني أن الدوران لا يتم فقط حول الأرض...)، التي تجعل من فكرة دوران الأرض فكرة ليست فقط رياضية، بل هي فكرة صائبة فيزيائيا، وتجسد الحقيقة وليس الافتراض فقط. فراجت أفكاره، وأصبحت ذائعة عند العموم. وهذا ما جعل بعض رجال الدين يتخوفون من الأمر، لأن النصوص الدينية تقول بعكس كلام غاليليو. وهو إحراج سيضرب هيبة الكنيسة المهددة، أصلا، من طرف البروتستانتية، ما جعل البعض يتجند ضد غاليليو، إلى درجة الزج به في سؤال العلم والدين. فكيف ذلك؟
ما دام أن النظام الفلكي القديم أصبح مهددا، فقد تكتلت كل القوى المناهضة لتشكيل جبهة مقاومة، وكانت أول خطوة هي النيل من غاليليو صاحب الشعبية العالية في أي مناسبة، وذلك ما حدث فعلا. ففي سنة 1613 تمت دعوة الأب كاستيلي، صديق غاليليو، إلى حفل أقامه البلاط تحت رعاية الدوقة كريستين دو لورين، التي طرحت عليه وبإيعاز من بعض الحاسدين لغاليليو، أثناء تناول وجبة العشاء، أسئلة حول تلاؤم الكوبيرنيكية مع تعاليم الكتاب المقدس، وخصوصا ما يتعلق بحجة معجزة يشوع، حيث جاء في سفر يشوع، الإصحاح العاشر: «حينئذ قال يشوع للرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل، أمام عيون إسرائيل: (يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون)، فدامت الشمس ووقف القمر، حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر؟ فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل». يحكي هذا النص قصة يشوع، تلميذ النبي موسى، الذي طلب من الرب أن يوقف الشمس كي يتمكن من الانتصار في الحرب، فتوقفت، ما يعني أن الشمس متحركة، وهو ما يخالف نظرية كوبيرنيكوس.
عندما سمع غاليليو بقصة الحوار الذي دار بين كاستيلي والدوقة كرستين دو لورين، اضطر وعلى عجل إلى الرد على خصومة برسالة إلى كاستيلي بتاريخ 21 ديسمبر (كانون الأول) 1613، يشرح فيها وجهة نظره حول العلاقة بين العلم الناشئ والكتاب المقدس، ليقول فيها لكاستيلي:... لقد سمعت عن حضورك لدعوة الدوقة كرستين دو لورين بمعية مجموعة من الشخصيات والفلاسفة البارزين، وكيف أنه جرى سؤالك عن مدى ملاءمة الكوبيرنيكية مع بعض مقاطع الكتابات المقدسة، خصوصا معجزة يشوع. إن الحجج التي قدمتها أنت بحضرة الدوقة، جعلتني أعاود التفكير من جديد في العلاقة القائمة بين الكتابات المقدسة والفلسفة الطبيعية. إني أعرف انك قد أكدت لصاحبة الفخامة، إن الكتابات المقدسة لا تكذب أو يشوبها الزلل، فهي تجسد الحقيقة المطلقة التي لا ينبغي انتهاكها. إلا أنني أريد أن أضيف من جانبي أن الكتابات المقدسة لا يمكن أن تكون موضع زلل إلا إذا تجنب بعض الشارحين أو المفسرين الأخطاء التي يعد أخطرها والأكثر شيوعا، تلك التفسيرات الداعية إلى الوقوف على المعنى الحرفي والخالص للكلمات. فهذا لا يجرنا فقط إلى التناقضات، إنه يجرنا نحو الهرطقة بل التجديف. إذ سيصبح لله الأرجل والأيادي والعيون والأحاسيس الجسدية التي للإنسان، كالغضب والندم والحقد، ونسيان أحداث الماضي والجهل بالمستقبل، وكل هذا مجانب للصواب، وقد يحصل بسهولة في حالة التعامل مع ظاهر النص والاكتفاء بالمعاني العارية للكلمات. وإذا ما تساءلنا لماذا وجدت الكتابات على هذه الشاكلة، يقول غاليليو في رسالته: لكي تتلاءم والقدرات الضعيفة لعموم الناس، ومن جهة أخرى على علماء التفسير قراءة المعاني مجازيا والبحث عما وراء اللفظ.
لقد أكد غاليليو أن كثيرا من مقاطع الكتاب المقدس تحتاج إلى التأويل والابتعاد بها عن الظاهر نحو المعنى الخفي المحتمل. وكتطبيق نموذجي، سيتناول غاليليو، وإن بطريقة متعسفة، معجزة يشوع بالتأويل، وهي التي يحتج بها لوضع فكرة دوران الأرض في تناقض مع الدين، ليبين أن إيقاف يشوع للشمس أمر مستحيل، لأنه يتناقض ومركزية الأرض التي حددها بطليموس، لأن حركة الشمس في هذا النظام تحتاج إلى المحرك الأول. فإذا ما اتجهنا مع حرفية النصوص، وفهمنا أن يشوع قد أوقف حركة الشمس لينهي معركته، فإن هذا كان سيؤدي إلى فساد نظام الكون بأكمله، وهذا ما لم يحدث.
إن حجة غاليليو هي أقرب إلى الجدل والسفسطة منها إلى العلم، ولكنه كان مضطرا إلى فعل ذلك. فالكتابة في زمن الرقابة الدينية تزج بالعالم نحو التحايل والتوفيق والتلفيق ولو على حساب الصرامة والدقة العلمية. من كل هذا، كان غاليليو يريد التلميح إلى أن الكتاب المقدس يتناول الأمور العلمية بسطحية، لأن مهمته ليست تقديم معطيات علمية، بل مهمته تتعلق بالروح، وهو مروج العبارة الشهيرة: «الكتاب المقدس يعلمنا كيف نذهب إلى السماء وليس كيف هي السماء».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.