غاليليو وتأويل النصوص الدينية

حينما يضطر العالم إلى الخوض في اللاهوت

غاليليو وتأويل النصوص الدينية
TT

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

غاليليو وتأويل النصوص الدينية

يعرف الناس كثيرا عن غاليليو (1564 / 1642)، وبمجرد أن يذكر اسمه يظهر كثير من المعطيات على السطح، مثل دفاعه عن كوبيرنيكوس ومن ثم فكرة دوران الأرض، وكذلك ضربه لفكرة نقاء السماء القديمة، إذ إن مشاهدته للسماء سنة 161، بواسطة التلسكوب الذي طوره بنفسه، جعلنا نرى قمرا ليس بالجمال المعتاد، فهو مجرد وديان وتراب وتضاريس لا علاقة لها بالصفاء المزعوم قديما، إلى درجة السخرية من الشعراء الذين كانوا يشبهون الجمال بالقمر، بينما حقيقة الأمر أنه جد بشع، ولا يصلح أبدا لأن نجعل منه رمزا للجمال. أما الشمس فهي مليئة بالبقع السوداء، إضافة إلى أن خريطة النجوم التي حددها الإنسان القديم بالعين المجردة، واضعا لها جداول إحصائية، وصانعا منها بروجا كمعالم للرؤية، معتبرا نفسه أنه قد ضبطها ضبطا، لم تكن إلا زعما كاذبا.

فمنظار غاليليو سيكشف عن وجود نجوم جديدة، وهو أمر جارح آنذاك، لأن السماء بدت لا نهائية عكس الاعتقاد القديم، الذي كان ينظر إلى العالم باعتباره محدودا ومغلقا ومحاطا بالقبة السماوية. وهنا لا يجب أن ننسى أن جيوردانو برونو أعدم سنة 1600 حرقا، نظرا لترويجه فكرة لا محدودية العالم. وها هو غاليليو يقدم الأدلة الدامغة على صدق قوله. ويمكن أيضا أن نستحضر من أعماله الغزيرة اكتشافه لقوانين سقوط الأجسام، ناهيك بأن الكل قد سمع عن محاكمته ذائعة الصيت، من طرف ديوان التفتيش الكنسي. لكن القضية التي لا يتم التنبيه إليها كثيرا، والتي سنتناولها في مقالنا هذا، هو الجانب اللاهوتي في أعمال غاليليو. فالرجل وتحت ضغط الهجوم الضاري على جرأته في قلب الحقائق الفلكية، التي كانت سائدة ومعتمدة آنذاك، والمتوافقة والكتابات المقدسة، اضطر إلى الخوض في النصوص الدينية دفاعا عن نفسه من جهة، ومحاولة منه إيجاد التوافق المفقود بين التفسير القديم للنصوص والمعطيات العلمية الناشئة. فكيف ذلك؟ وما تأويلات غاليليو؟
القصة وكما هو معروف بدأت في سنة 1543، وهي السنة التي توصل فيها عالم الفلك البولوني، نيكولاس كوبيرنيكوس الكاثوليكي، وهو على فراش الموت، بنسخة من كتابه الذي تردد في نشره لمدة تناهز الثلاثين عاما. إنه كتاب «في دوران الأجرام السماوية»، الذي سيخرج إلى الوجود، بتمهيد كتبه صديقه أوسياندر، الذي سيعمل من خلاله على التخفيف من وطأة الكتاب الذي يدافع عن دوران الأرض ومركزية الشمس، وهو المنافي للكتابات المقدسة، عن طريق إبراز أن الفلك لا يبحث في الأسباب الحقيقية للطبيعة، فهذا من اختصاص الفيزياء، بل هو علم يهتم فقط بتاريخ حركة الأجرام السماوية. لهذا فهو يصنع الفرضيات الهندسية الأكثر ملاءمة، من أجل التنبؤ الجيد لمكان الأجرام في السماء. لهذا ليس المهم أن تكون هذه الفرضية أو تلك صحيحة، أي فرضية مركزية الأرض أو فرضية مركزية الشمس، بل المهم هو أن تمنح حسابات دقيقة. إذن مع هذا التصدير للكتاب الذي يناشد بأن لا نطلب من الفلك أي شيء حقيقي، ما عدا الحسابات الدقيقة، سينتشر الكتاب عند الكاثوليك، بهدوء ودون ضجة، لأنه لا يجسد الواقع، إنه مجرد رياضيات تضبط لنا التقويم ومواقع الأجرام، ومن ثم لا خوف علينا منها.
لكن الأمر لم يكن عند الحركة البروتستانتية، وهي الحركة النصية والحرفية، كما عند الكاثوليك، حيث ستهاجم هذه الحركة كوبيرنيكوس هجوما شرسا، من طرف زعيمها مارتن لوثر، بصرخة مشهورة وهي: «هذا الأحمق يريد قلب كل الفن الفلكي». فلوثر سيدين كوبيرنيكوس، بل سيسخر منه لأنه ببساطة ينزع الثقة عن الحس المشترك، أي أنه ضد الحواس لصالح بهلوانياته العقلية، ناهيك بأن هناك كثيرا من النصوص المقدسة تؤكد ثبات الأرض وحركة السماء، ومن ثم يعد كوبيرنيكوس مارقا يريد القول بعكس المقدس.
في هذا السياق بالضبط، سيأتي الحديث عن غاليليو. فهو سيؤمن بالكوبيرنيكية حتى النخاع، وسيعلن ذلك لبعض أصدقائه في 1597، لكنه سينتظر 10 سنوات أخرى كي يصدح بما لديه، فقد كان ينتظر الأدلة المقنعة، وهذا ما تأتى له عندما طور التلسكوب، ووجهه نحو السماء مكتشفا الحجج الملموسة (مثلا سيكتشف أقمارا تدور حول المشتري، وهو ما يعني أن الدوران لا يتم فقط حول الأرض...)، التي تجعل من فكرة دوران الأرض فكرة ليست فقط رياضية، بل هي فكرة صائبة فيزيائيا، وتجسد الحقيقة وليس الافتراض فقط. فراجت أفكاره، وأصبحت ذائعة عند العموم. وهذا ما جعل بعض رجال الدين يتخوفون من الأمر، لأن النصوص الدينية تقول بعكس كلام غاليليو. وهو إحراج سيضرب هيبة الكنيسة المهددة، أصلا، من طرف البروتستانتية، ما جعل البعض يتجند ضد غاليليو، إلى درجة الزج به في سؤال العلم والدين. فكيف ذلك؟
ما دام أن النظام الفلكي القديم أصبح مهددا، فقد تكتلت كل القوى المناهضة لتشكيل جبهة مقاومة، وكانت أول خطوة هي النيل من غاليليو صاحب الشعبية العالية في أي مناسبة، وذلك ما حدث فعلا. ففي سنة 1613 تمت دعوة الأب كاستيلي، صديق غاليليو، إلى حفل أقامه البلاط تحت رعاية الدوقة كريستين دو لورين، التي طرحت عليه وبإيعاز من بعض الحاسدين لغاليليو، أثناء تناول وجبة العشاء، أسئلة حول تلاؤم الكوبيرنيكية مع تعاليم الكتاب المقدس، وخصوصا ما يتعلق بحجة معجزة يشوع، حيث جاء في سفر يشوع، الإصحاح العاشر: «حينئذ قال يشوع للرب يوم أسلم الرب الأموريين أمام بني إسرائيل، أمام عيون إسرائيل: (يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر على وادي أيلون)، فدامت الشمس ووقف القمر، حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر؟ فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل». يحكي هذا النص قصة يشوع، تلميذ النبي موسى، الذي طلب من الرب أن يوقف الشمس كي يتمكن من الانتصار في الحرب، فتوقفت، ما يعني أن الشمس متحركة، وهو ما يخالف نظرية كوبيرنيكوس.
عندما سمع غاليليو بقصة الحوار الذي دار بين كاستيلي والدوقة كرستين دو لورين، اضطر وعلى عجل إلى الرد على خصومة برسالة إلى كاستيلي بتاريخ 21 ديسمبر (كانون الأول) 1613، يشرح فيها وجهة نظره حول العلاقة بين العلم الناشئ والكتاب المقدس، ليقول فيها لكاستيلي:... لقد سمعت عن حضورك لدعوة الدوقة كرستين دو لورين بمعية مجموعة من الشخصيات والفلاسفة البارزين، وكيف أنه جرى سؤالك عن مدى ملاءمة الكوبيرنيكية مع بعض مقاطع الكتابات المقدسة، خصوصا معجزة يشوع. إن الحجج التي قدمتها أنت بحضرة الدوقة، جعلتني أعاود التفكير من جديد في العلاقة القائمة بين الكتابات المقدسة والفلسفة الطبيعية. إني أعرف انك قد أكدت لصاحبة الفخامة، إن الكتابات المقدسة لا تكذب أو يشوبها الزلل، فهي تجسد الحقيقة المطلقة التي لا ينبغي انتهاكها. إلا أنني أريد أن أضيف من جانبي أن الكتابات المقدسة لا يمكن أن تكون موضع زلل إلا إذا تجنب بعض الشارحين أو المفسرين الأخطاء التي يعد أخطرها والأكثر شيوعا، تلك التفسيرات الداعية إلى الوقوف على المعنى الحرفي والخالص للكلمات. فهذا لا يجرنا فقط إلى التناقضات، إنه يجرنا نحو الهرطقة بل التجديف. إذ سيصبح لله الأرجل والأيادي والعيون والأحاسيس الجسدية التي للإنسان، كالغضب والندم والحقد، ونسيان أحداث الماضي والجهل بالمستقبل، وكل هذا مجانب للصواب، وقد يحصل بسهولة في حالة التعامل مع ظاهر النص والاكتفاء بالمعاني العارية للكلمات. وإذا ما تساءلنا لماذا وجدت الكتابات على هذه الشاكلة، يقول غاليليو في رسالته: لكي تتلاءم والقدرات الضعيفة لعموم الناس، ومن جهة أخرى على علماء التفسير قراءة المعاني مجازيا والبحث عما وراء اللفظ.
لقد أكد غاليليو أن كثيرا من مقاطع الكتاب المقدس تحتاج إلى التأويل والابتعاد بها عن الظاهر نحو المعنى الخفي المحتمل. وكتطبيق نموذجي، سيتناول غاليليو، وإن بطريقة متعسفة، معجزة يشوع بالتأويل، وهي التي يحتج بها لوضع فكرة دوران الأرض في تناقض مع الدين، ليبين أن إيقاف يشوع للشمس أمر مستحيل، لأنه يتناقض ومركزية الأرض التي حددها بطليموس، لأن حركة الشمس في هذا النظام تحتاج إلى المحرك الأول. فإذا ما اتجهنا مع حرفية النصوص، وفهمنا أن يشوع قد أوقف حركة الشمس لينهي معركته، فإن هذا كان سيؤدي إلى فساد نظام الكون بأكمله، وهذا ما لم يحدث.
إن حجة غاليليو هي أقرب إلى الجدل والسفسطة منها إلى العلم، ولكنه كان مضطرا إلى فعل ذلك. فالكتابة في زمن الرقابة الدينية تزج بالعالم نحو التحايل والتوفيق والتلفيق ولو على حساب الصرامة والدقة العلمية. من كل هذا، كان غاليليو يريد التلميح إلى أن الكتاب المقدس يتناول الأمور العلمية بسطحية، لأن مهمته ليست تقديم معطيات علمية، بل مهمته تتعلق بالروح، وهو مروج العبارة الشهيرة: «الكتاب المقدس يعلمنا كيف نذهب إلى السماء وليس كيف هي السماء».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».